مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

مفهوم الحل والربط: رسالة لرجال الكهنوت والعلمانيين

Posted by mechristian في أبريل 21, 2012

مفهوم الحل والربط: رسالة لرجال الكهنوت والعلمانيين

مقال مختصر

بقلم مينا فؤاد

تمهيد:

أنقل هذه الكلمات من أحد المنتديات (منتدي orsozox.com) كتمهيد لهذه الدراسة:

[هل يحق للكاهن أو الأسقف أن يعطي حل أو لا يعطي الحل وقت ما شاء، وكيفما شاء، لأنه أعطى الحرية الكاملة من فم المسيح – له المجد – شخصياً ، فأصبح له السلطان أن يعطي أو لا يعطي حلاً لأحد !!!

وهل على كل الشعب الخضوع لهذا السلطان مهما كان مغالاً فيه !!!

وهل يحق لكاهن أو أسقف في حالة عدم اتفاق في الرأي أو الفكر، أن يحرم أحد ولا يعطيه حلاً !!!

أسئلة كثيرة ولا يجرؤ أحد أن يعطي إجابة واضحة أو شافية، ولا أحد يعرف القوانين الكنسية وحدود سلطان الكاهن والأسقف !!!]

تعبير “لا حل ولا بركة“: هو تعبير سائد على ألسنة رجالات الكهنوت في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وبالرغم من سهولة فهم كلماته منفردة إلا أنه تعبير مُبهم، غير واضح المعنى، تختلط فيه عدة مفاهيم بين الحل من الخطية والتأديب الكنسي والحرم، بينما يظل السؤال العالق دون إجابة: ما هي هذه “البركة” الممنوعة؟.

من الصعب الوصول لتاريخ وظروف نشأة هذا التعبير، لكن يمكن بكل تأكيد فحص محتواة في ظل الكتاب المقدس وكتابات القرون الأولى.

الحل والربط في كتابات الأباء الرسوليون:

من هم الأباء الرسوليون؟ ببساطة هم الآباء الأوائل الذين كتبوا بعد الرسل مباشرة في القرن الأول وبداية القرن الثاني، والذين تُعتبر تعاليمهم هي الصدى المباشر بصورة كبيرة لكرازة الرسل. ويُفترض انهم إما كانوا على اتصال مباشر وشخصي بالرسل ، أو تسلَّموا تعاليمهم من تلاميذ الرسل المباشرين لهم. وهؤلاء الأباء هم: كليمنضس الروماني، إغناطيوس الأنطاكي، بوليكاربوس، بابياس، راعي هرماس، الديداخي، ديوجنيتوس، ورسالة برنابا.

في هذه الكتابات الخاصة بالأباء الرسوليون، لا نجد أية إشارة لمفهوم الحل والربط على أي نحو.

هذا المفهوم غير موجود تمامًا في هذه الكتابات[1].

الحل والربط في قوانين الكنيسة[2]:

كتابات القوانين الكنسية في القرون الأولى من المسيحية لا نجد فيها تعريف أو إشارة لمفهوم الحل. وهذه الكتابات هي:

– الديداخي أي تعليم الرسل (القرن الثاني)

– التقليد الرسولي (يرجع للقرن الثالث)

– المراسيم الرسولية (القرن الرابع)

– قوانين البابا أثناسيوس الرسولي (أواخر القرن الخامس)

– قوانين هيبوليتوس القبطية (القرن الخامس أو السادس)

لكن هناك إشارات للتأديب الكنسي (وهو موضوع سأناقشه في مقال آخر)، وبالرغم أن بعض هذه التأديبات يحتاج لمراجعات، إلا أن موضوعها عمومًا هو عن القطع من شركة الكنيسة للزناة والسحرة والمنجمين… إلخ، وهي مذكورة في الهامش[3]

القرون الوسطى:

بداية من القرن الخامس، وخاصة بعد إنشقاق خلقيدونية، إتسعت دائرة سلطان ونفوذ ورجال الكهنوت، وحين أصبحت الكنيسة في روما هي صاحبة السلطتين السياسية والدينية تردى الوضع بشدة وزادت الحرمانات وظهر الحل والربط من أجل ان تحكم الكنيسة سيطرتها على الوضع السياسي تمامًا حتى وصل الأمر لحرمان البعض من الوظائف العامة في الدولة، وحرمان البعض من العلاقة الجسدية للمتزوجين لمدة من الوقت… إلخ. وإزداد الأمر اكثر فأكثر حتى وصل لصكوك الغفران في القرن الثالث عشر فيشتري الشخص صك الغفران من خطاياه في مقابل مبلغ من المال.

على الجانب الآخر في مصر مع الإضطهاد الخلقيدوني ثم الغزو العربي وإنتشار الإسلام في القرن السادس إختفى التعليم اللاهوتي من الكنيسة تمامًا وإقتصر الأمر على مجموعة الممارسات الطقسية مع إستيراد أفكار وأصوام ومماراسات من الكنائس السريانية والرومانية، وإنقطعت صلة الكنيسة القبطية بالتقليد الأبائي للقرون الأولى بصورة شبه كاملة، حتى وصلنا للحال الذي نحن فيه.

وخلال هذه الفترة بدأت فكرة الحل والربط وغيرها في الظهور، وبالرغم من ذلك فنحن نجد تحديدًا لنظم ممارسة هذا المفهوم.

النظام المرتبط بالحل والربط:

أولاً: لايمكن للكاهن أن يؤدب دون مشورة مع علماء الكنيسة وكهنتها وأراخنتها:

[أن يشاور (الكاهن) في ما يحله ويربطه، العلماء الأبرار من كهنته وشعبه الأراخنة والقريبيين من السلطنة على انفراد وإجتماع. وبعد الأتفاق فيه، يُعمل مكتوبًا يذكر فيه السبب الداعي إليه ووجه الفائدة منه، وحصول الموافقة من الكهنة والآراخنة عليه.] (المجموع الصفوي لإبن العسال ص423، القرن الثالث عشر)

هذا المبدأ وُضع في ممارسة الحل والربط حتى لا يخرج الكاهن عن القواعد الأساسية وأهمها وحدة مشيئتة الشعب مع ميشئة الراعي عن طريق التشاور بيتهم، وتطابق مشيئة الإثنين مع مشيئة الله.

ونقرأ معًا ما جاء في كتاب “التدبير الإلهي في تأسيس الكنيسة وترتيب نظام الكهنوت” ص113(طبعة 2002، دار مجلة مرقس)، وهو من أهم الكتب التي تشرح القوانين الكنسية:

“يظن البعض أن سلطان الحل والربط موضوع في طقوس الكنيسة لغرض فرض النظام في الكنيسة وتسهيل مهمة الإكليروس عن طريق التلويح بالحرم من التناول ضد كل من يعترض رأيهم. وهذا الظن أبعد ما يكون عن طقس الحل والربط في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية”

ثانيًا: يشير القانون الرابع والعشرون من كتاب “التطلسات” وهو أحد مراجع ترتيب نظام الكهنوت في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية (يرجع للقرن الثالث):

[ليكن الرئيس (الكاهن أو الأسقف) يؤدب الشعب ويَعقدهم بالصليب لا بالحرم]

والعقد بالصليب في المفهوم الكنسي يتمثل في وضع تدريبات نسكية لأبناء الكنسية مثل تحديد فترات صوم أو مطانيات أو غيرها.

ثالثًا: يشير كتاب “التدبير الإلهي في تأسيس الكنيسة” ص114:

[الحرمان التام من التناول فهو لا يُحكم إلا في الحالات الخطيرة، وقد حددتها كتب القوانين في الحالات التالية: خطايا الزنا، والسرقة، والقتل، والتجديف، والسحر] أي ليس على أية خطية، وليس على أية مخالفة في الرأي أو الفكر أو وجهة النظر أو الموقف في شئون الحياة المدنية والسياسية.

والقانون رقم 14 من قوانين مجمع سرديكا (344م) يمنع أن [يُلقى بالحرم على أحد في ثورة غضب، أو حسمًا لمناقشة أو لخلاف في الرأي]

رابعًا: ماهو الموقف من الذي يمارس الحل والربط في غير محله؟

القانون 24 من كتاب التطلسات يقول الآتي: 

[ليكن الرئيس يؤدب الشعب ويعقدهم بالصليب لا بالحرم. ولا يربط ولا يحرم في غير حرم يوجب الحرم. فإن هو حرم وربط بغير حق طلبًا للتشفي من الناس، وإلتماسًا لذلهم وخضوعهم له، فليكن هو المربوط المحروم من الله ومن أحكامه. وهم بريئون من ذلك (الحرم). ولتقم عليه كهنته بالحق الواجب. فإن صعب عليهم ذلك، فليرفعوا أمره لمطرانهم الذي هو مطرانه أو بطريركه. ويقوموا عليه بالحق، ولا يدعوه يتعدى على خراف المسيح الذين اشتراهم بدمه الزكي، ولا يغيظهم ويحوجهم إلى التجديف على الله وديانته المقدسة]

والعقد بالصليب كما ذكرنا من قبل في المفهوم الكنسي يتمثل في وضع تدريبات نسكية لأبناء الكنسية مثل تحديد فترات صوم أو مطانيات أو غيرها.

خامسًا: أن الحل والربط هو من الروح القدس وليس بحسب فكر الكاهن، لذا فتحليل الخدام في الليتورجيا القبطية يقول: [يكونون محاللين من فم الثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس].

ختام لهذا الجزء:

بالرغم من غياب ممارسة الحل والربط الذي نراه اليوم عن الكنيسة في القرون الأولى تمامًا، وإنحصار التأديب الكنسي على الزني والسحر والهرطقة وغيرها، إلا أنه حتى بعد دخول هذه الممارسة في القرون الوسطى لأسباب ذكرنا بعضها فقد كانت لها محددات ونظام معين تمارس من خلاله، وكان الكاهن أو الأسقف الذي يخرج عن هذا النظام ويمارس الربط والحرم من تلقاء نفسه يكون هو المحروم.

المفهوم الكتابي:

ماهو المفهوم الكتابي للحل والربط؟ لكي نفهم ما يقوله الكتاب ينبغي أن نحلل الآية الأساسية التي تستند إليها الكنيسة القبطية وهي آية (متى 18:18).

لكن أولاً، لفهم المعنى المراد من أي آية علينا ان ننتبه لعدة أشياء:

أولاً: السياق العام الذي جاءت خلاله الآية سواء سياق الإصحاح أو السفر نفسه، كذلك السياق التاريخي والإجتماعي… إلخ

ثانياً: اللغة الأصلية التي فيها النص سواء العبرية، الآرامية أو اليونانية

ثالثاً: كيف يتماشي المعنى مما سبق مع السياق اللاهوتي العام للكتاب المقدس

هكذا يجب أن نفهم الآية التالية:

” الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء” (مت 18:18)

– السياق:

يمكن بكل وضوح ان نرى أن الآيات السابقة (بدأ من عدد14) وكذلك التالية وحتى نهاية الإصحاح تتحدث عن قرارت الكنيسة فيما يتعلق بالنزاع بين المؤمنين.

– التحليل اللغوي:

قبل الحاجة إلي رجوع للغة اليونانية نرى ان الآية تتحدث عن “كل ما تربطونه” و “كل ما تحلونه”، لاحظ جيداً “مـا“، الآية لا تتحدث عن حل وربط أشخاص بل أمور وأشياء.

حتى في اللغة اليونانية فالكلمة المستخدمة “ما ὅσος” لا تستخدم للحديث عن أشخاص بل أشياء.

سلطان الحل والربط هنا هو حول أمور متعلقة بالكنيسة والتأديب الكنيسي.

– اللاهوت العام:

هل يمكن أن نجد أمثلة لهذا المفهوم عن الحل والربط؟ في أعمال 15 حيث نرى مجمع أورشليم كانت هناك مشكلة متعلقة بالختان، إجتمعت الكنيسة برئاسة يعقوب الكبير وكان هناك قرار بالأمر :” قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأشياء الواجبة: أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين”.

أعمال 10، نام بطرس وحلم بملآة ممتلئة من كل حيوانات الأرض وصار إليه صوت من السماء “إذبح وكل” لكن بطرس رفض قائلاً ” كلا يا رب لأني لم آكل قط شيئا دنسا أو نجسا”، لكن كان جواب الرب ” ما طهره الله لا تدنسه أنت”.

“تعرفون الحق والحق يحرركم” (إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن)


 



[1] تعليق: كتابات الأباء الرسوليون، صغيرة الحجم وقد نشرت باللغة العربية عن طريق أكثر من ناشر منها منشورات النور، مار جرجس سبورتنج، دار النشر الأسقفية، ويمكن الوصول إليها بسهولة حتى على الإنترنت.

[2] وكلها منشورة باللغة العربية في سلسلة بعنوان مصادر طقوس الكنيسة ، وقد نشرها الراهب أثناسيوس المقاري، ومتوافرة بجميع مكتبات الكنائس والأديرة، ويمكن الحصول عليها بكل سهولة.

[3] التأديبات في قوانين القرن الثالث (التقليد الرسولي):

قبل التأديب يتحدث التقليد الرسولي عن الإنذار، وكل مرة يُعبر عن الأمر هكذا: “فليكف أو يخرج” مَن: يدير بيتًا للدعارة، يصنع الأوثان، يعمل عروضًا في المسرح [المسارح الوثنية]، المصارعون، حراس وكهنة الأوثان، السحرة …الخ (التقليد الرسولي القسم الثاني ف16)

التأديبات في القرن الرابع (المراسيم الرسولية):

يعزل من الكنيسة كل من اغتصب لنفسه رتبة الاغنسطس (المراسيم الرسولية فصل 23 فقرة 4)، يعزل كل من ارتسم اسقفًا بواسطة اسقف واحد وليس ثلاثة، هو والذي رسمه (المراسيم ف 27 فقرة 3)، الزناة و الذين يديرون بيوتًا للدعارة وصانعي الاوثان، والذين يشاركون عمومًا في المماراسات الرومانية من المصارعة والمسارح وغيرها والسحرة …الخ (المراسيم ف 32، ف47)، يجرد الاسقف للإسباب التالية: قدم اي شئ على مذبح الرب خلاف القربان، إذا ابعد امرأته بحجة الوقار او تمم الفصح قبل الاعتدال الربيعي، أو اذا صلى مع مقطوع من الشركة او رفض خدمة ورعاية شعبه…الخ (المراسيم ف 47)، من خصى نفسه (المراسيم ف 47)

التأديبات في القرن السادس (قوانين اثناسيوس وهيبوليتوس):

خروج الكاهن الذي يفك زيجة من شركة الكنيسة (أثناسيوس قانون 45)، خروج الأسقف الذي وجد أحد أولاده الجسديين في خطيئة توجب الموت (اثناسيوس 54)، خروج الكاهن الذي يكيل بمكياليين حتى يتوب (اثناسيوس 55)،  نزع الوكالة من وكيل الكنيسة اذا اختلس من اموال الكنيسة (اثناسيوس 61)، خروج الكاهن اذا وُجد احد من اولاده الجسديين يقرأ من كتب السحر وخروج من يعمل بالسحر (اثناسيوس 71، هيبوليتوس 15)، خروج الزاني من شركة الكنيسة (اثناسيوس 74، هيبوليتوس 15)، خروج المنجمين ومفسري الأحلام وعاملي التعاويز (هيبوليتوس 15)، خروج المرابيين (هيبوليتوس 15).

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: