مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

معجزة يسوع الكُبرى

Posted by marylady في أكتوبر 11, 2011

معجزة يسوع الكُبرى

 


بقلم | الحمامة الحسنة

 جميع الخليقة تشهد للميلاد الإعجازي والفريد للسيد المسيح له المجد سواء المؤمنين أو غير المؤمنين، فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي ولد من فتاة عذراء بدون زرع بشر لذلك فهو بدون أب بشري، لذلك لقَّب ذاته (إبن الإنسان) أي إبن للإنسانية كلها. سيقول البعض أن آدم أعظم من المسيح لأنه ولد بدون أب وبدون أم أيضاً، نقول لهم أن آدم كان أول إنسان الخليقة في وقت لم تكتمل فيه صورة الطبيعة البشرية لأن آدم كان أول خليقة الله من بني البشر، وتجلت معه قدرة الله على خلق أعظم كائن حيِّ متوجاً به جميع مخلوقاته، فلم يعد الله محتاجاً لإظهار قدرته كخالق عندما خلق الإنسان وجعله أعظم خلائقه

بل وميزه عن سائر مخلوقاته

 


بينما المسيح ولد في وقت كانت صورة البشرية قد أكتملت من ذكر وأنثىواكتملت معهما الطبيعة البشرية وتجلت بخلقهما القدرة الإلهية. من هنا نقول أن ميلاد المسيح هو ميلاد فريد من نوعه لأنه الإنسان الوحيد الذي ولد بدون أب من بني البشر وحتى هذا الميلاد الفريد لم ينله أعظم الأنبياء من بني إسرائيل، ورغم هذا فإن ميلاد المسيح ليس هو قمة الإعجاز لتجسد المسيح على الأرض.

فقيامة المسيح من بين الأموت هي أيضاً معجزة فريدة من نوعها، فجميع من قاموا من الموت، لم يقوموا بإرادتهم المنفردة بل كانت هناك صلوات حارة من الأنبياء لإقامة هؤلاء الموتي مثل صلوات أليشع النبي في إقامة إبن المرأة الشونمية ( 2ملوك4: 32- 35)، كما إن عظام إليشع النبي قد أقامت إبن أرملة صِرفة عندما دفنوه في قبر إليشع النبي (2ملوك13: 20- 21) ولكن هؤلاء من قاموا من الموت عادوا للموت ثانية. أما المسيح فقد قام من الموت وصعد للسماء ولم يمت ثانية فهو الإنسان الوحيد الذي ذاق الموت وقام منه وظل حيٌ إلى الأبد، كذلك المسيح قام من الأموات بإرادته المنفردة وبسلطانه وحده، ولم يقيمه أحد، فهو القائل عن نفسه المزمع بذلها للموت فداءاً عنا: ( لهذا يحبني الآب لأني أضع نفسي لآخذها أيضا، ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي،لي سلطان أن أضعها و لي سلطان أن آخذها أيضا هذه الوصية قبلتها من أبي)(يوحنا10: 17- 18)، فلا يمكن لأحد أن ينتزع روحه منه إلا بإرادته لأنه تجسد بإرادته لأجل أن يقدم فدائه للبشرية طواعية، فهو الذي وضع ذاته للموت ثم إستردها لأن له كامل السلطان الإلهي أن يبذل نفسه وله كامل السلطان أيضاً أن يستردها ويقيمها من الموت.

فلماذا قال يسوع أن له إرادة منفردة وسلطان في أن يضع نفسه طواعية بإرادته ثم يستردها بإرادته أيضاً ؟

لأنه الإبن الكلمة الذي في طبيعته الإلهية، القدرة على وهب ومنح الحياة والإحياء من الموت فيقول القديس يوحنا في أول إنجيله عن الإبن الكلمة المتجسد: ( كل شيء به كان و بغيره لم يكن شيء مما كان،فيه كانت الحياة)(يو1: 3- 4)
فالإبن الكلمة المتجسد ( فيه كانت الحياة ) التي أوجد بها كل شيء،لذلك هو يُوهب الحياة لمخلوقاته من خلال طبيعتة الإلهية المانحة للحياة، والمسيح أعلن هذه الحقيقة عن نفسه أن له طبيعة (الحياة في ذاته) كما أن الآب له حياة في ذاته، فيقول: (لأنه كما ان الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الإبن أيضا ان تكون له حياة في ذاته) (يو5: 26)، كذلك قال عن ذاته أنه له نفس الطبيعة الإلهية في الإحياء من الموت والتي هي نفس الطبيعة التي للآب المحيي أيضاً ، فكما أن الآب يقيم أموات كذلك فالإبن أيضاً يحيي من يشاء مثل الآب، فيقول: ( لأنه كما ان الآب يقيم الأموات و يحيي كذلك الإبن أيضا يحيي من يشاء، لأن الآب لا يدين أحداً بل قد أعطى كل الدينونة للإبن) (يوحنا5 :21- 22)، فمن له طبيعة منح نسمة الحياة للكائنات والمخلوقات ، قادر على الإحياء من الموت ومن العدم، نلاحظ في هذه الآيات ربط المسيح بين قدرته على أن يحيي من يشاء وبين يوم مجيئه الثاني( يوم القيامة) لليدين العالم. ولأنه الذي سيقيم البشرية في هذا اليوم العظيم (يوم الرب)، فيكمل في نفس الآيات قائلاً: ( الحق الحق اقول لكم أنه تأتي ساعة و هي الآن حين يسمع الأموات صوت إبن الله و السامعون يحيون ،لانه كما ان الآب له حياة في ذاته كذلك أعطى الإبن أيضا أن تكون له حياة في ذاته، و أعطاه سلطانا أن يُدين أيضا لأنه إبن الانسان، لا تتعجبوا من هذا فانه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات الى قيامة الحياة و الذين عملوا السيات الى قيامة الدينونة) ( يو5: 25- 29)، ويكرر ويؤكد المسيح إعلان هذه الحقيقة فيقول: ( وأنا أقيمه في اليوم الأخير) (يو6: 44)، فمن له صفة الحياة في ذاته، يستطيع أن يوهب الحياة الأبدية بكلمة منه (حين يسمع الأموات صوت إبن الله و السامعون يحيون ) يوم مجيئه الثاني في قيامة الدينونة العامة، فهو الإبن الكلمة الذي خلق أعين من طين للمولود أعمى، مثلما خلق الرب الإله آدم من طين، وهو الإبن الكلمة الذي خلق جسد جديد للعازر الذي مات وأنتن أربعة أيام وتحلل جسده في القبر، وإستدعي روح لعازر من الجحيم ليحيه ويقيمه ثانية من الموت بجسد جديد : (صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجاً)(يو11: 43)،وهو الإبن الكلمة المحيي الذي أقام الشاب الميت الذي تصادف مرور نعشه أمام السيد المسيح أقامه بكلمته الإلهية المحيية ( لك أقول قم) (لوقا7: 14) لأنه بسلطان لاهوته المحيي يُحيي من يشاء.

فكيف لمن أقام الموتي ولمن سيقيم البشرية كلها يوم القيامة الأبدية ليدينهم، كيف لايستطيع ان يقيم نفسه من موته الجسدي المؤقت؟! كيف لايقيم نفسه ويقيمنا معه وهو من قال عن نفسه أنه القيامة والحياة: (أنا هو القيامة والحياة من آمن بى ولو مات فسيحيا )( يوحنا 25:11)، لهذا لم تكن أيضاً قيامة المسيح من الموت هي المعجزة الأعظم له، والتي سبق وأخبر بها تلاميذه أكثر من مرة قبل صلبه فهو تجسد خصيصاً لكي يُصلب لإتمام الفداء لننال معه الخلاص والحياة الأبدية، ويقوم بإرادة منفردة وبسلطان لاهوته المحيي.

فإذا كان ميلاده وقيامته من الموت هما حدثين تاريخيين فريدين من نوعيهما ولم ولن يتكررا، ولم نسمع عن أحد من البشر أن مر بهذين الحدثين من قبل، ولكن أيضاً فهما ليستا المعجزتين الكُبيرتين للسيد المسيح له المجد، فما هي إذاً المعجزة الكبري له ؟ إنها معجزة موته، نعم المعجزة الكبرى للسيد المسيح هى موته جسدياً !
فهو من قال عن نفسه أنه بلا خطية ( من منكم يبكتني على خطية)(يو8: 46) وقال عنه بطرس الرسول: (الذي لم يَفعَلْ خَطيَّةً، ولا وُجِدَ في فمِهِ مَكرٌ) (1بط2: 22) ، وقال عنه القديس يوحنا: (و ليس فيه خطية) (1يو5:3)، فكيف للذي ليس فيه خطية ولا عيب ولم يوُجد في فمه مكر، كيف له أن يموت ويسري عليه شريعة الخطية ؟!

فنحن نعلم أن الخطية يتولد عنها الموت بحسب قانون طبيعتنا البشرية وبحسب (ناموس) شريعة الخطية، وكما يقول الكتاب أن: ( أجرة الخطية هي الموت) (روميه 23:6) وأن ( النفس التى تخطىء هى تموت) (حزقيال 18 :20 ) و( والخطية إذا كملت تنتج موتاً) (يعقوب 1: 15)، (حتى كما ملكت الخطية في الموت…)(رو5: 21)، فالخطية هي التي ملكت وجلبت الموت لطبيعتنا الإنسانية، وكان هذا الموت هو النتيجة الطبيعية للخطية والتي حذر الرب الإله آدم منها حين قال له: (لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت)( تك2: 17)،(وهكذا إجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع) ( رو5: 12)، فكيف يموت المسيح جسدياً وهو الذي لم يفعل خطية بهذا الجسد وبالتالي فالمنطق يقول أن قانون الخطية المؤدي للموت لايسري علي الإنسان البار والقدوس الذي بلا عيب ولا خطية، فلا سلطانٌ للموت عليه لأنه القدوس الذي بلاعيب ولا دنس ؟!

أنها لمعجزة عظيمة تفوق العقول وتفوق إدراكنا البشري أن يُخضِع المسيح ذاته تحت شريعة الخطية والموت لأجل خلاصنا وهو الغير مستحق لهذا الموت لأن موته جاء ضد قوانين عالمنا الأرضي وضد قانون الطبيعة البشرية الخاطئة والهالكة في الجحيم وضد شريعة الخطية التي سرت على البشرية جمعاء بدءاً من آدم وإلى يوم القيامة إذ أخطأ الجميع. فالخطية تولد الموت وهو الإنسان الوحيد الذي بلا خطية فلا يستحق أن يسري عليه ولا يجوز فيه الموت،

ولكن أجابنا الإنجيل على هذا السؤال بقوله ان المسيح كان وسيط عهد جديد وُجد على هيئة إنسانية ليطيع حتى الموت موت الصليب(فيلبي2: 8) وصار موت لفداء التعديات التي حدثت في العهد الأول لننال الميراث الأبدي(عب9: 10)، فهو الذي حمل في جسده خطايانا على الصليب لكي بجلدته نُشفي من خطايانا التي أهلكتنا (1بطرس2: 24)(الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر. الذي بجلدته شفيتم).

في الحقيقة المسيح لم يمت جسدياً وإن بدى جسده هكذا بل الذي ماتت هي طبيعتنا البشرية الخاطئة التي حملها وإحتواها في جسده المتحد بلاهوته الإلهي المحيي، فطبيعتنا البشرية هذه هي التي ماتت على الصليب ليمنحنا بقيامته الخلاص والحياة الأبدية، المسيح مات ظاهرياً بالجسد ليتمم الفداء ولكن في الحقيقة مظاهر هذا الموت لم تتمكن من جسده القدوس حيث يقول الإنجيل آية هامة جداً عند موت المسيح على الصليب: ( لأنهم رأوه قد مات لكن واحدا من العسكر طعن جنبه بحربة و للوقت خرج دم و ماء)(يو19: 34)، فمعروف أن جسد الميت لايخرج منه ماء ،فالماء من مظاهر الحياة وليس من مظاهر الموت، فإن كان المسيح مات جسدياً بمفارقة روحه الإنسانية لجسده إلا أنه في حقيقة الأمر فإن هذا الجسد مات ظاهرياً فقط إلى حينٍ، لأنه ظل محتفظاً بكل مقومات الحياة والدليل خروج الماء من جنبه بعد مفارقة روحه لجسده، لهذا نجد ان القديس يوحنا اللاهوتي في سفر الرؤيا يقول عن المسيح الذي هو الحمل الذي ذُبح ليرفع خطايا العالم،أنه (حَمَلٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ ) ( رؤيا 6:5 ) المسيح هو الحمل القائم عن وسط العرش الإلهي وكان هذا الحمل القائم ( كـأنه مذبوح) فهو في الحقيقة لم يكن مذبوحاً ولكنه (كأنه) مذبوحاً،( أي شِبه مذبوح) فهي رؤية تدل على أن الموت لم يجتاز فيه ولم يتسلط عليه ولم يمسك به في قبضة الجحيم. بل هو الإله الفادي الذي منح الحياة الأبدية من جديد للأبرار الذين كانوا في الجحيم وماتوا على رجاء إتمام هذا الوعد الإلهي بالخلاص، لأنه ( فيه كانت الحياة).

فنحن نعلم بحسب طبيعتنا الإنسانية أن الإنسان لايستطيع أن يتحكم في موته لأنه ليس له سلطان على روحه، فلا يستطيع أن يمنع الإنسان موته كما يقول الكتاب المقدس: ( ليس لانسان سلطان على الروح ليمسك الروح ولا سلطان على يوم الموت …) (جامعة8:8)، ولكن السيد المسيح خالف طبيعتنا البشرية لأنه وحده من كان له السلطان على موته حين وضع نفسه للموت ثم أخذها أيضاً ( ناقضا أوجاع الموت إذ لم يكن ممكناً أن يمسك منه)( أعمال2: 24) لأنه الإله الحي إلى الأبد كما قال: ( أنا هو الأول والآخر،والحي وكنت ميتاً وها أنا حيّ إلى أبد الآبدين آمين ولي مفاتيح الهاوية والموت) ( رؤيا 1 :18)
فكيف يموت من هو الألف والياء البداية والنهاية،الأول والأخر، والذي له مفاتيح الهاوية والموت؟

لذلك في كل قداس إلهي يعلن فيه شعب الكنيسة بأعلي صوته: (أمين أمين أمين بموتك يا رب نبشر، وبقيامتك المقدسة وصعودك إلى السموات نعترف….) فالمنطق يقول أننا نعترف بموته ونبشر بقيامته وصعوده.. ولكن لا.. فالقيامة والصعود رغم انهما الحدثين اللذين انتظرتهما البشرية لإتمام خلاصها، إلا أن في موته كان قوة إعجازه الإلهي ، لذلك نعلن في كل قداس بأننا (نبشر) بموته للعالم أجمع لأن موته هو أكبر معجزة قدمها المسيح له المجد للبشرية، أن يبذل نفسه للموت فهي معجزة لا يستطيع أن يدركها العقل البشري، لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكي لايهلك العالم ( يوحنا3: 16) أحب المسيح العالم إلى المنتهي وبذل ذاته فداءاً عنا، مات ليأتي بثمرٍ أكثر عند البشارة بموته الكفاري عنا لأنه القائل: ( الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الارض وتمُت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير)( يوحنا 12: 24)، يسوع كان فريداً في ميلاده وفريداً في قيامته وصعوده ولكن كان أكثر تفرداً في موته على الصليب، لأنه بذل ذاته بإرادته وبكامل سلطانه ومات جسدياً موتٍ عن قوة وسلطان وليس عن ضعف ولا إستسلام حتى لايبقي وحده بل ليأتي بثمرٍ أكثر لأنه متى إرتفع على الصليب يجذب إليه الجميع (و أنا إن إرتفعت عن الأرض أجذب إليَّ الجميع)( يوحنا12: 32) .

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: