مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

الإسلام وعلاقته بالنُصرانية والمسيحية {1}

Posted by marylady في مارس 22, 2013

الإسلام وعلاقته بالنُصرانية والمسيحية {1}

islam_christianity

بقلم: نانا جاورجيوس

يصرخ الإسلاميين آناء الليل وأطراف النهار بتكفير المسيحيين وإزدراء المسيحية بأنها ديانة شركية لا توحيدية، هل فكر أحد لماذا يصرخ الإسلاميين بهذه الصورة الهستيرية بينما يعلم العالم كله أن المسيحي ليس نصرانياً ؟! لماذا يستميت الإسلامي ويُصرِّ على إستخدام مسمى «نصارى» رغم عدم وجود مصدر تاريخي واحد قبل القرآن يخبرنا أن المسيحيين حول العالم هم نصارى أو من نسلهم! بل على العكس نجد أن الكنيسة الرسولية حاربت كل البدع وقضت عليها، ومن بينها بدعة نصارى عرب الجاهلية التي خرجت بدعتهم عن شيعة اليهود الإبيونيين. فمنذ صعود السيد المسيح وبعد أن سلم الإيمان الصحيح لتلاميذه ورسله قائلاً{ اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم…}«مت28: 19» وأوصاهم أن يكونوا شهودا له حتى أقاصي الأرض{وتكونون لي شهودا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض}«أع1: 8»وأيضاً{وأَنتُم شُهودٌ على ذَلِكَ} «لوقا24: 38»فحق تلمذة العالم والشهادة للمسيح تسلمها التلاميذ والرسل من السيد المسيح رأساً وسلموه هم بدورهم للكنيسة الأولى تحت مسمى { التسليم الرسولي} وأي تعاليم يُخالف هذا التسليم الرسولي يُعتبر بدع وهرطقات وإنحراف عن تعاليم السيد المسيح، لهذا واجه التلاميذ والرسل بشجاعة كل هذه البدع والهرطقات وكل تعاليم تخالف تعاليم المسيح. وأول من حارب هذه البدع والهرطقات هو التلميذ يوحنا الإنجيلي، فإنجيله هو آخر إنجيل كٌتب في نهاية تسعينيات القرن الأول الميلادي وكانت بعض البدع والهرطقات قد بدأت في الظهور قبل كتابته، لهذا إهتم يوحنا بكشف سر لاهوت المسيح وكيفية تجسده الكلمة الأزلي بإثباتات واضحة لاتقبل الشك. وهذا واضح في تعاليم التلاميذ ورسائلهم للكنيسة الأولى التي أرست الإيمان الصحيح بها، فيقول القديس بطرس الرسول في رسالته الثانية:{ ولكن، كان أيضا في الشعب أنبياء كذبة، كما سيكون فيكم أيضا معلمون كذبة، الذين يدسون بدع هلاك. وإذ هم ينكرون الرب الذي اشتراهم، يجلبون على أنفسهم هلاكا سريعا}«2بط2: 1» ويقول بولس الرسول{ لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضاً، ليكون المُزَّكون ظاهرون بينكم}«1كو11: 19» فبدع المعلمون الكذبة الذين وصلوا حد الإنكار لإلوهية السيد المسيح الذي اشتراهم بدمه، لهذا وصفهم بولس بـ«الإخوة الكذبة»الذين أرادوا إستعباد الكنيسة والمسيحيين بفكرهم المنحرف«2كو: 26، غلاطية2: 4» فلم يخضع لهم تلاميذ المسيح بل تصدوا لهم كما أوضح بولس الرسول:{الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة، ليبقى عندكم حق الإنجيل}«غلا2: 5» وبقى عندنا نحن المسيحيين حول العالم حق البشارة بالإنجيل بحسب التسليم الرسولي، لاعند المعلمين الكذبة وأصحاب البدع.

فاليهود إعتبروا أن كل من صار مسيحياً فهو خارج عن تطبيق أحكام شريعتهم فهو «شيعة» وتعنى «بدعة أو هرطقة»، فالمسيحية شيعة وكل من يعتنقها فهو«متشيع أي مهرطق» وخارج عن الإيمان اليهودي، لهذا خرجت من اليهودية بدعة« المسيحيين المتهودين» وهم { اليهود الفريسيين الذين صاروا مسيحيين} ونادوا بالتمسك بتطبيق الشريعة بجانب إيمانهم بالمسيحية، وحاولوا فرض سيطرتهم على الكنيسة الأولى بعيداً عن تعاليم المسيح التي سلمها لتلاميذه ورسله، لفرض تطبيق أحكام الشريعة والناموس وتهويد الأمميين الوثنيين الذين قبلوا الإيمان المسيحي، من هذه الجماعات بدعة«شيعة الناصريين» التي أتُهم القديس بولس الرسول على يد الخطيب ترتلس واليهود المتشددين بإنتمائه إليها «أعمال24: 5» فهم أعتبرونه متشيع أي«مسيحي متهود» خارج عن إيمانهم، ونسبوه للناصريين للتحقير والإزدراء لأن أهل الناصرة محتقرين بين اليهود، رغم عدم إنتمائه للناصرة، لهذا نفى وبشدة إتهام اليهود له بإنتمائه لبدعة الناصريين، ودافع بشدة ضد إتهاماتهم الباطلة قائلاً:{ ولا يستطيعون أن يثبتوا ما يشتكون به الآن علىَّ، ولكنني أقرِّ لك بهذا: أني بحسب الطريق الذي يقولون له« شيعة»، هكذا أعبد إله آبائي، مؤمناً بكل ماهو مكتوب في الناموس والأنبياء}«أع24: 13- 14»..{ الطريق الذي يقولون له شيعة} فهم من يقولون ويدَّعون بهذا، وكأنه يقول هم من أطلقوا علىَّ شيعة وعلى إيماني بالمسيح، فلو إيماني بالمسيح هرطقة وتشيع فليعتبروني كما يريدون، ولكني سأظل أعبد إله آبائي كما جاء في الناموس والأنبياء.
ومصطلح الهرطقة أو البدعة كما أطلقه اليهود على كل يهودي خارج عن اليهودية وآمن المسيح، كذلك إستخدم التلاميذ والرسل في الكنيسة الأولى نفس المصطلح للإشارة إلى الخارجين عن تعاليم كنيسة «التسليم الرسولي» الأولى والتي ثبَّتوا أساسها، فأشار بطرس الرسول للمهرطقين بإسم« بالمعلمون الكذبة» لأن الإيمان الصحيح قد سُلِّم مرة واحدة للقديسين لا للمعلمون الكذبة كما قال يهوذا التلميذ:« الإيمان المسلم مرة للقديسين… لأنه دخل خُلسة أناس قد كُتِبُوا منذ القديم لهذه الدينونة … وينكرون السيد الوحيد: الله وربنا يسوع المسيح»« يهوذا3- 4». فكل من أنكروا إلوهية ربنا يسوع المسيح هم خارجين عن التسليم الرسولي وأُعتُبِروا مهرطقين لفساد تعاليمهم الكاذبة.

فالتلاميذ والرسل إعتبروا أن جماعة شيعة الناصريين هذه بدعة رغم إيمان الناصريين بإلوهية السيد المسيح كإبن الله الكلمة المتجسد وأنه تجسد بالروح القدس، ولكن بدعتهم في أنهم آمنوا بالمسيحية واليهودية معاً في آن واحد، أي صاروا مسيحيين متهودين إذ ظلوا متشددين في تطبيق أحكام الشريعة ومحتفظين بالتقاليد اليهودية وبأعمال الناموس وحفظ السبت وشددوا بضرورة الختان كشرط للخلاص لمن يدخل الإيمان المسيحي من الأمميين الوثنيين، وقد إجتمع التلاميذ والرسل لرفض هذا الفكر المتهود، حيث قال بولس:{ لكن لما رأيت أنهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الإنجيل، قلت لبطرس قدام الجميع: إن كنت وأنت يهودي تعيش أمميا لا يهوديا، فلماذا تلزم الأمم أن يتهودوا}«غلاطية2: 14»، ولهذا رفض بولس الرسول وبشدة أن يطلق عليه مسمى «شيعة الناصريين» لأن إيمانه ليس متهوداً بل متحرراً كما حررنا المسيح من لعنة الناموس، وكما ورد في«أعمال الرسل 15»:{ وإنحدر قوم من اليهودية وجعلوا يعلمون الإخوة أنه إن لم تختتنوا حسب عادة موسى لايمكن أن تخلصوا }، فبسبب التعاليم المنحرفة والفاسدة للمعلمين الكذبة الذين لم يتسلموا الإيمان تسليماً رسولياً، عقد التلاميذ والرسل مجمع أورشليم الرسولي الأول بين عامي 50، 51م برئاسة أسقف أورشليم القديس يعقوب الرسول، وكان من نتائج هذا المجمع أن أرسلوا لكنيسة الأمميين في أنطاكية وسورية وكيليكية بأنهم كأممين غير ملتزمين بالتهود ولا بتطبيق الناموس، بل فقط { يمتنعوا عن نجاسات الأصنام والزنا والمخنوق والدم}«أع15: 20»، وبأن هؤلاء المعلمين الكذبة علموا الناس تعاليم لم يأمرهم بها التلاميذ والرُسل فهم خارجين عن تعاليمهم :{ إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا، أزعجوكم بأقوال، مقلبين أنفسكم ، وقائلين أن تختتنوا وتحفظوا الناموس، الذين نحن لم نأمرهم}«أع15: 24»، واضح من رسالة مجمع أورشليم الرسولي الأول لكنائس الأمميين أنهم تصدوا لبدع المتهودين وتعاليمهم الفاسدة والخارجة عن التسليم الرسولي الصحيح والذي علم الأمم والشعوب الوثنية أن المسيح المسيح هو الإله الأزلي الذي تجسد في ملء الزمان، وكما سلمهم المسيح هذه التعاليم سلكوا هم أيضاً في طريق الإيمان الصحيح وعلموا الأمم.

من الإنجيل يتضح أن بدعة الناصريين ليست بالطبع بدعة «النصارى» الذين ذكرهم القرآن، فمن الناحية اللغوية نجد أن مفرد الناصريين« ناصري» أما مفرد نصارى«نصراني»، تذكر كتب التفاسير الإسلامية أن لفظ نصارى جائت نتيجة أن التلاميذ« ناصروا» عيسى بينما نعلم أن من ناصروا رسول الإسلام أسمهم« أنصار» ! والسؤال هنا ما الفرق بين لفظة نصارى وأنصار إذا كان كلا الفريقين« ناصروا» نبيهم ؟! رغم أن القرآن أطلق لفظ «أنصار» على أتباع عيسى وهو نفس المسمى الذي اطلق على أتباع محمد، بقوله:{ فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله}،«قال من أنصارى..قالوا نحن أنصار!» إذاً الحواريون بحسب القرآن هم أيضاً أنصار وليسوا نصارى! فلو كان لفظ أنصار يُقصد به النصارى فكان بالأولى أنصار محمد يطلق عليهم نصارى، أليس كذلك؟! كذلك إسم الفاعل من الفعل «ناصروا» هو «ناصريون أو مناصرون أو أنصار» كما أطلقت على أتباع رسول الإسلام والتي مفردها «أنصاريّ أو ناصر أو نصير»، وليس نصراني كما أطلقها القرآن على أصحاب بدع اليهود التي إنتشرت بجزيرة العرب وأهمها بدعة«النصارى الإبيونيين»، التي لاقت رواجاً فكرياً بجزيرة الجاهلية وبعض مناطق آسيا الصغرى والشام مكونين تجمعات وفرق ضالة مثل نصارى الشام ونصارى مكة ونصارى الحجاز ونصارى يثرب ونصارى نجران ونصارى اليمن….ألخ

ونصارى الإبيونية هم فرقة من شيعة اليهود المتهودين ويتشابهون مع فكر الناصريين في تمسكهم بتطبيق أحكام الشريعة والناموس ويحفظون السبت والختان ولكن الفرق بينهما أن الناصريون آمنوا بإلوهية السيد المسيح بينما أنكرها النصارى الإبيونيين إذ إعتبروا السيد المسيح مجرد إنسان يمتاز فقط عنهم بالنبوة، وبالتالي لايعترفون بعقيدة الثالوث الإلهي للآب والإبن والروح القدس، وينكرون فداء السيد المسيح وصلبه وقيامته مدعيين أن من صلب هو شخص أخر غيره فقد شُبِّه على من صلبوه وبالتالي لايعترفون بخلاصه الأبدي، كذلك لايعترفون برسائل بولس الرسول التي تفسر لاهوت المسيح ومفهوم الخلاص، فالإبيونيين هم شيعة يهود أكثر من كونهم مسيحيين، لأنهم لايؤمنون بالإنجيل اليوناني بنسخه الأربع الذي سلمه لنا التلاميذ والرسل تسليماً رسولياً والذي يُعلن فيه السيد المسيح إلوهيته كإبن الله الكلمة الأزلي والمتجسد، وهذا ما أكده وبتفصيل العلامة والمؤرخ«جواد عليِّ» في موسوعته« مفصل تاريخ العرب قبل الإسلام »،حيث يقول في الجزء السادس صفحة 635: { أما الإبيونيون Ebionites فجماعة من قدماء اليهود المتنصرين عرفوا بهذه التسمية العبرانية الأصل التي تعنى« الفقراء» ولايعرف عن كيفية ظهورهم ونشوء عقيدتهم على وجه صحيح أكيد. وكل ما يقال عن معتقداتها إنها مزيج من اليهودية والنصرانية، وإنها نصرانية بنيت على أسس ودعائم يهودية فهي نصرانية يهودية في وقت واحد…. وهم يعتقدون بوجود الله الواحد خالق الكون، وينكرون رأي بولس الرسول في المسيح، ويحافظون على حرمة يوم السبت وحرمة يوم الرب… ويعتقد أكثرهم أن المسيح بشر مثلنا، أمتاز عن غيره بالنبوة، وبأنه رسول الله، أرسله إلى الناس أجمعين، فهو رسوله ولسانه الناطق برسالته للعالمين، وهو نبي كبقية من سبقه من الأنبياء المرسلين، وقد آمن بعض منهم بعقيدة العذراء وولادتها للمسيح من غير إتصال ببشر، غير أن بعضاً أخر منهم آمن بأن المسيح ابن مريم من يوسف فهو بشر تماماً، وأنكر الصلب المعروف، وذهب إلى أن من صلب كان غير المسيح، وقد شبِّه على من صلبه، فظن أنه المسيح حقاً، ورجعوا إلى إنجيل متى بالعبرانية، وأنكروا رسالة بولس على النحو المعروف عند بقية النصارى.}.
فوصف المؤرخ جواد لمعتقدهم هو وصف صحيح وبتفصيل دقيق، فهم جماعة متهودة لايعرف متى ظهروا، وإن كان أول مرجع ذكر بدعة الإبيونيين هو كتاب «البناريون أو خزانة الدواء» المعروف بـ« الهرطقات» عام 377م للقديس أبيفانيوس أسقف سلاميس وذكر أن بدعة الإبيونية ظهرت بعد خراب أورشليم عام70م وتشتت اليهود، مما يدل على أنها ليست بدعة الناصريين المذكورة في سفر أعمال الرسل والتي ظهرت في وقت مبكر قبل خراب أورشليم، بينما نصارى الأبيونية ظهروا في وقت متأخر بعد إنتشار المسيحية الرسمية حول العالم بحسب التسليم الرسولي لكنائس الأمميين، ويذكر أبيفانيوس في «الهرطقات» أنها بدعة إستمدت عقيدتها من الإنجيل العبراني الآرامي المنحول والمنسوب زيفاً للقديس متى والذي كان بحوزتهم ويعتنقون فكره ويمارسون ماجاء به من فروض وطقوس، وهو إنجيل أبوكريفي «منحول» ومحرَّف وغير مكتمل، فأقدم مخطوطات إنجيل متى الحقيقي وُجدت مكُتوبة باليونانية وكانت الكنيسة الرسولية الأولى تستخدمه، كذلك كتابات جميع الآباء الأولين كانوا يقتبسون من إنجيل متى اليوناني. أما الإنجيل بحسب العبرانيين رغم أنه يعترف بميلاد يسوع بالروح القدس من العذراء، إلا أنه ينكر إلوهية السيد المسيح وينكر بنوته لله وينكر صلبه وأن المسيح في إيمانهم مجرد نبي ولم يُصلب لأن من ظنوا أنهم صلبوه قد« شبِّه لهم»، وعند هذا الفكر المنحرف والفاسد لنصارى الإبيونية لنا وقفة وجب معها القول أن هناك {{ خطاً قرمزياً }} واضحاً لاتخطئه الأعين ولا الأفهام بين معتقدات بدعة نصارى الإبيونية وبين ما يقوله كاتب القرآن عن إنكاره لإلوهية المسيح وإنكار صلبه وإن من إدعوا صلبه« شبِّه لهم»، فقد إستمد القرآن معرفته عن المسيحية من معتقدات أهل البدع والهرطقات التي حاربها التلاميذ وحاربتها الكنيسة الأولى منذ وقت مبكر، فبدا وكأن كاتب القرآن لديه قصور معرفي بالأديان الصحيحة وخاصة الإيمان المسيحي المُسَلَّم تسليم رسولي لكنيسة الرسولية الأولى، ورغم خطأ المؤرخ «جواد عليِّ» في إدراجه للمسيحية الصحيحة مع بدعها تحت مسمى عام واحد وهو «الديانة النصرانية» إلا أننا نجده قد فرق بين المسيحية الصحيحة الرسمية أو كما أسماها« النصرانية الرسمية» وبين بدعة «نصارى الإبيونية» بقوله: { نعم، دخلت سادات القبائل والحكام العرب التابعون لهم في هذه الديانة، فصاروا نصارى، ولكنهم لم يتخذوا نصرانية الروم، بل أخذوا نصرانية شرقية مخالفة لكنيسة «القسطنطينية» فإعتنقوها مذهباً لهم. وهي نصرانية عُدّت«هرطقة» وخروجاً على النصرانية الصحيحة « الأرثوزكسية» في نظر الروم. نصرانية متأثرة بالتربة الشرقية، وبعقلية شعوب الشرق الأدني، نبتت من التفكير الشرقي في الدين، ولهذا تأثرت بها عقلية هذه الشعوب فإنتشرت بينها، ولم تجد لها إقبالاُ عند الروم وعند شعوب أوروبة. وكان من جملة مميزاتها عكوفها على دراسة العهد القديم، أي التوراة، أكثر من عكوفها على دراسة الأناجيل….}.
هنا فرَّق العلامة جواد بين المذهب الأرثوزكسي الصحيح والذي كان منتشراً بين الروم وشعوب أوروبا، في وقت لم تجد هرطقة النصرانية في الشرق الأدنى إقبالاً من شعوب العالم، ليس لأنهم أهتموا بتطبيق توراتهم أكثر بل لإنكارهم لاهوت المسيح ولم يؤمنوا بالإنجيل الصحيح بنسخه الأربعة بحسب التسليم الرسولي، فيهود الإبيونية تشتتوا ونشروا تعاليمهم بين قبائل عرب الجاهلية الذين تنصروا على أيدي تجار النصارى والذين كانوا يتاجرون بين الشام وجزيرة الجاهلية وبعضهم عُينوا أساقفة وتسموا « أساقفة أهل الوبر أو أساقفة الخيام» كما ذكر المؤرخ جواد في صفحة588، فلم يكن إيمان نصارى العرب عن طريق التسليم الرسولي للتلاميذ والرسل الذين لم يدخلوا جزيرة الجاهلية ليكرزوا بإنجيلهم مباشرة فيها، فكان حتمياً ومنطقياً جداً تأثر قبائل عرب الجاهلية بنصارى الإبيونية المتهودين، وكان منطقياً أيضاً وجود توراتهم العبرية وهي الأساس في تطبيق شرائعها، بجانب إنجيلهم العبراني المكتوب بالآرامية والذي يحتوي تعاليم نصارى الإبيونية وفرائضها، وكان من الطبيعي أن تتنصر بعض قبائل العرب ومنها بعض بطون قبيلة قريش والتي منها فرع عبد العزي بن قصي كما تشهد كتب السير، فيقول تاريخ اليعقوبي :{ وأما من تنصر من أحياء العرب، فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزى، منهم: عثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وورقة بن نوفل ابن أسد،…}« تاريخ اليعقوبي ج1-ص 257» وأسد بن عبد العزي حفيدته هي السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد التي هي أول زوجات رسول الإسلام، والذي لم يتبقى من فرعه سوى خديجة وعمها عمرو بن أسد وإبن عمها القس النصراني ورقة ابن نوفل بن أسد الذي بارك مراسم زواجها بمحمد وشهد عليها وخطب قائلاً:{ فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا ينكر العرب فضلكم …. فاشهدوا عليّ معاشر قريش إني قد زوّجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله وذكر المهر،…} «السيرة الحلبية – جزء1»
نلاحظ ان المصادر الإسلامية وكُتَّاب السيرة تجاهلوا ذِكر ديانة خديجة قبل وأثناء زواجها بمحمد، فلو كانت مُشركة وكافرة كانوا ركَّزوا على كفرها وأعلنوه بفخرٍ وهي التي صارت أول إمرأة إهتدت للإسلام وآمنت بنبوة زوجها ! ولكن تعمد تجاهل ذكر نصرانيتها التي هي ديانة أبيها وجدها حتى لايذكر أنها تزوجت حسب طقوس النصرانية، فيذكر لنا كتاب الروض الأنف للسهيلي أنها كانت تُسمى بـ { الطاهرة} في الجاهلية فيقول:{ وخديجة بنت خويلد تسمى : الطاهرة في الجاهلية والإسلام}، فطبيعي أن تُسمى بالطاهرة في الإسلام لأنها تديَّنت وآمنت بالله، بينما هذا الإسم ليس من الطبيعي أن تتسمى به وهي على وثنيتها، فلماذا تُدعى طاهرة وهي مُشركة وكافرة ؟! فـ« المشركون نجس» كما ذكر القرآن، وصفة الطهارة لاتطلق إلا على المؤمنين بالله،أليس كذلك؟ كذلك تذكر كتب السيَّر أنها كانت أرملة لرجلين ولم تُطلق لأي من زوجيها السابقين، فهي على النصرانية التي لا طلاق فيها، مثلما لم يطلقها ولم يتزوج عليها رسول الإسلام طيلة حياتها، فزواجه بها كان زواجاً نصرانياً.

أما نسب القس ورقة والسيدة خديجة يلتقيان بنسب رسول الإسلام عند الجد الرابع« قصي بن كلاب» لهذا نجد أن المصادر الإسلامية للسيرة تجاهلت الفرع المنحدر من عبد العزي بن قصي لأنه الفرع النصراني من قبيلة قريش والذي إنحدر منه قس مكة ورقة ابن نوفل الذي كان أول من ترجم إنجيل العبرانيين الآرامي المنحول لقبيلة قريش، فصار إنجيل النصارى العرب هو إنجيل عبراني مُعرَّب من الآرامية، فتذكر كتب السير أن القس المتنصر ورقة ابن نوفل الذي كان ينقل إلى العربية من الإنجيل العبراني لإجادته اللغة العِبرية، فيقول صحيح البخاري عن القس المتهود:{ كان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب}، وهذا ما أكده المؤرخ جواد عن إستخدام نصارى الإبيونية لإنجيل متى بحسب العبرانيين وهو إنجيل إبوكريفي منحول، وإنتشار إستخدامهم للغة العبرية الآرامية في كتاباتهم وعلومهم الدينية وصلواتهم وإقامة شعائرهم إنتشاراً واسعاً، فيقول في الجزء السادس صفحة 599 : { كما نجد الصبغة النصرانية للأعلام واضحة…. وذلك بسبب أن النصرانية كانت متأثرة بثقافة بني إرم، وكانت تستخدم اللغة الإرمية في الصلوات وفي تأدية الشعائر الدينية الأخرى. ولغة بني إرم هي لغة العِلم عند النصارى الشرقيين، فكان من الطبيعي إستعمال النصارى العرب لهذه اللغة في الكنائس وبيعهم وأديرتهم وفي دراستهم للدين وما يتصل باللاهوت من علوم. ومن هنا استعمل كُتابهم قلم بني إرم في كتاباتهم، ومن هذا القلم تولد القلم النبطي المتأخر الذي تفرع منه القلم العربي الذي كتب به أهل الحجاز عند ظهور الإسلام، فصار القلم الرسمى للمسلمين}.
إلى هنا إنتهى كلام العلامة جواد وهو كلام صحيح ومنهجي وموثق بدقة متناهية. فمن الطبيعي والمنطقي جداً أن نجد أن مايؤمن به نصارى الإبيونية هو نفسه مايقوله القرآن بشأن إنكاره لإلوهية السيد المسيح ولصلبه ولقيامته، وتجاهله لمسيحي العالم ومايؤمنون به بحسب التسليم الرسولي، في الوقت الذي فيه المسيحيين حول العالم ومنذ بداية إنتشار المسيحية عُرِفوا بإسمهم في أنطاكيا أولا:{ وَدُعِيَ التَّلاَمِيذ«مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً}«أعمال 11: 26»، وكما قال أغريباس لبولس:{ بقليل تقنعني أن أصير مسيحيًا}«أع26: 28» وكانت تسمية المسيحيين تُطلق عليهم أحياناً كنوع من الإستهزاء والمعايرة كما ذكر القديس بطرس الرسول:{ إن عُيِّرتم بإسم المسيح، فطوبى لكم… ولكن إن كان كمسيحي، فلا يخجل، بل يمجد الله من هذا القبيل}« 1بط4: 14 ،16» ،ويذكر المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس «35م-100م» والذي عاصر التلاميذ والكنيسة الأولى ونقل لنا في تاريخه والذي يعتبر أول مرجع تاريخي يؤرخ عن شخصية السيد المسيح وعن صلبه وقيامته وعن أتباعه الذين يُدعون « مسيحيين» فيقول في صفحة 214 من كتاب تاريخ اليهود :{ ولم يزل إلى يومنا هذا بعض الناس يُدعون مسيحيين الذين يعترفون به رئيساً لهم}.

ورغم كل هذه الإثباتات الإنجيلية والتاريخية نجد أن رسول الإسلام لم يستطع أن يفرق أو بمعنى أصح تجاهل التفرقة بين الديانة المسيحية الواسعة الإنتشار حول العالم وأتباعها كمسيحيين الذين هم أتباع الإيمان بحسب التسليم الرسولي الصحيح، وبين أصحاب البدع التي حاربت المسيحية كبدعة نصارى الإبيونية التي إنتشرت بين قبائل عرب الجاهلية ومنهم قبيلة قريش التي عاش بينهم وتأثر بثقافتهم وبفكرهم النصراني، فلم يذكر المسيحيين أبداً في قرآنه بإسمهم الحقيقي ولم يذكر شيئاً عن معتقداتهم وإيمانهم الصحيح بحسب أناجيلهم اليونانية التي كتبها تلاميذ المسيح، أما نصارى عرب الجاهلية الذين إعتنقوا معتقدات شيعة يهود الإبيونية فيقول عنهم الدكتور جواد في الجزء السادس من موسوعته صفحة599 :{ وقد نعت الرواة وأهل الأخبار، العرب التي دانت بالنصرانية بـ «العرب المتنصرة» ، تمييزاً لهم عن العرب الآخرين الذين لم يدخلوا في هذه الديانة…}. هكذا نجد أن من أسماهم بالمتنصرين أو بالنصارى العرب هم الرواة وأهل الأخبار قبل الإسلام، والسؤال، هل كان جبريل ينقل لصاحب القرآن عن الرواة وأهل الأخبار الجاهليين ولا يعلم أنه كان ينقل عنهم بدع وهرطقات قامت ضد المسيحية الصحيحة؟! فالتلاميذ والرسل والآباء الأولين بل وشعب الكنيسة الأولى أطلق عليهم مسيحيين منذ صعود السيد المسيح مباشرة وقبل ظهور هرطقة نصارى الإبيونية والتي إنتشرت بين عرب الجاهلية المتنصرين وتشعبت لعدة شيَّع وفرق ومذاهب وهرطقات متنوعة.

وبالرغم من هذا نجد أن رسول الإسلام عند إتصاله ومخاطبته للعالم المسيحي الخارجي أي المسيحيين خارج حدود جزيرته، نجد أنه قد ميَّزهم عن نصارى قرآنه، ونلاحظ هذا في بعض الأحاديث الصحيحة وبعض مكاتباته، فنجده يقول:{ إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا، فإن لهم ذمة و رحما}« المحدث: الألباني- صحيح على شرط الشيخين»، فلماذا لم يقل «استوصوا بالمصريين»، أو لماذا ميَّزهم بالقبط ولم يسميهم «بنصارى مصر»؟!
في حديث أكثر وضوحاً نجده يقول:{الله الله في قبطِ مِصرَ؛ فإنَّكم ستظهرونَ عليهم، ويكونُون لكم عُدَّةً وأعواناً في سبيل الله }، فإن كان يقصد الهوية القبطية كان إكتفى بقول« الله الله في المصريين» وإذا كان يقصد الهوية الدينية فلماذا لم يصفهم بـ«نصارى مصر» إذا كان الأقباط نصارى كما يدعي الإسلاميين اليوم؟!
نقطة أخرى، في مكاتباته الرسمية للدول الخارجية لدعوتهم للإسلام، هناك ملاحظة مهمة تجيب على هذه التساؤلات، وهم تحديداً ثلاثة مكاتبات لهرقل وعظيم كسرى والمقوقس، فيقول في مكاتبته لهرقل: { بسم الله الرحمن الرحيم· من محمد عبدالله ورسوله، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ سَلامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْك إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ}
وبعث نفس نص الرسالة لكسرى ويقول في نهايتها أيضاً:{… فإن أبيت فعليك إثم المجوس}، وفي نهاية رسالته الثالثة للمقوقس الذي خاطبه بـ « عظيم القبط» وهي بالطبع تسمية لاتعني «عظيم المصريين» لأن المقوقس لم يكن مصرياً بل بيزنطياً، ويختم رسالته بنفس القول:{ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ}، نلاحظ قوله: { عَلَيْك إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ – عليك إثم المجوس – عَلَيْكَ إِثْمَ الْقِبْطِ } ،وبالرغم أن الأريوسية بدعة ضد المسيحية والمجوسية ديانة بشرية ولكنه في النهاية خاطبهم بحسب ديانتهم، ومايهمنا قوله « إثم القبط» فلماذا ذكر أهل مصر بالقبط ولم يذكرهم بهويتهم كمصريين إذا كان يخاطبهم بحسب هويتهم الجنسية؟! وما المقصود إذاً«بإثم القبط»؟! فمخاطبته للأقباط جائت على أساس هويتهم الدينية كمسيحيين كما خاطب الأريوسيين والمجوس ، فالإثم ليس وصف للهوية الجنسية بل الدينية، ولو كان الأقباط في نظره مجرد نصارى لايختلفون عن نصارى قرآنه فما الذي منعه أن يخاطبهم كنصارى وليس كأقباط مسيحيين؟!

نستطيع القول أن رسول الإسلام كانت علاقته وثيقة بالنصرانية الإبيونية والتي شب عليها في مجتمعه وتأثر بفكرهم المتهود بل وإستقى قرآنه عن المسيحية من إنجيلهم العبراني ومن عقيدتهم المنحرفة التي إقتنع بها هو شخصياً بل وآمن بها، ولم تكن له ثمة معرفة ولا علاقة بالديانة المسيحية ولا بمعتقدها الصحيح والتي كانت منتشرة في بلدان العالم قبل أن يُولد بأكثر من خمسة قرون من الزمان .
فما يستميت فيه الإسلاميين اليوم من أباطيل وإفتراءات ضد المسيحية والمسيحيين عموماً وضد الأقباط بوجه خاص أنما هي إدعاءات كاذبة ومحاولة لإستخدام أسلوب تلبيس إبليس، ولكنهم معذورين حقاً فعلى من سيُمارسون كراهيتهم ومهمتهم التكفيرية؟! وكأن لسان حالهم يقول:«إن لم يكن المسيحيين بنصارى، فعلى من نطلق هذا المسمى الإسلامي لنقوم بتكفيرهم» ؟!

——————
المــــــــــــــــراجع:
(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام-الجزء السادس:المــــــــــؤرخ الإســـــــلامي جــــــــواد عــــــلى
(2) تاريخ اليهود: المـــــــــــــؤرخ اليهـــــــــودي يوسيـــــــــفوس فلافـــــــــــيوس
(3) الســـــــــيرة الحلبية – الجزء الأول: إبن هشام
(4) تاريخ اليعقوبي – الجزء الأول: أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر
(5) الروض الأنف: أبو القاسم السهيلي

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: