مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

Archive for أغسطس 18th, 2007

حول طبيعة السيد المسيح – القديس كيرلس السكندري

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير

رسالة من القديس كيرلس السكندري

الي سكسنيسوس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوبلس

 

1- الحق يجعل نفسه واضحاً لأولئك الذين يحبونه، ولكنى أظن أنه يحجب نفسه من أمام الماكرين، لأنهم يظهرون أنفسهم بأنهم غير مستحقين لرؤية الحق بنظرة واضحة. ومحبو الإيمان غير الملوم يطلبون الرب “بقلب بسيط” (حك1: 1) كما هو مكتوب . بينما الذين يسيرون فى طرق ملتوية ولهم ” قلب معوج” (مز101 : 4) كما قيل فى المزامير، فإنهم يجمعون، لأجل أغراضهم الخاصة المنحرفة حججاً ماكرة لخطط، لكى يعوجوا طرق الرب المستقيمة، ويضلوا نفوس البسطاء بجعلهم يظنون أنهم يتمسكون بأفكار خاطئة. وأنا أقول هذا بعد أن قرأت المذكرات المرسلة من قداستكم، فوجدت بعض أمور مقترحة غير صحيحة، من أولئك الذين أحبوا انحراف العلم الكاذب الاسم.

 

 

2- وكانت اقتراحاتهم هكذا:

إن كان عمانوئيل مركباً من طبيعتين، ولكن بعد الاتحاد تعرف طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فيتبع هذا أننا لابد أن نقول أنه اختبر الألم فى طبيعته الخاصة ! (*)

آباؤنا المغبوطون الذين وضعوا قانون الإيمان المستقيم أكدوا أن الكلمة الذى من الله الآب، والذى هو من جوهره، والوحيد الجنس، والذى به صارت كل الأشياء، بشخصه تجسد وتأنس (صار إنساناً). ومن الواضح بلا شك أننا لا نقصد أن أولئك الرجال القديسين لم يدركوا حقيقة أن الجسد المتحد بالكلمة كان محيياً بنفس عاقلة، ولذلك، فإن قال أحد إن الكلمة تجسد، فإنه لا يتفق مع الرأى القائل إن الجسد الذى إتحد به (الكلمة) كانت تنقصه النفس العاقلة. وهذا كما أظن، أو بالحرى كما نعلن صراحة، هو ما كان يعنيه الانجيلى يوحنا الحكيم حينما قال إن “الكلمة صار جسداً” (يو1 : 14)، ليس أنه إتحد بجسد بلا حياة، حاشا، ولا أنه تعرض للتغير أو التحول. لقد ظل كما هو، أى إلهاً بالطبيعة، وبعد أن اتخذ وجوداً إنسانياً بأن صار جسداً مثلنا من امرأة، فقد ظل هو الابن الواحد، ليس بدون جسد كما كان سابقاً قبل زمان تأنسه لكنه لبس طبيعتنا. ورغم أن الجسد المتحد بالكلمة المولود من الله الآب، هو جسد محياً بنفس عاقلة، وليس مساوياً لجوهر الكلمة، لكن حيث أن العقل بديهياً يدرك الاختلاف من حيث النوع بين العناصر المتحدة، لذلك نعترف بابن واحد، ومسيح واحد، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسداً. وحينما نقول “جسداً”، نقصد “إنساناً”. إذن ما الضرورة لأن يذوق الألم فى طبيعته الخاصة، إذا افترضنا أن هناك تأكيد على طبيعة واحدة متجسدة للابن بعد الاتحاد؟ إن لم تتضمن شروط خطة الله ما هو قابل للألم لصار تأكيدهم صحيحاً أنه فى غياب ما هو قابل للألم فإن طبيعة الكلمة لابد تتعرض للألم، لكن إن كانت عبارة “صار جسداً” تحضر بكل معنى الكلمة خطة تدبير التجسد، (لأن التجسد ليس إلا بأن يمسك نسل إبراهيم، ويشبه أخوته فى كل شئ (فى2 : 7) آخذا صورة عبد)، إذن فمن الجهالة أن يتكلم أحد عن أنه يجتاز الآلام فى طبيعته الخاصة، كعاقبة حتمية، حينما يتحتم أن يكون الجسد مرئياً كأساس لحدوث الألم بينما الكلمة هو غير قابل للألم. ومع ذلك فإننا لا نستبعد أن ننسب إليه الألم. فكما أن الجسد صار ملكاً خاصاً له، هكذا أيضاً ينسب إليه كل ما هو للجسد (ما عدا الخطية وحدها)، وفقاً لخطة الله فى تخصيصه لهذا الغرض.

 

 

3- إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فلابد أن يحدث نوع من الامتزاج والاختلاط، مع الطبيعة البشرية مما يجعلها تتضاءل بأن تنزع !

هنا أيضاً هم ” يعوجون المستقيم” (مى3 : 9)، ويفشلون فى إدراك أن الحقيقة هى طبيعة واحدة متجسدة للكلمة. لأنه إن كان الكلمة المولود بطريقة سرية من الله الاب ولد كإنسان من امرأة باتخاذه جسداً، ليس جسد بلا حياة بل جسد فيه حياة وعقل، هو بالحقيقة وبالفعل ابن واحد، فلا يمكن أن ينقسم إلى شخصين أو ابنين بل ظل واحداً، لكن ليس بدون جسد أو بطريقة غير مادية، بل له جسده الخاص فى وحدة غير منفصلة. وهذا القول لا يعنى أو يتضمن إمتزاجاً أو اختلاطاً أو أى شئ من هذا القبيل، فكيف يكون هكذا؟ إذا دعونا ابن الله الوحيد الجنس المتجسد والمتأنس، واحداً، فهذا لا يعنى أنه امتزج كما يظنون؛ فطبيعة الكلمة لم تتحول إلى طبيعة الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، لا، بل بينما ظل كل عنصر منهما مستمراً فى صفته الطبيعية الخاصة، للسبب الذى ذكرناه، متحداً بطريقة سرية وفائقة لأى شرح، ظهر لنا فى طبيعة واحدة (لكن كما قلت طبيعة متجسدة) للإبن. وعبارة “واحدة” لا تطبق بالضبط على عناصر مفردة أساساً لكن لكيان مركب مثل الإنسان المركب من نفس وجسد. فالنفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر فى الجوهر، إلا أنهما فى اتحادهما يؤلفان طبيعة الإنسان الواحدة، على الرغم من أن الاختلاف فى عناصر الطبائع المتحدة موجود فى حالة التركيب. ولذلك فإنهم باطلاً يدَّعون أنه إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فانه سيتبع ذلك وجود اختلاط وامتزاج مع الطبيعة الانسانية مما يجعلها تتضائل بأن تنزع. فهى لم تتضاءل ولا نزعت (بحسب تعبيرهم) لأن القول بأنه قد تجسد هو تعبير كاف لحقيقة كونه صار إنساناً. فلو صمتنا على ذلك، لتركنا المجال لنقدهم المغرض. ولكن حيث أننا أضفنا حقيقة أنه تجسد، فكيف يكون هناك أى اقتراح بتضئيل أو إزالة محرومة؟

 

 

4- إن كان هو نفسه يُرى كإله كامل وإنسان كامل، من نفس الجوهر مع الآب بحسب اللاهوت، ومن نفس الجوهر معنا بحسب الناسوت، فأين يكون الكمال إن كانت الطبيعة الإنسانية لم يعد لها وجود؟ وأين مساواته لنا فى الجوهر معنا ، إن لم يعد لجوهرنا أو لطبيعتنا أى وجود ؟

إن الحل أو الرد الذى ورد فى الفقرة السابقة يعتبر كافياً لتغطية هذه النقطة أيضاً. لأننا لو كنا قد تكلمنا عن طبيعة واحدة للكلمة بدون الإضافة الصريحة لعبارة “متجسدة”، فى استبعاد واضح للخطة الإلهية، لصار السؤال الذى يدّعونه عن الطبيعة البشرية الكاملة أو إمكانية استمرار جوهرنا فى الوجود مقبولاً ظاهرياً. ولكن فى تقديمنا عبارة “متجسدة” تعبير عن كماله فى الناسوت وفى طبيعتنا البشرية، فليكفوا إذن عن الاستناد على قضيب مرضوض. سوف يكون هناك سند قوى لإدانة كل من يجرد الابن من كمال ناسوته بطرح الخطة الإلهية جانباً وإنكار التجسد، لكن، إذا، كما قلت، كان حديثنا عن تجسده يحوى إدراك جلى وتام بأنه صار إنساناً، فلن تعد هناك مشكلة فى رؤية أن المسيح وهو الابن الواحد والوحيد، هو الله وإنسان، كاملاً فى لاهوته وكاملاً فى ناسوته. إن كمالك قد شرح بكل صواب وفطنة، الأساس المنطقى لآلام مخلصنا، حينما صممت أن ابن الله الوحيد الجنس لم يختبر شخصياً آلام الجسد فى طبيعته الخاصة كإله، لكنه تألم فى طبيعته الأرضية. ويجب الحفاظ على النقطتين فيما يخص الابن الواحد الحقيقى ألا وهما عدم وجود الألم إلهى ونسبة آلام ناسوته إليه لأن جسده هو تألم بالفعل. لكن هؤلاء الناس يظنون أننا بذلك نقدم ما يسمونه هم “تألم الله”، وهم لا يدركون الخطة الإلهية ويعملون محاولات عابثة لنقل الآلام إلى الإنسان على حدة فى مواصلة حمقاء لتقوى مصطنعة. إن هدفهم هو أن كلمة الله لن يعترف به أنه المخلص الذى أعطى دمه الخاص لأجلنا، بل بالحرى أن يسوع كشخص متمايز هو من ينسب إليه ذلك. هذه الفكرة تلقى بكل مبدأ خطة الله بالتجسد بعيداً، وبوضوح تسئ تفسير سرنا الإلهى بكونه عبادة إنسان. وهم لا يفهمون أن بولس المبارك حينما يدعوه أنه من اليهود “بحسب الجسد” (2كو 1 : 17) ، أى من نسل يسى وداود وأنه “المسيح” ” رب المجد” (1كو2 : 8) وأنه ” الكائن على الكل الها مباركا الى الابد ” (رو9 : 5) ، يخصه بالصلب، كما نطق بأن الجسد المسمر على الخشبة هو جسد الكلمة نفسه.

 

 

5- لقد فهمت أن هناك مبحثاً آخر قد أثير:

بالتأكيد من يقول إن الرب تألم فى الجسد على وجه التحديد إنما يفسر الألم بأنه غير معقول ولا إرادى. ولكن إن قال أحد إنه تألم بنفسه وعقله لكيما يجعل الألم إرادياً، فليس هناك ما يمنع القول إنه تألم فى طبيعته البشرية. ولكن إن كان هذا حقيقياً فكيف لا نكون مقرين بأن الطبيعتين قائمتان بدون انفصال بعد الاتحاد؟ والنتيجة أننا إن اقتبسنا القول التالى أن “تألم المسيح لأجلنا بالجسد” (1بط4 : 1)، فهذا لا يعنى سوى أن المسيح تألم لأجلنا فى طبيعتنا !

إن هذا الاعتراض ما هو إلا هجوم جديد ضد الذين يؤكدون طبيعة واحدة متجسدة للإبن، وهم يرغبون ظاهرياً فى أن يبرهنوا على التأكيد التافه الذى يناقشونه بعناد عن وجود طبيعتين قائمتين. لكنهم قد تناسوا حقيقة أن كل الأشياء التى يتم عادة التمييز بينها على المستوى الذهنى فقط، تنعزل تماماً فى الاختلاف المتبادل والفردية المنفصلة. فلنأخذ مرة أخرى مثال الإنسان العادى. إننا ندرك أن هناك طبيعتين فى هذا الإنسان، إحداهما هى النفس والأخرى هى الجسد. ولكننا نقسمهما فى الفكر فقط، قابلين الاختلاف ببساطة على أنه فى البصيرة الداخلية والإدراك الذهنى فقط، فنحن لا نفصل الطبيعتين، ولا ننسب إليهما قدرات على الانفصال الجذرى، لكننا ندرك أنهما ينتميان إلى كائن حى واحد حتى أن الاثنين لا يعودوا بعد اثنين، والكائن الحى الوحيد يكمل من طبيعتين. فعلى الرغم من أننا ننسب الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية إلى عمانوئيل، إلا أن الطبيعة البشرية صارت طبيعة الكلمة الخاصة، ومعها يثرى ويُدرك أنه الابن الواحد. إن الكتاب الإلهى الموحى به يقول أنه تألم بجسده، فمن الأفضل أن نستخدم نحن أيضاً هذه الألفاظ بدلاً من أن نقول “فى الطبيعة الإنسانية”، حتى لو كانت هذه العبارة لا تسئ بالمرة إلى حقيقة السر، إلا إذا فهمت كما فى الإدراك المنحرف للبعض. لأنه ما هى الطبيعة الإنسانية سوى جسد حى عاقل؟ وأننا نؤكد أن الرب تألم فى الجسد؟ فالحديث سوف يكون بلا جدوى إذا تكلموا عن أنه تألم فى طبيعته الإنسانية فاصلين وعازلين إياها عن الكلمة، حتى يفكروا فيه أنه اثنين وليس واحد، الكلمة الذى من الله الآب، بل والمتجسد والمتأنس. وعبارة “غير المفترق” التى أضافوها يبدو كما لو كان لها مفهومنا المستقيم، لكن ليس هذا ما يقصدونه. أن عبارة “غير المفترق” فى حديث نسطور الفارغ تستخدم بمعانى مختلفة. فهم يقولون أن الإنسان الذى سكن فيه الكلمة هو غير مفترق عنه فى مساواة الكرامة والرغبة والسلطة. والنتيجة هى أنهم لا يستخدمون الألفاظ فى معناها المباشر لكن بخداع وبطريقة مؤذية.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

أبوة الله – غريغوريوس النيسي

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبوة الله

غريغوريوس النيسي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 هوبلس

الرب يقول لتلاميذه: “متى صلَّيتم فقولوا: أبانا الذي في السموات”أيُّ روح يجب أن تكون للإنسان ليقول هذه الكلمة “أبانا”؟ أية ثقة، وأية نقاوة لضميره؟! فلنفرض أن الإنسان يحاول أن يفهم الله بقدر المستطاع من الأسماء التي يُدعَى بها وينقاد بذلك إلى فهم المجد الذي لا يوصف، فهو سيتعلَّم أن الطبيعة الإلهية مهما كانت فهي في ذاتها خيرٌ مُطلق وقداسة وفرح وقوة مجد وطهارة وأبدية مطلقة دائمة لا تتغيَّر. هذه الصفات, وأي صفات أخرى يمكن أن تخطر على البال ويمكن للإنسان أن يعرف منها الطبيعة الإلهية سواء من الأسفار المقدسة أو من تأملاته, هل يمكنها أن تجعله يتبصَّر ويتجاسر على أن ينطق داعياً هذا الكائن الأعظم بكلمة “أبانا”؟

إن كان له أي إحساس فلن يجرؤ على أن يدعو الله أباً طالما أنه لا يرى في ذاته نفس الأمور التي يراها الله؛ لأنه يستحيل من الناحية الطبيعية أن الصالح في جوهره يكون أباً لمشيئة شريرة، والقدوس أن يكون أباً لذي الحياة النجسة، ولا يمكن لمن لا يتغيَّر أن يكون أباً لمن يتقلَّب من جانب إلى آخر، ولا لأبي الحياة أن يكون له ابن يخضع للخطية حتى الموت, وباختصار، فإن ذاك الذي هو الصلاح النقي لا يمكن أن يكون أباً للمنهمكين بكُلِّيتهم في الشر. فإذا كان الإنسان عندما يمتحن نفسه يجد أنه لا يزال يحتاج إلى أن يتطهَّر لأن ضميره ممتلئ بوصمات شريرة، فهو لا يستطيع أن يُقحم نفسه بين “أهل بيت الله” (أف 2: 19) إلى أن يتنقَّى من جميع الشرور

فإذا كان الرب يُعلِّمنا في الصلاة الربانية التي سلَّمها لنا أن ندعوه أباً، فيبدو لي أنه لا يفعل سوى أنه يضع أمامنا أسمى نوع من الحياة كناموس لنا؛ لأن “الحق” لا يُعلِّمنا أن نخدع نفوسنا ونصفها بما ليس هو حالنا وأن نستعمل اسماً ليس لنا حق فيه. ولكننا إذا دعونا ذاك الذي هو غير فاسد وبار وصالح أباً لنا فعلينا أن نُثبت بحياتنا أن هذه القرابة حقيقية. أتُرى كم نحتاج إلى استعداد وأي نوع من الحياة علينا أن نعيش؟ وأية حرارة يجب أن تكون عليها غيرتنا حتى تحقِّق ضمائرنا نقاوةً تُعطينا شجاعةً أن نقول لله “يا أبانا”؟

الإنسان ينبغي أن يكتسب رضى الله بحياته الفاضلة، ولكن يبدو لي أن كلمات الصلاة تشير إلى معنى أعمق، لأنها تُذكِّرنا بوطننا الأصلي الذي سقطنا منه وحقنا السامي الذي فقدناه. ففي قصة الابن الضال الذي ترك بيت أبيه وذهب بعيداً ليعيش مثل الخنزير، نجد أن الكلمة الإلهي يُظهِر بؤس الإنسان في مَثَل يحكي لنا عن رحيله وحياته الخليعة، وأنه لا يُعيده إلى حياته السابقة حتى يصير على درايةٍ واعية بسوء حالته الحاضرة ويرجع إلى داخل نفسه مردِّداً كلمات التوبة.

وتتفق كلمات التوبة هذه مع كلمات الصلاة الربانية، لأنه (أي الابن الضال) قال: “يا أبي، أخطأتُ إلى السماء وقُدَّامك” (لو 15: 21). إنه ما كان ليُضيف إلى اعترافه أنه أخطأ إلى السماء لو لم يكن قد اقتنع أن الوطن الذي تركه عندما أخطأ كان هو السماء. ولذلك فقد منحه هذا الاعتراف عبوراً سهلاً إلى الأب الذي أسرع نحوه واحتضنه وقبَّله… وعلى ذلك فرجوع الشاب إلى بيت أبيه أعطى له فرصة لاختبار عطف أبيه، لأن هذا البيت الأبوي هو السماء التي أخطأ إليها كما قال لأبيه.

وبنفس الطريقة يبدو لي أنه إذا كان الرب يُعلِّمنا أن ندعو الآب الذي في السماء فهو يقصد أن يُذكِّرنا بوطننا الأُم الجميل، وهو بذلك إذ يضع في أذهاننا رغبةً أقوى لتلك الصالحات فهو يضعنا على الطريق الذي يقودنا عائداً بنا إلى وطننا الأصلي. وإذا كان “الله في السماء” حسب الكتاب (مز 115: 3)، وأنت كما يقول النبي: “تقترب إلى الله” (مز 73: 28)، فيتبع ذلك أنك لابد أن تكون حيث يوجد الله لأنك تكون متحداً به. وطالما أنه أوصى أن تدعو الله في الصلاة أباً، فهو يخبرك ألاَّ تفعل أقل من أن تصير مثل أبيك السماوي بحياةٍ جديرةٍ بالله مثلما يأمرنا بوضوح أكثر قائلاً: “كونوا أنتم كاملين كما أنَّ أباكم الذي في السموات هو كامل.” (مت 5: 48)

فإن كنا قد فهمنا الآن معنى هذه الصلاة فربما بذلك يكون الوقت قد حان لنُعدَّ نفوسنا لكي ننطق بدالة الثقة بتلك الكلمات: “أبانا الذي في السموات”. لأنه كما توجد صفات واضحة لمن يكون بشبه الله، تلك التي بها يصير الإنسان ابناً لله, لأنه يقول: “أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله” (يو 1: 12)؛ فالذي يقبل الصلاح الكامل يقبل الله, هكذا أيضاً توجد علامات أكيدة تخص الشخصية الشريرة التي لا يمكنها أن تكون حاملةً لابن الله، لأنها مطبوعة على صورة الطبيعة العكسية المضادَّة (أي الشيطان). لذلك، فقبل أن نقترب من الله يجب أن نمتحن أنفسنا إن كان لنا في أنفسنا شيء جدير بقرابتنا لله، وهكذا تكون لنا دالة أن نستعمل كلمة “أبانا”.

فالذي يعيش بطريقة جديرة بالسمو الإلهي له الحق في أن يتطلَّع إلى المدينة السماوية داعياً مَلِك السماء أباً له والسعادة السماوية وطنه الأُم، لأن الغرض من هذه المشورة هو أن يفكِّر الإنسان في الأمور التي فوق حيث يوجد الله. هناك ينبغي أن توضع أساسات البيت، هناك تُكنَز الكنوز والقلب يثبت “لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً” (مت 6: 21). فعلينا أن نداوم على النظر إلى جمال الآب ونطابق جمال نفوسنا على جماله.

إن كنتَ هكذا فيمكنك أن تُخاطب الله بدالة باسمٍ مألوف وتدعو رب الكل أباً لك. إنه سينظر إليك بعينيِّ أب. إنه سيُلبسك الرداء الإلهي ويُزيِّنك بخاتم. إنه سيجعل في رجليك حذاء الإنجيل لأجل رحيلك إلى فوق، ويُهيِّئك لوطنك السماوي في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين.

__________________

Posted in آبائيات | Leave a Comment »

الصليب-للقديس يوحنا ذهبي الفم

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصليب

للقديس يوحنا ذهبي الفم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوبلس

 

المقدمة :

تمت الترجمة من اللغة اليونانية من مجموعة باترولوجيا جريكا (ميني): P.G. 49: 407-418.

قام بالترجمة عن اليونانية القديمة الدكتور جوزيف موريس فلتس الباحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

قامت الكنيسة القبطية بطباعة النسخة العربية

قامت كنيسة انطاكيا بتحويل الترجمة الي مادة رقمية

 

تتكون العظة من خمس أجزاء :

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

3 ـ ايمان اللص واعترافه

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

 

 

 

 

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

اليوم يا أحبائي نُعيّد ونحتفل إذ أن السيد على الصليب والشمس متوارية. ولا تتعجب من أن الأمور التي تسبب التجهم والعبوس هي نفسها التي نحتفل بها، إذ أن كل الأمور الروحية تختلف عن الأمور الجسدية المعتادة . ولتعلم هذا بالتمام. كان الصليب في السابق اسمًا للقصاص والعقاب، أما الآن فهو اسم للفخر والاحترام، كان الصليب في السابق موضع عار وعذاب، أما الآن فأصبح سبب مجد وشرف. وكون أن الصليب هو مجد يؤكده قول المسيح ” أيها الآب مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل تأسيس العالم” (يو5:17).

فالصليب هو قمة خلاصنا، الصليب هو مصدر عشرات الآلاف من الخيرات، بواسطته صار المنبوذين والساقطين مقبولين في عداد الأبناء. به لم نعد بعد مُضللين بل للحق عارفين. بالصليب أصبح الذين كانوا فيما مضى يعبدون الأخشاب والأحجار، يعرفون خالق الكل. بالصليب نال عبيد الخطية عتق الحرية بالبر. به صارت الأرض سماءً، فهكذا (بالصليب) تحررنا من الضلال، وهكذا نلنا الإرشاد إلى الحق. هكذا تمم الله أمرًا يليق به تجاه البشر. هكذا أقامنا من عمق الخطية ورفعنا إلى قمة الفضيلة. هكذا أباد ضلال الشياطين وهكذا كشف الخداع. بالصليب لم يعد هناك دخان، ولا دماء حيوانات مهرقة، بل في كل مكان نجد الاحتفالات الروحية والتسابيح والصلوات. بالصليب هربت قوات الشر وفر الشيطان. بالصليب تتسابق الطبيعة البشرية لتنضم إلى محفل الملائكة. بالصليب صارت البتولية مستوطنة على الأرض. فحيث أتى المسيح من عذراء فقد فتح طريق هذه الفضيلة أمام طبيعة البشر. بالصليب أنارنا نحن الجلوس في الظلمة. بالصليب حرَّرنا من الأسر، وبعد أن كنا بعيدين صرنا منه قريبين. هكذا بالصليب خلُصنا، وصار لنا هذا الفداء بالفعل. هكذا بالصليب بعد أن كنا غرباء صرنا مواطنين سمائيين. هكذا بالصليب بعد أن كنا نُحارب صار لنا السلام والأمن. وبالصليب لم نعد نخاف سهام الشيطان، فقد وجدنا نبع الحياة. بواسطة الصليب لا نحتاج فيما بعد الزينة الخارجية لأننا نتمتع بالعريس . وبه لم نعد نخاف الذئب فقد عرفنا الراعي الصالح ” أنا هو الراعي الصالح ” (يو11:10). وبه لن نرهب الطاغية إذ صرنا في جانب الملك .

أرأيت كم هي الخيرات التي قدمها الصليب لنا ؟ إذن يحق لنا أن نقيم عيدًا له. ولهذا أوصانا بولس الرسول أن نُعيّد قائلاً ” فلنعيّد لا بالخمير العتيق.. بل بفطير الاخلاص والحق” (1كو8:5). ولماذا توصينا أيها الرسول المغبوط بولس أن نحتفل بالصليب ؟ لقد أوضح السبب “إن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو7:5). أرأيت كيف يكون الصليب عيدًا للمسيح؟ أعرفت أنه يجب أن نعيّد للصليب؟ لقد ذُبح المسيح على الصليب، وحيث تكون الذبيحة هناك عتق من الخطايا، هناك مصالحة مع الرب، هناك عيد وفرح.

لقد قيل إن فصحنا المسيح ذُبح من أجلنا. فقل لي أين ذُبح؟ لقد ذُبح مرفوعًا على الصليب. المذبح جديد ومختلف عن أي مذبح، لأن الذبيحة جديدة ومختلفة عن أي ذبيحة، فهو نفسه الذبيحة والكاهن. أما كونه ذبيحة فبحسب الجسد، أما كونه كاهن فبحسب الروح، وهو نفسه المقدِّم والمُقدَّم. فاسمع أيضًا ما يقول بولس ” إن رئيس الكهنة الذي يؤخذ من بين الناس إنما يُقام من أجل الناس ليقدم عنهم (ذبائح) لله، أما المسيح فلم تكن له حاجة إلى ذلك إذ قرَّب ذاته” (عب8:5، 3:8). ويقول بولس الرسول في موضع آخر ” إن المسيح قُدِّم مرة واحدة ليحمل خطايا كثيرين” (عب 28:9). لقد قُدِّم ههنا، أما هناك فقدَّم ذاته. أرأيت كيف صار ذبيحة وكاهنًا معًا، وكيف كان الصليب مذبحًا له؟

ومن الضروري أن تعلم لأي سبب لم تُقدم الذبيحة داخل الهيكل اليهودي، لكن خارج المدينة، خارج الأسوار. لقد صُلب خارج المدينة مثل أثيم حتى يتم ما قيل بالنبي ” إنه أُحصى مع الأثمة” (إش12:53). ولماذا صُلب خارج المدينة مرتفعًا على الصليب، وليس تحت سقف ما؟ لكي يطهر طبيعة الهواء.فهناك وهو مرفوع على الصليب لم يكن يظلله سقف بل سماء، لكي يطهرها مرة بذبح الخروف هناك عاليًا على الصليب. وكما تطهرت السماء، فإنه طهّر الأرض أيضًا. فعندما سال الدم من جنبه تطهرت الأرض من كل دنس. ولماذا لم تقدم ذبيحة الصليب تحت سقف أو في هيكل يهودي؟ أعلم أن هذا أيضًا ليس أمرًا بسيطًا، فقد حدث ذلك لكي لا يدّعي اليهود أن الذبيحة تخصهم وحدهم، أو يُظن أنها قُدمت عن هذا الشعب فقط، ولهذا قُدمت خارج المدينة والأسوار لكي تُعلِمهم أن الذبيحة هي مسكونية، وأيضًا أنها قُدمت عن الكل. وأن تطهير الطبيعة شامل لكل الأرض، بعكس اليهود الذين أمرهم الله أن يتركوا الأرض كلها ويُبقوا لأنفسهم مكانًا واحدًا للصلاة وتقديم الذبائح، بسبب أن الأرض كلها كانت مدنسة بدخان ودماء ذبائح الوثنيين وأدناس اليونانيين.

أما بالنسبة لنا فقد جاء المسيح وتألم خارج المدينة وطهّر كل المسكونة وجعل كل موضع مكانًا للصلاة. أتريد أن كيف أن الأرض كلها أصبحت هيكلاً وأن كل مكان أصبح مكانًا للصلاة؟ أسمع أيضًا ما يقوله المُطوب بولس ” فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تي8:2). أرأيت أن المسكونة كلها تطهرت، إننا نستطيع أن نرفع أيادي طاهرة في كل مكان؟ فلقد صارت إذن الأرض بأسرها مقدسة، بل بالحري أقدس من قدس أقداس اليهود. وكيف يكون هذا؟ هناك في قدس الأقداس يُقدم خروف من الحيوانات غير العاقلة أما هنا فالخروف عاقل (ناطق). وبمقدار ما تفوق الذبيحة العاقلة الذبيحة غير العاقلة، هكذا يفوق تقديس الأرض (بالصليب) على أقداس اليهود. وبالتالي فالصليب هو عيد حقًا.

__________________

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

أترغب في معرفة إنجاز عظيم آخر للصليب يفوق إدراك العقل البشرى؟ إن الفردوس الذي كان مغلقًا قد فُتح اليوم. اليوم دخل اللص إليه. هناك إنجازان عظيمان، فتح الفردوس ودخول اللص إليه، إعادته لوطنه القديم، واسترداده إلى بلده الأم.” اليوم تكون معي في الفردوس” (لو43:23). ماذا تقول (يارب)؟ هل وأنت مصلوب ومُسمّر على الصليب تَعِدُ بالفردوس؟ كيف بالحقيقية تهبُ ذلك؟ يقول بولس الرسول إنه “صُلب من ضعف” (2 كو 13 : 4) لكن فلتسمع ما تلاه “لكنه حي بقوة الله” (2كو 13 : 4) وفي موضع آخر يقول ” لأن قوتي في الضعف تكمل”(2كو 12 :9) ولهذا يقول: إني أعد وأنا على الصليب، لكى تعلم من هذا أيضًا قوتي. فهذا الأمر المحزن لم يحدث ليبعدك عن التفكير في طبيعة الصليب بل لتعلم قوة المصلوب عليه والمعجزة التي تمت فوقه، تلك المعجزة التي تشير إلى قوة المصلوب، فاللص لم يؤمن به وهو يقيم الموتى أو ينتهر أمواج البحر ويطرد الشياطين، بل عندما كان مصلوبًا ومسمّرًا وهو مُعرّض للشتم والبصق والهزء والتعذيب. أنظر إذن الوجهين اللامعين لقوة المصلوب: إنه قد هزّ أركان الطبيعة وشقق الصخور، من ناحية، وإنه جعل نفس اللص التي كانت أقسى وأصعب من الصخر، تصير وديعة.

أتقول يارب، ” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) ؟ الشاروبيم يحفظون الفردوس وهناك يجول سيف ناري وأنت تَعِدُ اللص بأن تُدْخِله هناك؟ نعم يقول (المسيح): فأنا هو رب الشاروبيم، ولىّ سلطة على اللهيب والجحيم والحياة والموت. ولهذا يقول “اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23). فإن كان الرب له هذه القدرة فقد متع بها الآخرين مباشرة، ومع أن الملك لا يرض لنفسه أن يجالس لصًا أو أحدًا من عبيده ولا أن يرافقه إلى المدينة، إلاّ أن السيد محب البشر فعل ذلك وأدخل معه اللص إلى الوطن المقدس. وفي هذا فإن اللص لا يهين الفردوس بأن يطئه بقدمه بل بالحري يشرّفه. فشرَف الفردوس أن يكون له مثل هذا السيد القوى محب البشر الذي جعل اللص جديرًا بالتنعم فيه. وهو عندما دعا العشارين والزناة إلى الملكوت فهو لم يُحقِر من هذا الملكوت بل بالحري كرّمه وأظهر أنه رب ملكوت السموات الذي جعل العشارين والزناة أهلاً لمجد وعطية الملكوت هناك. وكما أننا نُعجب بالطبيب عندما نراه يشفي الناس من الأمراض المستعصية ويأتي بهم إلى الصحة التامة، هكذا يا أحبائي، يجب أن نُعجب بالمسيح ونُدهش إذ هو يشفي أمراض نفوس الناس المستعصية، ويعتقها من الشرور المسيطرة عليها، جاعلاً أولئك الذين سيطرت عليهم الشرور إلى أبعد الحدود، أهلاً لملكوت السموات.” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) : شرف عظيم ، محبة للبشر فائقة، صلاح يعجز اللسان عن وصف إفراطه، فالدخول إلى الفردوس له شرف عظيم جدًا إذ هو دخول مع السيد.

ماذا حدث؟ هلاّ تقول لي ما الذي أظهره اللص حتى يكون مستحقًا للفردوس وليس للصليب؟ أتريد في اختصار أن أقول وأُظهر لك فضل اللص؟ فالرب الذي أنكره بطرس هامة الرسل، مع أنه لم يكن على الصليب، اعترف به اللص وهو معلق على الصليب. وأنا لا أقول هذا لأتهم بطرس، حاشا، لكن أريد أن أُظهر عظمة نفس اللص وفلسفته الفائقة. فذاك (التلميذ) لم يحتمل تهديد رخيص من بنت صغيرة، أما اللص وهو يرى الجمهور كله يهتف ويُجن ويصرخ بالتجديفات والسخريات على المصلوب، فإنه لم يلتفت إلى إهانات المصلوب، لكنه بعيون الإيمان، لم يبال بكل هذا وترك عنه هذه العثرات، واعترف بأنه سيد السموات قائلاً تلك الكلمات التي جعلته مستحقًا للفردوس: ” أذكرني في ملكوتك” (لو42:23). فلا تتجاوز هذا اللص ببساطة ولا تخجل أن تتخذه معلمًا فإن سيدنا نفسه قبلنا، لم يستح منه بل ادخله إلى الفردوس. لا تخجل أن تتخذ الإنسان الذي استحق ـ قبل الناس جميعًا ـ أن يكون أهلاً لنعيم الحياة في الفردوس، معلمًا لك.

ولنفحص كل هذه الأمور بدقة لنتعرف من الآن فصاعدًا قوة الصليب. لم يقل له كما قال لبطرس وأندراوس ” هلم ورائي لأجعلكما صيادي الناس ” (مت19:4)، ولم يقل له كما قال للاثني عشر تلميذًا ” تجلسون على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (مت28:19). لم يجعله أهلاً لسماع أقوال كهذه، لم يرَ أية معجزة، أو ميتًا قام، أو شياطين مطرودة ولا بحرًا طائعًا، لم يذكر له شيئًا عن الملكوت، فمن أين عرف اسم الملكوت؟ كان اللص الآخر يشتمه، فقد صُلب معه لص آخر ليتم القول ” وأُحصى مع أثمة” (إش12:53). لقد حاول اليهود ناكري الجميل تشويه مجد المسيح وبكل طريقة كان لهم تأثيرًا على مجرى الأحداث. غير أن الحقيقة كانت تسطع من كل ناحية ويزداد بهائها كلما زادت المقاومة ضدها. كان اللص الآخر يشتمه. وقال أحد البشيرين إن اللصين كانا يستهزئان بالمسيح وهذه حقيقة، زادت من فضل اللص (اليمين)، فمن الطبيعي أن يستهزئ أولاً، غير أن ما قد فعله بعد ذلك هو صواب، عكس الآخر الذي استمر في استهزائه.

فهل رأيت الفرق بين لص ولص؟ كل منهما معلق على الصليب، وكل منهما كان شريرًا، وكل منهما عاش حياة اللصوصية، لكن مصيرهما لم يكن واحدًا. الأول ورث الملكوت، والآخر أُرسل إلى الجحيم، وما حدث بالأمس مشابه لما يحدث اليوم فهناك فرق بين تلميذ وتلاميذ. فالأول دبر لتسليمه والآخرون استعدوا لخدمة المائدة. الأول قال للفريسيين ” ماذا تعطوني وأنا أسلمه لكم” (مت15:27) والآخرون قالوا للمسيح ” أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح” (مت17:26). هكذا الحال هاهنا فالواحد لص والآخر لص، لكن الأول يشتم والآخر ينطق بشهادة الإيمان، الأول يجدف والثاني يمدح بينما يرى المسيح مصلوبًا ومسمّرًا والجموع من أسفل تشتم وتهتف عاليًا، ولم يمنعه كل هذا من أن يعلن ما يليق بهذا المجد ، لكنه يهاجم اللص (اليسار) بشدة قائلاً: ” أما تخاف الله؟” (لو40:23ـ41).

__________________

3 ـ ايمان اللص واعترافه

أرأيت جرأة اللص (اليمين) في إبداء رأيه جهرًا؟ أرأيت أنه لم ينسَ مهنته الأولى، حتى أنه باعترافه (بالمسيح) قد سرق أيضًا الملكوت؟. قال للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23)، أرأيت شجاعته وحكمته وورعه على الصليب؟ وإلاّ يستحق منك التعجب وأنت تراه متمالكًا نفسه رغم آلامه على الصليب؟ وهو لا يستحق التعجب فقط بل وأيضًا التطويب إذ هو لم يلتفت لآلامه الشخصية بل انصرف عنها للاهتمام بآلام الآخر، ذلك الذي ضل. فصار معلمًا وهو على الصليب، فانتهر اللص اليسار قائلاً ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) وليس هذا فقط بل قال له: لا تهتم بالمحاكمة الأرضية، ولا بما سوف يقرروه، لا تنظر فقط إلى ما يجرى الآن. فهناك قاض آخر غير منظور، نزيه ـ بدون شك ـ على تلك المحكمة. لا تبال بما يتم الحكم به هنا (أسفل) فهناك (فوق) الحكم مختلف. ففي المحكمة الأرضية يُدان أبرار كثيرين، ويترك مدانين أحرارًا، هناك أبرياء يُتهمون، ومتهمين يهربون. بالشدة يعاملون البعض وباللين البعض الآخر. يجهلون القانون فيُخدعون، أو تُفسد الرشوة ضمائرهم فلا يتمسكون بالحق ويحكمون ضد الأبرياء. هناك في السماء الأمور ليست هكذا. فالله هو قاض عادل، وحكمه يسطع كنور، لا عتامة فيه ولا كتمان ولا تضليل.

وبماذا تُعزّى هذا اللص (اليمين) حتى لا يقول إنه قد حُكم عليه طبقًا لقوانين المحكمة الأرضية؟. وجِّهْ نظره إلى المحكمة السمائية، إلى المنبر المخوف، إلى الحكم العادل، وإلى القاضي غير المُضلّل، ذّكره بالحكم المخوف، قل له: تطلّع إلى هذه الحقائق السمائية ولا تبالي بقرارالحكم الأرضي ولا تتبنى موقف الناس الأرضيين ، لكن تعجب وتأمل في الحكم الصادر من فوق.قال اللص (اليمين) للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) . أرأيت تعليمه؟ لقد قفز قفزة واحدة من الصليب إلى السماء. أنظره وقد أتم القانون الرسولي ولم يفكر في نفسه فقط بل فكر وعمل كل ما في استطاعته من أجل الآخر، حتى إنه أراد إنقاذ اللص الآخر من الضلال وإرشاده إلى معرفة الحق. وبعدما سأله قائلاً: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) استتبع سؤاله بقوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) ، يا له من اعتراف تام. ماذا يعنى أننا تحت القضاء عينه؟! بالطبع إننا تحت العقاب. وهانحن بالفعل نُعاقب بالصليب. فمن يعيّر غيره يهين نفسه أولاً. لأن من يكون مخطئًا بالفعل ويدين غيره، هو يدين نفسه أولاً. ومن يكون في نكبة ويعيّر آخر على محنته، يعيّر نفسه أولاً. وفي قوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) كأنما يردد القانون الرسولي والأقوال الإنجيلية “لا تدينوا لكى لا تُدانوا” (مت1:7) .” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) (ماذا تقول أيها اللص؟) أو ماذا تفعل؟ هل جعلت بقولك هذا نفسك واللص الآخر شريكين للمسيح؟ كلا ـ يقول اللص ـ إني سأُصلح كلامي على هذا النحو: “أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا” (لو41:23).

أرأيت اعترافًا أكمل من هذا على الصليب؟ أرأيت كيف أن اعترافاته قد رَفعت خطاياه؟ أرأيت كيف أنه أكمل القول النبوي “حدث لكي تتبرر” (إش26:43)، لم يُرغمه أحد، ولم يشتك عليه أحد فيما يقول بل كان شاكيًا لنفسه، ولهذا أقر قائلاً ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). أرأيت تقوى أعمق من هذه؟ حين أدان نفسه وحين لم يستح أن يكشف أعماقه وحين دافع عن السيد قائلاً: ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). وحين فعل هذا، حينئذِ استطاع أن يبتهل قائلاً ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42). إنه لم يجرؤ أن يقول ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) إلاّ بعد أن اعترف فتطهرت نفسه من الخطايا، وبعد أن أدان نفسه، فرُفعت الأحكام التي أدانته. أرأيت قوة الاعتراف؟ فاسمع أيها الحبيب، وتشجع ولا تيأس بل يلزم أن تعي مقدار محبة الله للبشر والتي لا يمكن التعبير عنها، ولتسرع لإصلاح خطاياك. لأنه إن كان قد اعتبر اللص وهو على الصليب جديرًا بذلك الشرف، فكم بالحري يعتبرنا نحن ـ إن كانت لنا الإرادة أن نعترف بخطايانا ـ جديرين بمحبته. فلنعترف بخطايانا ولا نخجل منها. فعظيمة هي قوة الاعتراف بالخطايا، وكبيرة هي قدرته. فبمجرد أن اعترف اللص، فُتح له الفردوس، اعترف فنال شجاعة عظيمة ودالة حتى إنه وهو لص قد طلب الملكوت. نعم في تلك اللحظة فقط استطاع أن يطلب الملكوت.

من أين لك أن تتذكر ملكوت السموات أيها اللص؟ قل لي هل ترى شبيهًا منه الآن؟ إن ما هو ظاهر للعين هو المسامير والصليب والاتهامات والهزء والشتائم. نعم يقول: فالصليب هو رمز ملكوت السموات. ولهذا فإني أدعو المصلوب عليه ملكًا. ملكًا إذ هو يموت من أجل رعاياه، فقد قال عن نفسه إنه ” الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10). حقًا والملك الصالح يضع نفسه من أجل رعاياه. ولأنه وضع نفسه بالفعل لهذا فأنا أدعوه ملكًا. واهتف ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) .

__________________

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

أتريد أن تعرف كيف أن الصليب رمز لملكوت السموات؟ وما هي دلالاته؟ إن المسيح لم يترك الصليب (الأخروي) على الأرض بل أخذه وأصعده معه إلى السماء. من أين استدللت على ذلك؟ لأنه سيُحضره معه في المجيء الثاني. لكن دعنا نرى كيف سيحضر الصليب معه ولنسمع قول المسيح ” فإن قالوا لكم: ها هو في البرية فلا تخرجوا! ها هو في المخادع فلا تصدقوا!” (مت26:24)، فإنه يتكلم عن مجيئه الثاني، مشيرًا إلى المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة، وإلى ضد المسيح، لكى لا يضل أحد ويسقط في يديه. لأن ضد المسيح سيأتي قبل المسيح (في مجيئه الثاني) وقد أخبرنا بذلك حتى لا يقع أحد بين أنياب الذئب وهو يبحث عن الراعي (المسيح). وأنا أقول لك هذا حتى تستطيع أن تميز علامات حضور الراعي. فإن كان حضوره الأول قد تم بطريقة خفيّة، فلا تظنوا أن مجيئه الثاني سيكون كذلك. كان حضوره الأول خفيّة، لأنه أتى ليطلب وليفتش عن الضال، أما مجيئه الثاني فلن يكون كذلك. لكن كيف؟ ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان.” (مت27:24) سيظهر للجميع معًا. فلا تعود هناك حاجة إلى التساؤل (عما إذا كان المسيح هنا أو هناك). فكما أننا لا نحتاج إلى التساؤل عندما يحدث البرق، هكذا عند مجيئه لن نحتاج عما إذا كان المسيح قد حضر أم لا. والآن نتكلم عن إنه سيُحضر الصليب معه. فأسمع ما قاله بوضوح: “وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. ” (مت 29:24ـ30).

أرأيت تَفوّق العلامة (الصليب)، كيف هي مبهجة؟ كيف هي مشرقة؟ فالشمس تُظلم والقمر لا يظهر، النجوم تسقط، أما تلك العلامة (الصليب) فإنها وحدها تظهر، لكى تعلم أن نورها أشد قوة من الشمس وأبهج من القمر. وكما يستقبل الجنود الملك عند دخوله إلى المدينة بالرايات المحمولة على أكتافهم معلنين دخوله، هكذا يحمل الملائكة ورؤساء الملائكة تلك العلامة عند نزول الرب من السماء معلنين دخوله الملوكى لنا (للبشر). “وقوات السماوات تتزعزع” (مت24: 29) ، ويعنى بذلك الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات غير المرئية. فهذه سيمتلكها الخوف والرعب، فهلاّ قلت لي لماذا؟ لأن ذلك الحكم سيكون رهيبًا، فالطبيعة البشرية بأسرها ستُحاكم وتُسأل عن مسئوليتها أمام المنبر المخوف. لكن لماذا تخاف الملائكة حينذاك، ولماذا تَرهب القوات غير المتجسدة؟ طالما أنها لن تُحاكم. لأنه كما أن القاضي الأرضي عندما يجلس عاليًا على المنبر للحكم، لا يرتعد منه المذنبون وحدهم بل الحراس أيضًا، لا من تأنيب الضمير بل بسبب خوفهم من القاضي، هكذا فعندما ستكون طبيعتنا (البشرية) ماثلة للحكم معطيةً حسابًا عن أخطائها، تكون الملائكة وباقي القوات مرتعبة، لا بسبب تأنيب ضميرها بل لخوفها من القاضي.

والآن وقد عرفنا هذا الأمر فلنعرف إذن لماذا سيظهر الصليب؟ لماذا سيحضره المسيح معه؟. اعرف أن السبب هو أن يعرف صالبوه مقدار جحودهم ، إذ أن الصليب يُظهر وقاحتهم. وأسمع الإنجيلي القائل، واعلم لماذا يحمل صليبه معه ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض” (مت30:24)، إن شعوب الأرض ستنوح لأنها سترى الذي أُدين (بسببها) وتعي خطيتها. ولماذا تتعجب من أن المسيح سيأتي حاملاً الصليب؟ إنه سيأتي أيضًا حاملاً جراحاته. وكيف نستدل على أنه سيأتي حاملاً جراحاته؟ اسمع النبى وهو يقول ” وستنظره كل عين، والذين طعنوه” (رؤ7:1). فكما فعل مع توما التلميذ عندما رغب في إصلاح قلة إيمانه، فأراه أماكن المسامير وهذه الجراحات قائلاً “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي” (يو27:20) “فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو39:24)، وذلك ليُثبت له أنه قد قام بالحقيقة. وهكذا سيأتي (في حينه) بجراحاته وصليبه معه ليثبت للجميع أنه هو الذي صُلب. فما أعظم صلاحه وخلاصه بالصليب. إنه دليل واضح على محبة الله للبشر.

__________________

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

غير أن محبته غير الموصوفة للبشر لم تُرى في الصليب فقط، بل أيضًا في كلماته التي تفوه بها على الصليب. فلتسمع هذه الكلمات. عندما كان على الصليب معرضًا للهزء والسخرية والإهانة قال: “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). أرأيت محبة الرب للبشر؟ كان مصلوبًا لكنه صلى من أجل صالبيه، أما هؤلاء فقد كانوا يهزأون به قائلين ” إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت40:27). أما هو فلم ينزل عن الصليب إذ هو ابن الله، ولأجل هذا جاء لكى يُصلب من أجلنا. قالوا : ” أنزل عن الصليب لنرى ونؤمن بك”. أرأيت سفاهة الأقوال وحجج عدم الإيمان. فقد عمل ما هو أعظم من نزوله عن الصليب ولم يؤمنوا، والآن يقولون أنزل عن الصليب لنؤمن بك. فالقيامة من الأموات والقبر مغلق بالأختام، كانت أعظم من النزول عن الصليب. وإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام وهو ملفوف بالأكفان، كانت أعظم من النزول عن الصليب. أرأيت الكلام الهزلي، أرأيت الهَوس المتشامخ. لكن انتبه بشدة أرجوك لكى ترى أن محبة الله للبشر هي عظيمة. وأن المسيح اتخذ من اهانتهم له سببًا لكى يصفح عنهم، إذ قال “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) . ولم يكتفوا بهذا بل كانوا يقولون “خلص نفسك ان كنت ابن الله” (مت27: 40) أما هو فقد عمل كل شئ لكى يخلص معيّريه وشاتميه وقال: “أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). فماذا حدث؟ هل غُفرت لهم خطيتهم، نعم غُفرت خطية لكل من أراد أن يتوب. فإنه لو لم يترك لهم خطيتهم لما صار بولس رسولاً، ولو لم يترك لهم خطيتهم لما آمن به في الحال الثلاثة آلاف والخمسة آلاف، وعشرات الألوف من اليهود بعد ذلك. فأسمع ما كان يقوله التلاميذ لبولس “انت ترى ايها الاخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين امنوا” (أع20:21) .

أرجو يا أحبائي أن نقتدي به، نعم نقتدي بالرب، ولنصلِ من أجل الأعداء. وإن كنت قد نصحتكم بفعل هذا الأمر بالأمس، إلاّ إني أكرر النصح الآن، فطالما أنك عرفت مقدار عظمة هذه الفضيلة، اقتدِ بسيدك إذن لأنه وهو مصلوب صلى من أجل صالبيه. قد تتساءل: كيف يمكنني الاقتداء بالمسيح؟ أعلم أنك تستطيع ذلك إذ أردت ، فلو لم يكن بإمكانك أن تقتدي به لما قال ” تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب” (مت29:11). وإن لم يكن في مقدور الإنسان أن يقتدي به، لما قال بولس الرسول “كونوا متمثلين بي كما انا ايضا بالمسيح” (1كو11: 1). وإن لم ترد أن تقتدي بالسيد ، اقتد بخادمه وأعنى استفانوس، الذي كان أول من استشهد، لقد اقتدى بالمسيح. إن الرب وهو مصلوب بين اللصين، قد تشفع إلى الآب من أجل صالبيه، هكذا أستفانوس خادمه الذي كان وسط الراجمين والحجارة تنهال عليه من الجميع فإنه احتمل الرجم ولم يبال بالأوجاع الناجمة عنه وقال “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7).

أرأيت كيف يتكلم الابن؟ أرأيت كيف يصلى الخادم؟ قال الابن “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) وقال خادمه أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7). وأعلم أيضًا أنه لم يصلِّ وهو واقف، بل ركع على ركبتيه وصلى بحرارة وخشوع كثير ” ثم جثا على ركبتيه و صرخ بصوت عظيم يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7) . أتريد أن أريك إنسانًا آخر صلى صلاة عظيمة من أجل أعدائه؟ أسمع بولس المُطوب يقول ” من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصي، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلا ونهارًا قضيت في العمق” (2كو24:11ـ25). ومع هذا قال ” فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9). أتريد أن أريك أيضًا آخرين من العهد القديم لا من العهد الجديد، يفعلون نفس الأمر؟ ويستحقون كل تقدير إذا أن وصية محبة الأعداء لم تكن قد أُعطيت لهم بعد بل كانت عندهم وصية العين بالعين والسن بالسن، ومجازاة الشر بالشر، ولكنهم بلغوا قامة مسلك الرسل، فأسمع ما قاله موسى عندما كان اليهود مزمعين أن يرجموه ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32).

أرأيت كيف أن كل واحد من هؤلاء الأبرار كان مهتم بخلاص الآخرين قبل خلاصه؟! ولنسأل أي واحد منهم، إن كنت لم تخطئ، فلماذا تريد أن تشترك معهم في القصاص؟ وسوف تكون إجابته ” لا أشعر مطلقًا بالسعادة عندما يتألم الآخرون”. وستجد آخرين فعلوا هكذا؟ وأنا أسوق هذه الأمثلة لكى نُصلح من أنفسنا ولكى نستأصل هذا المرض الخبيث والذي هو بغضة الأعداء، من داخلنا. فالسيد المسيح يقول “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) ، ويقول أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7)، ويقول بولس الرسول “كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9) ، ويقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32) .

فقل لي، أي غفران سننال نحن إذا كان السيد وخدامه في العهدين القديم والجديد، كلهم يحثوننا على الصلاة من أجل الأعداء، بينما نحن نفعل العكس ونصلى ضدهم؟ إن ما أرجوه هو ألاّ تهملوا هذا لأنه بمقدار ما تزداد النماذج التي يجب أن نقتدي بهم، بقدر ذلك يزداد عذابنا إن نحن لم نتمثل بهم. الصلاة من أجل الأعداء مرحلة أسمى من الصلاة من أجل الأحباء. لأن الثانية لا تكلفنا مثل الأولى: ” فإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم؟” (لو6: 32) إذا صلينا من أجل الأحباء فلن نكون أفضل من الأمم والعشارين. أما إذا أحببنا الأعداء فإننا نصبح متشبهين بالله بقدر ما تسمح به طبيعتنا البشرية فإن الله ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت45:5). فطالما لدينا أمثلة مما فعله المسيح وأيضًا خدامه، فلنتشبه بهم، ولنقتنى هذه الفضيلة، لنكون أهلاً لملكوت السموات، مستعدين دائمًا لنقترب بدالة أكثر وبضمير نقى تمامًا إلى المائدة المهيبة، ولنتمتع بما وعدنا به الرب من خيرات بنعمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي له المجد والعزة مع الآب والروح القدس. الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »