مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

هل الخمر نجس أو حرام بحسب الايمان اليهودي المسيحي ؟

Posted by mechristian في يناير 28, 2013

هل الخمر نجس أو حرام بحسب الايمان اليهودي المسيحي ؟

clip_image002

بقلم ابراهيم القبطي

 

جاء أحد المسلمين إلىّ مدعيا أن المسيح حول الماء إلى خمر وهو بهذا قد حول الماء إلى نجس أي الخمر ، لأن الخمر نجس في العهد القديم . فهل هذا حقيقي ؟

أم أنها ادعاءات يخترعها المسلمون لا اساس لها من الصحة؟

 

 

في العادة لأننا نحيا في مجتمع إسلامي ، لو قال أخونا المسلم هذا الكلام امام مسيحي ، ستخرج الاجابات المعلبة بأن الخمر حرام وأن المسيح خلق في معجزة عرس قانا الجليل خمرا غير مسكر … وكل هذه الامور التي لا علاقة لها بالكتاب المقدس ولا دليل عليها .

 

بل أن بعض كهنة الطقوس يعلنوها في نفاق للاغلبية المسلمة بأن الرب قد حرم الخمر ويستعينون بآيات من سفر الأمثال وهو سفر ليس تشريعي أي لا يحرم ولا يحلل ، لكنه سفر شعري يحمل نصائح مستحبة لمن يريد أن يحيا في تقوى ولا يحرم الخمر بل ينصح بعدم ادمانها أو السكر بها . فهل فعلاً الخمر كان نجساً بحسب أحكام الشريعة اليهودية … ؟

 

نبدأ الاجابة بتحديد لغوي هام ، وهو أن العبرية تفرق بين الخمر (النبيذ الذي اختمر יין) وعصير العنب الغير مسكر (תּירשׁ) ، وما سنتكلم عنه هنا الخمر יין أي عصير العنب المختمر ، حتى لا يدعي البعض أن العهد القديم يتكلم عن عصير عنب غير مسكر.

والإجابة قطعيا لا … الخمر (יין) لم تكن أبدا نجس أو كانت محرمة في العهد القديم

بل ما تم التحذير هو السُكْر ، أو شرب الخمر إلى حد الهذيان  ، أو الافراط في شرب الخمر. أو إدمان الخمر

فمنذ بداية الأسفار يظهر ملكي صادق كاهن الله العلي الذي كان يقدم للرب قرابين خبز وخمر

وَمَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ اخْرَجَ خُبْزا وَخَمْرا. وَكَانَ كَاهِنا لِلَّهِ الْعَلِيِّ. (تك  14 :  18)

وعندما بارك يعقوب يهوذا ابنه كانت بركته تشمل الخمر أيضا كرمز للخير والبركة لا للنجس أو التحريم ، بل جات ضمن نبوءة عن المسيح :

“لا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَاتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ.  رَابِطا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ اتَانِهِ. غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ. مُسْوَدُّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْخَمْرِ وَمُبْيَضُّ الاسْنَانِ مِنَ اللَّبَنِ”. (تك 49: 10-12)

اما في عصر التشريع الذي جاء به موسى من الرب : كان الخمر (יין المختمر) يستعمل في كل الطقوس اليهودية ، مثل ذبائح الخطية التي تقدم لطهارة الشعب على المذبح ، حيث كان الخمر يستعمل لأنه رمز للقداسة والتطهير

“الْخَرُوفُ الْوَاحِدُ تُقَدِّمُهُ صَبَاحا وَالْخَرُوفُ الثَّانِي تُقَدِّمُهُ فِي الْعَشِيَّةِ. وَعُشْرٌ مِنْ دَقِيقٍ مَلْتُوتٍ بِرُبْعِ الْهِينِ مِنْ زَيْتِ الرَّضِّ وَسَكِيبٌ رُبْعُ الْهِينِ مِنَ الْخَمْرِ لِلْخَرُوفِ الْوَاحِدِ.” (خر 29: 40)

وكان الخمر يستعمل في الاحتفالات بأعيادهم (لا 23: 13) وفي الكثير من ذبائحهم (عد 15: 5، 7، 10، 28: 14)

وفي وصايا العهد مع اليهود يطلب منهم الرب أن يفرحوا بنعم الحياة ومنها الخمر : ” وَأَنْفِقِ الفِضَّةَ فِي كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ فِي البَقَرِ وَالغَنَمِ وَالخَمْرِ وَالمُسْكِرِ وَكُلِّ مَا تَطْلُبُ مِنْكَ نَفْسُكَ وَكُل هُنَاكَ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ وَافْرَحْ أَنْتَ وَبَيْتُكَ.” (تثنية 14: 26)

ولو تركوا الرب كانت عقوبتهم التي أعلنها لهم الرب أنهم سيعملون في الأرض ولن يستمتعوا بخيراتها ومنها الخمر

“كُرُوماً تَغْرِسُ وَتَشْتَغِلُ وَخَمْراً لا تَشْرَبُ وَلا تَجْنِي لأَنَّ الدُّودَ يَأْكُلُهَا.” (تث 28: 39)

 

وداود النبي يسبح الرب ويشكره على نعمته ومنها الخمر :

الْمُنْبِتُ عُشْباً لِلْبَهَائِمِ وَخُضْرَةً لِخِدْمَةِ الإِنْسَانِ لإِخْرَاجِ خُبْزٍ مِنَ الأَرْضِ. وَخَمْرٍ تُفَرِّحُ قَلْبَ الإِنْسَانِ لإِلْمَاعِ وَجْهِهِ أَكْثَرَ مِنَ الزَّيْتِ وَخُبْزٍ يُسْنِدُ قَلْبَ الإِنْسَانِ. (مز 104: 14-15)

والحكمة التي تكلم عنها سليمان كرمز للمسيح تدعو إلى شرب الخمر العقلي كرمز لمتعة العلم والفهم لا الجهالة ، ولا يمكن أن يستعمل شئ نجس أو حرام كرمز لشئ مستحب وجميل

“هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيُوا وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ.” (أم 9: 5-6)

 

فقط استثناءان منع الرب فيهم شرب الخمر : كلاهما للنذراء والمكرسين للرب

أمر الرب الكهنة (ممثلين في هارون) بألا يشربوا ولا يسكروا

«خَمْرا وَمُسْكِرا لا تَشْرَبْ انْتَ وَبَنُوكَ مَعَكَ عِنْدَ دُخُولِكُمْ الَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِكَيْ لا تَمُوتُوا. فَرْضا دَهْرِيّا فِي اجْيَالِكُمْ.  وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِوَلِتَعْلِيمِ بَنِي اسْرَائِيلَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى» (لا 10: 9-11)

فعدم شرب الخمر مرتبط بوقت معين ” عِنْدَ دُخُولِكُمْ الَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ” وله علة “ َلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِوَلِتَعْلِيمِ بَنِي اسْرَائِيلَ”

وكذا النذير فترة نذره للرب

«قُل لِبَنِي إِسْرَائِيل: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ . فَعَنِ الخَمْرِ وَالمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ وَلا يَشْرَبْ خَل الخَمْرِ وَلا خَل المُسْكِرِ وَلا يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ العِنَبِ وَلا يَأْكُل عِنَباً رَطْباً وَلا يَابِساً » (عد 6: 2-3) ثم يشرب بعد انتهاء فترة النذر “وَبَعْدَ ذَلِكَ يَشْرَبُ النَّذِيرُ خَمْراً.” (عد 6: 20)

ولهذا طلب الرب من أم شمشون ألا تشرب خمرا طوال فترة حملها لأنها ابنها كان نذير للرب من بطن امه (قض 13: 3-5)

لماذا إذن منع الكاهن والنذير من الخمر؟

 لأن الذي يفرح بالرب وفي حضرته ككاهن أو نذير لا ينبغي أن ينشغل عن فرحه بالرب بفرحه بشئ آخر ، كما أعلن النبي داود (الرَّبُّ نَصِيبُ قِسْمَتِي وَكَأْسِي (خمري). أَنْتَ قَابِضُ قُرْعَتِي.) (مز 16: 5)

 

ولكن كعادة الإنسان الغير حكيم ، كل عطية جميلة من الرب يسئ الإنسان استخدامها عندما تصبح هدفا في حد ذاتها ، لهذا في الوقت الذي اعتبر الرب الخمر عطية ونعمة إلهية تفرح القلب ، ورمز للخير والفرح ، اعتبر أن السُكْر بالخمر عادة مذمومة يتبعها الجهال الذين يحولون النعمة الإلهية إلى مصدر للتعاسة والشقاء بالهذيان

 

لهذا يستعير سليمان بوحي الروح كلام حكمة لَمُوئِيلَ مَلِكِ مَسَّا. عَلَّمَتْهُ إِيَّاهُ أُمُّهُ (أم 31: 1) ، وهذه النصيحة (ليس تشريع) هي نصيحة للملوك بعدم شرب الخمر لعلة  وليس على إطلاقه ، فيقول نقلا عن لموئيل الملك

(لاَ تُعْطِ حَيْلَكَ لِلنِّسَاءِ وَلاَ طُرُقَكَ لِمُهْلِكَاتِ الْمُلُوكِ. لَيْسَ لِلْمُلُوكِ يَا لَمُوئِيلُ لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْراً وَلاَ لِلْعُظَمَاءِ الْمُسْكِرُ. لِئَلاَّ يَشْرَبُوا وَيَنْسُوُا الْمَفْرُوضَ وَيُغَيِّرُوا حُجَّةَ كُلِّ بَنِي الْمَذَلَّةِ.) (أم 31: 3-5)

علة النصيحة إذا ليس لأن الخمر نجس أو حرام أو مكروه ، ولكن لأن الملوك إذا شربوا كثيرا وسكروا ، قد ينسوا فروضهم واحكامهم وعدلهم .

 و لهذا ايضا يرى سليمان الحكيم أن ادمان الخمر نقمة

“لِمَنِ الْوَيْلُ؟ لِمَنِ الشَّقَاوَةُ؟ لِمَنِ الْمُخَاصَمَاتُ؟ لِمَنِ الْكَرْبُ لِمَنِ الْجُرُوحُ بِلاَ سَبَبٍ؟ لِمَنِ ازْمِهْرَارُ الْعَيْنَيْنِ؟ لِلَّذِينَ يُدْمِنُونَ الْخَمْرَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي طَلَبِ الشَّرَابِ الْمَمْزُوجِ.” (أم 23: 29-30)

 

فكما أن ممارسة الجنس في إطار الزواج نعمة إلهية لكنه في الزنا خطية عقوبتها الرجم في تشريع اليهود ،  كذا الخمر في أصلها نعمة إلهية من اجل فرح الإنسان ، ولكن كثرتها وادمانها تصبح عائقا وتدميرا لسلامة الإنسان

لهذا يعود سليمان بحكمته ويدعو إلى شرب الخمر بفرح

“اِذْهَبْ كُلْ خُبْزَكَ بِفَرَحٍ وَاشْرَبْ خَمْرَكَ بِقَلْبٍ طَيِّبٍ لأَنَّ اللَّهَ مُنْذُ زَمَانٍ قَدْ رَضِيَ عَمَلَكَ.” (جا 9: 7)

 

لم يحرم الرب الجنس ولم يحرم الخمر ، لكنه يدعو الانسان إلى قبول العطية الإلهية بفرح وشكر وأن يستعمل ضبط النفس في كلا الحالتين .

 

الخمر ليس محرمة وليست سيئة ، لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد ، كانت نعمة إلهية للفرح ، وبهجة الوجه ، وعدم شربها ارتبط بشروط معينة أو نصائح خاصة معلولة بأسباب معينة .. فلا ينبغي أن يُحكم علينا بقوانين وشرائع الاديان الاخرى أو بتفسيرات وهمية تخلق تشريعات وقوانين لا علاقة لها بالرب ، وفي العهد الجديد تحديدا تحولت الشرائع الخارجية التي حكمت اليهود إلى شرائع قلبية يكتبها الرب بروحه الناري في قلوبنا ، فلا تشريع في المسيحية إلا تشريع الكمال والحب الإلهي … أن نعلن حب الرب وحب القريب للعالم كله في أفعالنا وتصرفاتنا ، بهذا يتعلق الناموس كله والأنبياء والشرائع السابقة …

 

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: