مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

قصص من التاريخ : المسيح من أجل الحرية

Posted by mechristian في أغسطس 9, 2009

قصص من التاريخ : المسيح من أجل الحرية

ابراهيم القبطي

أكدت من قبل في عدة مقالات (1) أن الثقافة الغربية تجمع في جذورها بين قيصر والمسيح ، بين طمع ومصالح السياسة والربح وشهوة الذهب ، وبين جمال المسيح وروعة الحرية … وفي قصة الحضارة الغربية يختلط الإثنان ولكن تظل ثقافة المسيح تمثل ضميرا لا يهدأ ، و نداءا مستمرا لتهذيب الأخلاق وتقويم الوحشية وانحرافات ثقافة قيصر

قد تغزو دول الغرب الدول الأقل حضارة ولكنها لا تستطيع البقاء لتستعمر… لأن صوت المسيح يمثل عبئا على الضمير مناديا “لا يحل لك

قد ترتكب الجيوش الأمريكية الفظائع في السجون العراقية ، ولكن الثقافة الأمريكية بجذورها المسيحية تئن متألمة فتحرّك الرأي العام الأمريكي ، ليُحاكم المتهم قدر ما تسمح السياسة ، من أجل اسكات ضمير المسيح الصارخ …

في الوقت الذي تمارس فيه أهوال التعذيب في سجون الحكام العرب ، ولا تجد أي ضمير اجتماعي يقومّها ، فقد حكمت الثقافة الإسلامية على شعوبها إما بحكم الملالي الثيوقراطي أو حكم الدكتاتورية ، وكلاهما يبيح التعذيب والقتل والسحل أسوة برسول الإسلام (2)

وبينما تتحرك شعوب الغرب لتتظاهر ضد قمع الحريات ودفاعا عن الإنسان وحقوقه لجذورها المسيحية … تتظاهر شعوب الشرق الأوسط الإسلامية وتحرق الأعلام وتقتل وتسحل الحرية الفردية دفاعا الإله الإسلامي ونبيه ، ليس لشئ إلا لجذورها الإسلامية …

ولكي لا نترك الكلام بلا أدلة تاريخية فلنستعرض قصتين من التاريخ ظاهرهما رعب ووحشية قيصر بين دفات الحضارة الغربية ، يظل فيهما صوت المسيح خافتا ولكنه مسموعا بوضوح … قائلا وموبخا لقيصر “لا يحل لك

*********

القصة الأولى قصة الراهب والقس الأسباني برتولومي دي لاس كزاس Bartolome De Las Casas (1474 أو 1484- 1566م) (3)

جاء دي لاس كزاس إلى الأرض الجديدة في أمريكا الوسطى أولا كمستعمر وجندي ، معاصرا لكريستوفر كولومبس ومحررا للرحلة المشهورة التي أكتشفت الأمريكتين ، ولكنه بعد أن شاهد فظائع الأسبان تجاه السكان المحليين من الهنود ، قرر أن يصبح قسا كاثوليكا دومينيكانيا “Dominican priest ، كان هذا التحول أيضا بعد أن سمع كلمات يوحنا المعمدان “أنا صوت صارخ في البرية” (4) وقرر بعدها أن تكون خدمته هي إعلان رسالة المسيح أمير السلام ، وأن يكون هو نفسه صوتا صارخا في برية أمريكا الوسطى وفي وسط وحشية الغزو الأسباني ، فسجل وقائع هذه الوحشية وهذه الأطماع في كتب عديدة ، وظل في رحلات متعددة عبر الأطلنطي يرفع الأمر إلى الملك مرة وإلى بابا الفاتيكان بولس الثالث مرة في محاولات مستمية ليحول أطماع السلطة إلى إنسانية المسيح …

نجحت بعض مساعيه في الحصول على تعضيد الملك عام 1530م ، والبابا عام 1537م ، ثم تفرغ في آخر حياته للكتابة ، ومن أهم هذه الكتابات كتابه الذي يوضح الفظائع الأسبانية بين قبائل الأنديز في أمريكا الوسطى والمسمى “رصد مختصر لوقائع تدمير الأنديز” أو ” Brief Account of the Devastation of the Indies ” عام 1542م …

ولم يكتفي بكتب التاريخ بل كتب في اللاهوت والإيمانيات التي حركته ليكون ضمير المسيح وأهمها كتابه “عن الطريق الوحيد لجذب كل البشر إلى الدين الحق” أو ” Concerning the Only Way of Drawing All Peoples to the True Religion

وبهذا أصبح بحق أول داعية لحقوق الإنسان في التاريخ الحديث لأوروبا (5) .

وقام في إثره اثنان من كبار اللاهوتيين والقانونيين المسيحيين هما فرنشسكو دي فيتوريا Francisco de Vitoria (1485- 1546م) (6) وفرنشسكو سواريز Francisco Suarez (1548-1617م) (7) ، من الباحثين في حقوق الجماعات وحقوق الإنسان والحرية ، فطوّرا نظرية المساواة الأساسية والكاملة لجميع الناس وجميع الشعوب … فصارت نواة تاريخية لأعلان حقوق الإنسان في القرن العشرين.

فهل فعلوا هذا نقمة على المسيح وتعاليمه السلامية ؟ …

لا بل حبا في المسيح وتعاليمه… ولنشر نور مسيح الحرية للجميع بلا تفرقة

هل فعلوها لأنهم رأوا تعاليم المسيح هي الدافع لوحشية الأسبان ؟ ….

لا بل لأنهم رأوا المسيح هو الخلاص من وحشية قيصر فتحول دي لاس كزاس إلى الكهنوت الكاثوليكي ليرفع صوت المسيح مطالبا بوقف الفظائع وأكمل مسيرته أثنان من اللاهوتيين المسيحيين محققين قول المسيح “أنتم نور العالم” (8)

واستمر صوت ضمير المسيح الصارخ بين وحشية القياصرة : ” كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون” (9) ، ومناديا للمتألمين والمنسحقين ” سلاما اترك لكم . سلامي اعطيكم . ليس كما يعطي العالم اعطيكم انا . لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب .” (10) ، صوت يتردد صداه في أعماق الهاوية والقمع ويرفع دعوة صريحة إلى المتوحشين الأسبان مؤكدا ” لان اسم الله يجدّف عليه بسببكم بين الامم” (11) إذ كيف يعتبرون أنفسهم مسيحيين وهم يصلبون الآخرين بينما المسيح الرب مات مصلوبا لا صالبا ؟

كيف يحملون لقب المسيح وهم يقتلون الشعوب التي أتى ليخلصها ويحررها ؟

*********

أما القصة الثانية فهي قصة وليم لويد جاريسون William Lloyd Garrison (1805-1879م) (12)

بدأ وليم جاريسون حياته عاملا في الطباعة في ولاية بوسطن الأمريكية منذ عام 1818م ، وفي نفس الوقت كان إنجيليا يؤمن بالحرية للجميع ، دعاه ايمانه أن ينضم إلى دعاة الحركة الدينية المسيحية المسماة بالاستيقاظ العظيم The Great Awakening ، والتي أكدت على أن الحرية حق أخلاقي لكل فرد ، حيث يُسمح لهذا الفرد ومن خلال هذه الحرية أن يختار طريق المسيح أو يرفضه ، فكانت من أوائل الحركات التي نادت بتحرير العبيد … ومن خلال هذه الحركة وقف جاريسون أمام عبودية الأفارقة رافضا لها ، لأنها تحرمهم من هذه الحرية وهذا الأختيار

كانت أول مساعيه الفعلية لتحرير العبيد بانضمامه أيضا إلى منظمة لترحيل العبيد إلى أفريقيا لتحريرهم (13) ، والتي سميت American Colonization Society … ولكنه بعد فترة لم يجد هذا حلا يكفي … فقرر أن ينضم إلى حركة أكثر راديكالية في عام 1830 م ، وهي حركة الإلغائيين ومناهضة العبودية Antislavery and Abolitionism .. والتي بدأت تنادي بتحرير العبيد على أرض أمريكا نفسها مما كان مثار العجب والدهشة للثقافة السائدة في هذا الوقت … بل وساهم مبدئيا في تحرير جريدتهم المسماة “طليعة التحرير العالمي للعبيد” “The Genius of Universal Emancipation

ولكن ضمير المسيح ظل يئن داخله ، فلم يقتنع أن هذا هو الحل الامثل والنهائي ، فقرر طباعة صحيفته الخاصة وسماها The Liberator المحرر (14) وفيها وضع صورة المسيح قائما من الموت على قمة الصحيفة في الصفحة الأولى ، فالمسيح في قلبه كان المحرر الأول والذي على أساس حريته يتحرر الجميع … فكان وليم جاريسون هو ضمير المسيح ضد سلطان قيصر واستعباد البشر الذي حكم المجتمع الأمريكي وقتها

ومن رحم هذه الحركة وهذه الجريدة … تحرك الرأي العام وانتشرت مفاهيم العدالة والمساواة بين العبيد والأحرار … أتبعها قيام الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب لتنتهي بانتصار الشمال وتحرر العبيد … فانتصرت حرية المسيح ضد مصالح قيصر واسترقاق البشر

*******************

في هاتين القصتين القصيرتين حاولت أن أرصد كيف تحرك أناس باسم المسيح عبر التاريخ الحديث ليحملوا رسالة الخلاص والحرية ، قلة بنور المسيح بين مجتمع طغى عليه سلطان قيصر حاربوا الطغيان بسلطان الكلمة لا بالسلاح ، ومعهم تحرك ضمير المجتمع ليوافق ضمير المسيح

إحداها قصة تضئ بين ظلام الوحشية الأسبانية في أمريكا الوسطى وبطلها كاثوليكي قس وراهب ثم لاحقا مطران .. نجح في أرساء قواعد حقوق الإنسان على أساس اللاهوت المسيحي بين ظلام التوحش الإسباني

وقصة أخرى تضئ في ظلام العبودية في أمريكا الشمالية وبطلها انجيلي بروتستاتني … نجح في اشعال فتيل القضاء على العبودية في الأمريكتين ومنها إلى العالم كله

كلاهما كان ضمير المسيح أمام وحشية قيصر

كلاهما كان بصمة المسيح على جذور حقوق الإنسان وعلى أصول تحرير العبيد

كلاهما كانت دعوة للحرية تفتقر إليها ثقافة الإماء والعبيد الإسلامية التي قننت العبودية فصارت من بنود الفقه ومن أصول شريعة الحرب والأنفال والسرايا.

بل أين نجد أمثال جاريسون ودي لاس كزاس بين مشايخ الإرهاب أمثال ابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم

في كل الثقافات كانت ومازالت هناك أخطاء … ولكن هناك ثقافة تقنن الأخطاء فتصبح شرعا مباحا وخطايا باقية في حق الضمير البشري والحرية الإنسانية …

وهناك ثقافة تقدس الإنسان لا النص يحكمها “ابن الإنسان” الذي يحرك التاريخ ليصنع عالما أفضل ومازال ينادي قائلا

“روح الرب عليّ لانه مسحني لابشر المساكين ارسلني لاشفي المنكسري القلوب لانادي للمأسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية” (15)

—————————–

الهوامش و المراجع:

1) راجع مقالاتي السابقة حول الخلط بين المسيح وقيصر : القضية القبطية

* الاحتلال الاسلامي للعالم القديم و الغزو الغربي لمجتمعات الشرق: دراسة مقارنة

* قل لي من تعبد … أقول لك من يحكم -أنظمة الحكم في العالم الاسلامي

2) راجع مقالات عن الإرهاب الإسلامي

3) قصة حياة الراهب برتولومي دي لاس كزاس أو هنا

4) يوحنا 1: 21

5) تمتلئ الكثير من المواقع الإسلامية الكاذبة بكثير من الأكاذيب حول دي لاس كزاس فعلى سبيل المثال

في مقدمة الكاتب لكتابه المعنون “Brief Account of the Devastation of the Indies

يذكر أن فظائع الأسبان المسيحيين كانت بدافع الذهب و الطمع لا التبشير أو الدعوة إلى المسيحية كما تكذب المواقع الإسلامية وتحاول أن توحي

* في نص مقدمة الكتاب بالنص الانجليزي يؤكد :

The reason the Christians have murdered on such a vast scale and killed anyone and everyone in their way is purely and simply greed. They have set out to line their pockets with gold and to amass private fortunes as quickly as possible so that they can then assume a status quite at odds with that into which they were born

ومن هنا أيضا

Their reason for killing and destroying such an infinite number of souls is that the Christians have an ultimate aim, which is to acquire gold, and to swell themselves with riches in a very brief time and thus rise to a high estate disproportionate to their merits .

* أما في المواقع الإسلامية المدلسة والكاذبة ومنها الترجمة العربية للكتاب بعنوان لا يقل كذبا

نص الكتاب (المسيحية والسيف) –ترجمة عربية لسميرة عزمي الزين

ص 26 في المقدمة : “قتل المسيحيون كل هذه الأنفس البهية وفتكوا كل هذا الفتك باسم الدين ليحصلوا على الذهب ويكتنزوا الثروات ، و يصلوا إلى مراكز أكبر من أشخاصهم”

وهذا ما ينقله أيضا الموقع الإسلامي عن الترجمة العربية

http://www.odabasham.net/show.php?sid=3053

فقد أضافوا إلى الترجمة العربية لفظة باسم الدين ليقنعوا القارئ أن هذه الفظائع لم تكن إلا باسم المسيح والمسيحية ، كمحاولة للتستر وإعلان التساوي بين ما ارتكبه نبي الإسلام وخلفاؤه وأتباعه من فظائع بدعوى الجهاد وما فعله الأسبان

وهذا مجرد مثال على نوعية الترجمات الكاذبة التي تملأ المكتبات العربية

* بل أنهم يدعون كذبا أن الفظائع ساهم في ارتكابها الرهبان مع الجنود لا الجنود فقط … وهذا ما لم يقل به الراهب في كتابه

* والغريب أنهم يستمتعون في تلذذ بذكر الفظائع الأسبانية ..

* ويكذبون على لسان لاس كزاس بأن الأسبان قتلوا مليار فرد في الجزر الصغيرة لأمريكا الوسطى وحدها في عالم لايحوي إلا ستة مليار نسمة بقاراته الخمس في وقتنا المعاصر فمابالك من القرن ال16

فمن الواضح أنهم يجهلون أن كتاب لاس كزاس كان عن سكان الأنديز في أمريكا الوسطى … وهي مجموعة جزر صغيرة في البحر الكاريبي …

فظنوا عن جهل أو كذب أنه يتكلم عن قارتي الأمريكيتين بكاملهما فقرروا المبالغة في الأرقام بغباء لاحداث التأثير اللازم …

* ويتجاهلون أيضا الحقيقة الساطعة أن من يستشهدون بكتابه كان ليس إلا قسا وراهبا كاثوليكيا حمل الصليب على عنقه حتى الممات معلنا صرخة ضمير المسيح ضد الفظائع الوحشية للأسبان

* ولكنها التقية الإسلامية واستحلال الكذب في الحرب كسنة محمد ، ليحملّوا ضمير المسيح الوديع متواضع القلب والمسيحية الحقة دماء الجشع الإمبراطوري للأسبان

6) مختصر حياة الراهب

7) مختصر حياة الراهب

8) متى 5: 14

9) متى 26: 52

10) يوحنا 14: 27

11) رومية 2: 24

12) مصادر لقصة حياة جاريسون : من هنا أو هنا

أو من:

Ciment, James: “Atlas of African-Amenican History”, 2001. Media projects, p 69

13) نتج عن ذلك العديد من هجرات الأفارقة عودة إلى الساحل الغربي لأفريقا ، فكانت هذه المستمرات الأفريقية نواة لدولتي سيراليون وليبيريا الحالتين.

14) صورة صحيفة المحرر The Liberator مرسوما أعلاها في منتصف الصفحة المسيح قائما من الأموت ومحررا للجميع … الأبيض والأسود

15) (لوقا 4: 18) يقولها المسيح تحقيقا لنبوة أشعياء عنه (أشعياء 61: 1)

رد واحد to “قصص من التاريخ : المسيح من أجل الحرية”

  1. […] قصص من التاريخ : المسيح من أجل الحرية – ابراهيم القبطي […]

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: