مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

التطور التاريخي لطقس الزيجة: من المدني إلى الكنسي

Posted by mechristian في يناير 18, 2015

التطور التاريخي لطقس الزيجة: من المدني إلى الكنسي

بقلم د. أ ب ومراجعة ابراهيم القبطي

حضر الرب يسوع المسيح عرس قانا الجليل اليهودي: ولكنه لم يقم هو نفسه بطقس الزواج ولا بالصلاة ولا بمباركة العروسين، فقط بالمساعدة في تحويل الماء إلى خمر. واختلف هذا عن حضوره في الافخاريستيا (العشاء الرباني)، فكان هو المؤسس وهو المنظم وهو المعلن.

ولهذا لم نسمع عن أي طقس كنسي محدد للزواج لا في اسفار العهد الجديد، ولا في كتابات الآباء او المجامع الكنسية لمدة اول أربعة قرون.

 

كان المسيحيون الأوائل يتزوّجون كسائر الناس، أي كاليهود وكالوثنيين المحيطين بهم: يتبعون الطقوس الزوجية ذاتها، بلا خط مسيحي مميّز، وبلا حفلة دينية خاصة أو طقس خاص. فلم يوجد أي تلميح بطقوس خاصة للزواج المسيحي تُميزه عن الزواج الروماني أو اليهودي أو اليوناني في أي من كتابات الآباء في القرون الثلاثة الأولى. لهذا يقول أحد أهم المؤرخين في الأسرار الكنيسية جوزيف مارتوس Joseph Martos أنه

في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية لم يتكلم آباء الكنيسة كثيرا عن الزواج، ولكنهم عندما ذكروه تكلموا عنه كجزء هام من الحياة المسيحية وليس كتأسيس كنسي طقسي (1).

ولهذا في الكتب الطقسية الأولى لا وجود لطقس زواج كنسي لا في الديداخي (100م) ولا في التقاليد المنسوبة للرسل Apostolic Constitutions (بين القرنين الثالث والرابع)، على الرغم من ذكر طقوس أخرى في الكتاب المنسوب لتقاليد الرسل مثل المعمودية والافخارستيا وترتيبات رسامة الأساقفة والقسس والشمامسة وغيرها.

ومن المفيد أن نذكر أن تقاليد الرسل Apostolic Constitutions تذكر الزواج عدة مرات كزواج قانوني(2) lawful marriage في إشارة صريحة إلى زواج كان بحسب القانون الروماني، وذلك دون أي ذكر لطقس كنسي خاص بالزواج.

لكن في القرن الثاني يخرج علينا اغناطيوس (110م تقريبا) بنصيحة إلى بوليكاربوس الاسقف زميله عن الزواج يكون مع موافقة الاسقف كعلامة على موافقة الله على الزواج (2) . مضيفا مسئولية للاسقف لم يذكرها اي من الكُتّاب المعاصرين له ولا في أسفار العهد الجديد . وهذا متوقع من اغناطيوس، فهو اول من وضع الاسقف في مكان الله (3) في انحراف صريح عن روح العهد الجديد . ومع هذا لم يذكر وقتها أي طقس كنسي أو صلاة خاصة يقوم بها الاسقف لتحقيق هذا القبول الإلهي .

وفي القرن الرابع نجد أسقف ميلان أمبروس Ambrose (340-397م) يتكلم عن مباركة الزواج بواسطة القسس (ربما في تطور لفكر اغناطيوس) ، وهذا في رسالته إلى فيجيليوس فيقول: “لأن عقد الزواج يتم تبريكه بواسطة القس، فكيف يكون هناك ذكر للزواج بدون وحدة ايمان”(4) . ومع أن هذا ليس دليل على مدى انتشار هذه الممارسة ، وهل كانت منتشرة خارج ميلان-ايطاليا ام لا ، إلا إنها إشارة واضحة أن عقد الزواج لم يكن يتم بواسطة قسوس أو أساقفة أو في اجتماع كنسي ، بل مجرد تبريك بعد العقد نفسه ، أما القسوس والأساقفة فقد احتفظوا بالجانب الروحي فقط وقتها ولم يهتموا بعقود الزواج والطلاق والتشريعات الاجتماعية الأخرى التي كانت رومانية مدنية.

أما أول من بدأ في تفسير كلام بولس عن الزواج (5) على أنه سر كنسي متميز sacrament كان أوغسطينوس في القرن الخامس، مع أن بولس وقتها كان يتكلم في الأساس على وحدة المسيح بالكنيسة كـ “سر” mystery μυστήριον كان مخفيا في قلب الرب قبل كل الدهور وأُعلن في المسيح (6) . ولم يكن يتكلم عن أي طقس كنسي يتم بواسطة رجال للدين.

فيقول أوغسطينوس (7) : “الزواج الصالح في كل الأمم ولكل البشر يتوقف على الانجاب والعفة، ولكن فيما يتعلق بشعب الله هناك أيضا قدسية السر sacrament. ولهذا لا يجوز أن تترك (المرأة) رجلها -حتى ولو تركها -لتتزوج بآخر طالما الزوج على قيد الحياة …”

وفي هذا يتضح أن أوغسطينوس على الرغم انه أول من ميز الزواج المسيحي عن غير المسيحي ، إلا إنه لم يحكم على زواج الغير مسيحي بالزنا كما يفعل البعض من المعاصرين من رجال الدين في يومنا هذا. ولم يتكلم أيضا على أي نوع من الممارسات الطقسية الخاصة. فقط تكلم عن تمييز الزواج المسيحي كزواج مقدس. مما يفهم منه ضمنيا أن قداسة الزواج المسيحي جاءت نتيجة طبيعية لقداسة الأطراف المنعقدين للزواج باتحادهم بالمسيح أولا.

بعد عصر أوغسطينوس (ق 5) تختفي الأدلة اليقينية تماما على أي طقس كنسي واضح للزواج، وإن كانت تظهر متفرقات عن بعض الممارسات الكنسية التي بدأت تستبدل سلطة موظفي الإمبراطورية الرومانية المدنية بسلطة رجال الدين في الكنيسة ، خاصة بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية عام 476م.

ومن الصعب أن نجد من المصادر الليتورجية أي إثبات وجود لخدمة طقسية لسر الزواج قبل القرن الثامن، ولكن يظهر دليل من القرن التاسع –في رسالة البابا نيكولاوس الأول (858-867م) إلى البلغار، وفيه ذكر لمباركة القس للمتزوجين (بعد عقد الزواج المدني طبقا للقانون) بعمل احتفال داخل مبنى الكنيسة يخرج منه العروسان لابسين لأكاليل أو تيجان على رؤوسهم من الكنيسة (8).

مما يوضح أنه لم تكن الكنيسة تصنع الزواج لكنها كانت تحتفل بالزواج الطبيعي العادي وتباركه، والرباط الوحيد الأساسي كان الرضى المتبادل بين الطرفين وعائلتهما، والتشريع كان مدنيا فقط، وبقي الحال على هذا المنوال طوال الألف المسيحي الأول.

ويقول جوزيف مارتوس مؤكداً: “بدخول القرن الثامن أصبحت الزيجات الطقسية شائعة، وتمارس في الكنيسة وليس في البيوت كالسابق. وظهرت قوانين مدنية جديدة تجيز هذا الشكل الجديد من احتفالات الزواج. وفي القرون اللاحقة ظهرت قوانين أخرى تلزم القسيس بالقيام رسميا بكل طقوس الزواج. (أما) الزواج في الكنيسة اليونانية (بسبب وقوع اغلب الإمبراطورية الشرقية تحت الحكم الإسلامي) أصبح احتفالا كنسيا. وفي نظر اللاهوتيين الشرقيين، مباركة الكاهن أصبحت أساسية لزواج اثنين مسيحيين في سر الزيجة” (9)

ومما يؤكد هذا الكلام ما يظهر من التاريخ أن الزواج بمباركة الكنيسة الرومانية كان إختيارياً حتى عصر الإمبراطور لاون السادس الحكيم الذي أصدر قوانين منها قانون رقم 89 الصادر سنة 893 ـوفيه انه مثلما أصبح للتبني (10) صلاة كنسية لابد وان يكون هناك صلاة للزواج (11)

وفي سنة 1086 قام الإمبراطور ألكسيوس الأول كومنينوس بجعل محاكمات الأحوال الشخصية من سلطة رجال الدين في الكنيسة ، وقبل ذلك كان نزاعات الطلاق والميراث في محاكمات مدنية عادية.

ويقول أيضا: “قبل القرن الحادي عشر لم يكن هناك ما يسمى باحتفال زواج مسيحي (في الغرب)، وفي خلال العصور الوسطى لم يكن هناك طقس كنسي واحد للزواج بين المسيحيين. فقط بعد مجمع ترنت (1545-1563م)، بسبب الحاجة لمنع الممارسات الخاطئة للزيجات الخاصة ظهر طقس كاثوليكي ثابت للزواج.” (12)

وبهذا فرض مجمع ترنت صيغته الكنسية للزواج على المسيحيين الكاثوليك، ومنذ القرن السادس عشر فقط دخل الزواج كسر رسمي من أسرار الكنيسة السبعة. فجاء فيه:

“إذا قال أي أحد بأن الزواج ليس حقا وصدقا من اسرار الكنيسة السبعة طبقا للقانون الإنجيلي ومؤسس بالمسيح ربنا، لكنه مخترع في الكنيسة بواسطة البشر، ولا ينقل نعمة. فليكن محروما” (13)

أما في الشرق ، فلا نعرف أي تاريخ موثق لتطور طقس الزيجة في المنطقة التي احتلها الإسلام في الشرق وشمال أفريقيا. فقبل الإسلام لم يذكر أي من الآباء اليونانيين لكنيسة الإسكندرية أو إنطاكية أي طقس للزواج في القرون الستة الاولى، ولكن على الأرجح أن هذا الطقس بدأ يتسلل تدريجياً بدخول الإسلام في القرن السابع، وظهور الزواج حسب الشريعة الإسلامية ، مما ألزم المسيحيين بفصل زواجهم عن زواج المسلمين. وهذا أدخل تدريجيا دوراً لرجال الدين المسيحي في طقوس وعقود الزواج. لكن على الرغم من هذا لم يذكر ساويرس بن المقفع (القرن العاشر) في كتابه الدر الثمين (14) أي طقس أو تلميح عن طقس خاص بالزواج، بينما ترجح التطورات اللاحقة حدوث تلقيح للطقوس القبطية من طقوس الكنائس الكاثوليكية واليونانية الغربية ، مما أدى إلى بداية ظهور طقوس زواج قبطية ربما في القرون الثاني عشر والثالث عشر. ولهذا يظهر طقس كامل للزواج في القرن الرابع عشر في كتاب مصباح الظلمة لأبن كبر (ت 1324م) .(15)

أخيرا ، بينما نتفق مع أوغسطينوس ان الزواج في المسيحية يتميز عن غيره في أنه فعل مقدس ، لكنه في نفس الوقت لا ينفي زواج من هو غير مسيحي ولا يصفه بالزنا كمل يدعي رجال الدين اليوم. والزواج المسيحي في جوهره هو عودة إلى الأصل في علاقة آدم بحواء وثالثهما الرب . فهو ايضا نعمة إلهية يجتمع فيها رجل وامرأة مؤمنين بمباركة المسيح بلا وساطة بشر اعتمادا على ايمانهم الحقيقي بالمسيح . أما مراسم الزواج وطقوس كعقد اجتماعي فكانت في الأصل مدنية و لم يكن لها علاقة بالكنيسة ، بل بدأت مدنية تخضع للدولة الرومانية ، تم تسلل إليها تدريجيا وساطة رجال الدين بالمباركة أولا . وتضخم هذا الدور بانهيار الإمبراطورية الرومانية في الشرق والغرب ، وحلول سلطة رجال الدين في الكنيسة مكان السلطة المدنية للدولة الرومانية المنهارة ، ثم تثبت في الشرق بدخول الإسلام فظهرت الحاجة لفصل ما هو مسيحي عما هو إسلامي ، فشجع على دخول رجال الدين المسيحي في مراسم الزواج بشكل أوضح .

الزواج له شقين بحسب الايمان المسيحي ، جانب شخصي روحي يتمثل في علاقة حب جميلة بين شخصين مؤمنين بالرب يسوع تباركها السماء ، وجانب تشريعي تقننه الدول والحكومات المختلفة لحفظ الميراث والحقوق القانونية للزوجين والأبناء . دور الكنيسة كلها (وليس حكرا على رجال الدين) أن تبارك الجانب الروحي من الزواج لو شاءت . لكنها لا تحكم في امور العالم التشريعية من طلاق وزواج وميراث، لهذا قال المسيح لمن أرادوا أن يساعدهم في تقسيم الميراث ” مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟” (لو 12: 14)

____________________________

1) During the first three centuries of Christianity, then, the fathers of the church did not say much about marriage, but when they did they talked about it as an important aspect of Christian life, not as an ecclesiastical institution.(Doors to the Sacred, Joseph Martos, p 36)

2) If, then, he have a wife, or a woman has an husband, let them be taught to be content with each other; but if they be unmarried, let them learn not to commit fornication, but to enter into lawful marriage. (Apost. Const. VIII, 4: XXXII)

2) But it becomes both men and women who marry, to form their union with the approval of the bishop that their marriage may be according to God, and not after their own lust (The Epistle of Ignatius to Polycarp, Ch V)

3) Take care to do all things in harmony with God, with the bishop presiding in the place of God, and with the presbyters in the place of the council of the apostles. (Letter to the Magnesians 2, 6:1)

4) “Since the contracting of marriage must be sanctified by the veiling and the blessing of the priest, how can there be any mention of a marriage, when unity of faith is wanting?” Ambrose letter to Vigilius (Ep. xix, 7, in P.L., XVI, 984)

5) “مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ.” (أفسس 5: 31-32)

6) “وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ” (أفسس 3:9)

7) ” Therefore the good of marriage throughout all nations and all men stands in the occasion of begetting, and faith of chastity: but, so far as pertains unto the People of God, also in the sanctity of the Sacrament, by reason of which it is unlawful for one who leaves her husband, even when she has been put away, to be married to another, so long as her husband lives, no not even for the sake of bearing children: and, whereas this is the alone cause, wherefore marriage takes place, not even where that very thing, wherefore it takes place, follows not, is the marriage bond loosed, save by the death of the husband or wife.” (Augustine : Of the Good of Marriage 24: 32)

8 ) “When they leave the church after this, they wear crowns on their heads, which are always kept by custom in the church. And so, after the wedding is celebrated, they are directed to lead their own life with God disposing over the rest.” (Responses of Pope Nicholas I to the Questions of the Bulgars A.D. 866 (Letter 99, Ch III))

9 ) By the eighth century, liturgical weddings had become quite common, and they were usually performed in a church rather than in a home as before. New civil legislation was passed recognizing this new form of wedding ceremony as legally valid, and in later centuries other laws required that a priest officiate at all weddings. Marriage in the Greek church (for by this time the rest of the eastern empire had been conquered by the Moslems) thus became an ecclesiastical ceremony, and in the view of eastern theologians the priest’s blessing was essential for the joining of two people in a Christian, sacramental marriage. (Doors to the Sacred, Joseph Martos, p 40)

10) عند الروم الأرثوذكس فيه صلاة لإتمام التبني

11) نص القانون الخاص بقصر الزواج على الكنسي

http://webu2.upmf-grenoble.fr/DroitR…/Anglica/NL89_Scott.htm

12) [B]efore the eleventh century there was no such thing as a Christian wedding ceremony, and throughout the Middle Ages there was no single church ritual for solemnizing marriages between Christians. It was only after the Council of Trent, because of the need to eliminate abuses in the practice of private marriages that a standard Catholic wedding rite came into existence. (Doors to the Sacred, Joseph Martos, p 30)

13) If anyone shall say that matrimony is not truly and properly one of the Seven Sacraments of the Evangelical Law, instituted by Christ our Lord, but was invented in the Church by men, and does not confer grace, let him be anathema. (Canon I, Sess. XXIV)

14) الدر الثمين في ايضاح الدين (القرن العاشر)

15) ج2 ص237-242

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: