مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

قصة الخلق والسقوط- قراءات في القرآن

Posted by mechristian في أغسطس 5, 2008

قصة الخلق والسقوط

قراءات في القرآن

Newman

الأخوة الاحباء والقراء ، ليس قصدي استفزاز احد بطرح هذه الموضوعات ، ولكن الا يحق لنا نحن ايضا ان نعرض عليكم بعض الاستفسارات والتساؤلات التي تخطر على بالنا عند قراءة القرآن ؟

مرة اخرى اكرر ، ليس غرضي التفسير ولا غرضي اثارة الاخوة ، وانما القي بعض التساؤلات ، آملا ان نلقى عليها ردا واجابة شافية .

*************************


أولا : قصة الخلق في القرآن

تبدأ قصة الخلق في القرآن بأعلان الله لملائكته انه ينتوي أن يجعل في الأرض خليفة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) ( البقرة : 30 – 33)

واليكم هذه الخواطر والتساؤلات حول هذه الآيات

(1) بداية في قوله ( جاعل في الارض خليفة ) نواجه ثلاثة تساؤلات أو أفكار :

الفكرة الاولى :

كيف يقول الله انه جاعل في الأرض خليفة في حين انه خلقه في الجنة بحسب التفسيرات الاسلامية ( مستدلين على ذلك بقوله اهبطوا مرتين ( البقرة 36 و 38) ، فقالوا أنه أراد بالاولى هبوطه من جنته الى السماء الدنيا ، وبالثانية هبوطه الى الأرض، فلا شك اذا في أنهم يعتقدون أن جنة آدم كانت في السماء لا على الأرض – وعموما سوف نناقش ذلك بالتفصيل في قصة السقوط )

الفكرة الثانية : اذا كان الله خلق آدم ليكون على خليفة على الأرض ، وأن الجنة كانت على الارض وليست في السماء ، فلماذا طرده الله منها بعد السقوط ، أليس هذا معناه انه طرده من الجنة ومن كونه “خليفة” على الارض ، فالانسان بعد السقوط اصبح في عداوة مع اخيه الانسان ( انظر الى اول جيل في الاخوة ابناء آدم ) والانسان اصبح في عداوة مع المخلوقات الاخرى ، فاصبحنا نعرف حيوانات اسمها ( مفترسة ) لم تكن تستطيع ان ( تفترس ) خليفة الله في الارض قبل السقوط .

الفكرة الثالثة : ويقول تفسير الجلالين (وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد إذْ ” قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة” يَخْلُفنِي فِي تَنْفِيذ أَحْكَامِي فِيهَا) فاذا كان القصد ان الله جعل آدم خليفة في الارض بعد السقوط ، فكيف يجعل الله عاصيا في تنفيذ احكام الله خليفة له في تنفيذ احكام الله ؟

(2) يذكر القرآن ما يثبت اعتراض الملائكة على حكمة ربهم في خلق آدم واستخلافه واحتجوا عليه بأن هذا الخليفة سيفسد في الارض ويسفك الدماء ، وهنا ايضا نواجه فكرتان :

الفكرة الاولى : اذا كانت الملائكة صادقين في حجتهم ، فانه ينسب اليهم سبق العلم والقدرة على التنبأ من ذواتهم بدون اعطاء الله النبؤه لهم ، فلا وجه لرد اعتراضهم بقوله ( إني أعلم ما لا تعلمون) لانه ثبت فعلا ان الخليفة افسد في الارض وسفك فيها الدماء ، وبداية هذا كان في الجيل الثاني مباشرة ، اذ قتل قابيل اخوه هابيل وسفك دمائه.

الفكرة الثانية : اذا كانت الملائكة مخطئة في اعتراضها ، فأن القرآن ينسب لهم الأفتراء والكذب والغيبة وهذا مناف لما خصهم به من العصمة .

(3) قوله وعلّم آدم الاسماء فعرفها ، واخفاء الله هذا العلم عن الملائكة ثم سؤالهم عن الاسماء ، فكانت اجابتهم منطقية ( سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا ) ، ولكن نجد ان الله يتباهي بعلم آدم على الملائكة ، وهذا يتنافي مع كون الله ( العليم الحكيم )، اذ كيف يعلم آدم ولا يعلم الملائكة ، ثم يتفاخر أمام الملائكة بعلم آدم وجهلهم واثبات حجته على حجتهم ، فانهم ما جهلوا تلك الاسماء الا لانه اخفاها عنهم ، وما عرفها آدم الا لأنه علّلمه اياها ، فأي وجه للمفاخرة والمباهاة بعلم آدم ، وما وجه تقصير الملائكة في جهل الاسماء وقد طويت عنهم .

(4) الحاصل من هذا الكلام على قدر ما يمكن تحصيله ان الله حاول بقضية معرفة الاسماء أن يدحض دعوى الملائكة بعلمهم السابق أن آدم سيفسد في الأرض ويسفك الدماء ، الا أن ما حجهم به من ذلك ليس بحجة لان معرفة آدم للاسماء كانت بعلم الله وهي لا تبطل ما اقترفه الخليفة في الارض من الفساد وسفك الدماء ، وقوله ( اني اعلم ما لاتعلمون ) ان كان قصده تبرئة ساحة خليفته مما رموه به فقد اثبت عليه م جريمة البهتان والغيبة مع أنه يأمرنا أن نعتقد بعصمتهم ، وان كان اراد به انه لا جناح على من يفسد في الارض ويسفك الدماء فلم ينهي عنه ويعاقب من يفعله الا ان يقال انه قد خفي عليه ان آدم وذريته سيكون اشرارا مفسدين ولم يخف ذلك على الملائكة

———————————–

ثانيا : قصة السقوط في القرآن

من سورة البقرة :

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

(البقرة 34 – 38)

ثم يحكي القرآن القصة بصورة مختلفة وبتفصيل في سورة الاعراف :

( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ )( الاعراف 11 – 25)

ثم يحكي القصة مرة ثالثة بصورة مختلفة ايضا في سورة طه 😦 فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى * قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)

( طه 120 – 123)

نأتي الى قصة المعصية و سقوط آدم ، وتثار هذه التساؤلات .

(1) اذا كان القرآن هو وحي باملاء الله ، فلماذا جاءت الاملاءات مختلفة في كل مرة ؟

(2) القصة في سورة البقرة تذكر سبب سقوط ابليس وهو انه استكبر ورفض الانصياع الى امر الله بالسجود الى آدم ، وبالرغم من اننا لا نفهم ما هو الخطأ في عدم سجود ابليس لغير الله ، الا اننا نتسائل مرة اخرى عند قراءة سورة الاعراف ، فهي تصور تساهل الله مع الشيطان ، نقرأ أن الله أمر بطرد الشيطان من الجنة عند عصيان أمر السجود (اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ) الا انه عندما استأذن الشيطان في ان يبقيه الله حتى يوم يبعثون ، اذن الله له بذلك ( انك من المنظرين) ، ولكن اساء الشيطان الادب في إجابة الله بعدها مما استدعى الله ان يأمر بطرده من الجنة ( اخرج منها مذءوما مدحورا) .

(3) نجد الشيطان مرة اخرى متواجدا في الجنة يحاور آدم وحواء ، فكيف دخل الشيطان الى الجنة مرة اخرى ، وكيف تحايل على أمر الله بالطرد والخروج منها ، وكيف تسلل الى الجنة ، لا نعلم ولا تفسير لهذا في القرآن ، اللهم الا تفسيرات المسلمين الذين رجعوا الى رواية التوراة .

(4) عند عصيان آدم نجد ان الله أمر بطرده من الجنة مع الشيطان ( أهبطوا بعضكم لبعض عدو ) ، وبالرغم من أن الاخوة المسلمين يحاولون ان يشرحوا لنا أن الله غفر لآدم بقوله ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم ) الا اننا لا نستطيع ان نفهم كيف غفر الله له ومع ذلك أصّر على طرده مع الشيطان ، فاذا كان نزول آدم الى الارض هو تكريما له ليكون خليفة عليها ( كما يقولون) ، فلماذا تم الامر بهبوط آدم وحواء والشيطان ( أهبطوا) ، فهل الشيطان أيضا مكلف بالخلافة على الارض ؟؟ .

(5) ما نفهمه من القرآن ان الله ( تاب) عليه اي بالطرد من الجنة ، وكلنا ندرك ان التوبة شيء والغفران شيء آخر ، فأبسط الامثلة تقول انه اذا كان هناك سارق وتم القبض عليه ، فتوبته شيء وغفران الحكومة واسقاط العقوبة شيء آخر ، التوبة هي التوقف عن فعل المعصية ، والغفران هو اسقاط العقوبة والغائها . ( وسوف اناقش هذه الجزئية بأكثر تفصيل ) ، ولكن نكتفي هنا بالقول أن ما نراه في القرآن ان العقوبة بالطرد من الجنة تمت على آدم وحواء كما تمت على الشيطان ( أهبطوا) . إذاً لم يغفر له الله

(6) بحسب قصة القرآن فان آدم كان موجود في جنة في السماء وليست على الارض :

يقول الجلالين (وَقُلْنَا اهْبِطُوا” إلَى الْأَرْض)

وعلى ما ذكره القرطبي في تفسيره (البقرة 38) (وَقِيلَ : الْهُبُوط الْأَوَّل مِنْ الْجَنَّة إِلَى السَّمَاء وَالثَّانِي مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَعَلَى هَذَا يَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء السَّابِعَة كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْإِسْرَاء عَلَى مَا يَأْتِيكَرَّرَ الْأَمْر عَلَى جِهَة التَّغْلِيظ وَتَأْكِيده , كَمَا تَقُول لِرَجُلٍ : قُمْ قُمْ . وَقِيلَ : كَرَّرَ الْأَمْر لَمَّا عَلَّقَ بِكُلِّ أَمْر مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْر حُكْم الْآخَر فَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ الْعَدَاوَة وَبِالثَّانِي إِتْيَان الْهُدَى . وَقِيلَ : الْهُبُوط الْأَوَّل مِنْ الْجَنَّة إِلَى السَّمَاء وَالثَّانِي مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَعَلَى هَذَا يَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء السَّابِعَة كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْإِسْرَاء عَلَى مَا يَأْتِي”

وعلى هذا فوجودنا على الارض اكبر دليل اننا مطرودين من الجنة ولم نعد اليها ، اذا فلم يحدث ان غفر الله لآدم بحسب القرآن بل قد تم الطرد بوعد أن يعود الى الجنة من يتبع هدى الله

(7) اذا كان آدم قد تم طرده من الجنة ( سواء في السماء أو على الارض ) وكما رأينا كان هذا الطرد هو العقوبة على عصيانه ، فلماذا لا يعود بنا الله الى الجنة نحن الذين لم نكن مع آدم وليس لنا أي ذنب في عصيانه ؟؟ ،

يقول الجلالين (“وَقُلْنَا اهْبِطُوا” إلَى الْأَرْض أَيْ أَنْتُمَا بِمَا اشْتَمَلْتُمَا عَلَيْهِ مِنْ ذُرِّيَّتكُمَا “بَعْضكُمْ” بَعْض الذُّرِّيَّة “لِبَعْضٍ عَدُوّ” مِنْ ظُلْم بَعْضكُمْ بَعْضًا)

فاذا كان هذا هو التفسير ، فلماذا يحتج المسلمون على التفسير المسيحي أن الجميع أخطأ في آدم بالعصيان ؟

نحن لا نقول بوراثة الخطية الاولى ، ولكن نقول اننا ولدنا بهذه الطبيعة الخاطئة التي تأبى طاعة الله ، وترغب دائما في المعصية والاكل من الشجرة المحرمة ( او بمعنى آخر ) لدينا الطبيعة التي تقول أن كل ممنوع مرغوب .

(8) يقول ابن كثير في تفسيره ( لآية الاعراف 24) قِيلَ الْمُرَاد بِالْخِطَابِ فِي” اِهْبِطُوا ” آدَم وَحَوَّاء وَإِبْلِيس وَالْحَيَّة وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُر الْحَيَّة وَاَللَّه أَعْلَم .

وهنا تواجهنا مرة اخرى ثلاث أفكار :

الفكرة الاولى : اذا كان الطرد لآدم وحواء ونسلهما ، فيكون الشيطان غير معني بالطرد ، ويكون له البقاء في الجنة وطرد آدم وحواء فقط ، فاذا الطرد هو عقوبة وليس تكريم ولا تشريف ولا تكليف بالعمل في الارض واعمارها كما يقولون

الفكرة الثانية : اذا كان امر الطرد لآدم وحواء والشيطان ، فهذا دليل على ان الطرد ليس تشريف ولا تكليف باعمار الارض كما يقولون ، ويبقى التساؤل ، حيث ان هذا الطرد هو عقوبة ، فلماذا نحن ايضا مطرودون من الجنة ؟؟

وما علاقتنا نحن بالامر حتى يكون الامر بالطرد من الجنة يشملنا نحن ذرية ونسل آدم ؟

الفكرة الثالثة : اذا كان أمر الطرد لآدم وحواء وما اشتملا عليه من الذرية والشيطان ، فما هو احتجاج المسلمين اذا قلنا اننا كلنا كنا في صلب آدم حينما عصى ، وقد ولدنا جميعا خارج الجنة .

—————————————

ثالثا : هل غفر الله لآدم بحسب رواية القرآن ؟

(1) يقول القرآن عن الله (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ) (غافر : 3)

ومن الواضح ان هذه ليست ثلاث مراحل فكيف يكون غافر الذنب مرحلة يليها قبول التوب مرحلة ثانية ثم شديد العقاب مرحلة ثالثة ؟؟ من الواضح انهم ثلاث مواقف مختلفة ليس لها علاقة بعضها البعض ، ونفهم منها ان القرآن يفهم الفرق بين ( الغفران والتوبة والعقوبة).

(2) هناك فرق بين التوبة والغفران

التوبة : هي توقف العاصي او الخاطيء عن فعل الخطية ، والبدء في عمل الصالحات واطاعة الوصية ، بمعنى انه انسان كان يسير في اتجاه خاطيء ، ثم توقف واستدار وتحول الى السير في الاتجاه الصحيح والمضاد لما كان يسير فيه .

الغفران : هو سقوط العقوبة ، والغاء الجزاء الواقع على الخاطيء او العاصي او المجرم .

مثال :نفترض معا مدير يعمل في شركة ما ، ثم اكتشفوا انه مختلس ولص وسارق هناك عدة حالات لاستكمال القصة :

الاول: قبل اكتشاف السرقات ( التوبة ) : وهي ان يفيق ضميره ويصحو من تلقاء نفسه ، وقبل اكتشاف الجريمة ، فيعلن توقفه عن السرقة ، ثم يعلن انه سوف يقوم برد ما سرقه ، ثم يعترف للجهات المعنية بانه كان يسرق .

الثاني : ان يتم اكتشاف السرقات قبل توقفه عن الفعل (اعفاءه من منصبه او تتويبه ) : وهي انه يتم اكتشاف اختلاساته وسرقاته ، فيعلن توبته لافتضاح امره ، فتقوم الشركة باعفاءه من مناصبه ، والغاء كل الصلاحيات التي كانت له في الوصول الى الاموال ، ( ويمكن ان نسمي هذه الحالة ان الحكومة تابت عليه غصبا عنه ) ثم يتم تقديمه للمحاكمة .)

الثالث : الغفران : وهو الحق المدني لاصحاب المال في التنازل عن القضية وعدم توجيه تهمة اليه ، او المطالبة بتوقيع العقوبة عليه بالحبس والغرامة ورد المسروقات أو التغاضي عنها بحسب ما يراه مالك المال .

اظن ان هذا مثال واضح جدا ، تعال نطبقه على حالة آدم ونرى

(1) كان آدم في الجنة ومعه تحذيرا صريحا من الله ان

لا يأمن للشيطان فهو عدو

الا يأكل من الشجرة فيصبح من الظالمين ،

(2) لم يتب آدم من نفسه وذهب الى الله معترفا بانه عصى الامر بالاكل من الشجرة ، الله هو الذي قام بمواجهة آدم بعصيانه لاوامره ، وبذلك استحق العقوبة .

(3) العقوبة هنا هي تجريد آدم من صلاحياته ( خليفة الله على الارض ) طرده من الجنه لكي يعيش في الارض يأكل من غرق جبينه بالتعب والكدح ، ( بعد ان كان متنعما بكل انواع المأكولات من الجنة )

(4) طلب آدم من الله ان يغفر له اي اسقاط العقوبة ( قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )

(5) من الواضح ان الله ( تاب عليه ) اي انه جعل آدم لا يستطيع ان يكرر الخطأ مرة أخرى ، فطرده من الجنة ( حيث الشجرة المحرمة ).

(6) تم تنفيذ العقوبة على آدم بالطرد من الجنة ( فكان من الخاسرين ) ولا اظن ان هناك خسارة تقاس بخسارة آدم لما كان عليه في الجنة من مكانة وتنعم ورفاهية .

(7) عقوبة الطرد التي اخذها آدم ( وحواء ) هي متساوية تماما مع عقوبة الطرد الذي اخذها (الشيطان ) ، ومساواة العقوبة هنا لا يمكن تفسيرها بان الحاكم غير عادل او انه ظالم لان الحاكم في هذه الحالة هو الله ( سبحانه وحاشاه ان يكون غير عادل او ظالم .)

(8) عقوبة الطرد ليست فقط متساوية بل هي عقوبة واحدة غير منفصلة او متجزئة الى عقوبتين واحدة خاصة بآدم والاخرى خاصة بالشيطان ، العقوبة واحدة

( قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ )( الاعراف )

وايضا ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا )(البقرة).

(9) الآية القرآنية تقول ( تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم )

ما هي الكلمات ؟؟

هل هي كلمات غفران ، أم هي كلمات تأنيب ؟

أم هي كلمات انتظار حدث ما لكي يتم الغفران والكفارة ؟

ليس هناك اي توضيح قرآني ، ولكن تبقى الآية القرآنية المبهمة ليس فيها نص صريح عن الغفران أو اسقاط العقوبة ، كل ما نقرأه فقط هو عن التوبة .

(10) البعض يحاول التهوين من شأن معصية آدم فيقولون انه أكل ناسيا ( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)(طه : 115)

ولكن القرآن لا يجد ان النسيان عذرا ، بل خطية يعاقب عليها فيقول والنسيان خطية كبيرة ايضا اذا لم تكن تعرف ، يقول عنها القرآن ( ” نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ ” .) ( التَّوْبَة 67 ) ويقول المفسرون في هذا ، الجلالين :

“ولقد عهدنا إلى آدم” وصيناه أن لا يأكل من الشجرة “من قبل” أي قبل أكله منها “فنسي” ترك عهدنا “ولم نجد له عزما” حزما وصبرا عما نهيناه عنه

والطبري :

القول في تأويل قوله تعالى : { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي } . يقول تعالى ذكره : وإن يضيع يا محمد هؤلاء الذين نصرف لهم في هذا القرآن من الوعيد عهدي , ويخالفوا أمري , ويتركوا طاعتي , ويتبعوا أمر عدوهم إبليس , ويطيعوه في خلاف أمري , فقديما ما فعل ذلك أبوهم آدم { ولقد عهدنا إليه } يقول : ولقد وصينا آدم وقلنا له : { إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة } 20 117 فوسوس إليه الشيطان فأطاعه , وخالف أمري , فحل به من عقوبتي ما حل . وعني جل ثناؤه بقوله : { من قبل } هؤلاء الذين أخبر أنه صرف لهم الوعيد في هذا القرآن ; وقوله : { فنسي } يقول : فترك عهدي ثم يتابع قوله ، عن ابن وهب …..فنسي ما عهد إليه في ذلك , قال : وهذا عهد الله إليه , قال : ولو كان له عزم ما أطاع عدوه الذي حسده , وأبي أن يسجد له مع من سجد له إبليس , وعصى الله الذي كرمه وشرفه , وأمر ملائكته فسجدوا له ويقول القرطبي في تفسيره :

وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ألا يعجل بالقرآن , مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي فعوقب ; ليكون أشد في التحذير , وأبلغ في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم ; والعهد هاهنا في معنى الوصية ; ” ونسي ” معناه ترك ; ونسيان الذهول لا يمكن هنا ; لأنه لا يتعلق بالناسي عقاب . والعزم المضي على المعتقد في أي شيء كان ; وآدم عليه السلام قد كان يعتقد ألا يأكل من الشجرة لكن لما وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده . والشيء الذي عهد إلى آدم هو ألا يأكل من الشجرة , وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو له .

خلاصة التفاسير : آدم اخطأ بعد ان اخذ تحذيرا من الله ان لا يطيع الشيطان ، فعصى ربه واطاع الشيطان ، والنسيان هنا ليس نسيان الذهول ، لان ( نسيان الذهول لا يتعلق به عقوبة ) ولكن من الواضح ان الله عاقب آدم بالطرد من الجنة .

العقوبة بالطرد من الجنة كانت لآدم وحواء والشيطان ، وهذا معناه ان الخطية متساوية عند الله لان العقوبة متساوية ، والا فانت تقول عن الله انه ظالم ولا يحسن تقدير العقوبة بقدر الخطأ !!!

كان آدم مخلوقا ليكون خليفة الله في الارض ( هذا قبل العصيان والطرد )

وبالتالي فقد آدم مكانته كخليفة ، وقد رأينا صورة العداوة بين نسل آدم بعضهم البعض ، والعداوة بين الانسان وباقي المخلوقات ، ( تنفيذا لعقوبة الله : اهبطوا بعضكم لبعض عدو ) ، فبدأت الحيوانات تحاول افتراسه واكله ، فهي لم تميز فيه ( خليفة الله على الارض ) ،

وقول آدم وحواء (قالا ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) ، لهو اكبر دليل واثبات ان الله لم يغفر لآدم ، حيث ان آدم بالفعل اصبح من الخاسرين لمقامه ومكانته في الجنة ، وتم طرده مع الشيطان ، واذا لم يكن آدم بالفعل خسر الجنة ، وخسر المكانة التي كان بها ، فهل هناك خسارة بعد تلك الخسارة ؟؟

(11) ما قرأناه وفهمناه من قصة القرآن ان آدم اخطأ وعصي الله مثلما اخطأ الشيطان وعصا الله ، والاثنان اخذا عقوبة بالطرد ، بل هي نفس العقوبة في مقولة واحدة ( اهبطوا منها جميعا ) ، بل على العكس ، عندما طلب الشيطان المسامحة من الله وان يمهله في الجنة وافق عليها الله اولا ، وبنصح صريح قال له ( انك لمن المنظرين ) وبفعل صريح استبق الشيطان في الجنة ، فاذا كان الله غفر لآدم كما تقولون ، اين النص الواضح والصريح الذي يقول ان الله غفر له ؟؟

فنحن لا نستطيع ان نفهم لا نصا ولا فعلا أن الله غفر لآدم ، لانه لو كان فعل لاعاده الى الجنة مرة اخرى ، وقد اتفقنا انها على الارض وليست في السماء ، فلماذا اخرجه وطرده منها ، وتم تجريده من صلاحياته كخليفة الله على الارض ، الا اذا كان هذا عقوبة لم يتم غفرانها وفي انتظار ان يحدث شيئا ما لكي يتم الغفران وعودته الى الجنة مرة اخرى ؟

(12) اذا كان الله العادل القدوس الرحمن يغفر بكلمة ، بدون ذبيحة كفارة ، فقد تناقضت صفات الله ، وجعلتنا نتسائل ، لماذا لم يغفر لآدم ويعود به الى الجنة ؟؟

لماذا يضع تشريعا يطلب من الانسان ان يقدم كفارة لتحلة القسم الانساني ، فكيف يناقض هو نفسه (حاشاه تعالى عن هذا ) بكسر قسمه بدون كفارة وتحلة قسم ؟؟

اذا كان الله يستطيع ان ينقذ من حكم الموت بكلمة ، فلماذا لم يطلق ابن ابراهيم بكلمة بل اعطى ذبيحة فداء من السماء لكي تموت عوضا عن المحكوم عليه بالموت ؟؟ولماذا لم يطلب الله من ابراهيم ان يقدم ذبيحة من ممتلكاته ، واعطاه ذبيحة من السماء ؟؟

كل هذه التساؤلات لا نجد لها اجابة واضحة في قصة الخلق والسقوط بحسب القرآن ، ولكن نجد لها كل الاجابات الواضحة والشافية في قصة الخلق والسقوط بحسب الكتاب المقدس ، وهذا موضوع آخر

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: