مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

“المسيح كلمة الله” في كتابات مفسري القرآن

Posted by mechristian في أغسطس 4, 2008

المسيح كلمة الله” في كتابات مفسري القرآن

{فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} (آل عِمْرَان 3، 39)

{إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} (آل عِمْرَان 3، 45)

{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ باللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً} (النِّسَاء 4، 171)

هذه الآيات القرآنيّة الثلاث هي الوحيدة التي تتكلّم على المسيح كونه “كلمة الله” أو “كلمة من الله”. وفي القرآن الكريم نجد أنّ المسيح هو الوحيد الذي يُنسب إليه أنّه كلمة الله. سوف نعرض لأهمّ ما ورد في كتابات المفسّرين المسلمين عن معنى عبارة “كلمة الله”، وكيف فهم هؤلاء المفسّرون قصد القرآن من تسمية الكلمة بالمسيح عيسى ابن مريم.

يوجز تفسير المنار ما ورد عن “كلمة الله” في تفاسير القرآن المشهورة قبله بأربعة وجوه هي:

– الوجه الأوّل: المراد بالكمة كلمة التكوين لا كلمة الوحي.

– الوجه الثاني: أنّه أُطلق على المسيح للإشارة إلى بشارة الأنبياء به.

– الوجه الثالث: أنّه أُطلق عليه لفظ الكلمة لمزيد إيضاحه لكلام الله الذي حرّفه قومه اليهود.

– الوجه الرابع: أنّ المراد بالكلمة كلمة البشارة لأمّه فقوله بكلمة منه معناه بخبر من عنده أو بشارة[1]

أمّا بالنسبة إلى الوجه الأوّل، وهو الأهمّ في نظرنا، فكلّ التفاسير تُجمع على أنّ الكلمة المقصودة هي كلمة “كن” التي بها خلق الله عيسى. يقول الآلوسي في تفسيره: “والمراد بالكلمة عيسى عليه السلام وهو المروى عن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة وعليه أجلّة المفسّرين وإنّما سمّيَ عيسى عليه السلام بذلك لأنّه وُجد بكلمة كن من دون توسّط سبب عاديّ”[2]. يستند المفسّرون في اجتهاداتهم هذه على الآية القرآنيّة: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (آل عِمْرَان 3، 59). فالرّازي، المفسّر الكبير يقول: “فاعلم أنّا فسّرنا الكلمة في قوله تعالى {إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ} والمعنى أنّه وُجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}”[3]. ويقول القرطبي في الموضوع عينه: “وسمِّيَ عيسى كلمة لأنّه كان بكلمة الله تعالى التي هي {كُنْ} فكان من غير أب”[4]. ويردّد الخازن الكلام ذاته في تفسيره فيقول: “وإنّما سمِّي عيسى عليه السلام كلمة لأنّ الله تعالى قال له كن فكان من غير أب دلالة على كمال القدرة فوقع عليه اسم الكلمة لأنّه بها كان”[5]

وفي الخطّ عينه يذهب ابن كثير في تفسيره فيقول: “… عن قتادة هو كقوله كن فيكون. وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا أحمد ابن سنان الواسطي قال: سمعت شاذ ابن يحيى يقول في قول الله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلة صار عيسى”[6]. ونجد عند المفسّرين الشيعة في ما يخصّ تفسير معنى “الكلمة” التأويل ذاته، يقول الطباطبائي في تفسيره: “تفسير لمعنى الكلمة، فإنّه كلمة {كُنْ} التي أُلقيت إلى مريم البتول، لم يعمل في تكوّنه الأسباب العاديّة كالنكاح والأب، قال تعالى: {إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (آل عِمْرَان 3، 47)”[7]. وكذلك الأمر عند الطبرسي[8].

ما ينبغي ملاحظته في هذا السياق، أي تفسير معنى الكلمة بأنّها كلمة “كن” التكوينيّة، هو أنّ لا شيء يدلّ في هذه الآيات الثلاث موضوع دراستنا على أنّ المسيح قد خُلق بواسطة هذه الكلمة، بل أنّه لمن الواضح أنّ المسيح هو كلمة الله أو كلمة من الله. هذا ما تجاهله المفسّرون إذ استشهدوا بالآية التاسعة والخمسين من سورة آل عمران والتي تقول: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} لكي يجدوا تفسيرًا يناسب معتقدهم في أنّ المسيح قد وُجد بالكلمة وليس هو الكلمة. هذا ما يؤكّد التناقض الذي وقع فيه هؤلاء المفسّرون حتّى يجدوا حلاًّ من مواجهة هذا الحقيقة التي يعلنها القرآن بكلّ وضوح، وهي أنّ المسيح هو كلمة الله.

مع هذا لم يمرّ إطلاق اسم المسيح على “كلمة الله” من دون أن يستوقف بعض المفسّرين حول طبيعة هذه الكلمة. يقول الرّازي في تفسيره: “أنّ الإنسان قد يسمَّى بفضل الله ولطف الله، فكذا عيسى عليه السلام كان اسمه العلم: كلمة الله، وروح الله، واعلم أنّ كلمة الله هي كلامه، وكلامه على قول أهل السنّة صفة قديمة قائمة بذاته، وعل قول المعتزلة أصوات يخلقها الله تعالى في جسم مخصوص دالّة بالوضع على معانٍ مخصوصة، والعلم الضروريّ حاصل بأنّ الصفة القديمة أو الأصوات التي هي أعراض غير باقية يستحيل أن يقال: أنّها هي ذات عيسى عليه السلام، ولمّا كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبقَ إلاّ التأويل”[9].

ملاحظةٌ لا بدّ منها قبل الانتقال إلى مناقشة ما يقوله الرّازي، فالكلمة، بحسب القرآن، اسمها (أو اسمه) المسيح ابن مريم وليس اسم المسيح “كلمة الله”. هذا يعني أنّ “كلمة الله” ليست، هنا، اسمًا علمًا، إنّما هي موضوع التسمية. وتاليًا، لا نستطيع مقارنة عبارة “كلمة الله” بأسماء العلم “فضل الله” و”لطف الله” وغيرهما. نجد، إذًا، في ما قاله الرّازي عن اسم الكلمة تبديلاً في المعنى غير مبرّر. وكذلك الأمر عند مَن قال قوله من المفسّرين، كالطبري مثلاً الذي قال: “بل الكلمة اسمٌ لعيسى سمّاه الله بها كما سمّى سائر خلقه بما شاء من الأسماء”[10]. إذًا، بدّل المفسّرون معنى الآية في مَن هو المعني في التسمية، ففي حين يطلق القرآن على الكلمة اسم المسيح، نجد المفسّرين يطلقون على المسيح اسم الكلمة، وهذا بالضبط عكس ما يقوله القرآن بكلّ بوضوح.

عندما يطلق القرآن على كلمة الله اسم المسيح عيسى ابن مريم فهذا يعني أنّ للكلمة كيانًا قائمًا وذلك قبل تسميتها بالمسيح. فإنّه إذا كان من المفروض إطلاق اسم ما على شيء ما أو شخص ما يجب أن يوجد هذا الشيء أو هذا الشخص أوّلاً لكي يُطلق عليه الاسم وليس العكس. وما تذكير الضمير في {اسْمُهُ} مع أنّه، لغةً، ينبغي تأنيثه لأنّه يعود إلى الكلمة، إلاّ دلالة على ذكوريّة هذا الكيان (كلمة الله) قبل أن يسمّى بالمسيح. الكلمة، إذًا، بحسب الآية القرآنيّة (آل عِمْرَان 3، 45)، كيانٌ وُجد قبل المسيح وسمّي في التاريخ المسيح عيسى ابن مريم.

نجد أيضًا في كلام الرازي تناقضًا كبيرًا، فهو بعد أن يقرّ بأنّ كلمة الله هي صفة قديمة قائمة بذات الله، أي بعد أن يقرّ بأزليّتها ينفي أن تكون هذه الكلمة هي ذات عيسى مبرّرًا رأيه بقوله: “ولمّا كان ذلك باطلاً في بداهة العقول لم يبقَ إلاّ التأويل”. ينطلق الرازي من قناعة مسبقة وهي أنّ عيسى مخلوق، و تاليًا يستحيل القول بأنّ الكلمة الإلهيّة هي ذات عيسى، فوقع المفسّر الكبير في التناقض، فهو يعترف بأزليّة الكلمة القائمة بذات الله وعدم أزليّتها في آن، وذلك عندما تُسمّى المسيح عيسى ابن مريم.

يقول الرازي في تفسيره: “أمّا قوله تعالى {بِكَلِمَةٍ مِنْهُ} فلفظة {مِنْ} ليست للتبعيض ههنا إذ لو كان كذلك لكان الله تعالى متجزّئًا متبعّضًا متحمّلاً للاجتماع والافتراق وكلّ مَن كان كذلك فهو مُحدث وتعالى الله عنه، بل المراد من كلمة {مِنْ} ههنا ابتداء الغاية وذلك لأنّ في حقّ عيسى عليه السلام لمّا لم تكن واسطة الأب موجودة صار تأثير كلمة الله تعالى في تكونه وتخليقه أكمل وأظهر فكان كونه كلمة الله مبدأ لظهوره ولحدوثه أكمل فكان المعنى لفظ ما ذكرناه لا ما يتوهّمه النصارى والحلوليّة”[11]. في هذا النصّ أيضًا نرى تناقضًا واضحًا، فالكاتب يقول إنّ “كلمة الله” أثّرت في تكوين عيسى الذي هو في الوقت ذاته “كلمة الله”. السؤال الذي يطرح نفسه بديهيًّا ولا يجيب عليه المفسّر هو: كيف تؤثّر “كلمة الله” في تكوين ذاتها؟

المشكلة ذاتها تعترض سيّد قطب، المفسّر المصريّ الكبير، الذي يقول معلّقًا على الآية القرآنيّة (آل عِمْرَان 3، 45): “فالمسيح بدلٌ من الكلمة في العبارة. وهو الكلمة في الحقيقة. فماذا وراء هذا التعبير؟”[12]. ويجيب هو نفسه على تساؤله قائلاً: “أنّ هذه وأمثالها، من أمور الغيب التي لا مجال لمعرفة كنهها على وجه التحديد (…) ربّما كانت من الذي عناه الله بقوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويِلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (آل عِمْرَان 3، 7) … والكلمة هي عيسى، أو هي التي منه كينونته؟ كلّ هذه بحوث لا طائل وراءها إلاّ الشبهات”[13]. ويقول سيّد قطب في مكان آخر مفسّرًا الآية القرآنيّة (النِّسَاء 4، 171): “وأقرب تفسير لهذه العبارة، أنّه سبحانه، خلق عيسى بالأمر المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتّى من القرآن {كُنْ … فَيَكُونُ}. فلقد ألقى هذه الكلمة إلى مريم فخلق عيسى في بطنها من غير نطفة أب – كما هو المألوف في حياة البشر غير آدم – والكلمة التي تخلق كلّ شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى عليه السلام في بطن مريم من النفحة التي يعبّر عنها بقوله: {وَرُوحٌ مِّنْهُ}”[14].

بعد مقارنة نصَّي سيّد قطب، يتّضح لنا أنّ الكاتب قد وقع في تناقض واضح في ما يخصّ علاقة المسيح بالكلمة الإلهيّة. ففي النصّ الأوّل يعترف قطب بأنّ المسيح عيسى ابن مريم هو الكلمة في الحقيقة، أمّا في النصّ الثاني فيقول إنّ الكلمة التي تخلق كلّ شيء من العدم هي التي خلقت عيسى. فكيف تخلق الكلمةُ نفسَها؟ هذا لا يجيب عليه الأستاذ سيّد قطب. أمّا الشيء الثاني الذي لفت نظرنا في هذين النصّين فهو قول سيّد قطب إنّ “كلّ هذه بحوث لا طائل وراءها إلاّ الشبهات” مستشهدًا بالآية القرآنيّة: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْويِلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا} (آل عِمران 3، 7). على الأرجح أنّ واو العطف في هذه الآية لا تعطف {إِلاَّ اللهُ} و {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، بل هي تعطف العبارتين {وَمَا يَعْلَمُ تَأْويِلَهُ إِلاَّ اللهُ} و {الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا}[15]. معنى هذا الكلام هو أنّ إدراك معنى هذه “الكلمة” وطبيعتها إنّما هو سرّ لا يعلمه إلاّ الله وحده، وما على الراسخين في العلم إلاّ أن يصدّقوا ذلك ويؤمنوا به كونه آتيًا من عند الله.

ثمّة قصّة عجيبة ذات أهمّيّة كبيرة أوردها أغلب المفسّرين، ومنهم الرازي الذي يقول في سياق تفسيره للآية (آل عِمْرَان 3، 39): “أنّ المراد من قوله {بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ} هو عيسى عليه السلام، قال السدّي: لقيت أمّ عيسى أمّ يحيى عليهما السلام، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى، فقالت: يا مريم أشعرتِ أنّي حبلى؟ فقالت مريم: وانا أيضًا حبلى، فقالت امرأة زكريّا فإنّي وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله {مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللهِ}، وقال ابن عبّاس: إنّ يحيى كان أكبر سنًّا من عيسى بستّة أشهر، وكان يحيى أوّل مَن آمن وصدّق بأنّه كلمة الله وروحه”[16]. وخبّر الخازن الرواية ذاتها من دون أن يذكر مصدرها[17]. أمّا الآلوسي فينقلها عن “ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عبّاس قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة وكانت أمّ يحيى تقول لمريم إنّي أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك”[18].

هذه الرواية تذكّرنا بزيارة مريم لأليصابات أمّ يوحنّا المعمدان (يحيى) الواردة في إنجيل لوقا (1، 39-56)، حيث هتفت أليصابات قائلة عند مشاهدتها مريم: “من أين لي أن تأتيني أمّ ربيّ؟ فما إن وقع صوت سلامك في أذني حتّى ارتكض الجنين ابتهاجًا في بطني”. بعد مقارنة النصّين التفسيريّ والإنجيليّ، يلفتنا أنّ النصّ الوارد عند المفسّرين يذهب أكثر من النصّ الإنجيليّ في الإيحاء إلى عظمة المسيح كلمة الله، وربّما إلى تفوّقه على الطبيعة الإنسانيّة، وذلك عندما يتحدّث النصّ الإسلاميّ عن سجود يحيى للمسيح حتّى قبل ولادتهما، وكما يقرّ الجميع، مسلمين ومسيحيّين، فإنّه لا يليق بالإنسان أن يسجد إلاّ لله وحده، بينما لم يتجاوز النصّ الإنجيليّ حدود القول بارتكاض يحيى الجنين فرحًا في بطن أمّه.

ما هي العلاقة بين القرآن الذي هو كلام الله والمسيح “كلمة الله”؟[19] نلاحظ أنّ علماء الكلام الأشعريّين يؤكّدون على أزليّة قول الله في القرآن وتاليًا على عدم جواز القول بخلق القرآن كالمعتزلة. يقول الأشعري، أبو علم الكلام عند السنّة، في كتابه “اللُّمع في الردّ على أهل الزيغ والبدع” في معرض ردّه على المعتزلة الذين كانوا يقولون بخلق القرآن ما يلي: “إنْ قال قائل: لمَ قلتم إنّ الله تعالى لم يزل متكلّمًا، وإنّ كلام الله تعالى غير مخلوق؟ قيل له: قلنا ذلك لأنّ الله تعالى قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (النَّحل 16، 40). فلو كان القرآن مخلوقًا، لكان الله تعالى قائلاً له “كن”، والقرآن قوله، ويستحيل أن يكون قوله مقولاً له، لأنّ هذا يوجب قولاً ثانيًا، والقول في القول الثاني وفي تعلّقه بقول ثالث كالقول في القول الأوّل وتعلّقه بقول ثانٍ، وهذا يقتضي ما لا نهاية له من الأقوال؛ وذلك فاسدٌ. وإذا فسد ذلك فسد أن يكون القرآن مخلوقًا. ولو جاز أن يقول لقوله، لجاز أي يريد إرادته، وذلك فاسد عندنا وعندهم وإذا بطل هذا استحال أن يكون مخلوقًا”[20].

القرآن الكريم، بحسب علم الكلام الإسلاميّ، غير مخلوق لأنّه قول الله وقول الله لا يمكن أن يكون مخلوقًا بل هو غير مخلوق. إنّ الأشعري لم يستعمل في برهانه المذكور لفظ “كلمة” بل استعمل لفظ “قول”. لكنّ “الكلمة” و”القول” مترادفان، وما يصحّ قوله في “القول” يصحّ أيضًا في “الكلمة”. هذا يصحّ في المنطق، أمّا في الواقع فالأمر يختلف، إذ إنّ قول الله غير مخلوق عندما يدور الحديث حول القرآن، وكلمة الله (التي هي قوله أيضًا) مخلوقة عندما تسمّى المسيح عيسى ابن مريم. كيف يكون قول الله غير مخلوق ومخلوقًا في آن واحد؟ لا جواب.

قلنا إنّ الكلمة والقول مترادفان. هذا صحيح لغويًّا[21]، ولكنّه صحيح أيضًا بحسب المفسّرين. فالرّازي يقول في تفسيره للآية القرآنيّة {ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ}[22] (مَرْيَم 19، 34) إنّ {قَوْلَ الْحَقِّ} فيه وجوه، إحداها “وهو أنّ نفس عيسى عليه السلام هو قول الحقّ وذاك لأنّ الحقّ هو اسم الله فلا فرق بين أن نقول عيسى كلمة الله وبين أن نقول عيسى قول الحقّ”[23]. أمّا الطبرسي فيقول: “{قَوْلَ الْحَقِّ} الرفع فيه على أنّ قوله ذلك عيسى ابن مريم كلام، والمبتدأ المضمر ما دلّ عليه هذا الكلام، أي هذا الكلام قول الحقّ، ويجوز أن يضمر هو ويجعله كناية عن عيسى عليه السلام أي هو قول الحقّ، لأنّه قد قيل فيه روح الله وكلمته والكلمة قول”[24]. وينقل القرطبي عن الكسائي أنّه قال: “{قَوْلَ الْحَقِّ} نعتٌ لعيسى؛ أي ذلك عيسى ابن مريم قول الحقّ. وسمّي قول الحقّ كما سمّي كلمة الله؛ والحقّ هو الله عزّ وجلّ”[25]

إنّ أغلب المفسّرين عند تناولهم موضوع “المسيح كلمة الله” يقعون في حيرة، فتراهم يؤكّدون الشيء ونقيضه. فالمسيح، بالحقيقة، هو كلمة الله، ولكنّه في الآن ذاته مخلوقٌ بواسطة هذه الكلمة التي تخلق كلّ شيء من العدم. وهو كلمة الله التي هي صفة قديمة بذات الله، وفي الوقت عينه هو مكوَّن بواسطة هذه الكلمة.

وتبقى المعضلة قائمة.

المراجع والهوامش

– الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني، إدارة الطباعة المنيريّة، مصر، 1345 هـ.

– الخازن، لباب التأويل في معاني التنزيل، المطبعة المصريّة، 1304 هـ.

– الرّازي، التفسير الكبير، دار الفكر، بيروت، 1990.

– الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 1991.

– الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار مكتبة الحياة، بيروت، 1961.

– الطبري، جامع البيان عن تأويل القرآن، دار المعارف، مصر.

– القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، الطبعة الثانية، دار الفكر، بيروت، 1987.

– سيّد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، 1982.

– ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، دار الفكر، بيروت، 1980.

– تفسير المنار، الطبعة الثانية، مصر، 1350 هـ.

——————————————————————————–

[1] المنار، ج 3، ص 304.

[2] الآلوسي، 3، 130.

[3] الرّازي، 11، 117.

[4] القرطبي، 4، 76.

[5] الخازن، 1، 226.

[6] ابن كثير، 2، 459.

[7] الطباطبائي، 5، 151.

[8] الطبرسي، 3، 81.

[9] الرّازي، 8، 39.

[10] الطبري، 6، 411.

[11] الرّازي، 8، 54.

[12] قطب، 1، 397.

[13] قطب، 1، 397.

[14] قطب، 2، 817.

[15] الرّازي، 7، 190.

[16] الرّازي، 8، 39.

[17] الخازن، 1، 226.

[18] الآلوسي، 3، 130.

[19] إنّ معظم الناس يقارنون ما بين الإنجيل المقدّس والقرآن الكريم وما بين السيّد المسيح والنبيّ محمّد، وذلك انطلاقًا من اعتبارهم أنّ الإنجيل والقرآن هما كتابان، بينما المسيح ومحمّد هما ناقلا هذين الكتابَين. لا شكّ أنّ في هذه المقارنة خطأً منهجيًّا، ذلك أنّ ما يمثّله القرآن في الإسلام هو بالضبط ما يمثّله المسيح في المسيحيّة. فالقرآن في الإسلام هو كلام الله غير المخلوق، وفي المسيحيّة المسيح هو كلمة الله غير المخلوق. أمّا ما يمثّله النبيّ محمّد في الإسلام فيوازي ما يمثّله الإنجيل في المسيحيّة، ذلك انّ محمّدًا في الإسلام هو ناقل كلمة الله إلى العالم، بينما الإنجيل في المسيحيّة هو ناقل المسيح كلمة الله إلى العالم. لذلك إذا كانت ثمّة مقارنة ما، فالأجدر أن تكون ما بين المسيح والقرآن أو ما بين الإنجيل ومحمّد. من هنا يأتي قول المطران جورج خضر: “المسيح قرآننا“.

[20] انظر ألبير نصري نادر، أهمّ الفرق الإسلاميّة السياسيّة والكلاميّة، منشورات المطبعة الكاثوليكيّة، بيروت، ص 111-112.

[21] انظر تاج العروس ولسان العرب المحيط، لفظ “قول“.

[22] أجمع المفسّرون على القول إنّ لفظ {قَوْلَنَا} الوارد في الآية تجوز قراءته منصوبًا أو مرفوعًا.

[23] الرّازي، 21، 218.

[24] الطبرسي، 13، 34.

[25] القرطبي، 11، 105.

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: