مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

الاعتراف السرى للكاهن-دراسة تاريخية قصيرة

Posted by mechristian في سبتمبر 27, 2011

الاعتراف السرى للكاهن

Auricular Confession

دراسة تاريخية قصيرة

clip_image002

بقلم مينا فؤاد

مقدمة:

لماذا هذا النوع من الدراسات؟!

قدمت من قبل دراسة خاصة بصوم العذراء من خلال تتبعه تاريخياً، وهذه هي الدراسة الثانية حول الإعتراف على يد الكاهن (وهو جزء من سر التوبة والإعتراف).

الهدف من هذه الدراسات ليس إثبات أو نفي هذه العقائد والممارسات، لكنه محاولة لتأصيلها بقدر الإمكان.

نحن نعاني في الكنيسة القبطية الإرثوذكسية من غياب التأصيل، أقصد بالتأصيل: القدرة على تتبع عقيدة أو ممارسة ما حتى نصل إلي جذورها في الكتاب المقدس والكنيسة الأولى، حتى تكون مبنية على أساس سليم وبالتالي نستطيع أن نضع لها دفاعاً قوياً تجاة المشككين.

 

ماهو الإعتراف السري؟

"هو إقرار الخاطئ بخطاياه (تفصيلياً) أمام كاهن الله، إقراراً مصحوباً بالندامة والأسف الشديد على ما فعله من شرور… ونيل الحل من رجل الله"[1]، هذه الممارسة الخاصة عموماً بأسرار الكنيسة السبعة قد "مُورست منذا عهد الرسل"[2].

 

كيف يمكن تتبع الإعتراف السري تاريخياً؟

 

1.كتابات وآباء الكنيسة الأولى:

منذ عصر الرسل نستطيع أن نتتبع كل ما قيل عن التوبة والإعتراف من خلال الكتابات المتروكة لنا:

الديداخي (تعليم الرسل)[3]: وهي قوانين منسوبة للرسل الإثنى عشر ويعود تاريخ تدوين المخطوط الوحيد المكتشف إلي نهاية القرن الأول أو بداية الثاني

يذكر الإعتراف في 14:4، 1:14، ويذكر التوبة في 3:15، لكنه لا يذكر أي شئ عن الإعتراف السري على يد كاهن، كما أن الديداخي يتحدث عن الكهنة لكنه لا يذكر أي وظيفة لهم متعلقة بأخذ إعتراف من الناس.

 

قوانيين هيبوليتس (التقليد الرسولي)[4] : ترجع للقرن الثالث، حوالي 235م تقريبا ويرجع معظم علماء الليتورجيا انها ترجع للقرنيين الخامس او السادسبرغم أنه يذكر أشياء كثيرة عن الكهنة والأساقفة والمعمودية والإفخارستيا والشمامسة والشعب … إلخ، إلا أنه لا يذكر  أي شئ عن الإعتراف على يد الكاهن برغم أنه يتحدث عن بعض الأمور المختصة بالإستعداد للمعمودية والتقدم للإفخارستيا.

 

قوانيين البابا أثناسيوس بطريرك الإسكندرية[5]: وهي منسوبة للبابا أثناسيوس الرسولي لكن إحتمال كونه واضعها ضعيف جدا و يرجع نصها الموجود لحوالي القرن السادس.

هذه القوانيين تختص بترتيب الكنيسة ووظائف الكهنة والشعب والترتيب للقداس… إلخ، لكنها لا تذكر أي شئ عن الإعتراف على يد الكاهن، بالرغم أن هذا هو أنسب مكان تُذكر فيه هذه المسألة.

 

المراسيم الرسولية[6]: دوّن حوالى 380م، وهو يحتوي على أقدم نص ليتورجي متكامل لصلوات وترتيب القداس،

وهو يحتوي على أجزاء تتحدث عن التوبة وتحذير الخاطئ وعودة التائب، لكنه لا يذكر الإعتراف السري على يد الكاهن مطلقاً.

 

2. قوانيين بطاركة الكنيسة القبطية في العصور الوسطي[7]:

وهي  قوانيين البابا خريستوذولوس (1047-1077م)، قوانيين البابا كيرلس الثاني (1078- 1092)، مجموعة قوانيين البابا غبريال بن باتريك (1084- 1145م)، مجموعة ال32 قانون للبابا غبريال بن باتريك، مجموعة القوانين ال10 للبابا غبريال بن باتريك، مجموعة ال12 فصلا قانونيا لإبن لقلق (1199-1243م)، مختصر القوانيين للبابا كيرلس ابن لقلق.

كل هذه القوانيين مع إنها تتناول في بعضها وظيفة ودور الكاهن والأسقف وغيرها لكنها لا تذكر الإعتراف السري.

 

3. كتابات الآباء :

كل كتابات الآباء خاصة من القرن الأول وحتى نهاية القرن الرابع منشورة سواء بالإنجليزية، أو جزء كبير منها بالعربية والذي ينشره مركز الدراسات الأبائية (مؤسسة القديس أنطونيوس) التابعة للكنيسة القبطية الإرثوذكسية، أو ما تنشره الكنيسة الكاثوليكية اللبنانية أيضاً بالعربية، كما أن النسخ الإنجليزية موجودة على الإنترنت ومزودة بمحرك بحث وفهارس لسهولة الوصول لأي موضوع فيها.

والمتابع لهذه الكتابات، لا يجد أي ذكر للإعتراف السري على يد الكاهن، والتالي هو أمثلة من نماذج تاريخية متفرقة وليس حصراً:

 

– راعي هرماس:

كتاب من عصر الآباء الرسوليين (حوالي 140م)، إعتبره بعض الآباء في البداية من الكتابات المقدسة للعهد الجديد، ينتمي إلب الأدب الرؤيوي ويتحدث عن التوبة كان له شان كبير في الكنيسة الشرقية.

بالرغم أن موضوع الكتاب هو الإصلاح الأخلاقي والتوبة إلا أنه لا يذكر أي شئ عن الأعتراف السري بل يتحدث عن الإعتراف لله مباشرة،  مثال: "وعندما رجعت إلي نفسي وتذكرت مجد الله، تشجعت وأحنيت ركبتي، وإعترفت ثانية بخطاياي الله كما كنت أفعل من قبل" (الرؤيا الثالثة الفصل الأول)[8].

– كبريانوس الشهيد:

أسقف قرطاج، (200-258)، كتب عن "الساقطين" أي الذين سقطوا في ضعف أمام الإضطهاد، ومسألة معمودية الهراطقة، ووحدة الكنيسة الجامعة. لم يذكر أي شئ عن الإعتراف السري أمام الكاهن.

لكن مع الأسف، يوجد قول منسوب زوراً لكبريانوس موجود في الكتابات القبطية الحديثة ومواقع الإنترنت وهو "يعترف كل واحد بخطاياه – وهو على قيد الحياة- ليربح نفسه ويرتاح من زلاته على يد الكاهن"، لكن لايوجد مثل هذا القول في كتابات كبريانوس، والذين ينسبون إليه هذا القول لا يذكرون أين قاله أو مصدره.

– يوحنا ذهبي الفم:

من أشهر معلمي الكنيسة في القرن الرابع (344-407م)، ما كتبه وموجود حتى الآن موضوع في سنة مجلدات ضخمة، تحدث كثيراً جداً عن التوبة والغفران والإعتراف لله، لكنه لم يذكر مطلقاً الإعتراف السري على يد الكاهن، بل حينما تحدث عن واجبات الكاهن الستة عشر لم يذكر فيها أي شئ عن الإعتراف السري على يد الكاهن.

بل هو يؤكد أن الإعتراف هو أمام الله وحده

يمكن أن نقتبس مثالاً عن أقوال يوحنا ذهبي الفم عن الإعتراف والتوبة: " دعنا نُقنعُ أنفسنا بأنّنا أَثمنَا. لنقول هو لَيسَ باللسانِ فقط، لكن أيضاً بالعقلِ. دعنا لا نَدْعوَ أنفسنا مذنبين، لكن أيضاً نُحصي ذنوبِنا، نمر عليهم كُلّ بشكل مُحدّد. أنا لا أَقُولُ إليك، إستعرضُ نفسك، ولا إتّهمَ نفسك قبل الآخرين: لكن كن مُقتنَعاً مِن قِبل النبي عندما يَقُولُ، ‘ سلم للرب طريقك’ (مزمور 37:5). إعترفْ بهذه الأشياءِ أمام الله. إعترفْ أمام الحاكم على ذنوبَكَ، بالصلاةِ؛ إنْ لمْ يكن باللسانِ، فبالعقل، وتكُونُ مستحقّاً الرحمةِ"[9].

مثال آخر: " ولَيسَ هذا فقط الشيءِ الرائعِ الذي أنه يَمحي ذنوبَنا، لكن أنّه لا يَكْشفَها علناً أو يجعلها تتجسد وتظهر، ولا يرغمَنا أن نتَقَدُّم إلى الوسطِ ونخبر بها (بأخطائنا) علناً (tell out)، لكنه يجعلنا نعرض دفاعَنا إليه لوحده، ونعترف بأنفسنا إليه. فلو قبض على لصوص وطُلب منهم أن يخبروا بجرائمهم مقابل إلغاء عقابهم، فإنهم سيتقدمون بكل سرور(حماس) ولن يفكروا في الخجل الذي سيعتريهم. لكن في هذه الحالةِ  (حالتنا نحن) ليس هناك شيء من هذا النوعِ، لَكنَّه يمحي ذنوبنا، ولا يرغمَنا على عرضها أمام أيّ مشاهدون.لكن يريد شيئاً واحداً، أن الذي يَتمتّعُ بهذه المغفرةِ يَجِبُ أَنْ يتعلّمَ عظمةَ هذه الهديةِ"[10].

وهناك أمثلة أخرى كثيرة جدا يمكن لمن يريد أن يجدها في كتابات ذهبي الفم.

 

يكفي هذا كأمثلة لكتابات الآباء لكن المؤكد أن كل أجيال الآباء وحتى القرن الرابع وما بعده لم يذكروا شيئاً عن الإعتراف السري على يد الكاهن، بل كانوا يتحدثون إما عن الأعتراف العلني أمام شعب الكنيسة للمنضمين حديثاً لجموع المؤمنين ويريدون أن يؤكدوا توبتهم ويظهروا عمل الله معهم، أو عن الإعتراف والتوبة أمام الله مباشرة.

 

4. الكتب الطقسية وكتب التاريخ الكنسي:

 

لمحة من كنيسة روما:

يبدأ أول ذكر للإعتراف السري على يد كاهن في كتابات سوزمين (المؤرخ المسيحي والمحام، الذي ألف كتابه "تاريخ الكنيسة" بين 439 و450) في القرن الخامس إذ يقول متحدثاً عن كنيسة روما أن: " يَبْدو محتملَ بأنّ الكهنةَ، مِنْ البِداية، إعتبروه أمراً شاق لتَقديم هذا الإعترافِ (إعتراف التائبين والعائدين للإيمان) علناً، أمامّ الناسِ. عَيّنوا لذا شيخاً (قساً)، غاية في القداسةِ، والأكثر تعقلاً، وغير مشكوك فيهِ، للتَصَرُّف في هذه المناسباتِ؛ ذَهبَ النادمونُ إليه، وأقرّوا بتجاوزاتِهم؛ وهو كَانَ دورة هو الإشارة إلى نوعَ الكفّارةِ المناسبة لكُلّ ذنب، وبعد ذلك متى تم عمل الترضية يتم إعْلان التبرئةِ"[11]

لكن تم إيقاف هذا الأمر لاحقاً، إذ يذكر المؤرخ سقراط (من أعظم مؤرخي القرن الخامس،من القسطنطينية، يمتد كتابه تارخ الكنيسة من 64م وحتى 433م) " وفي هذا الوقت (وقت عودة الإمبراطور ثيؤدسيوس الأول) كان ضرورياً أن تُلغي من الكنائس وظيفة القسوس المختصين بالإستماع لإعتراف التائبين"[12].

ظل الجدل في الكنيسة الغربية بعد ذلك حول إذا كان الإعتراف السري للكاهن أمراً ضرورياً أم لا، حتى جاء القرن الثالث عشر وبالتحديد عام 1215م، حينما عقد البابا إنوسنت الثالث مجمع لاتيران الرابع وأصدر مرسوماً رسمياً يفرض الإعتراف السري للكاهن كأمر واجب ولازم. يقول نص القانون الصادر وهو القانون رقم 21 للمجمع: " كُلّ المخلصون من كِلا الجنسِ، بَعْدَ أَنْ وَصلوا عُمرَ الفطنةِ، يَجِبُ أَنْ يَقرَّ بكُلّ ذنوبهم بشكل منفرد بطريقةٍ مخلصة إلى كاهنِهم الخاصِ على الأقل مرة كل سَنَة، وعليهم أن يأخذوا الحذر ليفعلوا ما يجب  لإداء الكفّارةِ التي فَرضتْ عليهم. دعْهم يَستلمونَ الطقس الديني مِنْ القربان المقدسِ بشكل موقّر على الأقل في عيدِ الفصح مالم يَعتقدونَ، وبناءً على نصيحة كاهنهم الخاص، بأنّهم يَجِبُ أَنْ يَمتنعوا عن تناوله لفترة من الوقت. وإلا فانهم سَيُمْنَعونَ مِنْ دُخُول الكنيسة خلال حياتهم وسَيُحْرَمونَ من كقوس الدفن المسيحي في موتِهم.ليكن هذا المرسومِ المفيدِ يَكُونُ منشوراً بكثرة في الكنائسِ، لكي لا يجد أحد  عذرِاً في عمى الجهلِ. إذا تمنّى أيّ شخص، لأسبابِ جيدةِ، للإقْراْر بذنوبِه إلى كاهنِ آخرِ عليهم أولاً أن  يَطْلبوا ويَحْصلوا على إذن كاهنِهم الخاصِ…"[13]

بعد هذا القرار المجمعي، وبعد حوالي خمسون عاماً عام 1260م، كان توما الإكويني هو أول من أعتبر أن الإعتراف السري للكاهن هو "سر" مقدس[14].

 

عودة للكنيسة القبطية:

إنفصلت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية عن كنيسة روما، في القرن الخامس بعد مجمع خلقيدونية، وبالرغم من التاريخ الذي تتبعناه لموضوع الإعتراف السري في الكنيسة الغربية، والذي دخل فيه تأثير بشري كبير جداً لتحقيق أهداف باباوات وأساقفة روما في تغييب والسيطرة على الشعب والذي أدى في النهاية إلي اللاهوت الفاسد في روما خلال القرون الوسطى والتي سميت بالعصور الظلمة.

 

أقدم ما يمكن أن نجده في كتابات الكنيسة القبطية عن الإعتراف السري، هو في القرن الثاني عشر، وقبل ذلك لا يوجد أي ذكر تماماً للإعتراف السري على يد الكاهن.

ويمكن أن ننظر في بعض (وليس كل النصوص) التي ذكرت تاريخ الإعتراف السري على يد الكاهن وكيف بدأ:

 

– المؤرخ أبو صالح الأرمني (القرن الثالث عشر): في كتابه "أخبار من نواحي مصر وأقطاعها":

"… وكان بالوجه البحري مرقس الضرير بن موهوب المعروف بإبن قنبر،قد جعله أسقف دمياط قساً وقدس وناول الشعب من السرائر المقدسة، فإنتهي أمره للأب البطريرك فأنكره ومنعه وقطعه فنصب نفسه لتفسير كتب البيعة وغيرها من ظاهر قلبه معماً عنده من العلوم، ثم أوهم الشعب أن من لا يعترف لمعلم بخطاياه ويعمل قانوناً عن خطاياه لا يجوز له ان يتناول القربان وإن مات بغير إعتراف للكاهن مات بخطيئته… فعاد الشعب يعترفون له وتركوا الإعتراف على المجمرة… ثم تحقق ذلك للأباء الأساقفة في الوجه البحري وطالعوا به الأب البطريرك… وهذا الشقي مرقس سقط ودخل في جملة الهراطقة.. وصار محروماً"[15].

– لويز إ. بوتشر (1897) في كتابها الشهير "تاريخ الكنيسة المصرية":

" كذلك تحول الاعتراف العلني بالخطايا إلى الاعتراف السري على يد الكاهن فى أوائل القرن الرابع، وانه لابد من الاعتراف قبل التناول من السر الأقدس. وكان على الذين لا يستطيعون الإقرار بخطاياهم السرية ان يعترفوا بها سراً أثناء مرور الكاهن بامجمرة فى صحن الكنيسة اعتقاداً منهم بأن البخور يحمل اعتراف الخطاة إلى أمام عرش الله…..

وفى القرن الثاني عشر ميلادياً كان بعض الأقباط يستغنون عن الكاهن فى قبول اعترافاتهم ويقدمونها مع البخور، بسبب الزعم ان الاعتراف علي يد الكهنة يتسبب عنه فضائح مشينة وخاصة بالنسبة للسيدات المعترفات، فقام كاهن قبطي صعيدي – فى عصر البابا يوحنا الخامس- يسمي مرقس بن قنبر وحث الناس على وجوب الاعتراف السري، ونوال الحل من الكاهن، رغم ان الاعتراف لدي مرور المبخرة كان جائزاً بقرار بطريركي فى ذلك الوقت!! وكانت دعوة ابن قنبر قد لاقت سخط الاساقفة، فطلبوا من البطيرك أن يحرمة…ولم تنيح البابا يوحنا الخامس ( 1166 م) خلفه البابا مرقس الثالث ( 1166- 1189 م)… فقام البابا بحرمه (ابن قنبر)، فالتجأ لرفع دعواه للحكومة الاسلامية، ولكن البابا والاساقفة رفضوا تدخلها ….ثم رضي البابا بقبول تحكيم ابنا ميخائيل بطريرك انطاكية فى هذه المشكلة فسعي البطريرك الأنطاكي إلى التوفيق بين الطرفين، فأشار بأن يقلل البابا من أهمية الأعتراف السمعي، وأن يتنازل ابن قنبر عن المبالغة والتهويل، فأدي هذا الرأي الغير مقبول إلى فتور فى العلاقة بين كنيستي مصر وأنطاكية. ولما كان ابن قنبر يأمل أن تقف بجواره بطريركية أنطاكية ولم تفعل، فذهب مع عدد كبير من أتباعه للانضمام للكنيسة الملكية اليونانية ( الروم) بطاركتها يقضون معظم عمرهم فى القسطنطينية ورعيتها غارقة فى الخرافات والجهل الروحي، فندم ابن قنبر وتوسل للبابا أن يقبله فحله من حرمه. ثم عاد ابن قنبر للكنيسة اليونانية، ولم يشأ البابا مرقس أن يقبله"[16]

وتضيف لويزا بوتشر فى حاشية تحت الكلام: " قيل أنه (ابن قنبر) مات بعد تولية البابا الروماني إنوسنت الثالث الذى قرر ضرورة الاعتراف السري فى الكنائس الكاثوليكية لدي الكاهن، وطابق كلام ابن قنبر، ولكن هذا المبدأ ( الاعتراف السري) لم يعمل به فى الكنائس المصرية"

ويضيف د. ميخائيل مكسى اسكندر فى حاشية النسخة التي ترجمها والتي صدرت عن مكتبة المحبة صفحة 220: "الواقع ان الكنيسة المصرية رجعت إلى ممارسة سر الاعتراف على يد الكاهن بعد القرن الثاني عشر، وكما هي عليه الحال الآن".

تذكر بوتشر هذا الأمر مرة ثانية في الفصل 55 عن البطريرك الفاسد كيرلس (داود ابن لقلق):" لما توالت شكاوي الاقباط ضده اضطر أن ياتي لمصر ويقابل اساقفة … وكانت طلبات الاساقفة فى تلك الجلسة القضائية معتدلة ومعقولة وتشمل  – نذكر منها فقط-(5) انه لا ينبغى علية تقليد بدع الكنيسة الملكية اليونانية ( ويقصد الاساقفة بتلك البدع أن البطريرك كيرلس (داود بن لقلق) نقل عن الكنيسة اليونانية أمر الاعتراف السري علي يد الكاهن واستعمله فى الكنيسة القبطية بعد أن بطلت تلك العادة من زمن طويل)"[17]

ويعلق د. د. مكسي فى حاشية تلك الصفحة أن الاعتراف كان قد توقف لظروف خاصة لكنه لم يذكر تلك الظروف.

 

– ثيؤدور هول باتريك في كتابه "المسيحية المصرية التقليدية: تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية":

"ظهر مصلح في ذلك الوقت هو الراهب القس مرقس بن قنبر… وكان يؤيد الإعتراف الخاص على يد الكاهن… ولم تكن هذه الإصلاحات تبدو غريبة بالنظر للكاثوليك في الغرب، ولكن الكنيسة القبطية رفضت هذه الإصلاحات الدينية"[18]

 

– كتاب "سر الثالوث في خدمة الكهنوت" (1493م):

"بطرس لما جحد فندم وخرج بكى بكاءاً مراً سراً فقبل الله توبته، وقد أبطل أباؤنا الإعتراف من البيعة القبطية وقد وضعوا ذلك في كتاباً وأشدوا في ذلك"[19] (وذلك بعد حادثة مرقس بن قنبر).

 

– كتاب "تاريخ البطاركة" (القرن 13) للأنبا يوساب أسقف فوه:

".. كان هذا البطريرك (الأنبا يوأنس "يوحنا") لا يميل إليه (للإبن لقلق) بسبب نقده له بخصوص موضوع منع الإعتراف"[20]

 

– ويعطينا العلامة القبطي يوحنا بن زكريا المعروف بإبن السباع (القرن 13) فكرة أن بعد بداية الإعتراف السري كان يتم تعيين كهنة معينيين (وليس أي كاهن) لقبول الإعتراف:

"وعلى البابا البطريرك إقامة آباء معلمين، لقبول إعتراف الشعب" (الباب السابع والتسعون في إقامة البابا أباً لقبول إعتراف شعب الله)[21]

 

– المجموع الصفوي لإبن العسال[22]:

الباب التاسع والعشرون ومن القسم 16 وحتى القسم21 يتحدث عن فائدة الاعتراف الروحية وصفات اب الاعتراف كما يقول ايضا:

"وكما ان انه ليس انسان بمحتاج الى الطب الجسدانى فكذلك الروحانى (ربما يقصد ان الانيان لايحتاج الطبيب طوال الوقت) وكما ان ليس كل المحتاجين اليه (الطبيب الجسدى) يحتاجون اليه مستمرا وفي كل مرض فكذلك الروحاني"[23]

 

وفي تذييل الباب التاسع والعشرون عن الاعتراف وهو من كتاب مجموع اصول الدين ومسموح علم اليقين لابن العسال

يذكر ابن العسال ثلاثة وسائل للاعتراف:

الاول هو الاعتراف من المخلوق لخالقه وبارءه فيما بينه وبينه سبحانه ليقبل الله توبته ويغفر له ويرضى عنه ويقول هذا هو الذي  يستعمله اكثر القبط[24].

النوع الثاني وهو اعتراف الانسان لكل من اخطا اليه من سائر البشر

النوع الثالث هو اعتراف الانسان للكاهن المسلم له بالاعتراف (لاحظ التاكيد انه ليس اي كاهن مخول له اخذ الاعتراف بل هناك كهنة مخصصة) وهو يقول ان باعتراف الانسان للكاهن امكن للكاهن مداواته ومعالحته وملاطفته بالصوم والصلاة والصدقة ورفع القرابين وما يضعه عليه من القوانيين وهو يقول ان الانسان اذا استعمل ما وصفه له الكاهن على تمامه وكماله غفر الله له ذنوبه وسامحه بزلاته[25].

لاحظ ان ابن العسال لا يذكر اى دور للكاهن في غفران الخطايا او اى ذكر للحل من الخطايا يعطيه الكاهن للمعترف كل دور الاعتراف بالنسبة لابن العسال هو التدريب والارشاد الروحي والمساعدة على ترك الخطية.

ويقول ابن العسال في عدة مواضع ان في عصرة كان هناك اختلاف بين فرقتين منهم من قبل الاعتراف ومنهم من لم يقبله[26].

وفي ختام حديثه عن الاعتراف وبعد ان يسرد شروط الكاهن ويؤكد ان هناك مهنة معينة مختارة لهذه الوظيفة[27].

يختم كلامه قائلا ان الشيخ ا العالم الفاضل ابن كاتب قيصر ابقاه الله تعالى -وهو معاصر لاولاد العسال- كتب مقالة ذكر فيها راى الفريقين من تمذهب بالاعتراف ومن لم يمتذهب به[28].


[1] ميخائيل مكسي إسكندر، موسوعة طقوس الكنيسة ج2: 120 سؤلاً وجواباً عن أسرار الكنيسة السبع، مكتبة المحبة1998، ص66

[2] ميخائيل مكسي إسكندر، موسوعة طقوس الكنيسة، ص11

[3] النص منشور في: الراهب أثناسيوس المقاري، مصادر طقوس الكنيسة، 1\1 الديداخي أي تعليم الرسل، مكتبة المنار 2000

[4] النص منشور في: الراهب أثناسيوس المقاري، مصادر طقوس الكنيسة، 1\2 التقليد الرسولي (قوانيين هيبوليتس)، مكتبة المنار 2000

[5] النص منشور في: الراهب أثناسيوس المقاري، مصادر طقوس الكنيسة، 1\10 قوانيين البابا أثناسيوس، دار نوبار 2003

[6] النص منشور في: الراهب أثناسيوس المقاري، مصادر طقوس الكنيسة، 3\1 المراسيم الرسولية،دار نوبار 2004

[7]  نصوص هذه القوانين منشورة في: الراهب أثناسيوس المقاري، مصادر طقوس الكنيسة، 1\14 قوانيين بطاركة الكنيسة القبطية في العصور الوسطي، دار نوبار 2009

[8] النص العربي نشره: أرسانيوس شفيق (القمص)، من تراث الآباء: راعي هرماس، لجنة الثقافة القبطية بكنيسة رئيس الملائكة ميخائيل، دمنهور 2006

[9] St. John Chrysostom, Homily 31 on Hebrews (31:6)

[10] St. John Chrysostom, Instructions to Catechumens (2:4)

[11] Sozomen, The Ecclesiastical History (7:16= Book VII, ChapterXVI)

[12] Socrates, The Ecclesiastical History (5:19= Book V, Chapter XIX)

[13] Decrees of the Ecumenical Councils, ed. Norman P. Tanner: Fourth Lateran Council : 1215

[14] Thomas Aquinas, Summa Theologica: 3rd part, Question 84: The sacrament of Penance, and 3rd part Supplements, Question 33. The repetition of this sacrament.

[15] تاريخ الشيخ أبو صالح الأرمني،أخبار من نواحي مصر وأقطاعها، المدرسة المسيحية بأكسفورد 1893، ص12،13،14،17

[16] لويزا بوتشر (ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر)، تاريخ الكنيسة المصرية، مكتبة المحبة 2004، ص 218،219

[17] لويزا بوتشر، تاريخ الكنيسة المصرية، ص 240

[18] ثيؤدور هول باتريك (ترجمة ميخائيل مكسي إسكندر)، تاريخ الكنيسة القبطية الإرثوذكسية، مكتبة المحبة 2004، ص83

[19] سر الثالوث في خدمة الكهنوت، (الناشر) جرجس فيلوثاؤس عوض 1942، ص13

[20] الأنبا يوساب أسقف فوه (إعداد  ميخائيل مكسي إسكندر)،تاريخ البطاركة، مكتبة المحبة 2003،ص253

[21] العلامة القبطي يوحنا بن زكريا (شرح وتعليق ميخائيل مكسي اسكندر)، الجوهرة النفيسة في علوم الكنيسة، مكتبة المحبة 2001، ص138

[22]  المجموع الصفوي يتضمن القوانين التى حمعها العلامة الشيخ الفي ابى الفضائل ابن العسال الجزء الثانى مؤسسة مينا للطباعة  1991

[23] المجموع الصفوي 25/17، ص 225

[24] المجموع الصفوي ص 228

[25] المجموع الصفوي ص229

[26] المجموع الصفوي ص230

[27] المجموع الصفوي ص230

[28] المجموع الصفوي ص232

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رد واحد to “الاعتراف السرى للكاهن-دراسة تاريخية قصيرة”

  1. […] الاعتراف السرى للكاهن-دراسة تاريخية قصيرة […]

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: