عودة الشرق الأوسط للمسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ يَهْوِه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

Archive for the ‘عقيدة مسيحية’ Category

Case for Christ- Lee Strobel (MOVIE)

نشر بواسطة: mechristian في أوت 16, 2008

رحلة الصحفي لي ستروبل Lee Strobel من الالحاد إلى الايمان

Case for Christ- Lee Strobel

لأول مرة فيلم Case for Christ Movie

المبني على كتاب بنفس العنوان

Posted in Apologetics, Jesus, jesus christ, scripture, فنون, فيديو, لاهوت دفاعي -عام, لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, لاهوت دفاعي-كتاب مقدس, أفلام مسيحية, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

فيلم حياة رب المجد يسوع المسيح

نشر بواسطة: mechristian في أوت 15, 2008

فيلم حياة رب المجد يسوع المسيح

باللغة العربية

جزء 1

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, تاريخ الكنيسة, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

مسلم سنى ملتحي يعترف بالمسيح إلها وربا

نشر بواسطة: mechristian في أوت 15, 2008

مسلم سنى ملتحي يعترف بالمسيح إلها وربا

على يد الأب مكاري يونان

Posted in لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, رد على أكاذيب إسلامية, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

The Ten Commandments 1956 (Life of Moses)

نشر بواسطة: mechristian في أوت 13, 2008

 

فيلم الوصايا العشر (1956 م)

قصة حياة موسى النبي

مترجم إلى العربية

الجزء الأول

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in فنون, تاريخ الكنيسة, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

Ten commandements-Animated

نشر بواسطة: mechristian في أوت 9, 2008

حياة موسى النبي (فيلم الوصايا العشر)

نسخة رسوم متحركة 3D

[Googlevideo=http://video.google.com/videoplay?docid=-5576113163524676432]

Posted in فنون, تاريخ الكنيسة, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

فيلم تفسير سفر الرؤيا

نشر بواسطة: mechristian في أوت 8, 2008

فيلم تفسير سفر الرؤيا

Posted in فنون, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

King David فيلم حياة النبي والملك داود

نشر بواسطة: mechristian في أوت 8, 2008

فيلم حياة النبي والملك داود

بطولة الممثل العالمي ريتشارد جير

Life of King David

Starring Richard Gere

مترجم بالعربية

الجزء الأول

الجزء الثاني

Posted in فنون, تاريخ الكنيسة, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

life of St. Paul-Movie حياة بولس الرسول

نشر بواسطة: mechristian في أوت 8, 2008

فيلم حياة بولس الرسول

Life of Saint Paul

TBN Movies

غير مترجم

مشاهدة ممتعة

Posted in بولس الرسول, تاريخ الكنيسة, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

وماقتلوه وما صلبوه – قراءة مسيحي

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 30, 2008

وماقتلوه وما صلبوه – قراءة مسيحي

ميلاد عبد المسيح

لا أزعم انني سوف افسر القرآن لاخواني المسلمين ، ولكنني كمسيحي دعٌيت اكثر منهم الى قراءة القرآن “لعلني أهتدي” ، وقد فعلت وقرأت فهل أنا مخطيء اذا كتبت خواطري ؟

هل أكون مخطئا اذا دافعت عن إيماني الذي اقتنيته باختياري الشخصي وبعد مقارنة كل الاراء ؟؟

كمسيحي آمنت بما جاء في الانجيل ان المسيح مات على الصليب وكان هناك كثيرا من الشهود على ذلك سواء من اليهود او الرومان او التلاميذ اوالسيدة مريم العذراء ام المسيح بنفسها ، وغيرهم ، ثم دفن ثلاثة ايام ليقوم من بين الاموات ويصعد الى السموات على رأس الشهود . ولكن اصدقائي المسلمين قالوا لي ان القرآن يقول انه لم يصلب بل كان على الصليب شخصا آخر بدلا عنه ، فقلت لا بد وان استكشف الحقيقة بنفسي ، فالموضوع اخطر من أن اخذه بالايمان الموروث فقط ، بل يجب ان يكون ايماني هو اختيار شخصي بعد المقارنة والتفكير والتمحيص ، وقرأت القرآن لسنوات وانتهيت الى بحث طويل ، ليس مجاله ان نكتبه هنا ولذلك فسوف اكتفي بتلخيصه فقط ، وبالطبع ارحب بالاجابة على اي سؤال او استفسار فيه .

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, رد على أكاذيب إسلامية, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

هل لبست السيدة العذراء الحجاب ؟

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 29, 2008

هل لبست السيدة العذراء الحجاب ؟

Hopeless Refugee


سلام ونعمة رب المجد يسوع المسيح

هل هناك حجاب في المسيحية ؟

هل كانت السيدة العذراء مريم تلبس حجابا ؟

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

تفضل بالجلوس سوف نناقش عقيدة الثالوث

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 29, 2008

تفضل بالجلوس سوف نناقش عقيدة الثالوث

Newman

———————-

قبل ان تبدأ في مناقشة عقيدة الثالوث في المسيحية يجب ان تعرف ان المسيحي يؤمن باله واحد والكتاب المقدس مليء بالكثير من هذه الشواهد سوف اذكرها واعددها لك لاحقا ـ ولكن أسال نفسك ، هل يقول المسيحيون ذلك عن الله ام ان الله يقول عن نفسه في الكتاب المقدس بوضوح عقيدة اصبحت متأصلة في الايمان والوجدان المسيحي !!!! ء

هل انت يا أخي مسلم ، تستطيع ان تفهم كل شيء في العقيدة الاسلامية ، ام ان هناك مما تسميه ( الغيبيات والروحانيات ) التي تتوقف عندها ولا تسأل ؟؟

في القرآن : (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (الاسراء:85) ء

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة:101)

(يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ) (لأعراف:187)

———————

اذا فانت كمسلم في ايمانك العميق ، قد تقبل اشياء بدون ان تسأل عنها ولا تفهمها ….

و هذه محاولة بسيطة للاجابة عليك كمسلم بروح الاسلام وفكره ولغته عن السؤال المتكرر للعقيدة المسيحية في الله الواحد مثلث الاقانيم

———————-

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

لماذا قال يسوع : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 27, 2008

لماذا قال يسوع : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟


Newman

لماذا قال يسوع المسيح على الصليب : إلهي إلهي لماذا تركتني ؟

——–

اذا كان المسيح هو الله ، فلماذا صرخ هذه الصرخة

ولمن كان يتكلم ؟؟

———————–

هذا السؤال يطرحه علينا احباءنا واخواننا المسلمين ، وللاجابة عليه بنعمة الله نقول

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, لاهوت دفاعي-كتاب مقدس, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

هل ألغى بولس وصايا الناموس ومنها الختان؟

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 27, 2008

هل ألغى بولس وصايا الناموس ومنها الختان؟


Newman

هل ألغى بولس الختان ؟

هل جاء بولس بديانة جديدة غير الايمان المسيحي النقي ؟

هل خالف بولس تعاليم المسيح ، فألغى الختان , والغى الناموس؟

هكذا يتسائل اخواننا واحبائنا المسلمين ، وهنا نطرح الاجابة :ء

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, بولس الرسول, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

هل صليب المسيح علامة ضعفه ام قوته ؟؟؟

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 27, 2008

هل صليب المسيح علامة ضعفه ام قوته ؟؟؟

Newman

لانه وان كان قد صلب من ضعف لكنه حيّ بقوة الله.فنحن ايضا ضعفاء فيه لكننا سنحيا معه بقوة الله من جهتكم ( 2 كورنثوس 13 : 4)

ما المقصود بهذه الكلمات ؟؟

هل صُلب المسيح من ضعف في شخصيته او ارادته ؟؟؟

هل كان المسيح مسلوب الارادة وضعيفا حتى ان البشر صلبوه رغما عن ارادته ؟؟؟

يعتقد البعض ان اليهود والرومان حينما اشتركوا في صلب السيد يسوع المسيح فانما قد تم صلبه لانه كان ضعيفا ، فلم يستطع الدفاع عن نفسه ، او انقاذ نفسه ، ولذلك فلا يمكن ان يكون هو الله الظاهر في الجسد .

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

الشيطان والصليب

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 27, 2008

الشيطان والصليب

Newman

هل صليب السيد يسوع المسيح فكرة من الشيطان تم وضعها في عقول المؤمنين ، فتوهموا ان الصليب حقيقة واقعة ؟؟؟

ام العكس هو الصحيح ان الصليب هو خطة الله للفداء ، والشيطان اراد ان ينزعها من ان تصل الى الناس لكي يؤمنوا فتكون لهم فداء ومغفرة وحياة .هذا ما سوف نناقشه معا في هذا الموضوع :

ماذا يريد الله او يقول لنا وماذا يريد الشيطان ان يقول لنا بخصوص الصليب ؟؟؟

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in لاهوت دفاعي -عام, لاهوت دفاعي- لاهوت المسيح, عقيدة مسيحية | 1 Comment »

إخراج الشياطين الإسلامية باسم المسيح

نشر بواسطة: mechristian في فيفري 11, 2008

إخراج الشياطين الإسلامية باسم المسيح

لم تكن المعجزة المسيحية في يوم من الأيام من أجل اثبات أي عقيدة

أو من أجل الاستعراض

بل كانت دائما من أجل الإنسان

من أجل سعادة البشر وصحتهم وإزالة الألم والحزن من قلوبهم

دائما ما كانت المعجزة كسر لما هو معتاد من أجل من هو أهم الإنسان

نستعرض معكم الآن بعض مشاهد إخراج أرواح نجسة من مسلمين على يد الأب مكاري يونان

وباسم السيد المسيح له كل المجد

أخراج أروح شريرة من مسلمين ، ليعترفوا بالمسيح أنه الله

للمزيد

https://mechristian.wordpress.com/video-library/exorcism/

قال السيد المسيح

(ها انا اعطيكم سلطانا لتدوسوا الحيّات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء. ولكن لا تفرحوا بهذا ان الارواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري ان اسماءكم كتبت في السموات ) “لوقا 10: 19”

Posted in فضائح إسلامية, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

حول طبيعة السيد المسيح – القديس كيرلس السكندري

نشر بواسطة: mechristian في أوت 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير

رسالة من القديس كيرلس السكندري

الي سكسنيسوس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوبلس

 

1- الحق يجعل نفسه واضحاً لأولئك الذين يحبونه، ولكنى أظن أنه يحجب نفسه من أمام الماكرين، لأنهم يظهرون أنفسهم بأنهم غير مستحقين لرؤية الحق بنظرة واضحة. ومحبو الإيمان غير الملوم يطلبون الرب “بقلب بسيط” (حك1: 1) كما هو مكتوب . بينما الذين يسيرون فى طرق ملتوية ولهم ” قلب معوج” (مز101 : 4) كما قيل فى المزامير، فإنهم يجمعون، لأجل أغراضهم الخاصة المنحرفة حججاً ماكرة لخطط، لكى يعوجوا طرق الرب المستقيمة، ويضلوا نفوس البسطاء بجعلهم يظنون أنهم يتمسكون بأفكار خاطئة. وأنا أقول هذا بعد أن قرأت المذكرات المرسلة من قداستكم، فوجدت بعض أمور مقترحة غير صحيحة، من أولئك الذين أحبوا انحراف العلم الكاذب الاسم.

 

 

2- وكانت اقتراحاتهم هكذا:

إن كان عمانوئيل مركباً من طبيعتين، ولكن بعد الاتحاد تعرف طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فيتبع هذا أننا لابد أن نقول أنه اختبر الألم فى طبيعته الخاصة ! (*)

آباؤنا المغبوطون الذين وضعوا قانون الإيمان المستقيم أكدوا أن الكلمة الذى من الله الآب، والذى هو من جوهره، والوحيد الجنس، والذى به صارت كل الأشياء، بشخصه تجسد وتأنس (صار إنساناً). ومن الواضح بلا شك أننا لا نقصد أن أولئك الرجال القديسين لم يدركوا حقيقة أن الجسد المتحد بالكلمة كان محيياً بنفس عاقلة، ولذلك، فإن قال أحد إن الكلمة تجسد، فإنه لا يتفق مع الرأى القائل إن الجسد الذى إتحد به (الكلمة) كانت تنقصه النفس العاقلة. وهذا كما أظن، أو بالحرى كما نعلن صراحة، هو ما كان يعنيه الانجيلى يوحنا الحكيم حينما قال إن “الكلمة صار جسداً” (يو1 : 14)، ليس أنه إتحد بجسد بلا حياة، حاشا، ولا أنه تعرض للتغير أو التحول. لقد ظل كما هو، أى إلهاً بالطبيعة، وبعد أن اتخذ وجوداً إنسانياً بأن صار جسداً مثلنا من امرأة، فقد ظل هو الابن الواحد، ليس بدون جسد كما كان سابقاً قبل زمان تأنسه لكنه لبس طبيعتنا. ورغم أن الجسد المتحد بالكلمة المولود من الله الآب، هو جسد محياً بنفس عاقلة، وليس مساوياً لجوهر الكلمة، لكن حيث أن العقل بديهياً يدرك الاختلاف من حيث النوع بين العناصر المتحدة، لذلك نعترف بابن واحد، ومسيح واحد، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسداً. وحينما نقول “جسداً”، نقصد “إنساناً”. إذن ما الضرورة لأن يذوق الألم فى طبيعته الخاصة، إذا افترضنا أن هناك تأكيد على طبيعة واحدة متجسدة للابن بعد الاتحاد؟ إن لم تتضمن شروط خطة الله ما هو قابل للألم لصار تأكيدهم صحيحاً أنه فى غياب ما هو قابل للألم فإن طبيعة الكلمة لابد تتعرض للألم، لكن إن كانت عبارة “صار جسداً” تحضر بكل معنى الكلمة خطة تدبير التجسد، (لأن التجسد ليس إلا بأن يمسك نسل إبراهيم، ويشبه أخوته فى كل شئ (فى2 : 7) آخذا صورة عبد)، إذن فمن الجهالة أن يتكلم أحد عن أنه يجتاز الآلام فى طبيعته الخاصة، كعاقبة حتمية، حينما يتحتم أن يكون الجسد مرئياً كأساس لحدوث الألم بينما الكلمة هو غير قابل للألم. ومع ذلك فإننا لا نستبعد أن ننسب إليه الألم. فكما أن الجسد صار ملكاً خاصاً له، هكذا أيضاً ينسب إليه كل ما هو للجسد (ما عدا الخطية وحدها)، وفقاً لخطة الله فى تخصيصه لهذا الغرض.

 

 

3- إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فلابد أن يحدث نوع من الامتزاج والاختلاط، مع الطبيعة البشرية مما يجعلها تتضاءل بأن تنزع !

هنا أيضاً هم ” يعوجون المستقيم” (مى3 : 9)، ويفشلون فى إدراك أن الحقيقة هى طبيعة واحدة متجسدة للكلمة. لأنه إن كان الكلمة المولود بطريقة سرية من الله الاب ولد كإنسان من امرأة باتخاذه جسداً، ليس جسد بلا حياة بل جسد فيه حياة وعقل، هو بالحقيقة وبالفعل ابن واحد، فلا يمكن أن ينقسم إلى شخصين أو ابنين بل ظل واحداً، لكن ليس بدون جسد أو بطريقة غير مادية، بل له جسده الخاص فى وحدة غير منفصلة. وهذا القول لا يعنى أو يتضمن إمتزاجاً أو اختلاطاً أو أى شئ من هذا القبيل، فكيف يكون هكذا؟ إذا دعونا ابن الله الوحيد الجنس المتجسد والمتأنس، واحداً، فهذا لا يعنى أنه امتزج كما يظنون؛ فطبيعة الكلمة لم تتحول إلى طبيعة الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، لا، بل بينما ظل كل عنصر منهما مستمراً فى صفته الطبيعية الخاصة، للسبب الذى ذكرناه، متحداً بطريقة سرية وفائقة لأى شرح، ظهر لنا فى طبيعة واحدة (لكن كما قلت طبيعة متجسدة) للإبن. وعبارة “واحدة” لا تطبق بالضبط على عناصر مفردة أساساً لكن لكيان مركب مثل الإنسان المركب من نفس وجسد. فالنفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر فى الجوهر، إلا أنهما فى اتحادهما يؤلفان طبيعة الإنسان الواحدة، على الرغم من أن الاختلاف فى عناصر الطبائع المتحدة موجود فى حالة التركيب. ولذلك فإنهم باطلاً يدَّعون أنه إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فانه سيتبع ذلك وجود اختلاط وامتزاج مع الطبيعة الانسانية مما يجعلها تتضائل بأن تنزع. فهى لم تتضاءل ولا نزعت (بحسب تعبيرهم) لأن القول بأنه قد تجسد هو تعبير كاف لحقيقة كونه صار إنساناً. فلو صمتنا على ذلك، لتركنا المجال لنقدهم المغرض. ولكن حيث أننا أضفنا حقيقة أنه تجسد، فكيف يكون هناك أى اقتراح بتضئيل أو إزالة محرومة؟

 

 

4- إن كان هو نفسه يُرى كإله كامل وإنسان كامل، من نفس الجوهر مع الآب بحسب اللاهوت، ومن نفس الجوهر معنا بحسب الناسوت، فأين يكون الكمال إن كانت الطبيعة الإنسانية لم يعد لها وجود؟ وأين مساواته لنا فى الجوهر معنا ، إن لم يعد لجوهرنا أو لطبيعتنا أى وجود ؟

إن الحل أو الرد الذى ورد فى الفقرة السابقة يعتبر كافياً لتغطية هذه النقطة أيضاً. لأننا لو كنا قد تكلمنا عن طبيعة واحدة للكلمة بدون الإضافة الصريحة لعبارة “متجسدة”، فى استبعاد واضح للخطة الإلهية، لصار السؤال الذى يدّعونه عن الطبيعة البشرية الكاملة أو إمكانية استمرار جوهرنا فى الوجود مقبولاً ظاهرياً. ولكن فى تقديمنا عبارة “متجسدة” تعبير عن كماله فى الناسوت وفى طبيعتنا البشرية، فليكفوا إذن عن الاستناد على قضيب مرضوض. سوف يكون هناك سند قوى لإدانة كل من يجرد الابن من كمال ناسوته بطرح الخطة الإلهية جانباً وإنكار التجسد، لكن، إذا، كما قلت، كان حديثنا عن تجسده يحوى إدراك جلى وتام بأنه صار إنساناً، فلن تعد هناك مشكلة فى رؤية أن المسيح وهو الابن الواحد والوحيد، هو الله وإنسان، كاملاً فى لاهوته وكاملاً فى ناسوته. إن كمالك قد شرح بكل صواب وفطنة، الأساس المنطقى لآلام مخلصنا، حينما صممت أن ابن الله الوحيد الجنس لم يختبر شخصياً آلام الجسد فى طبيعته الخاصة كإله، لكنه تألم فى طبيعته الأرضية. ويجب الحفاظ على النقطتين فيما يخص الابن الواحد الحقيقى ألا وهما عدم وجود الألم إلهى ونسبة آلام ناسوته إليه لأن جسده هو تألم بالفعل. لكن هؤلاء الناس يظنون أننا بذلك نقدم ما يسمونه هم “تألم الله”، وهم لا يدركون الخطة الإلهية ويعملون محاولات عابثة لنقل الآلام إلى الإنسان على حدة فى مواصلة حمقاء لتقوى مصطنعة. إن هدفهم هو أن كلمة الله لن يعترف به أنه المخلص الذى أعطى دمه الخاص لأجلنا، بل بالحرى أن يسوع كشخص متمايز هو من ينسب إليه ذلك. هذه الفكرة تلقى بكل مبدأ خطة الله بالتجسد بعيداً، وبوضوح تسئ تفسير سرنا الإلهى بكونه عبادة إنسان. وهم لا يفهمون أن بولس المبارك حينما يدعوه أنه من اليهود “بحسب الجسد” (2كو 1 : 17) ، أى من نسل يسى وداود وأنه “المسيح” ” رب المجد” (1كو2 : 8) وأنه ” الكائن على الكل الها مباركا الى الابد ” (رو9 : 5) ، يخصه بالصلب، كما نطق بأن الجسد المسمر على الخشبة هو جسد الكلمة نفسه.

 

 

5- لقد فهمت أن هناك مبحثاً آخر قد أثير:

بالتأكيد من يقول إن الرب تألم فى الجسد على وجه التحديد إنما يفسر الألم بأنه غير معقول ولا إرادى. ولكن إن قال أحد إنه تألم بنفسه وعقله لكيما يجعل الألم إرادياً، فليس هناك ما يمنع القول إنه تألم فى طبيعته البشرية. ولكن إن كان هذا حقيقياً فكيف لا نكون مقرين بأن الطبيعتين قائمتان بدون انفصال بعد الاتحاد؟ والنتيجة أننا إن اقتبسنا القول التالى أن “تألم المسيح لأجلنا بالجسد” (1بط4 : 1)، فهذا لا يعنى سوى أن المسيح تألم لأجلنا فى طبيعتنا !

إن هذا الاعتراض ما هو إلا هجوم جديد ضد الذين يؤكدون طبيعة واحدة متجسدة للإبن، وهم يرغبون ظاهرياً فى أن يبرهنوا على التأكيد التافه الذى يناقشونه بعناد عن وجود طبيعتين قائمتين. لكنهم قد تناسوا حقيقة أن كل الأشياء التى يتم عادة التمييز بينها على المستوى الذهنى فقط، تنعزل تماماً فى الاختلاف المتبادل والفردية المنفصلة. فلنأخذ مرة أخرى مثال الإنسان العادى. إننا ندرك أن هناك طبيعتين فى هذا الإنسان، إحداهما هى النفس والأخرى هى الجسد. ولكننا نقسمهما فى الفكر فقط، قابلين الاختلاف ببساطة على أنه فى البصيرة الداخلية والإدراك الذهنى فقط، فنحن لا نفصل الطبيعتين، ولا ننسب إليهما قدرات على الانفصال الجذرى، لكننا ندرك أنهما ينتميان إلى كائن حى واحد حتى أن الاثنين لا يعودوا بعد اثنين، والكائن الحى الوحيد يكمل من طبيعتين. فعلى الرغم من أننا ننسب الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية إلى عمانوئيل، إلا أن الطبيعة البشرية صارت طبيعة الكلمة الخاصة، ومعها يثرى ويُدرك أنه الابن الواحد. إن الكتاب الإلهى الموحى به يقول أنه تألم بجسده، فمن الأفضل أن نستخدم نحن أيضاً هذه الألفاظ بدلاً من أن نقول “فى الطبيعة الإنسانية”، حتى لو كانت هذه العبارة لا تسئ بالمرة إلى حقيقة السر، إلا إذا فهمت كما فى الإدراك المنحرف للبعض. لأنه ما هى الطبيعة الإنسانية سوى جسد حى عاقل؟ وأننا نؤكد أن الرب تألم فى الجسد؟ فالحديث سوف يكون بلا جدوى إذا تكلموا عن أنه تألم فى طبيعته الإنسانية فاصلين وعازلين إياها عن الكلمة، حتى يفكروا فيه أنه اثنين وليس واحد، الكلمة الذى من الله الآب، بل والمتجسد والمتأنس. وعبارة “غير المفترق” التى أضافوها يبدو كما لو كان لها مفهومنا المستقيم، لكن ليس هذا ما يقصدونه. أن عبارة “غير المفترق” فى حديث نسطور الفارغ تستخدم بمعانى مختلفة. فهم يقولون أن الإنسان الذى سكن فيه الكلمة هو غير مفترق عنه فى مساواة الكرامة والرغبة والسلطة. والنتيجة هى أنهم لا يستخدمون الألفاظ فى معناها المباشر لكن بخداع وبطريقة مؤذية.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

الصليب-للقديس يوحنا ذهبي الفم

نشر بواسطة: mechristian في أوت 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصليب

للقديس يوحنا ذهبي الفم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوبلس

 

المقدمة :

تمت الترجمة من اللغة اليونانية من مجموعة باترولوجيا جريكا (ميني): P.G. 49: 407-418.

قام بالترجمة عن اليونانية القديمة الدكتور جوزيف موريس فلتس الباحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

قامت الكنيسة القبطية بطباعة النسخة العربية

قامت كنيسة انطاكيا بتحويل الترجمة الي مادة رقمية

 

تتكون العظة من خمس أجزاء :

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

3 ـ ايمان اللص واعترافه

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

 

 

 

 

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

اليوم يا أحبائي نُعيّد ونحتفل إذ أن السيد على الصليب والشمس متوارية. ولا تتعجب من أن الأمور التي تسبب التجهم والعبوس هي نفسها التي نحتفل بها، إذ أن كل الأمور الروحية تختلف عن الأمور الجسدية المعتادة . ولتعلم هذا بالتمام. كان الصليب في السابق اسمًا للقصاص والعقاب، أما الآن فهو اسم للفخر والاحترام، كان الصليب في السابق موضع عار وعذاب، أما الآن فأصبح سبب مجد وشرف. وكون أن الصليب هو مجد يؤكده قول المسيح ” أيها الآب مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل تأسيس العالم” (يو5:17).

فالصليب هو قمة خلاصنا، الصليب هو مصدر عشرات الآلاف من الخيرات، بواسطته صار المنبوذين والساقطين مقبولين في عداد الأبناء. به لم نعد بعد مُضللين بل للحق عارفين. بالصليب أصبح الذين كانوا فيما مضى يعبدون الأخشاب والأحجار، يعرفون خالق الكل. بالصليب نال عبيد الخطية عتق الحرية بالبر. به صارت الأرض سماءً، فهكذا (بالصليب) تحررنا من الضلال، وهكذا نلنا الإرشاد إلى الحق. هكذا تمم الله أمرًا يليق به تجاه البشر. هكذا أقامنا من عمق الخطية ورفعنا إلى قمة الفضيلة. هكذا أباد ضلال الشياطين وهكذا كشف الخداع. بالصليب لم يعد هناك دخان، ولا دماء حيوانات مهرقة، بل في كل مكان نجد الاحتفالات الروحية والتسابيح والصلوات. بالصليب هربت قوات الشر وفر الشيطان. بالصليب تتسابق الطبيعة البشرية لتنضم إلى محفل الملائكة. بالصليب صارت البتولية مستوطنة على الأرض. فحيث أتى المسيح من عذراء فقد فتح طريق هذه الفضيلة أمام طبيعة البشر. بالصليب أنارنا نحن الجلوس في الظلمة. بالصليب حرَّرنا من الأسر، وبعد أن كنا بعيدين صرنا منه قريبين. هكذا بالصليب خلُصنا، وصار لنا هذا الفداء بالفعل. هكذا بالصليب بعد أن كنا غرباء صرنا مواطنين سمائيين. هكذا بالصليب بعد أن كنا نُحارب صار لنا السلام والأمن. وبالصليب لم نعد نخاف سهام الشيطان، فقد وجدنا نبع الحياة. بواسطة الصليب لا نحتاج فيما بعد الزينة الخارجية لأننا نتمتع بالعريس . وبه لم نعد نخاف الذئب فقد عرفنا الراعي الصالح ” أنا هو الراعي الصالح ” (يو11:10). وبه لن نرهب الطاغية إذ صرنا في جانب الملك .

أرأيت كم هي الخيرات التي قدمها الصليب لنا ؟ إذن يحق لنا أن نقيم عيدًا له. ولهذا أوصانا بولس الرسول أن نُعيّد قائلاً ” فلنعيّد لا بالخمير العتيق.. بل بفطير الاخلاص والحق” (1كو8:5). ولماذا توصينا أيها الرسول المغبوط بولس أن نحتفل بالصليب ؟ لقد أوضح السبب “إن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو7:5). أرأيت كيف يكون الصليب عيدًا للمسيح؟ أعرفت أنه يجب أن نعيّد للصليب؟ لقد ذُبح المسيح على الصليب، وحيث تكون الذبيحة هناك عتق من الخطايا، هناك مصالحة مع الرب، هناك عيد وفرح.

لقد قيل إن فصحنا المسيح ذُبح من أجلنا. فقل لي أين ذُبح؟ لقد ذُبح مرفوعًا على الصليب. المذبح جديد ومختلف عن أي مذبح، لأن الذبيحة جديدة ومختلفة عن أي ذبيحة، فهو نفسه الذبيحة والكاهن. أما كونه ذبيحة فبحسب الجسد، أما كونه كاهن فبحسب الروح، وهو نفسه المقدِّم والمُقدَّم. فاسمع أيضًا ما يقول بولس ” إن رئيس الكهنة الذي يؤخذ من بين الناس إنما يُقام من أجل الناس ليقدم عنهم (ذبائح) لله، أما المسيح فلم تكن له حاجة إلى ذلك إذ قرَّب ذاته” (عب8:5، 3:8). ويقول بولس الرسول في موضع آخر ” إن المسيح قُدِّم مرة واحدة ليحمل خطايا كثيرين” (عب 28:9). لقد قُدِّم ههنا، أما هناك فقدَّم ذاته. أرأيت كيف صار ذبيحة وكاهنًا معًا، وكيف كان الصليب مذبحًا له؟

ومن الضروري أن تعلم لأي سبب لم تُقدم الذبيحة داخل الهيكل اليهودي، لكن خارج المدينة، خارج الأسوار. لقد صُلب خارج المدينة مثل أثيم حتى يتم ما قيل بالنبي ” إنه أُحصى مع الأثمة” (إش12:53). ولماذا صُلب خارج المدينة مرتفعًا على الصليب، وليس تحت سقف ما؟ لكي يطهر طبيعة الهواء.فهناك وهو مرفوع على الصليب لم يكن يظلله سقف بل سماء، لكي يطهرها مرة بذبح الخروف هناك عاليًا على الصليب. وكما تطهرت السماء، فإنه طهّر الأرض أيضًا. فعندما سال الدم من جنبه تطهرت الأرض من كل دنس. ولماذا لم تقدم ذبيحة الصليب تحت سقف أو في هيكل يهودي؟ أعلم أن هذا أيضًا ليس أمرًا بسيطًا، فقد حدث ذلك لكي لا يدّعي اليهود أن الذبيحة تخصهم وحدهم، أو يُظن أنها قُدمت عن هذا الشعب فقط، ولهذا قُدمت خارج المدينة والأسوار لكي تُعلِمهم أن الذبيحة هي مسكونية، وأيضًا أنها قُدمت عن الكل. وأن تطهير الطبيعة شامل لكل الأرض، بعكس اليهود الذين أمرهم الله أن يتركوا الأرض كلها ويُبقوا لأنفسهم مكانًا واحدًا للصلاة وتقديم الذبائح، بسبب أن الأرض كلها كانت مدنسة بدخان ودماء ذبائح الوثنيين وأدناس اليونانيين.

أما بالنسبة لنا فقد جاء المسيح وتألم خارج المدينة وطهّر كل المسكونة وجعل كل موضع مكانًا للصلاة. أتريد أن كيف أن الأرض كلها أصبحت هيكلاً وأن كل مكان أصبح مكانًا للصلاة؟ أسمع أيضًا ما يقوله المُطوب بولس ” فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تي8:2). أرأيت أن المسكونة كلها تطهرت، إننا نستطيع أن نرفع أيادي طاهرة في كل مكان؟ فلقد صارت إذن الأرض بأسرها مقدسة، بل بالحري أقدس من قدس أقداس اليهود. وكيف يكون هذا؟ هناك في قدس الأقداس يُقدم خروف من الحيوانات غير العاقلة أما هنا فالخروف عاقل (ناطق). وبمقدار ما تفوق الذبيحة العاقلة الذبيحة غير العاقلة، هكذا يفوق تقديس الأرض (بالصليب) على أقداس اليهود. وبالتالي فالصليب هو عيد حقًا.

__________________

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

أترغب في معرفة إنجاز عظيم آخر للصليب يفوق إدراك العقل البشرى؟ إن الفردوس الذي كان مغلقًا قد فُتح اليوم. اليوم دخل اللص إليه. هناك إنجازان عظيمان، فتح الفردوس ودخول اللص إليه، إعادته لوطنه القديم، واسترداده إلى بلده الأم.” اليوم تكون معي في الفردوس” (لو43:23). ماذا تقول (يارب)؟ هل وأنت مصلوب ومُسمّر على الصليب تَعِدُ بالفردوس؟ كيف بالحقيقية تهبُ ذلك؟ يقول بولس الرسول إنه “صُلب من ضعف” (2 كو 13 : 4) لكن فلتسمع ما تلاه “لكنه حي بقوة الله” (2كو 13 : 4) وفي موضع آخر يقول ” لأن قوتي في الضعف تكمل”(2كو 12 :9) ولهذا يقول: إني أعد وأنا على الصليب، لكى تعلم من هذا أيضًا قوتي. فهذا الأمر المحزن لم يحدث ليبعدك عن التفكير في طبيعة الصليب بل لتعلم قوة المصلوب عليه والمعجزة التي تمت فوقه، تلك المعجزة التي تشير إلى قوة المصلوب، فاللص لم يؤمن به وهو يقيم الموتى أو ينتهر أمواج البحر ويطرد الشياطين، بل عندما كان مصلوبًا ومسمّرًا وهو مُعرّض للشتم والبصق والهزء والتعذيب. أنظر إذن الوجهين اللامعين لقوة المصلوب: إنه قد هزّ أركان الطبيعة وشقق الصخور، من ناحية، وإنه جعل نفس اللص التي كانت أقسى وأصعب من الصخر، تصير وديعة.

أتقول يارب، ” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) ؟ الشاروبيم يحفظون الفردوس وهناك يجول سيف ناري وأنت تَعِدُ اللص بأن تُدْخِله هناك؟ نعم يقول (المسيح): فأنا هو رب الشاروبيم، ولىّ سلطة على اللهيب والجحيم والحياة والموت. ولهذا يقول “اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23). فإن كان الرب له هذه القدرة فقد متع بها الآخرين مباشرة، ومع أن الملك لا يرض لنفسه أن يجالس لصًا أو أحدًا من عبيده ولا أن يرافقه إلى المدينة، إلاّ أن السيد محب البشر فعل ذلك وأدخل معه اللص إلى الوطن المقدس. وفي هذا فإن اللص لا يهين الفردوس بأن يطئه بقدمه بل بالحري يشرّفه. فشرَف الفردوس أن يكون له مثل هذا السيد القوى محب البشر الذي جعل اللص جديرًا بالتنعم فيه. وهو عندما دعا العشارين والزناة إلى الملكوت فهو لم يُحقِر من هذا الملكوت بل بالحري كرّمه وأظهر أنه رب ملكوت السموات الذي جعل العشارين والزناة أهلاً لمجد وعطية الملكوت هناك. وكما أننا نُعجب بالطبيب عندما نراه يشفي الناس من الأمراض المستعصية ويأتي بهم إلى الصحة التامة، هكذا يا أحبائي، يجب أن نُعجب بالمسيح ونُدهش إذ هو يشفي أمراض نفوس الناس المستعصية، ويعتقها من الشرور المسيطرة عليها، جاعلاً أولئك الذين سيطرت عليهم الشرور إلى أبعد الحدود، أهلاً لملكوت السموات.” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) : شرف عظيم ، محبة للبشر فائقة، صلاح يعجز اللسان عن وصف إفراطه، فالدخول إلى الفردوس له شرف عظيم جدًا إذ هو دخول مع السيد.

ماذا حدث؟ هلاّ تقول لي ما الذي أظهره اللص حتى يكون مستحقًا للفردوس وليس للصليب؟ أتريد في اختصار أن أقول وأُظهر لك فضل اللص؟ فالرب الذي أنكره بطرس هامة الرسل، مع أنه لم يكن على الصليب، اعترف به اللص وهو معلق على الصليب. وأنا لا أقول هذا لأتهم بطرس، حاشا، لكن أريد أن أُظهر عظمة نفس اللص وفلسفته الفائقة. فذاك (التلميذ) لم يحتمل تهديد رخيص من بنت صغيرة، أما اللص وهو يرى الجمهور كله يهتف ويُجن ويصرخ بالتجديفات والسخريات على المصلوب، فإنه لم يلتفت إلى إهانات المصلوب، لكنه بعيون الإيمان، لم يبال بكل هذا وترك عنه هذه العثرات، واعترف بأنه سيد السموات قائلاً تلك الكلمات التي جعلته مستحقًا للفردوس: ” أذكرني في ملكوتك” (لو42:23). فلا تتجاوز هذا اللص ببساطة ولا تخجل أن تتخذه معلمًا فإن سيدنا نفسه قبلنا، لم يستح منه بل ادخله إلى الفردوس. لا تخجل أن تتخذ الإنسان الذي استحق ـ قبل الناس جميعًا ـ أن يكون أهلاً لنعيم الحياة في الفردوس، معلمًا لك.

ولنفحص كل هذه الأمور بدقة لنتعرف من الآن فصاعدًا قوة الصليب. لم يقل له كما قال لبطرس وأندراوس ” هلم ورائي لأجعلكما صيادي الناس ” (مت19:4)، ولم يقل له كما قال للاثني عشر تلميذًا ” تجلسون على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (مت28:19). لم يجعله أهلاً لسماع أقوال كهذه، لم يرَ أية معجزة، أو ميتًا قام، أو شياطين مطرودة ولا بحرًا طائعًا، لم يذكر له شيئًا عن الملكوت، فمن أين عرف اسم الملكوت؟ كان اللص الآخر يشتمه، فقد صُلب معه لص آخر ليتم القول ” وأُحصى مع أثمة” (إش12:53). لقد حاول اليهود ناكري الجميل تشويه مجد المسيح وبكل طريقة كان لهم تأثيرًا على مجرى الأحداث. غير أن الحقيقة كانت تسطع من كل ناحية ويزداد بهائها كلما زادت المقاومة ضدها. كان اللص الآخر يشتمه. وقال أحد البشيرين إن اللصين كانا يستهزئان بالمسيح وهذه حقيقة، زادت من فضل اللص (اليمين)، فمن الطبيعي أن يستهزئ أولاً، غير أن ما قد فعله بعد ذلك هو صواب، عكس الآخر الذي استمر في استهزائه.

فهل رأيت الفرق بين لص ولص؟ كل منهما معلق على الصليب، وكل منهما كان شريرًا، وكل منهما عاش حياة اللصوصية، لكن مصيرهما لم يكن واحدًا. الأول ورث الملكوت، والآخر أُرسل إلى الجحيم، وما حدث بالأمس مشابه لما يحدث اليوم فهناك فرق بين تلميذ وتلاميذ. فالأول دبر لتسليمه والآخرون استعدوا لخدمة المائدة. الأول قال للفريسيين ” ماذا تعطوني وأنا أسلمه لكم” (مت15:27) والآخرون قالوا للمسيح ” أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح” (مت17:26). هكذا الحال هاهنا فالواحد لص والآخر لص، لكن الأول يشتم والآخر ينطق بشهادة الإيمان، الأول يجدف والثاني يمدح بينما يرى المسيح مصلوبًا ومسمّرًا والجموع من أسفل تشتم وتهتف عاليًا، ولم يمنعه كل هذا من أن يعلن ما يليق بهذا المجد ، لكنه يهاجم اللص (اليسار) بشدة قائلاً: ” أما تخاف الله؟” (لو40:23ـ41).

__________________

3 ـ ايمان اللص واعترافه

أرأيت جرأة اللص (اليمين) في إبداء رأيه جهرًا؟ أرأيت أنه لم ينسَ مهنته الأولى، حتى أنه باعترافه (بالمسيح) قد سرق أيضًا الملكوت؟. قال للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23)، أرأيت شجاعته وحكمته وورعه على الصليب؟ وإلاّ يستحق منك التعجب وأنت تراه متمالكًا نفسه رغم آلامه على الصليب؟ وهو لا يستحق التعجب فقط بل وأيضًا التطويب إذ هو لم يلتفت لآلامه الشخصية بل انصرف عنها للاهتمام بآلام الآخر، ذلك الذي ضل. فصار معلمًا وهو على الصليب، فانتهر اللص اليسار قائلاً ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) وليس هذا فقط بل قال له: لا تهتم بالمحاكمة الأرضية، ولا بما سوف يقرروه، لا تنظر فقط إلى ما يجرى الآن. فهناك قاض آخر غير منظور، نزيه ـ بدون شك ـ على تلك المحكمة. لا تبال بما يتم الحكم به هنا (أسفل) فهناك (فوق) الحكم مختلف. ففي المحكمة الأرضية يُدان أبرار كثيرين، ويترك مدانين أحرارًا، هناك أبرياء يُتهمون، ومتهمين يهربون. بالشدة يعاملون البعض وباللين البعض الآخر. يجهلون القانون فيُخدعون، أو تُفسد الرشوة ضمائرهم فلا يتمسكون بالحق ويحكمون ضد الأبرياء. هناك في السماء الأمور ليست هكذا. فالله هو قاض عادل، وحكمه يسطع كنور، لا عتامة فيه ولا كتمان ولا تضليل.

وبماذا تُعزّى هذا اللص (اليمين) حتى لا يقول إنه قد حُكم عليه طبقًا لقوانين المحكمة الأرضية؟. وجِّهْ نظره إلى المحكمة السمائية، إلى المنبر المخوف، إلى الحكم العادل، وإلى القاضي غير المُضلّل، ذّكره بالحكم المخوف، قل له: تطلّع إلى هذه الحقائق السمائية ولا تبالي بقرارالحكم الأرضي ولا تتبنى موقف الناس الأرضيين ، لكن تعجب وتأمل في الحكم الصادر من فوق.قال اللص (اليمين) للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) . أرأيت تعليمه؟ لقد قفز قفزة واحدة من الصليب إلى السماء. أنظره وقد أتم القانون الرسولي ولم يفكر في نفسه فقط بل فكر وعمل كل ما في استطاعته من أجل الآخر، حتى إنه أراد إنقاذ اللص الآخر من الضلال وإرشاده إلى معرفة الحق. وبعدما سأله قائلاً: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) استتبع سؤاله بقوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) ، يا له من اعتراف تام. ماذا يعنى أننا تحت القضاء عينه؟! بالطبع إننا تحت العقاب. وهانحن بالفعل نُعاقب بالصليب. فمن يعيّر غيره يهين نفسه أولاً. لأن من يكون مخطئًا بالفعل ويدين غيره، هو يدين نفسه أولاً. ومن يكون في نكبة ويعيّر آخر على محنته، يعيّر نفسه أولاً. وفي قوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) كأنما يردد القانون الرسولي والأقوال الإنجيلية “لا تدينوا لكى لا تُدانوا” (مت1:7) .” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) (ماذا تقول أيها اللص؟) أو ماذا تفعل؟ هل جعلت بقولك هذا نفسك واللص الآخر شريكين للمسيح؟ كلا ـ يقول اللص ـ إني سأُصلح كلامي على هذا النحو: “أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا” (لو41:23).

أرأيت اعترافًا أكمل من هذا على الصليب؟ أرأيت كيف أن اعترافاته قد رَفعت خطاياه؟ أرأيت كيف أنه أكمل القول النبوي “حدث لكي تتبرر” (إش26:43)، لم يُرغمه أحد، ولم يشتك عليه أحد فيما يقول بل كان شاكيًا لنفسه، ولهذا أقر قائلاً ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). أرأيت تقوى أعمق من هذه؟ حين أدان نفسه وحين لم يستح أن يكشف أعماقه وحين دافع عن السيد قائلاً: ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). وحين فعل هذا، حينئذِ استطاع أن يبتهل قائلاً ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42). إنه لم يجرؤ أن يقول ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) إلاّ بعد أن اعترف فتطهرت نفسه من الخطايا، وبعد أن أدان نفسه، فرُفعت الأحكام التي أدانته. أرأيت قوة الاعتراف؟ فاسمع أيها الحبيب، وتشجع ولا تيأس بل يلزم أن تعي مقدار محبة الله للبشر والتي لا يمكن التعبير عنها، ولتسرع لإصلاح خطاياك. لأنه إن كان قد اعتبر اللص وهو على الصليب جديرًا بذلك الشرف، فكم بالحري يعتبرنا نحن ـ إن كانت لنا الإرادة أن نعترف بخطايانا ـ جديرين بمحبته. فلنعترف بخطايانا ولا نخجل منها. فعظيمة هي قوة الاعتراف بالخطايا، وكبيرة هي قدرته. فبمجرد أن اعترف اللص، فُتح له الفردوس، اعترف فنال شجاعة عظيمة ودالة حتى إنه وهو لص قد طلب الملكوت. نعم في تلك اللحظة فقط استطاع أن يطلب الملكوت.

من أين لك أن تتذكر ملكوت السموات أيها اللص؟ قل لي هل ترى شبيهًا منه الآن؟ إن ما هو ظاهر للعين هو المسامير والصليب والاتهامات والهزء والشتائم. نعم يقول: فالصليب هو رمز ملكوت السموات. ولهذا فإني أدعو المصلوب عليه ملكًا. ملكًا إذ هو يموت من أجل رعاياه، فقد قال عن نفسه إنه ” الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10). حقًا والملك الصالح يضع نفسه من أجل رعاياه. ولأنه وضع نفسه بالفعل لهذا فأنا أدعوه ملكًا. واهتف ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) .

__________________

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

أتريد أن تعرف كيف أن الصليب رمز لملكوت السموات؟ وما هي دلالاته؟ إن المسيح لم يترك الصليب (الأخروي) على الأرض بل أخذه وأصعده معه إلى السماء. من أين استدللت على ذلك؟ لأنه سيُحضره معه في المجيء الثاني. لكن دعنا نرى كيف سيحضر الصليب معه ولنسمع قول المسيح ” فإن قالوا لكم: ها هو في البرية فلا تخرجوا! ها هو في المخادع فلا تصدقوا!” (مت26:24)، فإنه يتكلم عن مجيئه الثاني، مشيرًا إلى المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة، وإلى ضد المسيح، لكى لا يضل أحد ويسقط في يديه. لأن ضد المسيح سيأتي قبل المسيح (في مجيئه الثاني) وقد أخبرنا بذلك حتى لا يقع أحد بين أنياب الذئب وهو يبحث عن الراعي (المسيح). وأنا أقول لك هذا حتى تستطيع أن تميز علامات حضور الراعي. فإن كان حضوره الأول قد تم بطريقة خفيّة، فلا تظنوا أن مجيئه الثاني سيكون كذلك. كان حضوره الأول خفيّة، لأنه أتى ليطلب وليفتش عن الضال، أما مجيئه الثاني فلن يكون كذلك. لكن كيف؟ ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان.” (مت27:24) سيظهر للجميع معًا. فلا تعود هناك حاجة إلى التساؤل (عما إذا كان المسيح هنا أو هناك). فكما أننا لا نحتاج إلى التساؤل عندما يحدث البرق، هكذا عند مجيئه لن نحتاج عما إذا كان المسيح قد حضر أم لا. والآن نتكلم عن إنه سيُحضر الصليب معه. فأسمع ما قاله بوضوح: “وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. ” (مت 29:24ـ30).

أرأيت تَفوّق العلامة (الصليب)، كيف هي مبهجة؟ كيف هي مشرقة؟ فالشمس تُظلم والقمر لا يظهر، النجوم تسقط، أما تلك العلامة (الصليب) فإنها وحدها تظهر، لكى تعلم أن نورها أشد قوة من الشمس وأبهج من القمر. وكما يستقبل الجنود الملك عند دخوله إلى المدينة بالرايات المحمولة على أكتافهم معلنين دخوله، هكذا يحمل الملائكة ورؤساء الملائكة تلك العلامة عند نزول الرب من السماء معلنين دخوله الملوكى لنا (للبشر). “وقوات السماوات تتزعزع” (مت24: 29) ، ويعنى بذلك الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات غير المرئية. فهذه سيمتلكها الخوف والرعب، فهلاّ قلت لي لماذا؟ لأن ذلك الحكم سيكون رهيبًا، فالطبيعة البشرية بأسرها ستُحاكم وتُسأل عن مسئوليتها أمام المنبر المخوف. لكن لماذا تخاف الملائكة حينذاك، ولماذا تَرهب القوات غير المتجسدة؟ طالما أنها لن تُحاكم. لأنه كما أن القاضي الأرضي عندما يجلس عاليًا على المنبر للحكم، لا يرتعد منه المذنبون وحدهم بل الحراس أيضًا، لا من تأنيب الضمير بل بسبب خوفهم من القاضي، هكذا فعندما ستكون طبيعتنا (البشرية) ماثلة للحكم معطيةً حسابًا عن أخطائها، تكون الملائكة وباقي القوات مرتعبة، لا بسبب تأنيب ضميرها بل لخوفها من القاضي.

والآن وقد عرفنا هذا الأمر فلنعرف إذن لماذا سيظهر الصليب؟ لماذا سيحضره المسيح معه؟. اعرف أن السبب هو أن يعرف صالبوه مقدار جحودهم ، إذ أن الصليب يُظهر وقاحتهم. وأسمع الإنجيلي القائل، واعلم لماذا يحمل صليبه معه ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض” (مت30:24)، إن شعوب الأرض ستنوح لأنها سترى الذي أُدين (بسببها) وتعي خطيتها. ولماذا تتعجب من أن المسيح سيأتي حاملاً الصليب؟ إنه سيأتي أيضًا حاملاً جراحاته. وكيف نستدل على أنه سيأتي حاملاً جراحاته؟ اسمع النبى وهو يقول ” وستنظره كل عين، والذين طعنوه” (رؤ7:1). فكما فعل مع توما التلميذ عندما رغب في إصلاح قلة إيمانه، فأراه أماكن المسامير وهذه الجراحات قائلاً “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي” (يو27:20) “فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو39:24)، وذلك ليُثبت له أنه قد قام بالحقيقة. وهكذا سيأتي (في حينه) بجراحاته وصليبه معه ليثبت للجميع أنه هو الذي صُلب. فما أعظم صلاحه وخلاصه بالصليب. إنه دليل واضح على محبة الله للبشر.

__________________

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

غير أن محبته غير الموصوفة للبشر لم تُرى في الصليب فقط، بل أيضًا في كلماته التي تفوه بها على الصليب. فلتسمع هذه الكلمات. عندما كان على الصليب معرضًا للهزء والسخرية والإهانة قال: “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). أرأيت محبة الرب للبشر؟ كان مصلوبًا لكنه صلى من أجل صالبيه، أما هؤلاء فقد كانوا يهزأون به قائلين ” إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت40:27). أما هو فلم ينزل عن الصليب إذ هو ابن الله، ولأجل هذا جاء لكى يُصلب من أجلنا. قالوا : ” أنزل عن الصليب لنرى ونؤمن بك”. أرأيت سفاهة الأقوال وحجج عدم الإيمان. فقد عمل ما هو أعظم من نزوله عن الصليب ولم يؤمنوا، والآن يقولون أنزل عن الصليب لنؤمن بك. فالقيامة من الأموات والقبر مغلق بالأختام، كانت أعظم من النزول عن الصليب. وإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام وهو ملفوف بالأكفان، كانت أعظم من النزول عن الصليب. أرأيت الكلام الهزلي، أرأيت الهَوس المتشامخ. لكن انتبه بشدة أرجوك لكى ترى أن محبة الله للبشر هي عظيمة. وأن المسيح اتخذ من اهانتهم له سببًا لكى يصفح عنهم، إذ قال “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) . ولم يكتفوا بهذا بل كانوا يقولون “خلص نفسك ان كنت ابن الله” (مت27: 40) أما هو فقد عمل كل شئ لكى يخلص معيّريه وشاتميه وقال: “أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). فماذا حدث؟ هل غُفرت لهم خطيتهم، نعم غُفرت خطية لكل من أراد أن يتوب. فإنه لو لم يترك لهم خطيتهم لما صار بولس رسولاً، ولو لم يترك لهم خطيتهم لما آمن به في الحال الثلاثة آلاف والخمسة آلاف، وعشرات الألوف من اليهود بعد ذلك. فأسمع ما كان يقوله التلاميذ لبولس “انت ترى ايها الاخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين امنوا” (أع20:21) .

أرجو يا أحبائي أن نقتدي به، نعم نقتدي بالرب، ولنصلِ من أجل الأعداء. وإن كنت قد نصحتكم بفعل هذا الأمر بالأمس، إلاّ إني أكرر النصح الآن، فطالما أنك عرفت مقدار عظمة هذه الفضيلة، اقتدِ بسيدك إذن لأنه وهو مصلوب صلى من أجل صالبيه. قد تتساءل: كيف يمكنني الاقتداء بالمسيح؟ أعلم أنك تستطيع ذلك إذ أردت ، فلو لم يكن بإمكانك أن تقتدي به لما قال ” تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب” (مت29:11). وإن لم يكن في مقدور الإنسان أن يقتدي به، لما قال بولس الرسول “كونوا متمثلين بي كما انا ايضا بالمسيح” (1كو11: 1). وإن لم ترد أن تقتدي بالسيد ، اقتد بخادمه وأعنى استفانوس، الذي كان أول من استشهد، لقد اقتدى بالمسيح. إن الرب وهو مصلوب بين اللصين، قد تشفع إلى الآب من أجل صالبيه، هكذا أستفانوس خادمه الذي كان وسط الراجمين والحجارة تنهال عليه من الجميع فإنه احتمل الرجم ولم يبال بالأوجاع الناجمة عنه وقال “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7).

أرأيت كيف يتكلم الابن؟ أرأيت كيف يصلى الخادم؟ قال الابن “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) وقال خادمه أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7). وأعلم أيضًا أنه لم يصلِّ وهو واقف، بل ركع على ركبتيه وصلى بحرارة وخشوع كثير ” ثم جثا على ركبتيه و صرخ بصوت عظيم يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7) . أتريد أن أريك إنسانًا آخر صلى صلاة عظيمة من أجل أعدائه؟ أسمع بولس المُطوب يقول ” من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصي، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلا ونهارًا قضيت في العمق” (2كو24:11ـ25). ومع هذا قال ” فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9). أتريد أن أريك أيضًا آخرين من العهد القديم لا من العهد الجديد، يفعلون نفس الأمر؟ ويستحقون كل تقدير إذا أن وصية محبة الأعداء لم تكن قد أُعطيت لهم بعد بل كانت عندهم وصية العين بالعين والسن بالسن، ومجازاة الشر بالشر، ولكنهم بلغوا قامة مسلك الرسل، فأسمع ما قاله موسى عندما كان اليهود مزمعين أن يرجموه ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32).

أرأيت كيف أن كل واحد من هؤلاء الأبرار كان مهتم بخلاص الآخرين قبل خلاصه؟! ولنسأل أي واحد منهم، إن كنت لم تخطئ، فلماذا تريد أن تشترك معهم في القصاص؟ وسوف تكون إجابته ” لا أشعر مطلقًا بالسعادة عندما يتألم الآخرون”. وستجد آخرين فعلوا هكذا؟ وأنا أسوق هذه الأمثلة لكى نُصلح من أنفسنا ولكى نستأصل هذا المرض الخبيث والذي هو بغضة الأعداء، من داخلنا. فالسيد المسيح يقول “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) ، ويقول أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7)، ويقول بولس الرسول “كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9) ، ويقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32) .

فقل لي، أي غفران سننال نحن إذا كان السيد وخدامه في العهدين القديم والجديد، كلهم يحثوننا على الصلاة من أجل الأعداء، بينما نحن نفعل العكس ونصلى ضدهم؟ إن ما أرجوه هو ألاّ تهملوا هذا لأنه بمقدار ما تزداد النماذج التي يجب أن نقتدي بهم، بقدر ذلك يزداد عذابنا إن نحن لم نتمثل بهم. الصلاة من أجل الأعداء مرحلة أسمى من الصلاة من أجل الأحباء. لأن الثانية لا تكلفنا مثل الأولى: ” فإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم؟” (لو6: 32) إذا صلينا من أجل الأحباء فلن نكون أفضل من الأمم والعشارين. أما إذا أحببنا الأعداء فإننا نصبح متشبهين بالله بقدر ما تسمح به طبيعتنا البشرية فإن الله ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت45:5). فطالما لدينا أمثلة مما فعله المسيح وأيضًا خدامه، فلنتشبه بهم، ولنقتنى هذه الفضيلة، لنكون أهلاً لملكوت السموات، مستعدين دائمًا لنقترب بدالة أكثر وبضمير نقى تمامًا إلى المائدة المهيبة، ولنتمتع بما وعدنا به الرب من خيرات بنعمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي له المجد والعزة مع الآب والروح القدس. الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

دعوة المسيح : هل كانت خاصة للشعب اليهودي فقط؟!

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

دعوة المسيح : هل كانت للشعب اليهودي فقط؟!

يقول المعترض بأن السيد المسيح لم يرسل إلا لليهود فقط

للرد (البابلي)

1. سنجمع جميع الايات المعترض عليها التي تقول بأن السيد المسيح لم يرسل إلا لخراف بيت اسرائيل الضالة و نوضحها جميعها مرة واحدة

(( وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا ، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل )) متى [ 2 : 6 ]

(( فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله ، وها أنت ستحبلين أبناً وتسمينه يسوع . . ويعطيه الرب كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلـى الابد )) لوقا [ 1 : 30 ]

((21فَسَتَلِدُ ابْناً، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ ))

وقد ورد في إنجيل متى [ 2 : 1 ] : (( وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 2قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ ؟ ))

(( فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ».)) [ متى 27: 11 ]

لنوضحها جميعاً معاً

كيف لم يُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة، وهو القائل لنيقوديموس “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة” (يو3: 16)؟ بل وسبق فشهد الأنبياء في العهد القديم عن مجيء المسيّا للعالم كله، اليهود والأمم معًا؟

يجيب القدّيس أغسطينوس: [إننا نفهم من هذا أنه لاق به أن يُعلن عن حضوره بالجسد وميلاده، وعمل معجزاته وقوّة قيامته وسط هذا الشعب، فإنه هكذا قد دبّر الأمر منذ البداية. ما سبق فبُشِّر به قد تحقّق بمجيء المسيح يسوع لأمّة اليهود كي يُقتل، لكنّه يربح منهم الذين سبق فعرفهم، فإنه لم يدن الشعب كلّه، إنّما فحصهم فوجد بينهم تبنًا كثيرًا، ووجد أيضًا حنطة مختفية. منهم ما هو يُحرق، ومنهم ما يملأ المخازن، فإنه من أين جاء الرسل؟!] كما يقول: [لأنه لم يذهب بنفسه للأمم، بل أرسل تلاميذه، فيتحقّق ما قاله النبي: “شعب لم أعرفه يتعبّد لي” (مز 18: 43). انظر كيف أوضحت النبوّة الأمر كيف تحقّق؟! تحدّثت بوضوح: “شعب لم أعرفه”؛ كيف؟ يكمّل قائلاً: “من سماع الأذن يسمعون لي” (مز 18: 44)، أي يؤمنون لا خلال النظر بل خلال السمع، لهذا نال الأمم مديحًا عظيمًا. فإن (اليهود) رأوه فقتلوه، الأمم سمعوا عنه وآمنوا به.]

لننتقل لارساله للتلاميذ و الذي تم عن مرحلتين

المرحلة الأولى : “هؤلاء الإثنا عشر أرسله يسوع وأوصاهم قائلاً: إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريّين لا تدخلوا. بل اذهبوا بالأحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” [5-6].

في بدء كرازتهم حدّد لهم منطقة الكرازة “بالأمة اليهوديّة” دون أن يتجاوزوها إلى مدينة للسامريّين أو طريق للأم، على أنه قبيل صعوده أعلن لهم حدود الكرازة بقوله في نفس الإنجيل: “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم” (28: 19). فإنه لم يسمح لهم بالكرازة بين الأمم إلا بعد أن يُعلن اليهود رفضهم للمسيّا. لم يكن هذا تحيزًا لليهود على حساب الأمم، وإنما لكي لا يتشكّك اليهود في رسالته المسيحانيّة، فإذا ما رفضوه ينفتح الباب للأمم، وإن كان السيّد المسيح نفسه لم يحرم السامرة من خدمته وبعض الأمميّين من التمتّع ببركات نعمه.

ويلاحظ أن الكلمة “أوصاهم” جاءت في اليونانيّة Paragellein وهي تستخدم في ظروف معيّنة، منها:

أولاً: في القيادات العسكرية في الجيوش، وكأن السيّد يمثّل القائد الأعلى في معركة دائمة ضدّ إبليس وكل أعماله. على تلاميذه أن يتهيّأوا للخدمة، لا كطريق للكرامة، بل للجهاد الروحي المستمر والقتال ضدّ عدوّ الخير نفسه. ليس ضدّ بشر، وإنما ضدّ الشيطان والقوات الروحيّة الشرّيرة (أف 6: 10-12).

ثانيًا: تستخدم من الصديق حينما يدعو أصدقاءه للمساندة، هنا يظهر السيّد المسيح في علاقته بتلاميذه على مستوى علاقة الصداقة فوق الرسميّات والبروتوكولات.

ثالثًا: يستخدمها المعلّم أو الفيلسوف مع تلاميذه ومريديه، وكأن السيّد المسيح يتحدّث مع تلاميذه كمريديه الذي يتتلمذون على يديه ليحملوا فكره.

رابعًا: تستخدم أيضًا في الأوامر الإمبراطورية، وكأنما السيّد المسيح هو الملك الذي يرسل سفراءه، يحملون سماته شهادة حق له، ويعلنون دستوره الروحي في حياتهم كما في كرازتهم.

ويرى القدّيس كبريانوس أن هذه الوصيّة لا تزال حيّة وتلتزم بها الكنيسة، فمدينة السامريّين تعني جماعة المنشقّين، وطريق الأمم يعني طريق الهراطقة. فالكنيسة مع اتّساع قلبها للعالم كلّه المؤمن وغير المؤمن لتغسل أقدام الجميع، لا تقبل في شركتها جماعة المنشقّين أو تعاليم الهراطقة، بل تحذر أولادها وتحفظهم منهم.

المرحلة الثانية أصبحت عامة للبشرية جمعاء حيث قال السيد لتلاميذه في بشارة معلمنا متى

“وأما الأحد عشر تلميذًا فانطلقوا إلى الجليل حيث أمرهم يسوع، ولما رأوه سجدوا له، ولكن بعضهم شكوا. فتقدّم يسوع وكلّمهم قائلاً: دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيْتكم به. وها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر. آمين” [16-20].

و أنهي كلامي بقول السيد “ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة،  ينبغي أن آتي بتلك أيضًا، فتسمع صوتي، وتكون رعيةً واحدةً، وراعٍ واحدٍ”.  يو 16.10

2. الان ننتقل لتعيلق الاخ البابلي حول هذا الموضوع

فما تزعموا يا مسلمين عن محدودية رسالة المسيح ..فهذا ادحضه عليك وعلى امثالك بعشرة نقاط ونصوص من الانجيل وبالتحديد من فم المسيح المبارك ..

بما يلي :

1- فرح المسيح وتهلله يوم جاءه الوفد اليوناني الاممي لمقابلته في اورشليم

( يوحنا 20:12-23) ..

وفي هذا دليل على محبة المسيح للامم وارادته لخلاصهم ..

2- في شرح المسيح لمثل الزوان .. حدد بان
{ الحقل هو العالم } ( متى 38:13) ..

فرسالة المسيح وانجيله سيزرع في كل الحقل اي العالم .. فرسالته عالمية !

3- واروع ما قاله لتلاميذه والمؤمنين به في عظته على الجبل قوله : { انتم ملح الارض انتم نور العالم } ( متى 13:5و14) ..

لاحظ : الارض ! .. والعالم ! ..

فرسالته تتجاوز اليهودية الى كل الارض والعالم !

4- عبارات صريحة بعالمية رسالته بقوله المبارك :{ الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها } ( مرقس 10:13 )5- قول المسيح له كل المجد :

{ واقول لكم ان كثيرين سياتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحاق ويعقوب في ملكوت السموات . واما بنو الملكوت فيطرحون الى الظلمة الخارجية } ( متى 11:18و12).6- قوله للاثني عشر : {

ولي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي ان اتي بتلك ايضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد } ( يوحنا 16:10).7- ورسالة المسيح كانت خلاصية لكل العالم بقوله لنيقوديموس :

{ لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية } ( يوحنا 16:3).8- قوله لتلاميذه بعد قيامته :

{ وان يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الامم مبتداً من اورشليم } ( لوقا 46:24-47).9- قوله في وصيته الاخيرة لتلاميذه قبل صعوده الى السموات :

{ اذهبوا الى العالم اجمع واكرزوا بالانجيل للخليقة كلها } ( مرقس 15:16).10 – امر المسيح لرسله بعد قيامته :

{ فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس . وعلموهم ان يحفظوا جميع ما اوصيتكم به . وها انا معكم كل الايام الى انقضاء الدهر } ( متى 18:28-20).هذه عشرة تصريحات كاملة .. بفم المسيح المبارك عن عالمية رسالته

والان لندحض الباطل , وما اقتبسه الزميل من الانجيل مبتوراً مقصوصاً ليفسره كما يشاء !

إقتباس:

أولاً : ورد بإنجيل متى ما يحكيه على لسان الله :(( وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا ، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل )) متى [ 2 : 6 ] فقوله ( يرعى شعبي إسرائيل ) إشارة واضحة ان دعوة المسيح ستكون لشعب اليهود فقط .

الجواب :

والان ناتي الى تخبطاتك العشوائية التي يخالطها علمك الهزيل !

هذا النص نفهمه على ضوء النصوص الكثيرة الاخرى عن عالمية رسالته ..فهو ان كان يرعى شعب اسرائيل فهذا لا يعني انه لن يرعى بقية الامم ..

فهذا يتعلق بالجزء الاول من خطته الخلاصية ..

وهي كما يعلم الباحث تنقسم الى قسمين :

1- مجيئ المسيح وتبشيره اليهود شعبه اولاً ( مع ما تخللها من تخليص لامميين مثل السامرية وقريتها سوخار الخ )

2- ثم ارسال المسيح لتلاميذه لتبشير اليهود اولاً ثم الامم ثانياً ..

ولكن العتب ليس فقط على الفهم انما ايضاً على الاعوجاج والانتقائية !

ثم يواصل بن تيمية طرح فلتات علمه ..!

إقتباس:

ثانياً : لما جاء الملاك إلي السيدة مريم العذراء وبشرها بولادة يسوع أخبرها بأنه يكون على بيت يعقوب :(( فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله ، وها أنت ستحبلين أبناً وتسمينه يسوع . . ويعطيه الرب كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلـى الابد )) لوقا [ 1 : 30 ]

الجواب :
المسيح هو الملك منذ ان تجسد وهو من نسل داود وهو ملك على كل من يؤمن به من ” بيت يعقوب ” او من ” الخراف الاخر ” اي غير اليهود !

وتحقيق كلام الملاك حرفياً فسيتم في المجيئ الثاني للمسيح وهو قريب ..

وهو حين يملك ملكاً ابدياً على كل الكون !

ثم يقول بن تيمية ( نقلاً عن مواقعهم اياها ) :

إقتباس:

ثالثاً : هناك اشارة أخرى واضحة على ان دعوة المسيح هي لشعب اليهود فقط وقد جاءت على لسان الملاك الذي ظهر ليوسف النجار في إنجيل متى [ 1 : 21 ] :((21فَسَتَلِدُ ابْناً، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِ يَسُوعَ، لأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ )) ان قول الملاك : (( يخلص شعبه )) فيه الدليل على مخصوصية دعوة المسيح .

الجواب :
” مخصوصية دعوة المسيح” ؟؟؟؟

اين المنع في النص ليخلص كل الشعوب ؟؟؟؟

هات تفسير هذا النص الذي تستنتج منه عبقرياتك الفواتك ؟؟؟!!!!

ثم تقول ( لصقاً ) :

إقتباس:

رابعاً: وقد اختار المسيح اثنى عشر تلميذاً ليكونوا تلاميذه وأحباءه ومساعديه في نشر دعوتــه وكان اختياره لهم من بين اليهود أنفسهم ، وينقل ذلك إنجيل متى في محاورة بين المسيح وبين أحد تلاميذه وهو بطرس (( فأجاب بطرس حيئذ وقال له : ها نحن قد تركنا كـل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا ؟ فقال يسوع الحق أقول لكم انكم أنتم الذين تبعتموني فـي التجديد ، متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشـر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر )) متى [ 19 : 27 ]فالمسيح يقول لهم إنهم يدينون أسباط إسرائيل فقط ، ولم يقل لهم أنهم يدينون شعوب العالم ، وهذه كناية أو إشارة إلى أن رسالته وهم من بعده قاصرة على شعب اليهودية المتفرع من أسباط الاثنى عشر .

الجواب :
بفكرك الهش تظن بانهم ” سيقتصرون ” فقط على ادانة اسباط اسرائيل ..
وان فعلوا ..

فهم كانوا يهوداً وسيدينونهم على اساس ان المسيح جاء لهم وهؤلاء قد امنوا به ..

والدينونة لباقي الشعوب هي للمسيح .. وهذا دليل على انه لجميع الخليقة والعالم ..

نواصل دحر الباطل :

إقتباس:

خامساً : إن المسيح عليه السلام عندما أرسل تلاميذه لينشروا دعوته بين اليهود كرر لهم الوصية يقصروا الدعوة على اليهود ، بل وحذرهم من دخول مدن الأمم الأخرى ، ولو كانـوا جيراناً لليهود : وقد ذكر إنجيل متى [ 10 : 5 ](( هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً : إلى طريق أمم لا تمضوا إلى مدينة للسامريين لا تدخلوا ، بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضالة )) . سادساً : لما بدأ يسوع في الدعوة إلى الله ، أعلن أنها قاصرة على بني إسرائيل ولا تمتد إلى غيرهم لذلك نراه يقول في متى [ 15 : 24 ] :(( لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ))

ولاحظ عزيزي القارىء أن ( إلا ) هي أداة للحصر ، حصر بها المسيح رسالته ضمن الشعب الاسرائيلي .

الجواب :
سبق ان دحضنا البندين خامساً وسادساً بتفصيل في مداخلتي السابقة اعلاه ( فالرجاء العودة اليها ) !

يقول بن تيمية :

إقتباس:

سابعاً: وحتى عندما رفضت أورشليم رسالة المسيح ناجاها بكلام يستفاد منه أن رسالته هي لشعب اليهود الذي كان مستعمراً لمدينة القدس وقتئذ : (( يا أورشليم يا أورشليم .. يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا )) متى [ 37 : 23 ]

الجواب :
اين الكلام الذي يستفاد منه بان رسالته قومية وحسب .. ام انك تتخيل ..؟؟؟!!!

رسالته هي لليهود اولاً ثم لليهود والامم ثانياً بارساليته لتلاميذه !

اما كون اليهود مستعمرين للقدس .. فاسالك : هل استعمروها بامر الله ام عدواناً ؟؟؟؟؟؟

يا مؤرخ اجبنا ؟؟؟؟

ثم تقول زاعماً :

إقتباس:

وقد ورد في إنجيل متى [ 2 : 1 ] : (( وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 2قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ ؟ ))بل كانت التهمة الموجهة إليه أنه ملك اليهود : (( فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ».)) [ متى 27: 11 ] لقد كان المسيح عليه الصلاة والسلام معروفاً عند الناس أنه نبى اليهود وبنى إسرائيل ليس إلا . .

الجواب :
اولاً : كونه ” ملك اليهود ” ..

فنعم المسيح ملك اليهود وملك اورشليم لانه يهودي من شعب اسرائيل وهو المسيح المنتظر اليهم اولاً ثم الى الامم ثانياً ..!

ثانياً : بالنسبة الى مجيئ المجوس ( البابليين ) :

فأسألك :

وما الذي جعل المجوس ( البابليين ) الاممين ان ياتوا ليسجدوا له ويؤمنوا به .. ؟؟؟؟

والجواب هو من الكتاب المقدس ذاته وتحديداً من سفر دانيال ..

اذ تنبا النبي دانيال الذي قيل عنه ” كبير المجوس ” ( سفر دانيال 11:5) ..

بمجيئ المسيح ( ابن الانسان ) الذي سلطانه الى ابد الدهور لجميع الامم !

{ فاعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والامم والالسنة. سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض } ( دانيال 13:7-14)فهو ملك اليهود .. لانه يهودي من شعب اسرائيل ..

بل انه المسيا المنتظر كما تنبا عنه دانيال النبي ( كبير المجوس) الذي ستتعبد له كل الشعوب والامم والالسنة من كل العالم ..

وبسبب هذه النبوة اتى ” المجوس ” من ارض بابل ” ليتعبدوا ” لهذا ” الابن الانسان ” ويقدموا له باكورة ايمان الامم والشعوب !

له كل مجد وحمد وسلطان ..

اما حول ما ورد عن امر المسيح لتلاميذه:{ الى طريق امم لا تمضوا ومدينة للسامريين لا تدخلوا } ..

فقد قالها في اول ارسالية يرسلهم بها .. وكانت عبارة عن دورة تدريبية !

والسبب يرجع الى ان تبشير السامريين حينها صعباً عليهم في البداية .. كونهم يهوداً ..

واليهود والسامريين لا يتعاملون مع بعضهم البعض ( راجع يوحنا 9:4) !

حتى ان المسيح له المجد قد صادف احدى المرات مدينة للسامريين قد اغلقت بابها في وجهه .. لانه كان متجهاً نحو اسرائيل ..( لوقا 53:9).

فالمسألة لم تكن بالامر الهين في البداية ..

بينما الامر في غاية السهولة في الذهاب الى اليهود ..

اذ هم بني جنسهم وقومهم .. واليهود كانوا هم شعب الله المختار صاحب الشرائع والانبياء ..
والذين قال فيهم الرسول بولس :

{ اخوتي وانسبائي حسب الجسد الذين هم اسرائيليون ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد , ولهم الاباء ومنهم المسيح حسب الجسد .. } ( رومية 3:9-5).

وهم الذين كانت عندهم النبوات عن مجيئ المسيح واوصافه والرموز التي تشير اليه ..

ولكن بعد ان تغيرت الظروف .. وتبدلت افكار التلاميذ تدريجياً لفترة تدربهم المتواصلة مع المسيح .. بدأ المسيح يعلمهم كيف يبشروا للجميع ..

وقد فتح هو الباب اولاً امامهم بقدوته الصالحة .. اذ دعا السامرية وخلصها .. وذهب الى مدينتها وخلص قومها جميعاً ..

وقال لتلاميذه عنهم :

{ ارفعوا عيونكم وانظروا الحقول , انها قد ابيضت للحصاد .. انا ارسلتكم لتحصدوا ما لم تتعبوا فيه } ( يوحنا 35:4و 38).وكانت وصيته الاخيرة لتلاميذه بأن يبشروا السامرة لا بل كل الارض ..

{ ولكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم . وحينئذ تكونون لي شهوداً في اورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى اقصى الارض } ( اعمال 8:1).وعبارة ” اقصى الارض ” في كلام المسيح تعني العالم كله .. لان رسالته عالمية !

وقوله المبارك الصريح :

{ اذهبوا وتلمذوا جميع الامم , وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس . وعلموهم جميع ما اوصيتكم به } ( متى 19:28و20).اذاً فقد وجههم اخيراً الى الامم كلها !

وهي المرحلة النهائية !

بينما في البداية كان الذهاب الى الامم مهمة صعبة وشاقة جداً على التلاميذ المبتدئين ..

فلم يكن من الداعي لان يبدأهم بمهمة صعبة من البداية تجعلهم يفشلون ويحبطون ..!

اذن عبارة ” الى طريق امم لا تمضوا ” .. كانت مهمة اولية ووصية مرحلية لفترة زمنية محددة ..
الى حين ان يمهد لهم المسيح الطريق بنفسه من جهة ..
وهو القائل للاثني عشر :

{ ولي خراف اخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي ان اتي بتلك ايضاً فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد } ( يوحنا 16:10).

والى ان ينالوا الروح القدس من جهة ثانية ..

وهكذا حدث .. اذ دخل الناس في دين المسيح افواجاً من المشارق والمغارب ومن اقاصي الارض ..

كما سبق وتنبأ له المجد عن ذلك .. بقوله الكريم :

{ واقول لكم ان كثيرين سياتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع ابراهيم واسحاق ويعقوب في ملكوت السموات . واما بنو الملكوت فيطرحون الى الظلمة الخارجية } ( متى 11:18و12).وقد تمت ترجمة الانجيل في يومنا هذا الى اكثر من 2400 لغة ولهجة حول العالم .. المعروفة منها والمجهولة ..!

وما اجمل قوله له المجد :

{ الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها } ( مرقس 10:13 )وما اعظم ما راه الرسول يوحنا الحبيب في رؤياه المقدسة عن وقوف جميع الامم المخلصون بدم المسيح امام عرشه في اليوم الاخير ..

من كل امة وجنس ولون ولسان ..!

اقرأ :

سفر الرؤيا الاصحاح السابع :

9 بعد هذا نظرت واذا جمع كثير لم يستطع احد ان يعدّه من كل الامم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون امام العرش وامام الخروف ومتسربلين بثياب بيض وفي ايديهم سعف النخل
10 وهم يصرخون بصوت عظيم قائلين الخلاص لالهنا الجالس على العرش وللخروف.
11 وجميع الملائكة كانوا واقفين حول العرش والشيوخ والحيوانات الاربعة وخرّوا امام العرش على وجوههم وسجدوا للّه
12 قائلين آمين. البركة والمجد والحكمة والشكر والكرامة والقدرة والقوة لالهنا الى ابد الآبدين. آمين
13 واجاب واحد من الشيوخ قائلا لي هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن اين أتوا.
14 فقلت له يا سيد انت تعلم. فقال لي هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف.
15 من اجل ذلك هم امام عرش الله ويخدمونه نهارا وليلا في هيكله والجالس على العرش يحل فوقهم.
16 لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحرّ
17 لان الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم الى ينابيع ماء حيّة ويمسح الله كل دمعة من عيونهم
________________________
ومن ذات السفر الاصحاح الخامس :

9 وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق انت ان تأخذ السفر وتفتح ختومه لانك ذبحت واشتريتنا للّه بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وامّة
10 وجعلتنا لالهنا ملوكا وكهنة فسنملك على الارض
_______________________
اذن كل قبيلة ولسان وشعب وامة .. سيكونون من اتباع المسيح الذين اشتراهم بدمه ..

متمنياً لك من كل قلبي ان تكون من ضمن جمعهم المبارك يا بن تيمية .. راجياً لك الخلاص !

3. اضاف نيو مان

ففتح بطرس فاه وقال . بالحق انا اجد ان الله لا يقبل الوجوه‎ . 35 ‎بل في كل امة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده 36 الكلمة التي ارسلها الى بني اسرائيل يبشر بالسلام بيسوع المسيح . هذا هو رب الكل‎ . 37 ‎انتم تعلمون الامر الذي صار في كل اليهودية مبتدئا من الجليل بعد المعمودية التي كرز بها يوحنا‎ . 38 ‎يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم ابليس لان الله كان معه‎ . 39 ‎ونحن شهود بكل ما فعل في كورة اليهودية وفي اورشليم . الذي ايضا قتلوه معلقين اياه على خشبة‎ . 40 ‎هذا اقامه الله في اليوم الثالث واعطى ان يصير ظاهرا 41 ليس لجميع الشعب بل لشهود سبق الله فانتخبهم . لنا نحن الذين اكلنا وشربنا معه بعد قيامته من الاموات‎ . 42 ‎واوصانا ان نكرز للشعب ونشهد بان هذا هو المعين من الله ديانا للاحياء والاموات‎ . 43 ‎له يشهد جميع الانبياء ان كل من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا
اعمال 10 : 34 – 43

Posted in لاهوت دفاعي -عام, رد على أكاذيب إسلامية, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

رسالة المسيح في الاسلام .. قومية ام عالمية ؟!

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

البابلي

 

سلام المسيح رب العالمين وسيد الخلق اجمعين وبعد

هذا موضوع ارد فيه على اعتراض المسلمين القائلين بقومية رسالة المسيح , وانه رسول فقط لبني اسرائيل دون العالمين ..

اذ يلقي المسلمين اتهاماتهم جزافاً ضد الرسول الكريم بولس متهمين اياه بجعل رسالة المسيح عالمية ..

وتحويلها عن كونها مجرد قومية !!

وهذا الادعاء يسقط وينهار اذا ما نظرنا الى دعوة ورسالة المسيح كما جاءت في الاسلام .

لننظر في بعض النقاط ولنكتشف كنه طبيعة رسالة المسيح .. هل كانت قومية ام عالمية ؟؟!!

———————–

لنبدأ بالقران وتفاسيره :

اولاً : جاء في سورة البروج :

{قتل اصحاب الاخدود. النار ذات الوقود . اذ هم عليها قعود. وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود. وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحميد } ( البروج :4-8).

وجاء في تفسير القرطبي ( الجامع لاحكام القران ) التالي :

أَيْ الَّذِينَ خَدَّدُوا الْأَخَادِيد وَقَعَدُوا عَلَيْهَا يُلْقُونَ فِيهَا الْمُؤْمِنِينَ , وَكَانُوا بِنَجْرَان فِي الْفَتْرَة بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ . . وَقَدْ اِخْتَلَفَتْ الرُّوَاة فِي حَدِيثِهِمْ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ صُهَيْب : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ مَلِك فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ , وَكَانَ لَهُ سَاحِر ; فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ : إِنِّي قَدْ كَبِرْت فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمهُ السِّحْر ; فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ ; فَكَانَ فِي طَرِيقه إِذَا سَلَكَ , رَاهِب , فَقَعَدَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامه , فَأَعْجَبَهُ ; فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِر مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيْهِ ; فَإِذَا أَتَى السَّاحِر ضَرَبَهُ ; فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِب , فَقَالَ : إِذَا خَشِيت السَّاحِر فَقُلْ : حَبَسَنِي أَهْلِي . وَإِذَا خَشِيت أَهْلَكَ فَقُلْ : حَبَسَنِي السَّاحِر . فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّة عَظِيمَة قَدْ حَبَسَتْ النَّاس , فَقَالَ : الْيَوْم أَعْلَم السَّاحِر أَفْضَل أَمْ الرَّاهِب أَفْضَل ؟ فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْر الرَّاهِب أَحَبَّ إِلَيْك مِنْ أَمْر السَّاحِر فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّة , حَتَّى يَمْضِي النَّاس ; فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاس . فَأَتَى الرَّاهِب فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِب : أَيْ بَنِي ؟ أَنْتَ الْيَوْم أَفْضَل مِنِّي , قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرك مَا أَرَى , وَإِنَّك سَتُبْتَلَى ; فَإِنْ ابْتُلِيت فَلَا تَدُلّ عَلَيَّ . وَكَانَ الْغُلَام يُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص , وَيُدَاوِي النَّاس مِنْ سَائِر الْأَدْوَاء . فَسَمِعَ جَلِيس لِلْمَلِكِ كَانَ قَدْ عَمِيَ , فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَة فَقَالَ : مَا هَا هُنَا لَك أَجْمَع إِنْ أَنْتَ شَفَيْتنِي . فَقَالَ : إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا , إِنَّمَا يَشْفِي اللَّه ; فَإِنْ أَنْتَ آمَنْت بِاَللَّهِ دَعَوْت اللَّه فَشَفَاك ؟ فَآمَنَ بِاَللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّه . فَأَتَى الْمَلِك فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِس ; فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : مَنْ رَدَّ عَلَيْك بَصَرك ؟ قَالَ رَبِّي . فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَام ; فَجِيءَ بِالْغُلَامِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِك : أَيْ بُنَيَّ ! أَقَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِك مَا تُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص , وَتَفْعَل وَتَفْعَل ؟ ! قَالَ : أَنَا لَا أَشْفِي أَحَدًا , إِنَّمَا يَشْفِي اللَّه . فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِب ; فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ , فَقِيلَ لَهُ : ارْجِعْ عَنْ دِينِك . فَأَبَى فَدَعَا بِالْمِنْشَارِ , فَوَضَعَ الْمِنْشَار فِي مَفْرِق رَأْسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ … وَرَوَاهُ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ مَلِك بِنَجْرَان , وَفِي رَعِيَّتِهِ رَجُل لَهُ فَتًى , فَبَعَثَهُ إِلَى سَاحِر يُعَلِّمُهُ السِّحْر , وَكَانَ طَرِيق الْفَتَى عَلَى رَاهِب يَقْرَأ الْإِنْجِيل ; فَكَانَ يُعْجِبُهُ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ الرَّاهِب , فَدَخَلَ فِي دِين الرَّاهِب ; وَأَنَّ الْمَلِك لَمَّا رَمَاهُ بِالسَّهْمِ وَقَتَلَهُ قَالَ أَهْل مَمْلَكَة الْمَلِك : لَا إِلَه إِلَّا إِلَه عَبْد اللَّه بْن ثَامِر , وَكَانَ اِسْم الْغُلَام , فَغَضِبَ الْمَلِك , وَأَمَرَ فَخُدَّتْ أَخَادِيد , وَجُمِعَ فِيهَا حَطَب وَنَار , وَعَرَضَ أَهْل مَمْلَكَته عَلَيْهَا .. وَقَالَ الضَّحَّاك : هُمْ قَوْم مِنْ النَّصَارَى كَانُوا بِالْيَمَنِ قَبْل مَبْعَث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِينَ سَنَة , أَخَذَهُمْ يُوسُف بْن شَرَاحِيل بْن تُبَّع الْحِمْيَرِيّ , وَكَانُوا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا , وَحَفَرَ لَهُمْ أُخْدُودًا وَأَحْرَقَهُمْ فِيهِ . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ ,… وَقِيلَ : قَوْم مِنْ النَّصَارَى كَانُوا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمَان قُسْطَنْطِين . وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ كَانَ أَحَدهمَا بِتِهَامَة , وَالْآخَر بِنَجْرَان , أَجَّرَ أَحَدُهُمَا نَفْسه ,

فَجَعَلَ يَعْمَل وَيَقْرَأ الْإِنْجِيل ; فَرَأَتْ اِبْنَة الْمُسْتَأْجِر النُّور فِي قِرَاءَة الْإِنْجِيل , فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا فَأَسْلَمَ . وَبَلَغُوا سَبْعَة وَثَمَانِينَ بَيْن رَجُل وَامْرَأَة , بَعْد مَا رُفِعَ عِيسَى , فَخَدَّ لَهُمْ يُوسُف بْن ذِي نُوَاس بْن تُبَّع الْحِمْيَرِيّ أُخْدُودًا , وَأَوْقَدَ فِيهِ النَّار ; وَعَرَضَهُمْ عَلَى الْكُفْر , فَمَنْ أَبَى أَنْ يَكْفُر قَذَفَهُ فِي النَّار , وَقَالَ : مَنْ رَجَعَ عَنْ دِين عِيسَى لَمْ يُقْذَف . .. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه : كَانَ رَجُل مِنْ بَقَايَا أَهْل دِين عِيسَى بْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام , يُقَال لَهُ قيميون , وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُجْتَهِدًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا مُجَاب الدَّعْوَة , وَكَانَ سَائِحًا فِي الْقُرَى قَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , وَكَانَ أَهْل نَجْرَان أَهْل شِرْك يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام , وَكَانَ فِي قَرْيَة مِنْ قُرَاهَا قَرِيبًا مِنْ نَجْرَان سَاحِر يُعَلِّم غِلْمَان أَهْل نَجْرَان السِّحْر ; فَلَمَّا نَزَلَ بِهَا قيميون , بَنَى بِهَا خَيْمَة بَيْن نَجْرَان وَبَيْن تِلْكَ الْقَرْيَة الَّتِي بِهَا السَّاحِر , فَجَعَلَ أَهْل نَجْرَان يَبْعَثُونَ غِلْمَانهمْ إِلَى ذَلِكَ السَّاحِر يُعَلِّمهُمْ السِّحْر , فَبَعَثَ إِلَيْهِ الثَّامِر عَبْد اللَّه بْن الثَّامِر , فَكَانَ مَعَ غِلْمَان أَهْل نَجْرَان , وَكَانَ عَبْد اللَّه إِذَا مَرَّ بِصَاحِبِ الْخَيْمَة أَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْ أَمْر صَلَاته وَعِبَادَته , فَجَعَلَ يَجْلِس إِلَيْهِ وَيَسْمَع مِنْهُ , حَتَّى أَسْلَمَ , فَوَحَّدَ اللَّه وَعَبَدَهُ ,.. وَاجْتَمَعَ أَهْل نَجْرَان عَلَى دِين عَبْد اللَّه بْن الثَّامِر , وَكَانَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى بْن مَرْيَم مِنْ الْإِنْجِيل وَحُكْمه . ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ أَهْل دِينِهِمْ مِنْ الْأَحْدَاث ; فَمِنْ ذَلِكَ كَانَ أَصْل النَّصْرَانِيَّة بِنَجْرَان . فَسَارَ إِلَيْهِمْ ذُو نُوَاس الْيَهُودِيّ بِجُنُودِهِ مِنْ حِمْيَر , فَدَعَاهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّة , وَخَيَّرَهُمْ بَيْن ذَلِكَ أَوْ الْقَتْل , فَاخْتَارُوا الْقَتْل ..

ولنا هنا تعليق صغير :

ماذا تفعل النصرانية في اليمن ؟؟! 

ما الذي اتى بها هناك ..؟؟!

ومن اعطى لاتباع عيسى الحق والسلطان ان يدعوا الى دينهم خارج بني اسرائيل ان كانت دعوة المسيح قومية وحسب ..؟؟

اذن لقد دخلت رسالة المسيح الى اليمن في الفترة بين عيسى ومحمد ..؟!

فرسالة المسيح وصلت الى اليمن اذن ..

ومن اليمن خرج نصارى نجران الذين اوفدوا الى محمد وفداً ليناظره ويناقشه في دعوته ..

ومع الاختلافات العقائدية الكبيرة بين الطرفين .. الا اننا لم نقرأ لمحمد اي رفض او نقض لدعوة المسيح ورسالته في بلادهم ..

ولم يجادلهم في ان دعوة المسيح هي فقط محصورة في بني اسرائيل وليست لهم او لغيرهم ..!! 

ثانياً : ديانة المسيح دخلت الى اوربا :

فقد جاء في سورة الكهف .. قصة الفتية الذين اووا الى الكهف هرباً من اضطهاد الكفار لهم وكانوا على دين عيسى !!

جاء في تفسير القرطبي لسورة ( الكهف 9):

اقوال العلماء في تفسيرهم لعبارة ” الرقيم ” .. ومن تلك الاقوال قال ابن عباس :

وعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : الرَّقِيم كِتَاب مَرْقُوم كَانَ عِنْدهمْ فِيهِ الشَّرْع الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ مِنْ دِين عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام .

فهم كانوا على دين عيسى وشريعته ..

لكن ما الذي جاء بهم بلاد الروم .. ان كانت دعوة المسيح قومية وحسب ؟؟!!

لنواصل :

وجاء في تفسيره ( للكهف : 10):

وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ مَلِكًا مِنْ الْمُلُوك يُقَال لَهُ دِقْيَانُوس ظَهَرَ عَلَى مَدِينَة مِنْ مَدَائِن الرُّوم يُقَال لَهَا أُفْسُوس . وَقِيلَ هِيَ طَرَسُوس وَكَانَ بَعْد زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَأَمَرَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام فَدَعَا أَهْلهَا إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام , وَكَانَ بِهَا سَبْعَة أَحْدَاث يَعْبُدُونَ اللَّه سِرًّا , فَرُفِعَ خَبَرهمْ إِلَى الْمَلِك وَخَافُوهُ فَهَرَبُوا لَيْلًا , وَمَرُّوا بِرَاعٍ مَعَهُ كَلْب فَتَبِعَهُمْ فَآوَوْا إِلَى الْكَهْف فَتَبِعَهُمْ الْمَلِك إِلَى فَم الْغَار , فَوَجَدَ أَثَر دُخُولهمْ وَلَمْ يَجِد أَثَر خُرُوجهمْ , فَدَخَلُوا فَأَعْمَى اللَّه أَبْصَارهمْ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا ; فَقَالَ الْمَلِك : سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَاب الْغَار حَتَّى يَمُوتُوا فِيهِ جُوعًا وَعَطَشًا . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَة كَانُوا فِي دِين مَلِك يَعْبُد الْأَصْنَام وَيَذْبَح لَهَا وَيَكْفُر بِاَللَّهِ , وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَهْل الْمَدِينَة , فَوَقَعَ لِلْفِتْيَةِ عِلْم مِنْ بَعْض الْحَوَارِيِّينَ – حَسْبَمَا ذَكَرَ النَّقَّاش أَوْ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَم قَبْلهمْ – فَآمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَأَوْا بِبَصَائِرِهِمْ قَبِيح فِعْل النَّاس , فَأَخَذُوا نُفُوسهمْ بِالْتِزَامِ الدِّين وَعِبَادَة اللَّه ; فَرُفِعَ أَمْرهمْ إِلَى الْمَلِك وَقِيلَ لِي : إِنَّهُمْ قَدْ فَارَقُوا دِينك وَاسْتَخَفُّوا آلِهَتك وَكَفَرُوا بِهَا , فَاسْتَحْضَرَهُمْ الْمَلِك إِلَى مَجْلِسه وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِ دِينه وَالذَّبْح لِآلِهَتِهِ , وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى فِرَاق ذَلِكَ بِالْقَتْلِ ; فَقَالُوا لَهُ فِيمَا رُوِيَ : ” رَبّنَا رَبّ السَّمَوَات وَالْأَرْض – إِلَى قَوْله – وَإِذْ اِعْتَزَلْتُمُوهُمْ ” [ الْكَهْف : 16 ] .. وَرَوَى وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّ أَوَّل أَمْرهمْ إِنَّمَا كَانَ حَوَارِيّ لِعِيسَى اِبْن مَرْيَم جَاءَ إِلَى مَدِينَة أَصْحَاب الْكَهْف يُرِيد دُخُولهَا , فَأَجَّرَ نَفْسه مِنْ صَاحِب الْحَمَّام وَكَانَ يَعْمَل فِيهِ , فَرَأَى صَاحِب الْحَمَّام فِي أَعْمَاله بَرَكَة عَظِيمَة , فَأَلْقَى إِلَيْهِ بِكُلِّ أَمْره , وَعَرَفَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِتْيَان مِنْ الْمَدِينَة فَعَرَّفَهُمْ اللَّه تَعَالَى فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ عَلَى دِينه , وَاشْتَهَرَتْ خُلْطَتهمْ بِهِ ; فَأَتَى يَوْمًا إِلَى ذَلِكَ الْحَمَّام وَلَد الْمَلِك بِامْرَأَةٍ أَرَادَ الْخَلْوَة بِهَا , فَنَهَاهُ ذَلِكَ الْحَوَارِيّ فَانْتَهَى , ثُمَّ جَاءَ مَرَّة أُخْرَى فَنَهَاهُ فَشَتَمَهُ , وَأَمْضَى عَزْمه فِي دُخُول الْحَمَّام مَعَ الْبَغِيّ , فَدَخَلَ فَمَاتَا فِيهِ جَمِيعًا ; فَاتُّهِمَ ذَلِكَ الْحَوَارِيّ وَأَصْحَابه بِقَتْلِهِمَا ; فَفَرُّوا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلُوا الْكَهْف . وَقِيلَ فِي خُرُوجهمْ غَيْر هَذَا . وَأَمَّا الْكَلْب فَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ كَلْب صَيْد لَهُمْ ..

لقد جاء في التفسير بان الفتية قد وصلهم ” علم ” الحواريين ..

وقيل ايضاً بان احد حواريي عيسى اي رسله قد جاء وبشر اهل تلك البلاد ..! 

وجاء في تفسير الطبري في تفسيره ( للكهف : 10):

حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن بَشِير , قَالَ : ثنا عَمْرو فِي قَوْله : { أَصْحَاب الْكَهْف وَالرَّقِيم } كَانَتْ الْفِتْيَة عَلَى دِين عِيسَى عَلَى الْإِسْلَام , وَكَانَ مَلِكهمْ كَافِرًا , وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُمْ صَنَمًا , فَأَبَوْا , وَقَالُوا : { رَبّنَا رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَنْ نَدْعُو مِنْ دُونه إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } 18 14 قَالَ : فَاعْتَزَلُوا عَنْ قَوْمهمْ لِعِبَادَةِ اللَّه , فَقَالَ أَحَدهمْ : إِنَّهُ كَانَ لِأَبِي كَهْف يَأْوِي فِيهِ غَنَمه , فَانْطَلِقُوا بِنَا نَكُنْ فِيهِ , فَدَخَلُوهُ , وَفُقِدُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَان فَطُلِبُوا , فَقِيلَ : دَخَلُوا هَذَا الْكَهْف , فَقَالَ قَوْمهمْ : لَا نُرِيد لَهُمْ عُقُوبَة وَلَا عَذَابًا أَشَدّ مِنْ أَنْ نَرْدِم عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَهْف , فَبَنَوْهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ رَدَمُوهُ . ثُمَّ إِنَّ اللَّه بَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا عَلَى دِين عِيسَى , وَرَفَعَ ذَلِكَ الْبِنَاء الَّذِي كَانَ رُدِمَ عَلَيْهِمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { كَمْ لَبِثْتُمْ } ؟ ف { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْض يَوْم } حَتَّى بَلَغَ { فَابْعَثُوا أَحَدكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَة } .. حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : مَرِجَ أَمْر أَهْل الْإِنْجِيل وَعَظُمَتْ فِيهِمْ الْخَطَايَا وَطَغَتْ فِيهِمْ الْمُلُوك , حَتَّى عَبَدُوا الْأَصْنَام وَذَبَحُوا لِلطَّوَاغِيتِ , وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا عَلَى أَمْر عِيسَى اِبْن مَرْيَم , مُتَمَسِّكُونَ بِعِبَادَةِ اللَّه وَتَوْحِيده , فَكَانَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ مُلُوكهمْ , مَلِك مِنْ الرُّوم يُقَال لَهُ : دقينوس , كَانَ قَدْ عَبَدَ الْأَصْنَام , وَذَبَحَ لِلطَّوَاغِيتِ , وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ أَقَامَ عَلَى دِين عِيسَى اِبْن مَرْيَم . كَانَ يَنْزِل فِي قُرَى الرُّوم , فَلَا يَتْرُك فِي قَرْيَة يَنْزِلهَا أَحَدًا مِمَّنْ يَدِين بِدِينِ عِيسَى اِبْن مَرْيَم إِلَّا قَتَلَهُ , حَتَّى يَعْبُد الْأَصْنَام , وَيَذْبَح لِلطَّوَاغِيتِ , حَتَّى نَزَلَ دقينوس مَدِينَة الْفِتْيَة أَصْحَاب الْكَهْف ; فَلَمَّا نَزَلَهَا دقينوس كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَهْل الْإِيمَان , فَاسْتَخْفَوْا مِنْهُ وَهَرَبُوا فِي كُلّ وَجْه .

نلاحظ هنا ان قرى الروم كانت تدين بدين المسيح !!

فالحواريين جاءوا الى هذه البلاد ودعوا الناس الى رسالة المسيح ..

فلم يكونوا مخالفين لمبادئ دعوة المسيح وهم { انصار الله } انما قد اطاعوها وماتوا لاجلها وادخلوا دين المسيح الى اوربا .. 

فلو كانت دعوة المسيح قومية .. لما بشروا في اوربا ولما كان لزوماً ان يضطهد الفتية ويعانوا الضيقات ..

لو كانت رسالة المسيح محصورة في حدود ارض اسرائيل .. لما كان لزوماً للحواريين ان ياتوا الى اوربا ..؟!! 

فكيف اذن يدعى البعض زوراً وعوجاً بان بولس هو من حول وحرف رسالة المسيح الى رسالة عالمية ؟!! 

تابع :

واذا ما اتينا الى اوثق كتب السيرة وهو سيرة الرسول لابن هشام

سنجد فيه ما يؤيد عالمية دين المسيح .. اذ جاء في سيرة ابن هشام التالي :

سيرة ابن هشام – الجزء الثاني

[ أسماء الرسل ومن أرسلوا إليهم ]

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا من أصحابه وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام .

..[ رواية ابن حبيب عن بعث الرسول رسله ]

قال ابن إسحاق : حدثني يزيد بن أبي حبيب المصري : أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البلدان وملوك العرب والعجم ، وما قال لأصحابه حين بعثهم . قال فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهري فعرفه وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه فقال لهم إن الله بعثني رحمة وكافة فأدوا عني يرحمكم الله ولا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم ; قالوا : وكيف يا رسول الله كان اختلافهم ؟ قال دعاهم لمثل ما دعوتكم له فأما من قرب به فأحب وسلم وأما من بعد به فكره وأبى ، فشكا ذلك

عيسى منهم إلى الله فأصبحوا وكل رجل منهم يتكلم بلغة القوم الذين وجه إليهم .

ما نفهمه من هذه الرواية عن محمد بانه ارسل رسله الى الملوك والبلدان لدعوة الاسلام ..

ونلاحظ انه نصح المرسلين بان لا يفعلوا كما فعل الحواريين مع عيسى بعد ان ارسلهم الى العالمين .. اذ استصعب البعض طول المسافة وبعد البلاد التي وجب ان يبشروا فيها برسالته ..

وهذا يعد اعترافاً صريحاً من محمد بان دعوته هي مثل دعوة عيسى من قبل في عالميتها ..!

” دعاهم عيسى لمثل ما دعوتكم ” !!

فلو كانت دعوة محمد عالمية فدعوة عيسى عالمية ايضاً !!

لكن الفرق نراه في تميز ارسالية المسيح لرسله عن غيرها , بفارق المعجزات والخوارق ..

اذ يقول محمد بان رسل المسيح ” تكلم كل واحد منهم بلغة القوم الذين وجه اليهم ” !! ..

وهو ما يعرف في الانجيل : ” بموهبة الالسنة ” التي اعطيت للمؤمنين في يوم الخمسين كما جاء في الانجيل ( سفر اعمال الرسل اصحاح الثاني ).

محمد اخبر اتباعه صريحاً بعالمية دعوة المسيح .. ” دعاهم لمثل ما دعوتكم ” ..

لكن الفرق ان الله اعطى للحواريين المعجزات والتكلم بالالسنة , في حين اعطى محمد رسله رسالة تقول : “اسلم تسلم “!!

فلو كانت ديانة المسيح قومية لبني اسرائيل .. فكيف يخالف عيسى امر الله ويرسل تلاميذه الى الامم المختلفي اللغات ؟!!

ولماذا استجاب الله لشكواه واعطى رسله موهبة التكلم بالسنة ليبشروا الامم البعيدة والقريبة ..؟!!

—————————–

ثانيا من كتب السيرة

ثم لنقرأ سرد ابن هشام عن ابن اسحق اسماء رسل المسيح الذين ارسلوا الى العالم :

جاء :

[ أسماء رسل عيسى ]

قال ابن إسحاق : وكان من بعث عيسى ابن مريم عليه السلام من الحواريين والأتباع الذين كانوا بعدهم في الأرض بطرس الحواري ، ومعه بولس وكان بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين إلى رومية وأندرائس ومنتا إلى الأرض التي يأكل أهلها الناس وتوماس إلى أرض بابل ، من أرض المشرق وفيلبس إلى أرض قرطاجنة ، وهي إفريقية ويحنس إلى أفسوس ، قرية الفتية أصحاب الكهف; ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء ، قرية بيت المقدس ، وابن ثلماء إلى الأعرابية وهي أرض الحجاز ، وسيمن إلى أرض البربر ; ويهوذا ، ولم يكن من الحواريين جعل مكان يودس .

لاحظتم اسم ” بولس ” الرسول بين اسماء تلاميذ المسيح , الذين ارسلهم ليبشروا كل الارض والعالم !!

ونسأل :

اليس ارسال المسيح رسله الى البلدان والقارات التي ذكرت في سيرة ابن هشام الا دليلاً على عالمية رسالته ؟؟!!

والان مرجع اخر :

جاء في كتاب : ( الروض الانف ) للسهيلي ما يشبه السابق :

إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك

الحواريون

ذكر فيه إرسال عيسى ابن مريم الحواريين وأصح ما قيل في معنى الحواريين أن الحواري هو الخلصان أي الخالص الصافي من كل شيء ومنه الحواري ، والحور وقول المفسرين هو الخلصان كلمة فصيحة أنشد أبو حنيفة

خليلي خلصاني لم يبق حسها

من القلب إلا عوذا سببا

لها قال والعوذ ما لم تدركه الماشية لارتفاعه أو لأنه بأهداف فكأنه قد عاذ منها .

معنى المسيح ونهايته

وأصح ما قيل في معنى المسيح على كثرة الأقوال في ذلك أنه الصديق بلغتهم ثم عربته العرب . وكان إرسال المسيح للحواريين بعد ما رفع وصلب الذي شبه به فجاءت مريم الصديقة والمرأة التي كانت مجنونة فأبرأها المسيح وقعدتا عند الجذع تبكيان وقد أصاب أمه من الحزن عليه ما لا يعلم علمه إلا الله فأهبط إليهما ، وقال علام تبكيان ؟ فقالتا : عليك ، فقال إني لم أقتل ولم أصلب ولكن الله رفعني وكرمني ، وشبه عليهم في أمري ، أبلغا عني الحواريين أمري ، أن يلقوني في موضع كذا ليلا ، فجاء الحواريون ذلك الموضع فإذا الجبل قد اشتعل نورا لنزوله به ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه وعبادة ربهم فوجههم إلى الأمم التي ذكر ابن إسحاق وغيره ثم كسي كسوة الملائكة فعرج معهم فصار

ملكيا إنسيا سمائيا أرضيا .

نلاحظ مما سبق :

– لقد وجههم الى الامم ..!!

فليست دعوته لبني اسرائيل وحسب .. بل لجميع الامم ! 

– وقيل في المسيح انه:ملكيا إنسيا سمائيا أرضيا ؟؟

اليس هذا يعني انه يتميز بلاهوت وناسوت ؟؟!!

وان لم يكن المقصود لاهوته.. لكن يتضح بان المسيح يتميز بطبيعتين سمائية وارضية !..

وهو ملكي وانساني في ذات الوقت ..وهو ما لم يتميز به اي رسول او نبي !!

وان كان هذا واقعاً فكيف لا تكون رسالة هذا المسيح العجيب رسالة عالمية ؟؟!!!

قال القران :

{ ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان امراً مقضياً } ( مريم :21).

وقال : { وجعلناها وابنها آية للعالمين } ( الانبياء :91).

———————–

ثالثا من كتب التاريخ

تاريخ ابن خلدون

ثم جاء المسيح صلوات الله وسلامه عليه بما جاءهم به من الدين والنسخ لبعض احكام التوراة وظهرت على يديه الخوارق العجيبة من ابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى واجتمع عليه كثير من الناس وامنوا به واكثرهم الحواريون من اصحابه وكانوا اثني عشر وبعث منهم رسلاً الى الافاق داعين الى ملته وذلك ايام اوغسطس اول ملوك القياصرة وفي مدة هيرودس ملك اليهود الذي انتزع الملك من بني حشمناي اصهاره‏.‏ فحسده اليهود وكذبوه وكاتب هيرودس ملكهم ملك القياصرة اوغسطس يغريه به فاذن لهم في قتله ووقع ما تلاه القران من امره‏.‏ وافترق الحواريون شيعاً ودخل اكثرهم بلاد الروم داعين الى دين النصرانية‏. ‏ وكان بطرس كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة ثم كتبوا الانجيل الذي انزل على عيسى صلوات الله عليه في نسخ اربع على اختلاف رواياتهم‏:‏ فكتب متى انجيله في بيت المقدس بالعبرانية ونقله يوحنا بن زيدى منهم الى اللسان اللاطيني وكتب لوقا منهم انجيله باللطيني الى بعض اكابر الروم وكتب يوحنا بن زبدى منهم انجيله برومة وكتب بطرس انجيله باللطيني ونسبه الى مرقاص تلميذه‏.‏ واختلفت هذه النسخ الاربع من الانجيل مع انها ليست كلها وحياً صرفاً بل مشوبة بكلام عيسى عليه السلام وبكلام الحواريين وكلها مواعظ وقصص والاحكام فيها قليلة جداً‏.‏ واجتمع الحواريون الرسل لذلك العهد برومة ووضعوا قوانين الملة النصرانية وصيروها بيد اقليمنطس تلميذ بطرس وكتبوا فيها عدد الكتب التي يجب قبولها والعمل بها‏.‏

وكان بطرس الرسول رأس الحواريين وكبير التلاميذ برومة يقيم بها دين النصرانية الى ان قتله نيرون خامس القياصرة فيمن قتل من البطارق والاساقفة ثم قام بخلافته في كرسي رومة اريوس‏.‏ وكان مرقاس الانجيلي بالاسكندرية ومصر والمغرب داعياً سبع سنين فقام بعده حنانيا وتسمى بالبطرك وهو اول البطاركة فيها‏.‏ وجعل معه اثني عشر قساً على انه اذا مات البطرك يكون واحد من الاثني عشر مكانة ويختار من المؤمنين واحداً مكان ذلك الثاني عشر‏.‏

_____________________

فرسالة المسيح عالمية اوصلها تلاميذه ورسله الى اوربا .. فكيف يدعى المزورون بانها كانت قومية وحسب ؟؟!!

اما ما قاله المؤرخ الاسلامي الشهير المسعودي ففيه ما يؤيد هذه الحقيقة الجلية , اذ جاء في كتابه :

التنبيه والاشراف

ما يلي :

“وذكرنا أسماء الاثني عشر والسبعين تلاميذ المسيح وتفرقهم في البلاد وأخبارهم وما كان منهم ومواضع قبورهم ومن أصحاب الأناجيل الأربعة منهم يوحنا ومتى من الاثني عشر ولوقا ومرقس من السبعين وأن مرقس صاحب الإسكندرية ومن كان بعده من البطاركة على هذا الكرسي الحكام على سائر أصحاب الكراسي في كل ما يختلفون فيه والقضاة عليهم”

تفرقهم في البلاد !! .. 

لماذا يبشروا في البلاد , ان كانت دعوة سيدهم قومية لبني اسرائيل فقط ..؟؟؟؟!!!

وكما نقل اخي الحبيب شور قائلاً :

فالمسيح يتحدث بوضوح شديد عن ان الانجيل سينادى به للناس فى كل العالم (الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضا بما فعلته هذه تذكارا لها (مرقس 14 : 9)

وقال (فاذهبوا و تلمذوا جميع الامم و عمدوهم باسم الاب و الابن و الروح القدس (متى 28 : 19)

الم تسقط الان فرية اعداء بولس الرسول سقوطاً مدوياً ما بعده سقوط ..بعد استقراءنا الكتب الاسلامية وعلى راسها القران ؟؟؟!!

مع تحياتي وسلامي للجميع

اخوكم

البابلي الاشوري

———————–

تعليق Sure

ففكرة ان المسيحية كانت لجماعة معينة من الناس وليست لكل البشر فى كل العصور هى فكرة ساذجة تعبر عن اناس يحاولون بالعافية اثبات ان العالمية هى تخص دينهم وحدة حتى على حساب الكذب ولوى عنق الحقائق

فالمسيح يتحدث بوضوح شديد عن ان الانجيل سينادى به للناس فى كل العالم (الحق اقول لكم حيثما يكرز بهذا الانجيل في كل العالم يخبر ايضا بما فعلته هذه تذكارا لها (مرقس 14 : 9)

وقال (فاذهبوا و تلمذوا جميع الامم و عمدوهم باسم الاب و الابن و الروح القدس (متى 28 : 19)

ان المسيح مات من اجل كل البشر فى كل العصور (لانه هكذا احب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابدية (يوحنا 3 : 16) فلم يقدم الله كفارة عن أمة معينة فى وقت معين بل كفارة المسيح تشمل الجميع فى كل العصور

لذلك نرى بوضوح الامم المختلفة تدخل فى المسيحية وذلك فى سفر اعمال الرسل

——————-

تعليق عبد المسيح:

أسمح لي ان أضيف عليها من أحدى موضوعاتك القيمة جدا

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ {13} إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ {14}

إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ

وَقَوْله تَعَالَى : ” إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا ” أَيْ بَادَرُوهُمَا بِالتَّكْذِيبِ ” فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ” أَيْ قَوَّيْنَاهُمَا وَشَدَدْنَا أَزْرهمَا بِرَسُولٍ ثَالِث . قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ وَهْب بْن سُلَيْمَان عَنْ شُعَيْب الْجِبَابِيّ قَالَ كَانَ اِسْم الرَّسُولَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ شَمْعُون وَيُوحَنَّا وَاسْم الثَّالِث بولُص وَالْقَرْيَة أَنْطَاكِيَّة ” فَقَالُوا ” أَيْ لِأَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَة ” إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ” أَيْ مِنْ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ يَأْمُركُمْ بِعِبَادَتِهِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ وَقَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة وَزَعَمَ قَتَادَة أَنَّهُمْ كَانُوا رُسُل الْمَسِيح عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى أَهْل أَنْطَاكِيَّة .

تفسير ابن كثير

الواضح أن رسل السيد المسيح قد وصلوا الى أنطاكية مما يؤكد عالمية رسالة السيد المسيح

لي سؤالين لأصدقائنا المسلمين أتمنى منهم الأجابة عليه و لو أني أرى أن أغلبهم قد هجر المنتدى

ربما لسلوك البعض في السخرية و هو بلاشك أسلوب نرفضه جميعا , السؤال هو .

1 – طالما أن رسالة السيد المسيح كانت للناس كافة و ليس لقومه فقط و طالما أثبتت كافة التفاسير أن رسله أتجهوا لأرجاء مختلفة من العالم فما الحاجة للاسلام أذا ؟؟؟؟؟؟

2 – الواضح من التفاسير و الأحاديث و من التاريخ أيضا أن رسل السيد المسيح كان يبشرون بالسلم دون أستحدام للقوة أو للجيوش البشرية فلماذا أذا أستخدم رسول الاسلام الجيوش لنشر دعوته ؟؟؟؟؟؟؟ هل كان عيسى مستندا على قوة الله و محمد لا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ولك السلام و التحية

عبد المسيح

 

Posted in لاهوت دفاعي -عام, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية-المجئ الثاني والحياة الأبدية

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل العاشر: المجيء الثاني والحياة الأبدية

الفصل العاشر: المجئ الثانى والحياة الأبدية.

تمهيد:

1 – المجئ الثانى للمسيح:

أ – يسوع نفسه :‏

ب – الأحداث التى تشير إلى المجئ الثانى:‏

ج – اليقظة والسهر:

د – صلاة يسوع:‏

2 – نهاية العالم” الأرض الجديدة”‏

أ – فى العهد القديم:‏

ب – فى العهد الجديد:‏

ج – الأرض الجديدة:‏

3 – الموت‏

أ – فى المزامير وعند الأنبياء:

ب – موت الأبرار فى سفر الحكمة:

ج – الحياة الأبدية فى العهد الجديد:‏

د – ماذا عن الذين لم يعرفوا يسوع ولم يقبلوه؟:‏

ه – صلاة:‏

4 – قيامة الموتى والحياة الأبدية:

أ – فى العهد القديم :‏

ب – فى العهد الجديد:

5 – تجلى الجسد

أ – الحوار مع موتوفيلوف:‏

ب – مغزى الحادثة:

ج – الجسد واسطة لتمجيد الله:

د – مجد القيامة الأخير:‏

ه – بدء جيل المستقبل:

و تجلى العالم :‏

6 –  الدينونة

أ – عدل الله وحكمه :‏

ب – المسيح هو الديان :‏

ج – شرط الدينونة:‏

7 – الصلاة من أجل الموتى

صلاة البار وشركة القديسين :‏


 

الفصل العاشر

اَلْمَجِئ اَلثَانِى وَالْحَيَاةُ اَلأبَدِيَّة

” ..وأيضًا يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأموات… الذى ليس لملكه إنقضاء…وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى . آمين…”

تمهيد

عندما يفكّر المرء بآخر الأزمنة، تراوده فورًا مشكلة مصيره الشخصى، ويطرح على نفسه السؤال:

ماذا سيحدث بى بعد الموت؟…

هذا التساؤل ناتج عن جعل الإنسان نفسه محورًا للعالم…

غير أن الإعلان الإلهى والتقليد الكنسى يعلّمان أن ” الأنا” ليست محور العالم، وأن محور العالم هو ذاك الذى قال :

” أنا الألف والياء، البداية والنهاية”…

لذلك فالسؤال الصحيح الذى يجب أن يُطرح هو:

ماذا سيحدث عند مجئ المسيح الثانى؟…

 

الكنيسة تعيش على إنتظار هذا المجئ، إذ حينئذ فقط يصير المسيح ” الكلّ فى الكلّ” وتتم عملية الخلاص وإفتقاد الله للبشر…

 

فى هذا الفصل سنبحث كل جوانب هذا السر محاولين، قدر المستطاع بنعمة الرب يسوع، الولوج فى أعماقه…

 


 

1 –

المجئ الثانى للمسيح

 

أ – يسوع نفسه :

أثناء بشرته على الأرض، أعلن عن مجيئه الثانى فقال:

[ وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً عَلَى سَحَابِ السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوقٍ عَظِيمِ الصَّوْتِ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا ] [ متى 24: 30، 31 ]…

و[ وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ  فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ اَلأَرْبَعِ اَلرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ اَلأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ اَلسَّمَاءِ  ] [ مرقس 13: 26، 27 ]…

و[ وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ ] [ لوقا 21: 27 ]…

 

وقد ذكّرنا الرسول بولس بأقوال السيد هذه فى أول رسالة كتبها من كورونثوس إلى أهل تسالونيكى:

[ فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ اَلْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ.  لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً ] [ 1 تسالونيكى 4: 15، 16 ]…


 

 

ب – الأحداث التى تشير إلى المجئ الثانى:

لم يُعلن يسوع موعد مجيئه الثانى، لا بل أكّد على أن ذلك الموعد لا يعرفه أحد سوى الله، ولكنه أشار إلى أحداث تسبق ذلك الموعد…

1 دمار الهيكل ومدينة أورشليم:

[  فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَمَا تَنْظُرُونَ جَمِيعَ هَذِهِ؟ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُتْرَكُ هَهُنَا حَجَرٌ عَلَى حَجَرٍ لاَ يُنْقَضُ! ] [ متى 24 : 2 ]…

و[ وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ وَالَّذِينَ فِي وَسَطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجاً وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا لأَنَّ هَذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ. وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ. وَيَقَعُونَ بِالسَّيْفِ وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ ] [ لوقا 21: 20 – 24 ]…

 

2 – ظهور الأنبياء الكذبة:

[ فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ… وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ] [ متى 24: 5، 11]…

و[ فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ. وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ] [ مرقس 13: 6 ]…

و[ اُنْظُرُوا! لاَ تَضِلُّوا. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ وَالزَّمَانُ قَدْ قَرُبَ. فَلاَ تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ ] [ لوقا 21: 8 ]…

 

3 – الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية:

[ وسَوَفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبِ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَبُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلٌّهَا. وَلَكِنْ لَيْسً اَلْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةً عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٍ عَلَى مَمْلَكَةٍ وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٍ وَزَلازِلُ فِى أَمَاكِنَ. وَلَكِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مُبْتَدَأُ الأَوْجَاعِ ] [ متى 24: 6 – 8 ]…

و[  فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَبِأَخْبَارِ حُرُوبٍ فَلاَ تَرْتَاعُوا لأَنَّهَا لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ اَلْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنَّهُ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ وَتَكُونُ زَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَاِضْطِرَابَاتٌ. هَذِهِ مُبْتَدَأُ اَلأَوْجَاعِ  ] [ مرقس 13: 7، 8 ]…

و[  فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِلٍ فَلاَ تَجْزَعُوا لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوَّلاً وَلَكِنْ لاَ يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعاً }. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: { تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ  وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ ] [ لوقا 21: 9 – 11 ]…

 

4 – إضطهاد المسيحيين من أجل المسيح:

[ حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي. وَحِينَئِذٍ يَعْثُرُ كَثِيرُونَ وَيُسَلِّمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيُبْغِضُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً ] [ متى 24: 9، 10 ]…

و[ فَانْظُرُوا إِلَى نُفُوسِكُمْ. لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ وَتُجْلَدُونَ فِي مَجَامِعَ وَتُوقَفُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً ] [ مرقس 13: 9 ]…

و[ فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَماً وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَ ويُنَاقِضُوهَا. وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلَكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ. بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ  ] [ لوقا 21: 14 – 19 ]…

 

5 – فقدان المحبة والإيمان وطغيان الإثم:

[ وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ ] [ متى 24: 12 ]…

[ وَسَيُسْلِمُ اَلأَخُ أَخَاهُ إِلَى اَلْمَوْتِ وَاَلأَبُ وَلَدَهُ وَيَقُومُ اَلأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ ] [ مرقس 13: 12 ]…

و[  وَلَكِنِ اِعْلَمْ هَذَا أَنَّهُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ سَتَأْتِي أَزْمِنَةٌ صَعْبَةٌ، لأَنَّ اَلنَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضىً، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي اَلنَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ، لَهُمْ صُورَةُ اَلتَّقْوَى وَلَكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هَؤُلاَءِ ] [ 2 تيموثاوس 3: 1 – 5 ]…

 

6 – إنتشار الإنجيل فى كلّ العالم:

[ وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هَذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى  ] [ متى 24: 14 ]…

و[ فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ] [ متى 28: 19، 20 ]…

و[ وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَزَ أَوَّلاً بِالإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ اَلأُمَمِ ] [ مرقس 13: 10 ]…

 

7 – ظهور المسيح الدجال:

[ فَمَتَى نَظَرْتُمْ ( رِجْسَةَ الْخَرَابِ ) الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ – لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ – فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ ] [ متى 24: 15، 16 ]…

و[ فَمَتَى نَظَرْتُمْ ( رِجْسَةَ اَلْخَرَابِ) اَلَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ اَلنَّبِيُّ قَائِمَةً حَيْثُ لاَ يَنْبَغِي – لِيَفْهَمِ اَلْقَارِئُ – فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ اَلَّذِينَ فِي اَلْيَهُودِيَّةِ إِلَى اَلْجِبَالِ. وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلْكَ الأَيَّامَ لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. وَلَكِنْ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ قَصَّرَ اَلأَيَّامَ  ] [ مرقس 13: 14، 20 ]…

و[ وَلَكِنَّ اَلرُّوحَ يَقُولُ صَرِيحاً: إِنَّهُ فِي اَلأَزْمِنَةِ اَلأَخِيرَةِ يَرْتَدُّ قَوْمٌ عَنِ اَلإِيمَانِ، تَابِعِينَ أَرْوَاحاً مُضِلَّةً وَتَعَالِيمَ شَيَاطِينَ، فِي رِيَاءِ أَقْوَالٍ كَاذِبَةٍ، مَوْسُومَةً ضَمَائِرُهُمْ  ] [ 1 تيموثاوس 4: 1، 2 ]…

و[  لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يَأْتِ الاِرْتِدَادُ أَوَّلاً، وَيُسْتَعْلَنَ إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ، ابْنُ الْهَلاَكِ، الْمُقَاوِمُ وَالْمُرْتَفِعُ عَلَى كُلِّ مَا يُدْعَى إِلَه ومَعْبُوداً، حَتَّى إِنَّهُ يَجْلِسُ فِي هَيْكَلِ اللهِ كَإِلَهٍ مُظْهِراً نَفْسَهُ أَنَّهُ إِلَهٌ. أَمَا تَذْكُرُونَ أَنِّي وَأَنَا بَعْدُ عِنْدَكُمْ كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ هَذَا؟ وَالآنَ تَعْلَمُونَ مَا يَحْجِزُ حَتَّى يُسْتَعْلَنَ فِي وَقْتِهِ. لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ، إِلَى أَنْ يُرْفَعَ مِنَ الْوَسَطِ الَّذِي يَحْجِزُ الآنَ، وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ. الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوا مَحَبَّةَ الْحَقِّ حَتَّى يَخْلُصُوا ] [ 2 تسالونيكى 2: 3 – 10 ]…

و[ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، اعْلَمُوا أَنَّنَا نَعِيشُ الآنَ فِي الزَّمَنِ الأَخِيرِ. وَكَمَا سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَوْفَ يَأْتِي أَخِيراً «مَسِيحٌ دَجَّالٌ»، فَقَدْ ظَهَرَ حَتَّى الآنَ كَثِيرُونَ مِنَ الدَّجَّالِينَ الْمُقَاوِمِينَ لِلْمَسِيحِ. مِنْ هُنَا نَتَأَكَّدُ أَنَّنَا نَعِيشُ فِي الزَّمَنِ الأَخِيرِ … وَكُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الابْنَ، لاَ يَكُونُ الآبُ أَيْضاً مِنْ نَصِيبِهِ. وَمَنْ يَعْتَرِفُ بِالابْنِ، فَلَهُ الآبُ أَيْضاً ] [ 1 يوحنا 2: 18، 22]…

و[ وَإِنْ كَانَ يُنْكِرُ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بَلْ مِنْ عِنْدِ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ سَوْفَ يَأْتِي، وَهُوَ الآنَ مَوْجُودٌ فِي الْعَالَمِ ]

[ 1 يوحنا 4: 3 ]…

و[ لأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ إِلَى اَلْعَالَمِ مُضِلُّونَ كَثِيرُونَ، لاَ يَعْتَرِفُونَ بِيَسُوعَ اَلْمسِيحِ آتِياً فِي اَلْجَسَدِ. هَذَا هُوَ اَلْمُضِلُّ، وَاَلضِّدُّ لِلْمَسِيحِ  ]

[ 2 يوحنا 7 ]…


 

ج – اليقظة والسهر:

العديد من الأحداث التى ذكرناها حصل بالفعل، ومنها ما يحصل الآن…

وهذا ما يحدو بالمؤمن أن يأخذ القضية بكثير من الجدية وأن يعتبر ما حصل ويحصل إشارات لإقتراب موعد الملكوت، وأن يستعد لذلك…

كيف يستعد؟…

بالسهر والصلاة…

هكذا أراد يسوع:

[ لِذَلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضاً مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ. فَمَنْ هُوَ الْعَبْدُ الأَمِينُ الْحَكِيمُ الَّذِي أَقَامَهُ سَيِّدُهُ عَلَى خَدَمِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعَامَ فِي حِينِهِ؟ ] [ متى 24: 44، 45 ]…

و[ وَلَكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اَللَّيْلِ، يَوْمُ اَلرَّبِّ، اَلَّذِي فِيهِ تَزُولُ اَلسَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ اَلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ اَلأَرْضُ وَاَلْمَصْنُوعَاتُ اَلَّتِي فِيهَا ] [ 2 بطرس 3: 10 ]…

 

وما مثل العذارى العاقلات [ متى 25: 1 – 13 ] إلا ليعلمنا يسوع بكل وضوح ضرورة السهر المستمر واليقظة الدائمة فى كل حياة روحية تَنْهدُ إلى الأصالة…

وأكّد على ذلك فى مثل الخادم الأمين الذى عاد سيده فوجده ساهرًا…

كلّ منّا مدعو لأن يكون إحدى العذارى العاقلات وذلك الخادم الأمين…

فبدون حياة روحية واعية تفتش عن المسيح فى كلّ مواضع سُكْناه وتسعى إلى العيش باستمرار فى ذكرى الله، وتعى أننا موجودون دوما فى حضرة الله تعالى، لا توجد أية حياة مسيحية حقيقية…

 


د – صلاة يسوع:

يقول الرسول بولس:

[  صَلُّوا بِلاَ اِنْقِطَاعٍ ] [ 1 تسالونيكى 5: 17 ]…

وكأنه بذلك يدلّنا على الطريق لإستجابة طلب السيد: ” إسهروا”…

والتقليد الأرثوذكسى يربط بين اليقظة والصلاة المستديمة…

هذا التقليد، الذى لا يزال حيًا فى عالمنا اليوم، يدعو على تلاوة مستمرة لما يُسمّى ب ” صلاة يسوع” فى شكلها التالى:

[ يا يسوع ابن الله الحى إرحمنى أنا الخاطئ ]

 

هذه الصلاة يمكن أن يمارسها المؤمن فى كل مكان…

وبإشراف أب روحى ذى خبرة تنقلب الصلاة من حركات الشفاه إلى صلاة قلبية يرددها القلب دون إنقطاع وأثناء أى عمل يقوم به الإنسان…

 

ونرى فى كتاب ” سائح روسى على دروب الرب” كيف أن أبسط الناس يمكنهم التدرّب على هذه الصلاة والدخول فى حضرة الله فيزداد شوقهم إلى لقياه ويترقبون بفرح مجيئه الثانى:

[ آمينَ. تَعَالَ أَيُّهَا اَلرَّبُّ يَسُوعُ ] [ رؤيا 22: 20 ]…

 


 

2 – نهاية العالم” الأرض الجديدة

يعلمنا الكتاب المقدس، فى عهديه القديم والجديد، أن للعالم بداية ونهاية…

وها هى بعض النصوص الأكثر أهمية المتعلقة بذلك:

 

أ – فى العهد القديم:

[ منْ قِدَمٍ أَسَّسْتَ اَلأَرْضَ وَاَلسَّمَاوَاتُ هِيَ عَمَلُ يَدَيْكَ. هِيَ تَبِيدُ وَأَنْتَ تَبْقَى ‏وَكُلُّهَا كَثَوْبٍ تَبْلَى كَرِدَاءٍ تُغَيِّرُهُنَّ فَتَتَغَيَّرُ. وَأَنْتَ هُوَ وَسِنُوكَ لَنْ تَنْتَهِيَ. أَبْنَاءُ عَبِيدِكَ يَسْكُنُونَ وَذُرِّيَّتُهُمْ تُثَبَّتُ أَمَامَكَ ] [ مزمور 102: 25 – 28 ]…

 

[ اِرْفَعُوا إِلَى اَلسَّمَاوَاتِ عُيُونَكُمْ وَاُنْظُرُوا إِلَى اَلأَرْضِ مِنْ تَحْتٍ. فَإِنَّ ‏اَلسَّمَاوَاتِ كَالدُّخَانِ تَضْمَحِلُّ وَاَلأَرْضَ كَالثَّوْبِ تَبْلَى وَسُكَّانَهَا ‏كَالْبَعُوضِ يَمُوتُونَ. أَمَّا خَلاَصِي فَإِلَى اَلأَبَدِ يَكُونُ وَبِرِّي لاَ يُنْقَضُ ] [ أشعياء 51: 6 ]…

 

[ اِنْسَحَقَتِ اَلأَرْضُ اِنْسِحَاقاً. تَشَقَّقَتِ اَلأَرْضُ تَشَقُّقاً. تَزَعْزَعَتِ ‏اَلأَرْضُ تَزَعْزُعاً. تَرَنَّحَتِ اَلأَرْضُ تَرَنُّحاً كَالسَّكْرَانِ وَتَدَلْدَلَتْ ‏كَالْعِرْزَالِ وَثَقُلَ عَلَيْهَا ذَنْبُهَا فَسَقَطَتْ وَلاَ تَعُودُ تَقُومُ. وَيَكُونُ فِي ‏ذَلِكَ اَلْيَوْمِ أَنَّ اَلرَّبَّ يُطَالِبُ جُنْدَ اَلْعَلاَءِ فِي اَلْعَلاَءِ وَمُلُوكَ اَلأَرْضِ ‏عَلَى اَلأَرْضِ. وَيُجْمَعُونَ جَمْعاً كَأَسَارَى فِي سِجْنٍ وَيُغْلَقُ عَلَيْهِمْ ‏فِي حَبْسٍ. ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ يَتَعَهَّدُونَ. وَيَخْجَلُ اَلْقَمَرُ وَتُخْزَى ‏اَلشَّمْسُ لأَنَّ رَبَّ اَلْجُنُودِ قَدْ مَلَكَ فِي جَبَلِ صِهْيَوْنَ وَفِي أُورُشَلِيمَ. ‏وَقُدَّامَ شُيُوخِهِ مَجْدٌ ] [ أشعياء 24: 19 – 23 ]…

 

[ قُدَّامَهُ تَرْتَعِدُ اَلأَرْضُ وَتَرْجُفُ اَلسَّمَاءُ. اََلشَّمْسُ وَاَلْقَمَرُ يُظْلِمَانِ وَاَلنُّجُومُ تَحْجِزُ لَمَعَانَهَا ] [ يوئيل 2: 10، 3: 15 ]…


 

ب – فى العهد الجديد:

[ وَلِلْوَقْتِ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأَيَّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ وَالنُّجُومُ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ وَقُوَّاتُ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ ] [ متى 24: 29 ]…

[ وَأَمَّا فِي تِلْكَ اَلأَيَّامِ بَعْدَ ذَلِكَ اَلضّيقِ فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ وَاَلْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ  وَنُجُومُ اَلسَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ وَاَلْقُوَّاتُ اَلَّتِي فِي اَلسَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ.  وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ اَلأَرْبَعِ اَلرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ اَلأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ اَلسَّمَاءِ  ] [ مرقس 13: 24 – 27 ]…

 

[ وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بِحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِياً فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هَذِهِ تَكُونُ فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ   ] [ لوقا 21: 25 – 28 ]…

 

[ وَأَمَّا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ الْكَائِنَةُ الآنَ فَهِيَ مَخْزُونَةٌ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا، مَحْفُوظَةً لِلنَّارِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَهَلاَكِ النَّاسِ الْفُجَّارِ… اَلّذِي فِيهِ تَزُولُ اَلسَّماوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ اَلْعَنَاصِرُ مُحتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ اَلأَرْضُ وَاَلْمَصْنُوعَاتُ اَلَّتِي فِيهَا ] [ 2 بطرس 3: 7، 10 ]…

 

[ ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشاً عَظِيماً أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!… ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، لأَنَّ اَلسَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَاَلْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ ] [ رؤيا 20: 11، 21: 1 ]…


 

ج – الأرض الجديدة:

كل النصوص التى ذكرناها تعطينا صورة رهيبة لنهاية العالم…

وأمّا الحروب والكوارث الطبيعية، وإمكانات التدمير الحديثة، من أسلحة نووية على أسلحة كيماوية وبيولوجية، فبإمكانها تقريب الصورة عن تلك النهاية وجعل تصوّرها سهلاً علينا…

 

ولكن علينا أن ننظر إلى الحدث بعينى الإيمان لا بالعين المجرّدة، لا سيما وأنه لا بدّ من زوال العالم القديم ليحلّ عالم جديد دشنه المسيح فى مجيئه الأول وسيكمله فى مجيئه الثانى…

 

إن يوم نهاية العالم سيكون رهيبًا للأشرار:

[ فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَاَلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ ] [ 2بطرس 3: 11، 12 ]…

ولكنه للمؤمنين يوم مجد…

هذا اليوم هو المنتظر لأن فيه:

[ وَبَعْدَ ذَلِكَ النِّهَايَةُ مَتَى سَلَّمَ الْمُلْكَ لِلَّهِ الآبِ مَتَى أَبْطَلَ كُلَّ رِيَاسَةٍ وَكُلَّ سُلْطَانٍ وَكُلَّ قُوَّةٍ ] [ 1 كورونثوس 15: 24 ]…

وفيه يتحقق العالم الجديد الذى تنبّأ عنه أشعياء، إذ قال:

[ لأَنِّي هَئَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً فَلاَ تُذْكَر الأُولى وَلاَ ‏تَخْطُرُ عَلَى بَالٍ ] [ أشعياء 65: 17 ]…

ويقول لنا بطرس الرسول بشأن هذا اليوم فى رسالته الثانية:

[ وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا اَلْبِرُّ ] [ 2بطرس 3 : 13 ]…

وأمّا يوحنا فيذكر فى رؤياه ” ثم رأيت سماء جديدة وأرض جديدة”، ويروى لنا قول السيد:

[  وَقَالَ اَلْجَالِسُ عَلَى اَلْعَرْشِ: هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيداً ] [ رؤيا 21: 5 ]…

 

إذًا، آخر الأزمنة ليس مدعاة للخوف، فهو النهار الذى يلى الظلمة…

ونحن بالمعمودية دخلنا العالم الجديد الآتى:

[  إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي اَلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. اَلأَشْيَاءُ اَلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا اَلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً ] [ 2 كورونثوس 5: 17 ]…

وولدنا ثانية لله وأصبحنا خليقة جديدة…

وكما يقول الرسول بولس:

[ لأَنَّكُمْ قَدْ متُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ اَلْمَسِيحِ فِي اَللهِ. مَتَى اُظْهِرَ اَلْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً مَعَهُ فِي اَلْمَجْدِ ] [ كولوسى 3 : 3، 4]…

 

وكما سنرى فيما بعد، عند مجئ يسوع المسيح الثانى، يقوم الموتى بأجسادهم للحياة الأبدية…

 


 

3 –

الموت

ما هو الموت، وبالتالى من هم الأموات؟…

هذا السؤال أساسى جدًا فىحياتنا ولا بدّ من طرحه الآن…

الجواب المباشر يعطينا إيّاه النبى داود:

[ تَحْجُبُ وَجهَكَ فَتَرْتَاعُ. تَنْزِعُ أَرْوَاحهَا فَتَمُوتُ وَإِلَى تُرَابِهَا تَعُودُ. تُرْسِلُ ‏رُوحَكَ فَتُخْلقُ. وَتُجَدِّدُ وَجْهَ اَلأَرْضِ‏ ] [ المزمور104: 29، 30 ]…

 

الحياة هبة من الله…

وكما رأينا فى الفصل الثالث الخاص بخلق الإنسان وسقوطه، فالموت ضد الطبيعة الإنسانية الأصلية:

[  فَإِنَّ الله خَلقَ اَلإِنْسَانَ خَالِدً وصَنَعَهُ عَلَى صُورَةِ ذَاتِهِ ] [ حكمة 2: 23 ]…

وكذلك:

[ إِذْ لَيْسَ اَلمَوْتَ مِنْ صُنْعِ الله ولا هَلاكُ اَلأحْيَاء يَسُرَّه ] [ حكمة 1: 13 ]…

 

فالموت، إذًا، نتيجة الخطيئة:

[ لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اَللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا… مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اِجْتَازَ اَلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ اَلنَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ اَلْجَمِيعُ ] [ رومية 6: 23 و5: 12 ]…

دخل العالم بواسطة الإنسان يوم لبَّى دعوة الشيطان الذى لديه قدرة الموت [ عبرانيين 2: 14 ]، من أجل الإبتعاد عن مصدر الحياة…

 

والآن حرىّ بنا أن نطرح سؤالاً ثانيا:

ما هو مصيرنا بعد الموت ودفن الجسد على رجاء القيامة العامة؟…

 

لنمعن النظر جيدًا بالنصوص الكتابية لعلنا نلقى بعض النور على هذه المشكلة…

 

أ – فى المزامير وعند الأنبياء:

الموت، فى المزامير وعند الأنبياء، يوصف بأنه ” أرض سكوت”، ” عدم ذكر الله”، ” أرض النسيان”، ” التراب”، ” الحفرة”، ” الجب” وكذلك ” الهاوية”… 

[ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي اَلْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي اَلْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟  ] [ مزمور 6: 5 ]…

[ مَا اَلْفَائِدَةُ مِنْ دَمِي إِذَا نَزَلْتُ إِلَى اَلْحُفْرَةِ؟ هَلْ يَحْمَدُكَ اَلتُّرَابُ؟ هَلْ يُخْبِرُ بِحَقِّكَ؟ ] [ مزمور 30: 9 ]…

[ أَفَلَعَلَّكَ لِلأَمْوَاتِ تَصْنَعُ عَجَائِبَ أَمِ اَلأَخِيلَةُ تَقُومُ تُمَجِّدُكَ؟ سِلاَهْ. هَلْ ‏يُحَدَّثُ فِي اَلْقَبْرِ بِرَحْمَتِكَ وبِحَقِّكَ فِي اَلْهَلاَكِ؟ هَلْ تُعْرَفُ فِي اَلظُّلْمَةِ ‏عَجَائِبُكَ وَبِرُّكَ فِي أَرْضِ اَلنِّسْيَانِ؟‏ ] [ مزمور 88: 10 – 12 ]…

[ لَيْسَ اَلأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ اَلرَّبَّ وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ اَلسُّكُوتِ ] [ مزمور 115 : 17 ]…

[ لأَنَّ اَلْهَاوِيَةَ لاَ تَحْمَدُكَ. اَلْمَوْتُ لاَ يُسَبِّحُكَ. لاَ يَرْجُو اَلْهَابِطُونَ إِلَى ‏اَلْجُبِّ أَمَانَتَكَ  ] [ أشعياء 38: 18 ]…

 

معظم النصوص تُظهر الموت وكأنه مكان الهلاك، مكان السكوت والنسيان، وبالتالى، وكأن الأموات ” ينامون”…

بيد أن بعض النصوص تلقى على هذا النوم بصيصا من الأمل كالمزمور الذى استشهد به بطرس الرسول فى سفر الأعمال:

[ لِذَلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى ‏رَجَاءٍ. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى ‏فَسَاداً. عَرَّفْتَنِي سُبُلَ الْحَيَاةِ وَسَتَمْلأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ‏ ] [ أعمل الرسل 2: 26 – 28 ]…

ونجد ذلك أيضًا فى سفر أشعياء:

[ تَحْيَا أَمْوَاتُكَ. تَقُومُ اَلْجُثَثُ. اِسْتَيْقِظُوا. تَرَنَّمُوا يَا سُكَّانَ اَلتُّرَابِ. ‏لأَنَّ طَلَّكَ طَلُّ أَعْشَابٍ وَاَلأَرْضُ تُسْقِطُ اَلأَخْيِلَةَ ] [ أشعياء 26: 19 ]…

وسفر أيوب:

[ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ وَاَلآخِرَ عَلَى اَلأَرْضِ يَقُومُ . وبَعْدَ ‏أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هَذَا وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اَللهَ  ] [ أيوب 19: 25، 26 ]…

وبصورة خاصة فى سفر حزقيال:

[ فَقَالَ لِي: تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ، تَنَبَّأْ يَا اِبْنَ آدَمَ، وَقُلْ لِلرُّوحِ: هَكذَا قَالَ ‏اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ: هَلُمَّ يَا رُوحُ مِنَ اَلرِّيَاحِ اَلأَرْبَعِ وَهُبَّ عَلَى هَؤُلاَءِ اَلْقَتْلَى ‏لِيَحْيُوا. فَتَنَبَّأْتُ كَمَا أَمَرَني، فَدَخَلَ فِيهِمِ اَلرُّوحُ، فَحَيُوا وَقَامُوا ‏عَلَى أَقدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظيمٌ جِدّاً جِدّاً. ثُمَّ قَالَ لِي:  يَا اِبْنَ آدَمَ، ‏هَذِهِ اَلعِظَامُ هِيَ كُلُّ بَيتِ إِسْرَائِيلَ. هَا هُمْ يَقُولُونَ: يَبِسَتْ ‏عِظَامُنَا وَهَلَكَ رَجَاؤُنَا. قَدِ اِنْقَطَعْنَا. لِذَلِكَ تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: ‏هَكذَا قَالَ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ: هَئَنَذَا أَفتَحُ قُبُورَكُمْ وأُصْعِدُكُمْ مِنْ ‏قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا ‏اَلرَّبُّ عِنْدَ فَتْحِي قُبُورَكُمْ وَإِصْعَادِي إِيَّاكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي. وأَجْعَلُ رُوحِي فِيكُمْ فتَحْيُونَ، وَأَجْعَلُكُمْ فِي أَرْضِكُمْ، فَتَعْلَمُونَ ‏أَنِّي أنَا اَلربُّ تَكَلَّمْتُ وَأَفْعَلُ، يَقُولُ اَلرَّبُّ ] [ حزقيال 37: 9 – 14 ]…

وفى سفر دانيال:

[ وَكَثِيرُونَ مِنَ اَلرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ اَلأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ هَؤُلاَءِ إِلَى ‏اَلْحَيَاةِ اَلأَبَدِيَّةِ وَهَؤُلاَءِ إِلَى اَلْعَارِ لِلاِزْدِرَاءِ اَلأَبَدِيِّ ] [ دانيال 12: 2 ]…

حيث يبرز نوع من المقارنة بين ” نوم” الموت و” صحو” القيامة المرتقبة…

 

 

ب – موت الأبرار فى سفر الحكمة:

فى أسفار العهد القديم المتأخرة التى كتبت باليونانية فى مصر خلال ال 150 سنة السابقة لميلاد المسيح، خاصة فى سفرى الحكمة والمكابيين الثانى، يُبرز مظهر جديد لما سيحدث بعد الموت…

فيدخل سفر الحكمة فى التفاصيل إذ يبدأ مرحلة التفريق بين نوعين من الأموات، ويؤكّد أن الأبرار منهم لا يموتون إلا ” ظاهريا”…

ولأن حياتهم هى فى يدّ الله فإنهم يعيشون إلى الأبد…

 

[ أمََّا اَلْصِدَّيقُ فَإِنَّه وإنْ تَعَجَّلَهُ اَلمَوْتَ يَسْتَقِرَّ فِي اَلرَاحَةِ ] [ حكمة 4: 7 ]…

 

[ أَمَّا نُفُوسَ اَلصِدِّيقِين فَهِي بِيَدِ الله فَلا يَمُسّّهَا اَلْعَذَاب. وفِي ظَنْ اَلجُهَّالِ أَنَّهُمْ مَاتُو و قَدْ حُسِبَ خُرُوجُهُمْ شَقَاءً. وذِهَابُهم عَنا عطَبًا أمَّا هُمْ فَفِي اَلْسَلامِ. ومَعَ أنَّهُم قَدْ عُوقِبُوا فِي عُيُونِ اَلْنَاسِ فَرَجَاؤُهُم مَمْلُوءٌ خُلُودًا. وبَعْد تَأدِيبٍ يَسِيرٍ لَهُمْ ثَوَابٌ عَظِيمٌ لأنَّ الله إِمْتَحَنَهُمْ فَوَجَدَهُم أَهْلاً لَهُ.  مَحَّصّهُم كّالذّهَبِ فِي البّوْتَقَةِ وقَبِلَهُم كَذَبِيحَةٍ مُحْرَقَةٍ. فَهُمْ فِي وَقْتِ اِفْتِقَادِهِم يَتَلألأون ويَسْعُون سَعْيَ اَلشَرَارِ بَيْنَ اَلقَصَبِ. ويَدِينُونَ اَلأمَمِّ ويَتَسَلَّطُون عَلَى اَلشِعُوبِ ويَمْلُك رَبُّهُم إِلَى اَلأبَدِ. اَلمُتَوَكّلُون عَلَيْهِ سَيَفْهَمُون اَلحَقّ والأُمَنَاءِ فِي اَلمَحَبّةِ سَيُلازِمُونَه لأنَّ اَلنِعْمَة واَلرَحْمَةَ لِمُخْتَارِيه ] [ حكمة 3: 1 – 9 ]…

ويضيف:

[ لأنَّ رَجَاء اّلمُنَافِق كَغُبارِ تَذْهَبْ بِهِ اَلرِيحُ وَكَزَبَدِ رَقِيقٍ تُطَارِدَه اَلزَوْبَعَة وكَدُخَّانٍ تُبَدِّدَهُ اَلرِيحُ وَكَذِكَرٍ ضَيْفٍ نَزَلَ يَوْمًا ثُمّ إِرْتَحَلَ. أمّا اَلصِدّيقُون فَسَيَحْيُون إلَى الأبَدِ وَعِنَد اَلَربِّ ثَوَابُهُم و لَهُم عِنَايَة مِنْ لُدُنِ اَلعَلِيّ ] [ حكمة 5: 15، 16 ]…

 

ج – الحياة الأبدية فى العهد الجديد:

هذا الرجاء بالحياة الأبدية، الذى بدأ بالظهور فى العهد القديم، توطد وغدا أكيدًا عند مجئ السيد المسيح الذى هو أيضًا حياة العالم…

فى إنجيل [ يوحنا10: 27، 28 ]، يقول يسوع مستخدما عبارة ” يد الله” الكتابية:

[ خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي ] ….

ويؤكد قيامة المؤمنين حين يقول:

[ لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اَلّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي اَلْيَوْمِ الأَخِيرِ ] [ يوحنا 6: 40 ]…

و[ اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ] [ يوحنا 6: 47 ]…

و[ اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَرَى اَلْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ ] [ يوحنا 8: 51 ]…

ويلفتنا بشكل خاص قوله:

[ قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ اَلْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟ ] [ يوحنا 11: 25، 26 ]…

 

هذه النصوص كلّها تؤكد ما يلى:

 أن حياة الإنسان تستمر بعد الموت بقدر ما هى مرتبطة بالله. لذلك يقول لنا السيد فى الإنجيل:

[ وَلاَ تَخَافُوا مِنَ اَلَّذِينَ يَقْتُلُونَ اَلْجَسَدَ وَلَكِنَّ اَلنَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا بَلْ خَافُوا بِالْحَرِيِّ مِنَ اَلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ اَلنَّفْسَ وَاَلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّمَ. ] [ متى 10: 28 ]…

 

 الموت يحدث من جرّاء غياب الله. وحيث يوجد الله لا يوجد الموت. لذلك، فالنفس العطشى إلى الله تسعى دائما إلى العيش فى حضرته لا تموت لأن توْقها إلى الله يحفظها حية…

 

 الذى يعيش على هذه الأرض فى المسيح يستمر على هذه الحياة بعد موته. هذا ما يؤكده بقوة الرسول بولس إذ يقول:

[ لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اّلْلَّهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هَذِهِ أَيْضاً نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا اَلَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لاَبِسِينَ لاَ نُوجَدُ عُرَاةً. فَإِنَّنَا نَحْنُ اَلَّذِينَ فِي اَلْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ اَلْمَائِتُ مِنَ اَلْحَيَاةِ. وَلَكِنَّ اَلَّذِي صَنَعَنَا لِهَذَا عَيْنِهِ هُوَ اَلْلَّهُ، اَلَّذِي أَعْطَانَا أَيْضاً عَرْبُونَ الرُّوحِ. فَإِذاً نَحْنُ وَاثِقُونَ كُلَّ حِينٍ وَعَالِمُونَ أَنَّنَا وَنَحْنُ مُسْتَوْطِنُونَ فِي اَلْجسَدِ فَنَحْنُ مُتَغَرِّبُونَ عَنِ اَلرَّبِّ. لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعَيَانِ. فَنَثِقُ وَنُسَرُّ بِالأَوْلَى أَنْ نَتَغَرَّبَ عَنِ اَلْجَسَدِ وَنَسْتَوْطِنَ عِنْدَ اَلرَّبِّ ] [ 2 كورونثوس 5: 1 – 8 ]…

 

وجاء أيضًا قوله:

[ حَسَبَ اِنْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذَلِكَ اَلآنَ، يَتَعَظَّمُ اَلْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. لأَنَّ لِيَ اَلْحَيَاةَ هِيَ اَلْمَسِيحُ وَاَلْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَتِ اَلْحَيَاةُ فِي اَلْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحصُورٌ مِنْ اَلاِثْنَيْنِ: ليَ اِشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ اَلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً ] [ فيليبى 1: 20 – 23 ]…

 

 المسيح هو الحياة وواهبها. فالذى يعيش فى المسيح و [ حَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ اَلْمَسِيحِ فِي اَللهِ ] [ كولوسى 3: 3 ]، هذا يكون [ مَتَى اُظْهِرَ اَلْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً مَعَهُ فِي اَلْمَجْدِ  ] [ كولوسى 3: 4 ]…

 

د – ماذا عن الذين لم يعرفوا يسوع ولم يقبلوه؟:

يجيب بطرس الرسول قائلاً:

[ الَّذِي فِيهِ أَيْضاً ذَهَبَ فَكَرَزَ لِلأَرْوَاحِ الَّتِي فِي السِّجْنِ، إِذْ عَصَتْ قَدِيماً، حِينَ كَانَتْ أَنَاةُ اللهِ تَنْتَظِرُ مَرَّةً فِي أَيَّامِ نُوحٍ، إِذْ كَانَ الْفُلْكُ يُبْنَى، الَّذِي فِيهِ خَلَصَ قَلِيلُونَ، أَيْ ثَمَانِي أَنْفُسٍ بِالْمَاءِ. ] [ 1 بطرس 3: 19، 20 ]…

 

إن الذين ” تمردوا” على السيد والذين سوف يتمردون عليه هم، بعد الموت ” أرواح سجينة”، ويسكنون الهاوية”، ” مكان الهلاك” و” أرض النسيان”…

هذا ما تكلمت عنه المزامير وأشعياء النبى…

وفى مثل لعازر يشير يسوع نفسه وبعبارات رمزية إلى وضع هؤلاء المتمردين الحزين.

فيقول بأن الغنى قد مات ودفن، بينما هو فى ” الجحيم يقاسى العذاب”، رفع عينيه ورأى من بعيد غبراهيم ولعازر فى أحضانه، فصرخ قائلاً:

[ فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي اَلْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي اَلْعَذَابِ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ فَنَادَى: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ اِرْحَمْنِي وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَِعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هَذَا اَللهِيبِ.  ] [ لوقا 16: 23، 24 ]…

ثم يضيف السيد :

[ وَفَوْقَ هَذَا كُلِّهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ هُوَّةٌ عَظِيمَةٌ قَدْ أُثْبِتَتْ حَتَّى إِنَّ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْعُبُورَ مِنْ هَهُنَا إِلَيْكُمْ لاَ يَقْدِرُونَ وَلاَ اَلَّذِينَ مِنْ هُنَاكَ يَجْتَازُونَ إِلَيْنَا ] [ لوقا 16: 26 ]…

 

ولكننا نعلم أن السيد نفسه قال أن:

[ غَيْرُ اَلْمُسْتَطَاعِ عِنْدَ اَلنَّاسِ مُسْتَطَاعٌ عِنْدَ اَللهِ  ] [ لوقا 18: 27 ]…

ونعلم أن المسيح – الله المتجسد – لم ينزل من السماء إلى الأرض فقط بل نزل أيضًا إلى الجحيم وإلى الهاوية:

[ و { مَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ؟ } ( أَيْ لِيُصْعِدَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ ) ] [ رومية 10: 7 ]…

لكى يفتقد الإنسان وهو فى أقصى درجات تعاسته، ويسكر ” القيود الدهرية” ويحرّر الذين يتجاوبون مع محبته…

 

إذًا، بالقيامة تفقد المسيح الذين هم فى الجحيم لأنه ” وطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين فى القبور”…

وكل من يلقى بمصيره بين يدى المسيح ” أذكرنى يا رب متى أتيت فى ملكوتك”، يدخل فى لحظة مماته مع السيد إلى الفردوس:

[ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ اَلْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي اَلْفِرْدَوْسِ ] [ لوقا 23: 43 ]…

والفردوس هذا هو:

[ لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اّلْلَّهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ‏بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ] [ 2 كورونثوس 5: 1 ]…

وهناك يبقى بإنتظار فرح القيامة…

 

ه – صلاة:

وننهى هذا الفصل عن الموت بذكر الصلوات التى تدعونا الكنيسة إلى تلاوتها، وهى توجز ببلاغة تعليم الكنيسة عن غلبة السيد النهائية على الموت:

[ لقد قام المسيح من بين الأموات،

الذى هو مقدمة الراقدين وبكر الخليقة ومبدع كل المخلوقات.

وقد جدّد بذاته طبيعة جنسنا المنفسدة.

فلست تتسلّط فيما بعد أيها الموت لأن سيد الكلّ قد أبطل قوتك وحلّها ].

 


 

4 –

قيامة الموتى والحياة الأبدية

هل سيقوم الأموات بأجسادهم؟…

وهل القيامة هذه حقيقة واقعية أم هى ضرب من الخيال والوهم عفا الزمان على القول بها؟…

 

بادئ ذى بدء نورد بعض النصوص الكتابية التى تلقى الضوء على موضوعنا هذا…

وسنجدها تدعّم فكرة القيامة الفعلية للأموات…

وتجب الملاحظة فى هذا المجال أن آراءنا الشخصية وتأويلاتنا لا قيمة حققبة لها…

فالقيمة كلّ القيمة لما أعلنه الله عن هذا السرّ…

والروح القدس هو دون سائر الأرواح قائدنا إلى الحققة…

والكتاب المقدس يؤكد على ذلك ويحذرنا من محاولة الإتصال بالأرواح كائنة ما كانت:

[ لاَ تَلْتَفِتُوا إِلَى اَلْجَانِّ وَلاَ تَطْلُبُوا اَلتَّوَابِعَ فَتَتَنَجَّسُوا ‏بِهِمْ. أَنَا اَلرَّبُّ إِلَهُكُمْ ] [ لاويين 19: 31 ]…

ونجد أيضًا فى:

[ مَتَى دَخَلتَ اَلأَرْضَ اَلتِي يُعْطِيكَ اَلرَّبُّ إِلهُكَ لا تَتَعَلمْ أَنْ تَفْعَل مِثْل ‏رِجْسِ أُولئِكَ اَلأُمَمِ.لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ اِبْنَهُ واِبْنَتَهُ فِي اَلنَّارِ ‏وَلا مَنْ يَعْرُفُ عِرَافَةً وَلا عَائِفٌ وَلا مُتَفَائِلٌ وَلا سَاحِرٌ. وَلا مَنْ ‏يَرْقِي رُقْيَةً وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّ وتَابِعَةً وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ اَلمَوْتَى. لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ اَلرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ اَلأَرْجَاسِ ‏اَلرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ ] [ تثنية 18: 9 – 12 ]…

 

أ – فى العهد القديم :

 عندما أعلن الرسول بطرس قيامة المسيح [ أعمال 2: 26 – 28 ]، استشهد بنص المزمور قائلاً:

[ لِذَلِكَ فَرِحَ قَلْبِي وَاِبْتَهَجَتْ رُوحِي. جَسَدِي أَيْضاً يَسْكُنُ مُطْمَئِنّاً. لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي اَلْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً. تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ اَلْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى اَلأَبَدِ ] [ مزمور 16: 9 – 11 ]…

بطرس، إذً، يترجّى القيامة، قيامة الأجساد بالفعل، وليس نوعا من قيامة الأرواح فقط، كما كانت تعلم فى المدارس الفلسفية…

 

 أشعياء سبق وتكلّم عن نفسه قائلاً:

[ تَحْيَا أَمْوَاتُكَ. تَقُومُ اَلْجُثَثُ. اِسْتَيْقِظُوا. تَرَنَّمُوا يَا سُكَّانَ اَلتُّرَابِ. ‏لأَنَّ طَلَّكَ طَلُّ أَعْشَابٍ وَاَلأَرْضُ تُسْقِطُ اَلأَخْيِلَةَ ] [ أشعياء 26: 19 ]…

 

 وفى سفر أيوب نجد الإيمان نفسه بالقيامة بالجسد إذ يؤكد أنه سوف يرى الله بأعين الجسد:

[ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ وَاَلآخِرَ عَلَى اَلأَرْضِ يَقُومُ وَبَعْدَ ‏أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هَذَا وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اَللهَ. الَّذِي أَرَاهُ أَنَا ‏لِنَفْسِي وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذَلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي ‏جَوْفِي ] [ أيوب 19: 25 – 27 ]…

 

 وهنا لا بد من إثبات نبوءة حزقيال التى تتلى فى خدمة صلاة السحر للسبت العظيم المقدس وهى ما يسمّى بجناز المسيح وتقام عادة مساء يوم الجمعة . هذه النبوءة تعطى صورة واضحة ومؤثرة لقيامة الأجساد:

[ كَانَتْ عَلَيَّ يَدُ الرَّبِّ فَأَخْرَجَني بِرُوحِ اَلرَّبِّ وَأَنْزَلَنِي فِي وَسَطِ ‏اَلْبُقْعَةِ، وَهِيَ مَلآنَةٌ عِظَاماً. وَأَمَرَّنِي عَلَيْهَا مِنْ حَوْلِهَا وَإِذَا هِيَ ‏كَثِيرَةٌ جِدّاً عَلَى وَجْهِ اَلْبُقْعَةِ، وَإِذَا هِيَ يَابِسَةٌ جِدّاً. فَقَالَ لِي: [ ‏يَا اِبْنَ آدَمَ، أَتَحْيَا هَذِهِ اَلْعِظَامُ؟  فَقُلْتُ: [ يَا سَيِّدُ اَلرَّبُّ أَنْتَ ‏تَعْلَمُ . فَقَالَ لِي: [ تَنَبَّأْ عَلَى هَذِهِ اَلْعِظَامِ وَقُلْ لَهَا: أَيَّتُهَا اَلْعِظَامُ ‏اَلْيَابِسَةُ، اِسْمَعِي كَلِمَةَ اَلرَّبِّ. هَكذَا قَالَ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ لِهَذِهِ ‏اَلْعِظَامِ: هَئَنَذَا أُدْخِلُ فِيكُمْ رُوحاً فَتَحْيُونَ. وَأَضَعُ عَلَيْكُمْ عَصَباً ‏وأَكْسِيكُمْ لَحْماً وَأَبْسُطُ عَلَيْكُمْ جِلْداً وَأَجْعَلُ فِيكُمْ رُوحاً فَتَحْيُونَ ‏وَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا اَلرَّبُّ ]. فَتَنَبَّأْتُ كمَا أُمِرتُ. وَبَيْنَمَا أَنَا أَتنَبَّأُ كَانَ ‏صَوْتٌ وَإِذَا رَعْشٌ فَتَقَارَبَتِ اَلْعِظَامُ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى عَظْمِهِ. ونَظَرْتُ ‏وَإِذَا بِاَلْعَصَبِ وَاَللَّحْمِ كَسَاهَ، وبُسِطَ اَلْجِلْدُ علَيْهَا مِنْ فَوْقُ، ‏وَلَيْسَ فِيهَا رُوحٌ. فَقَالَ لِي: [ تَنَبَّأْ لِلرُّوحِ، تَنَبَّأْ يَا اِبْنَ آدَمَ، وَقُلْ ‏لِلرُّوحِ: هَكذَا قَالَ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ: هَلُمَّ يَا رُوحُ مِنَ اَلرِّيَاحِ اَلأَرْبَعِ وَهُبَّ ‏عَلَى هَؤُلاَءِ اَلْقَتْلَى لِيَحْيُوا. فَتَنَبَّأْتُ كَمَا أَمَرَني، فَدَخَلَ فِيهِمِ ‏اَلرُّوحُ، فَحَيُوا وَقَامُوا عَلَى أَقدَامِهِمْ جَيْشٌ عَظيمٌ جِدّاً جِدّاً. ثُمَّ ‏قَالَ لِي: [ يَا اِبْنَ آدَمَ، هَذِهِ اَلعِظَامُ هِيَ كُلُّ بَيتِ إِسْرَائِيلَ. هَا ‏هُمْ يَقُولُونَ: يَبِسَتْ عِظَامُنَا وَهَلَكَ رَجَاؤُنَا. قَدِ اِنْقَطَعْنَا. لِذَلِكَ ‏تَنَبَّأْ وَقُلْ لَهُمْ: هَكذَا قَالَ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ: هَئَنَذَا أَفتَحُ قُبُورَكُمْ ‏وأُصْعِدُكُمْ مِنْ قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي وَآتِي بِكُمْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا اَلرَّبُّ عِنْدَ فَتْحِي قُبُورَكُمْ وَإِصْعَادِي إِيَّاكُمْ مِنْ ‏قُبُورِكُمْ يَا شَعْبِي. وأَجْعَلُ رُوحِي فِيكُمْ فتَحْيُونَ، وَأَجْعَلُكُمْ فِي ‏أَرْضِكُمْ، فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أنَا اَلرَّبُّ تَكَلَّمْتُ وَأَفْعَلُ، يَقُولُ اَلرَّبُّ ] [ حزقيال 37: 1 – 14 ]… 

 

ب – فى العهد الجديد:

ولنأت الآن إلى العهد الجديد. نجد أن شهادة بطرس الرسول التى ذكرناها تعتمد أيضًا كلام يسوع نفسه إذ أكد رجاء القيامة فقال:

[ اَلْحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآن حِينَ يَسْمَعُ الأمْوَاتُ صَوْتَ ابنِ اللَهِ وَالسَامِعُونَ يَحْيَوْنَ. لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآب لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ كَذَلِكَ أَعْطَى الاِبْنَ أَيْضاً أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ وَأَعْطَاهُ سُلْطَاناً أَنْ يَدِينَ أَيْضاً لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ.  لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ  فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ ] [ يوحنا 5: 25 – 29 ]…

 

هذا هو النص الإنجيلى الذى يُقرأ فى صلاة الجناز…

وأمّا نصّ الرسالة فهو للقديس بولس:

[ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ اَلْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي اَلسُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ اَلرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ اَلرَّبِّ.  لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِهَذَا اَلْكَلاَمِ. ] [ 1 تسالونيكى 4: 13 – 18 ]…

 

كلّ النصوص التى ذكرناها، الواضحة والموافقة فيما بينها، تبين أن الإعلان الإلهى تكلّم عن قيامة للموتى فى أجسادهم وقد علق على ذلك القديس إيريناوس، اسقف ليون 170 م، مجيبا عن تساؤلات المشككين:

{ إن لم يخلص المسيح الجسد بالقيامة فذلك يعنى أنه لم يخلّص الإنسان أبدًا. فهل رأى أحد إنسانا بدون جسد؟…}…

 

التمييز بين روح الإنسان وجسده تمييز مصطنع…

والله إفتقد الإنسان كما هو روحا وجسدًا…

ومن أجل هذا الإنسان تجسّد المسيح وأخذ جسدًا، ثم مات وقام وجلس مع الطبيعة الإنسانية التى تبنى إلى يمين الآب داعيا إليه الذين آمنوا به، والذيم يسلّمون أمورهم وحياتهم للروح القدس ليسكن فى هياكل أجسادهم ويحوّلها إلى آنية صاحة لإقتبال الحياة الأبدية…

والحياة الأبدية هى ” أن يعرفوك أيها الآب القدوس” …

وتعطى لمن يؤمن بالآب ويتقبّل الروح القدس [ يوحنا 6: 40، 47 و8: 51 و11: 25، 26 ]…

وبهذا الصدد يقول الرسول بولس:

[ وَإِنْ كَانَ اَلْمَسِيحُ فِيكُمْ فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ اَلْخَطِيَّةِ وَأَمَّا اَلرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ اَلْبِرِّ ] [ رومية 8: 10 ]…

وكذلك:

[ وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: { ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ }. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. إِذاً يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ كُونُوا رَاسِخِينَ غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ ] [ 1 كورونثوس 15: 54 – 57 ]…

 

والآن لا بدّ من طرح السؤال:

هل يتمكّن الإنسان منذ الآن – أى فى حياته الأرضية – أن ينعم بسكنى الله فيه وأن يذوق حلاوة عشرة الله؟…

 

للإجابة عن هذا السؤال رأينا أن ننطلق من سرد حادثة واقعية حصلت للقديس الروسى سيرافيم ساروفسكى ( 1759 – 1833 ) مع صديق له باسم موتوفيلوف، ثم نتبعها بدراسة أعدّها الأب كاليستوس وير الإنجليزى والأستاذ فى جامعة أكسفورد وهو من أصل أنجليكانى إهتدى إلى الأرثوذكسية…

 


 

5 –

تجلى الجسد

    

أ – الحوار مع موتوفيلوف:

فى إحدى ليالى الشتاء كان القديس سيرافيم ونقولا موتوفيلوف يتحدّثان فى الغابة. كانا يتكلمان عن هدف الحياة المسيحيةالحقيقية. قال سيرافيم جازما:

” إنه إمتلاك الروح القدس”…

فسأل موتوفيلوف:

” وكيف يمكن أن أتأكد أنى فى الروح القدس؟”…

 

وقد جرى عندئذ بينهما الحوار التالى كما جاء على لسان موتوفيلوف”

” عندئذ شدّ سيرافيم كتفى بيديه وقال: يا بنى! كلاا فى هذه اللحظة فى روح الله. لماذا لا تتطلع إلى وجههى؟…

 لا أستطيع. عيناك تلمعان بأشعة البرق الخاطف ووجهك يوج بنور أقوى من نور الشمس. تؤلمنى عيناى إذا حدقتا فى عينيك…

 لا تخف ! فى هذه اللحظة بالذات يغمرك شعاع كالذى يغمرنى. إنك مثلى الآن. إنك ممتلئ أيضا من روح الله…

 

ثم أدار رأسه وقرّبه من أذنى وتمتم فيها كلمات فيها نعومة السحر: أشكر الرب الإله على صلاحه معنا. إن صلاحه لا نهاية له. لكن لماذا لا تنظر إلىّ؟ حدّق ! لا تخف فالله معنا…

 

بعد هذه الكلمات، إرتمت أنظارى فوق وجهه. شعرت خشية عظيمة قد تملكتنى. تصوّروا وجه، تصوّروا الشمس، تصوّروا قلب الشمس، تصوّروا الأشعة الخاطفة، تجدون أنفسكم أمام هذا الإنسان. تصوّروا هذا الوجه وهو يخاطبكم. إنك ترى حركات شفتيه وتلحظ تعابير عينيه المتتابعة كأنها الموج، وتشعر بأن هناك من يشد كتفيك بيديه. إلا أنك، لن ترى، لا يديه، ولا جسمه. إنك لا ترى إلا نورًا يكتنفك ويمتد بعيدًا عنك ويغمر بضيائه الثلوج المبسوطة فوق أشجار الغابة، فينعكس ضياء على الرشوحات الثلجية المتساقطة بإستمرار”…

 

الحوار يستمر. يسأل سيرافيم موتوفيلوف عن الشعور الذى يعانيه فى داخله، فيجيبه، ويعلّق أن حالة الذهول كانت بعد بعيدة عنهما. كلاهما كانا بعد على إرتباط بالعالم الخارجى. ما فتئ موتوفيلوف يشعر بوجود الثلج ويشعر بالغاب، وحديثهما كان مترابطا. حتى هذه اللحظة كان يلفهما نور يخطف الأبصار….

ماذا حصل لهما؟…

 

ب – مغزى الحادثة:

” نور يخطف الأبصار”…

إن لاهوت الكنيسة الأورثوذكسية الصوفى أوضح أن الضياء الذى ينبعث من وجه سيرافيم وموتوفيلوف ما هو إلا قوى الله غير المخلوقة. النور الذى يلفهما هو النور الإلهى نفسه الذى غمر السيد لمّا تجلّى على جبل ثابور…

” فى عينيك خطف البرق، وفى وجهك ضياء أين منه ضياء الشمس”. كلمات موتوفيلوف هذه تحمل إلى ذاكرتنا الآية الإنجيلية:

[  وَأَمَّا هذَا اَلْجِنْسُ فَلاَ يَخْرُجُ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَاَلصَّوْمِ  ] [ متى 17: 21 ]…

كما تجلّى المسيح فوق جبل ثابور كذلك تجلّى عبد المسيح سيرافيم فى غاب ساروف…

سيرافيم وموتوفيلوف تجلّيا من مجد إلى مجد حسب تعبير الرسول:

[ وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ وفِعْلٍ، فَاعْمَلُوا اَلْكُلَّ بِاسْمِ اَلرَّبِّ يَسُوعَ، شَاكِرِينَ اَللهَ وَاَلآبَ بِهِ. أَيَّتُهَا اَلنِّسَاءُ، إِخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا يَلِيقُ فِي اَلرَّبِّ ] [ كولوسى 3: 17، 18 ]…

 

إن ” الهادئين” ( Hésychastes  ) – وهم أتباع مدلاسة روحية واسعة الإنتشار فى الشرق المسيحى تشدّد على الصلاة المستديمة كأداة للعيش الدائم فى حضرة الله – وخاصة القديسين سمعان اللاهوتى ( 917 – 1022 ) وغريغوريوس بالماس ( 1296 – 1359 ) يكررون الكلام عن نور إلهى واقعى ويعتبرونه ذروة وقمة الحياة فى الصلاة. لا توجد فى حالة سيرافيم رؤيا منظورة بأعين الروح الداخلية. إنه نور طبيعى يُنظر بعينى الجسد خارجيًا…

 

أيمكن أن تعتبر حالة سيرافيم شيئًا عارضًا فريدًا يمكن تنحيته ووضعه جانبا؟…

أيمكن أن يكون حدثا وحدثا غير عادى خارقا وعجيبا؟…

هذا النوع من التفسير يحمل كثيرًا من الأخطاء ويُعتبر معامرة…

 

يُروى عن قديس روسى آخر سرجيوس رادونيج ( 1314 – 1392 ) أن العطر كان يفوح من جسده بعد موته وأن النور كان يغمر وجهه وأن وجهه لم يكن يشبه وجه الأموات بل وجه الأحياء، وقد برهنت الحياة المائجة فوق وجهه على عالم نفسه النقى…

مثل هذه الأمثلة تنقلنا دائما إلى حقيقة التجلّى كحدث وقع فى الزمان والمكان: ” وصارت ثيابه بيضاء كالثلج”…

 

عودة إلى الوراء، عودة إلى آباء الصحراء، نجد أن هناك حالات كثيرة مشابهة…

فى كتاب أقوال الرهبان وصف لموت الأنبا سيسويس. يقول الكتاب:

” عندما كان تلاميذه يحيطون به، وهو على فراش الموت، كان وجهه يشع كالشمس وكان الضياء يزداد تألقا ويغمر جسده حتى فارق الحياة، إذ ذاك، صار النور برقا خاطفا وإمتلأ البيت من رائحة الطيب”…

 

فى بعض الأحيان يتكلّم كتاب الأقوال عن النار أكثر مما يتكلم عن النور. إقترب أحد تلاميذ البار أرسانيوس الكبير منه بصورة عفوية فوجده قائما يصلى وقد ظهر له الشيخ وكانه وسط نار. ويُروى مثل هذا عن كثيرين من الآباء…

 

إن فكرة التجلّى مع أنها غير واضحة ويكتنفها شئ من الغموض إلا أن حقيقتها تبقى قائمة. فى بعض الأحيان تظهر القوى الإلهية غير المخلوقة بشكل ألسنة نارية كما فى يوم الخمسين وبشكل نور كما حصل على جبل ثابور وفى طريق دمشق مع الرسول بولس…

إن تكلمنا عن النار والنور فالحقيقة هى هى لا تتغيّر…

 

لم يُحصر هذا التمجيد الجسدى فى الكنيسة الأرثوذكسية…

لقد عرفته الكنيسة الغربية قديما وفى حالات كثيرة مماثلة…

إنه نتيجة لحرارة الشركة مع الله، لحرارة الصلاة العميقة لله..

هذا النوع من الصلاة الحارة يعطى إشعاعا للجسد فائق الطبيعة ويكون سبيلاً إلى التجلّى الجسدى…

نرى هذا التجلّى الجسدى فى حياة القديسة تيريزا، والقديسة كاترينا بولونيا وكاترينا جنوا…

 

كما أن جراحات القديس فرنسيس الأسيزى فوق جبل المبارنو هى إمتداد لصليب المسيح فى أحد أعضاء جسده السرى:

[ الَّذِي الآنَ افْرَحُ فِي الاَمِي لأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لأَجْلِ جَسَدِهِ: الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ ] [ كولوسى 1: 24 ]…

 

ماهو المعنى اللاهوتى لهذا التمجيد الجسدى الذى ظهر فى قديسين من الشرق والغرب؟…

وراء هذه الأمثلة توجد نقطتان لهما معنى أساسى…

 

أولاً: التجلى فى كلتا الحالتين، حالة تجلّى الرب وحالة تجلّى قديسيه، يؤكّد أهمية الجسد الإنسانى فى اللاهوت المسيحى. عندما تجلّى المسيح على جبل ثابور ظهر مجده فى جسده وعن طريق هذا الجسد. رأى التلاميذ بأعينهم الجسدية:

[ فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً ] [ كولوسى 2: 9 ]…

كما أن مجد المسيح لم يكن داخليًا فقط بلّ ماديًا وجسديًا كذلك كان مجد قديسيه…

إن تجليهم يؤكد أن تقديس الإنسان ليس أمرًا يستهدف الروح فقط بل أمرًا يشمل الجسد أيضا، أى الإنسان روحا وجسدًا…

 

ثانيا: التجلى فى كلتا الحالتين، فى تجلّى المسيح وفى تجلّى قديسيه، حدث أخروى. إنه سبق مذاق وعربون الحضور الثانى. وتمجيد جسد القديسين يرمز بطريقة حية إلى منزلة المسيحى، ويشير كيف أن المسيحى هو فى ” العالم وأنه ليس من العالم”. وأنه قائم فى نقطة الفصل بين الجيل الحاضر والمستقبل ويعيش فى الجيلين معا. الأزمنة الأخيرة ليست حدثا إستقباليا فقط. لقد إبتدأت بالفعل…

 

ج – الجسد واسطة لتمجيد الله :

إن بلاديوس ( 363 – 430 )، فى رحلته الأولى إلى مصر عاش مع شيخ ناسك اسمه دوروثيوس وكان هذا ينقل الحجارة طول النهار تحت أشعة الشمس المحرقة، لبناء القلالى. إحتج بلاديوس على عمل الشيخ وقال له:” ما هذا الذى تفعله طول النهار تحت أشعة الشمس الكاوية وأنت فى هذه السن؟ إنك تقتل نفسك”…

فأجابه دورثيوس ساخرًا:” يا بنى يجب أن أقتل هذا الجسد قبل أن يقتلنى”…

هذا القول يتعارض تماما مع قول بيمين أحد أباء الصحراء:” نحن لم نتعلّم قتل الجسد بلّ قتل الأهواء”…

 

وراء هذين القولين الموجزين توجد، بعد التدقيق، طريقتان مختلفان فى النظرة إلى الإنسان…

الطريقة الأولى طريقة أفلاطونية أكثر مما هى مسيحية…

والثانية مسيحية حقيقية ترتكز على الكتاب المقدس…

وراء هاتين الطريقتين المختلفتين فى النظرة إلى الإنسان نظرتان مختلفتان عن الخليقة…

النظرة الأفلاطونية عن الخليقة تقول بأزلية المادة. ليست المادة شيئًا خلقه الله من العدم بل شيئًا سبق وأن كان موجودًا، ومع أن الله يستطيع أن يعطى للمادة شكلاً وترتيبًا إلا أنها تبقى فى نهاية المطاف شيئًا خارج الله، مبدأ مستقلاً عن الله…

أما الكتاب المقدس فلا يقبل بأيّة فكرة تقول بمبدأين…

المادة حسب التفكير الكتابى ليست مستقلّة عن الله ولا مساوية له فى البدء، إنها ككل الكائنات الهيولية خلقة من خلقته إذ:

[ ِفي اَلْبَدْءِ خَلَقَ اَللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ… وَرَأَى اَللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً ] [ تكوين 1: 1، 31 ]…

 

مقابل هاتين الفكرتين عن الخليقة نجد نظرتين مختلفتين فى علم الإنسان ( الأنثروبولوجيا ). ينظر أفلاطون ( ومثله أكثر الفلاسفة اليونانيين ) إلى الإنسان نظرة ثنائية ويعالجه على هذا الأساس. يعتبر النفس إلهية أمّا الجسد فينظر إليه كسجن وكنبع للمآثم. الإنسان عقل سجين فى جسد ترابى يخفق إلى الحرية. الجسد قبر. وهدف الفيلسوف هو أن يبقى بعيدًا عن كلّ ما هو مادى…

هناك من ينظر إلى الجسد نظرة معتدلة فيعتبرونه وشاحا لا بدّ للإنسان إلا وأن ينعتق ( فيثاغورث )…

وهناك من ينظر إليه نظرة صارمة قاسية: ” أنك يا نفس فقيرة تحملين جثة” ( مرقس أوريليوس )…

 

إن الكتاب المقدّس يدعو إلى نظرة إلى الإنسان تقوم على الوحدانية لا الثنائية كما هو الحال فى الفلسفة اليونانية…

ليس الإنسان سجينا فى الجسد إنه وحدة جسد وروح…

إنه كلّ روح جسدى…

قال أفلاطون ” الروح هى الإنسان”…

أمّا الكنيسة فترد قائلة الروح ليست كل الإنسان. روحى ليست أنا…

عندما خلق الله، عندما خلق الثالوث الأقدس الإنسان على صورته خلق كيانا كاملاً، خلق الروح والجسد معا…

وعندما أتى الله إلى الأرض ليخلص الإنسان لم يأخذ نفسًا بشرية فقط بلّ جسدًا بشريا أيضًا لأن إرادته كانت، وهى، تخليص كل الإنسان، جسده وروحه…

 

فى الواقع أن الجسد كما نعرفه ثقل…

إنه شئ يسبب لنا التعب والشقاء وعذاب الولادة…

إنه كما نعرفه فعلاً نبع لكل الأهواء الخاطئة وهذه كلها نتيجة للسقطة…

بعد السقطة لم بيق الجسد البشرى على حالته الطبيعية بلّ صار إلى حالة مضادة للطبيعة…

لا شك أن الجسد والروح سينفصلان وهذا الإنفصال إنفصال مؤقت ما دام المسيحيون يترجّون قيامة الجسد وفى القيامة سيعود الإتحاد مرة أخرى…

ليس الجسد قبرًا ولا سجنا بلّ قسم جوهرى من الإنسان…

 

إن الجسد فى نظر الرسول بولس ليس عدوًا تجب محاربته وسحقه بلّ سبيلاً يمكن الإنسان أن يمجّد به خالقه:

[ أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلروحِ اَلْقُدُسِ اَلَّذِي فِيكُمُ اَلّذِي لَكُمْ مِنَ اَللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ ] [ 1 كورونثوس 6: 19 ]…

[  فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا اَلإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اَللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اَللهِ عِبَادَتَكُمُ اَلْعَقْلِيَّةَ ] [ رومية 12: 1 ]…

 

الإرتباط الجوهرى بين النفس والجسد، خلاصهما المشترك هو فكر واضح جدًا عند القديس إيريناوس:

” بيدىّ الله أى بالابن والروح القتدس خُلق الإنسان على شبه الله. أقول الإنسان كله لا قسمًا منه فقط خُلق على صورة الله. النفس والجسد معا يشكلان الإنسان بقسميه، لا الإنسان بحد ذاته. لأن الإنسان ككل هو مزج ووحدة النفس  بالجسد “…

 

إن صورة الله، حسب قول إيريناوس، ليس ينحصر بالعقل بلّ شيئًا يتناول الجسد الإنسانى. يعالج هذه الناحية يوستينوس الفيلسوف فى بحثه عن القيامة فيقول:

” من الواضح، إذًا، أن الإنسان المخلوق على صورة الله هو جسدى. أليس القول: إن لا قيمة للجسد المخلوق على صورة الله ولا شرف له قول غير صحيح ومشين؟…

فهل الإنسان روحا فقط؟. كلا!.إنها روح الإنسان…

أيمكن أن يكون الإنسان جسدًا فقط؟ . كلا!. إنه جسد الإنسان…

الإنسان هو وحدة من الإثنين…

لو أخذ الإنسان بقسمه الواحد دون الآخر، لكان حياديًا”…

 

فى عبارته ” نثبت إستنادًا إلى طبيعة الإنسان الكتابية أن الإنسان سمّى إنسانا لا لأنه ذو نفس فقط وجسد فقط، بل لأنه وحدة من النفس والجسد ومن الناحيتين خُلق على صورة الله ومثاله”…

 

بدلاً من أن يستغل الكتبة المسيحيون النتائج التى يكتسبها الجسد والمادة من خلقة الإنسان على صورة الله وقعوا فى نوع من الملائكية وإعتبروا الجسد كعائق ومانع، كشئ لا علاقة له بالحياة الروحية، كشئ خارجى عن طبيعة الإنسان الحقيقية وأوحوا أن هدف حياة الإنسان هو أن يتحرّر من ربط المادة وأن يحيا حياة روح بدون جسد…

 

هذه النظرة لا تأخذ بعين الإعتبار الفرق الجوهرى بين الإنسان والملائكة.

خلق الله الملائكة أرواحا خالصة، أما الإنسان فقد أعطاه جسدًا تماما كما أعطاه روحا وهذان يشكلان وحدة جوهرية…

خلق الله الإنسان بجسد ومن الكبرياء والجنون الفاضح أن يحاول الإنسان أن يخلع عنه جسده ويصبح ملاكا…

كما يقول باسكال:

” ليس الإنسان ملاكا ولا حيوانا. من يريد أن يكون الملاك يكون الحيوان “…

لا يجوز أن يتجاهل الإنسان، ولا أن يحاول أن يتجاوز الطبيعة المادية بل عليه أن يفتخر بجسده وأن يستعمله كأشرف هدية من الله…

يعتقد الكثيرون أن الإنسان دون الملاك لأنه يملك جسدًا…

الملاك لا يملك إلا روحا والإنسان يملك روحا وجسدًا…

يقول غريغوريوس بالماس: ” إن الإنسان هو فوق الملاك لأنه يملك جسدًا”…

الإنسان حد وسط بين المادى واللامادى، إنه يشترك فى العالمين، لذلك يشكّل جسرًا ونقطة تماس لكل الخليقة الإلهية…

 

 كل هذا وأمور أخرى كثيرة تقوم وراء سرّ التجلّى، وراء إتساع هذا السرّ فى أعضاء الكنيسة…

يقول أسقف فاستكوت: ” إن التجلّى هو مقياس إمكانات الإنسان، هو كشف قدرة الحياة الأرضية الروحية فى أسمى أشكالها الخارجية. إن تجلّى المسيح وتجلّى قديسيه يبرهن لنا عن مقياس إمكانات الإنسان ويُظهر لنا الجسد الإنسانى كما خلقه الله فى البدء وما هو مؤهل ليصبحه بنعمته وإرادتنا. التجلّى يكشف روحانية طبيعتنا المادية الخاطئة، نرى الجسد الإنسانى فى حالته النهائية عندما يصبح جسدًا روحيا. إن تجلّى  الأجساد مظهر مدرك فقط ضمن إطار أنتربولوجيا تقبل بإمكانات الجسد الإنسانى الروحية وترفض بقوة كل شكل من أشكال الثنائية الأفلاطونية”…

 

فلنا أن نرى فى التجلّى الجسد البشرى كما خلقه الله فى البدء…

مجد يسوع المسيح فوق جبل ثابور ليس مجدًا أخريا فحسب بل حدثا يشير إلى طبيعة الإنسان فى البدء قبل أن تدميرها الخطيئة…

ولذلك نرتل فى عيد التجلّى:

أيها المسيح المخلص لقد جعلت طبيعة آدم المظلمة تزهو بتجلّيك معيدًا عنصرها إلى مجد وبهاء لاهوتك…

 

إن تجلّى جسد يسوع المجيد على جبل ثابور يكشف ” جمال الصورة الإلهية” ويُظهر لنا كيف كانت طبيعتنا الإنسانية لو لم تتلوّث بخطيئة آدم ويوضح لنا ما تستطيعه وما يجب أن تصيره طبيعتنا البشرية…

 

فى حياة القديسين الذين لم يتمجدوا جسديًا كما تمجد سيرافيم، يمكننا أن نلحظ بطريقة معدلة التعليم نفسه عن الجسد البشرى…

سنعرض بعض الأمثلة من المتحدين القدامى …

بين النساك القدماء فى الصحراء قد نجد ثنائية خاطئة بسبب صرامة الحياة الفائقة القياس وقد نصادف فى أكثر الأحيان العكس…

عندما خرج القديس أنطونيوس ( 251 – 356 ) من برجه الصحراوى حيث عاش متوحدًا مدة عشرين عاما ( كما ذكر أثناسيوس الرسولى ) تعجّب الناس عندما رأوا جسده على حاله، ما أرهقته الصيامات ولا هدته صراعاته مع الشياطين. كان منتصب القامة كمسير بالمنطق وكعائش حسب الطبيعة، لا أثر لأى ثنائية فيه…

كان أنطونيوس فى حالة طبيعية، إنه فى حياة حسب الطبيعة، لم يغيّر جسده الحياة الصارمة…

يظهر ان الناسك الذى ينشد الحياة التى قبل الخطيئة يستهدفها نفسًا وجسدًا…

فى كتابه ” حياة أنطونيوس” يُبرز أثناسيوس الرسولى حفاظ الناسك أنطونيوس على جسده بصورة تثير الإنتباه:

” ومع إنه عاش مئة وخمس سنين فقد بقى محافظا على نظره وأسنانه كاملة وبقيت يداه ورجلاه قويتين”…

 

هناك فى مصر رعية من النساك معروفة عندنا، كانت أجساد متوحديها فى حالة صحية جيدة كالقديس أنطونيوس ولم يمرض أحد منهم قبل موته…

عندما كانت تحضرهم ساعة المنية كان المتوحد منهم يستعد ويخبر إخوته ثم يضطجع وينام نومته الأخيرة…

لم يكن مرض قبل الخطيئة…

هذا ما يحدث أيضًا فى بعض الأحيان مع أولئك الذين حصلوا بقداستهم على الحالة الفردوسية…

إنهم يتحررون من الأمراض…

 

يكتب يوحنا السلمى ( 579 – 649 ) عن هذا الموضوع فى سلمه المشهور ويشرح فى آخر الدرجة الثلاثين من السلّم موضوع التجلّى…

يتكلم عن تجلّى الجسد فيقول: ” عندما يبتهج القلب بمحبة الله يبتهج وجهه ويُشرق. إذًا، عندما يندمج الإنسان كليًا بالمحبة الإلهية يكتسب الوجه نقاوة ونورًا ويصبح مرآة مشعّة تعبّر عن الأنوار الداخلية القائمة فى أعماق النفس. بهذا البهاء شعّ موسى ولمع لونه”…

ثم يتابع :” أولئك الذين يصلون إلى عمل المحبة الملائكى كثيرًا ما يسهون عن تذوق لذة الطعام. إنى أعتقد أن الذين حازوا على هذه المحبة الإلهية شابهوا الملائكة فكأنهم خالدون لا تمرض أجسامهم بسهولة، وصارت غير فانية وخالدة نقتها لهب المحبة الإلهية النقية”…

 

يمكن للجسد الإنسانى حتى فى الحياة الحاضرة وفى حالات معيّنة أن يحقق ضمن حدود معيّنه عدم الفساد الذى كان لآدم قبل السقطة والذى هو نصيب كل الأبرار بعد قيامة الجسد…

 هذا يساعدنا لنفهم كيف تبقى أجساد القديسن غير فانية بعد الموت فى بعض الأحيان…

 

د – مجد القيامة الأخير:

إن تجلّى ربنا وإلهنا يجيبنا على السؤال التالى:

كيف أن كثيرًا من القديسين لا يرى جسدهم فسادًا؟…

مرة، ومرة واحدة فقط، أثناء حياة المسيح على الأرض، ظهر المسيح لتلاميذه متجلّيًا بالنور الإلهى وللحظة…

هذا لا يعنى أن طبيعة الرب البشرية قبلت شيئًا لم يكن فيها من قبل ثم فقدته. بالعكس لم يكن المجد الذى شعّ فى يسوع على جبل ثابور مجدًا فوق العادة بل شيئًا كان يملكه دائما إلا أنه بحركة إخلاء ذات إرادية أخفى هذا المجد لظروف أخرى…

فى حضوره الثانى سيأتى الرب بمجدٍ وقوة، والبشر سينظرون جسده كما هو فى الواقع بكل جماله وعظمته. وأيضا قديسيه، عندما يقوم الأموات فى اليوم الأخير، سيظهرون ممجدين جسديًا وروحيًا…

 

التجلّى هو، إذًا، حقيقة أخروية، أى رجاء مجئ المسيح الثانى، عندما يظهر أيضًا بمجده كما ظهر فى ثابور ويرمز إلى قيامة الموتى، عندما يخترق النور الإلهى ذاته الذى شعّ فى جسد يسوع فوق جبل ثابور أجساد القديسين الناهضين من القبر.

يقول غريغوريوس الناطق بالإلهيات:

” أيعلن بالتجلى غير مجد القيامة الأخيرة ؟، إن مجد ثابور هو عربون ووعد وظهور مجد الفردوس”…

 

فى مواعظ مكاريوس الكبير ( فى بداية القرن الخامس ) يجرى الكلام بصورة مفصّلة عن تجلّى الإنسان العتيد بعد قيامة الجسد:

” يتمجد جسد الإنسان على قدر ما يكون مالكا للروح القدس. ما يخزنه الإنسان فى أعماق نفسه سينكشف وسيظهر خارج الجسد وسيأتى يوم القيامة. وبقوة شمس العدل، يخرج من الداخل إلى الخارج مجد روح القدس ويغمر أجساد القديسين الذين إختبأ مجدهم داخل نفوسهم. ما فيهم الآن يخرج خارج الجسد فتتمجد إذاك أجسامهم بالنور الذى لا يُدرك والذى كان فيهم بقوة الروح “…

 

بعد القيامة ستلمع أجساد القديسن بالنور كما يقول الكتاب…

هذا البهاء مدين لمجد الروح الذى سينسكب فى الجسد ويجعله شفافا…

الجسد يقبل أن يكشف البهاء الذى هو داخل النفس روحيًا وغير مادى…

سيُرى مجد الروح فى الجسد المتجلّى كما ترى تماما لون الأشياء وسط الأوعية الزجاجية…

 

هذا ما يحاول أن يفعله المصور الكنسى ويمثله سريا…

يحاول أن يبرز جسد القيامة المتجلى المشع بنور الروح القدس…

 

ه – بدء جيل المستقبل:

إن ما يسميه القديس توما الأكوينى ” إنسكاب الروح فى الجسد” ليس شيئًا مُعدًا فقط للمستقبل…

يتمتع البعض ( كما رأينا ) بمجد جسدى من الآن ( حتى لو كان التمتع لحظة )…

 

إن حقيقة اليوم الأخير هى القيامة الشاملة وتجلّى الجسد…

ألا نعيش كمسيحيين دُفنّا وقمنا مع المسيح بالمعمودية فى الجيل الآتى منذ الآن بدرجة ما؟…

أليس ملكوت الله حقيقة حاضرة وفى الوقت نفسه مستقبلة؟…

إن القيامة كما يؤكد الإنجيلى يوحنا فى سرده لقيامة أليعازر شئ يشترك فيه المؤمن من الآن…

إن مرثا عندما تقول ” أنا أعرف أنه سيقوم فى اليوم الأخير” تقصد القيامة فى المستقبل…

أمّا المسيح فيؤكد حقيقة القيامة الحاضرة بجوابه لها:

[ قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: { أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي اَلْقِيَامَةِ فِي اَلْيَوْمِ الأَخِيرِ }. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: { أَنَا هُوَ اَلْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟ } ] [ يوحنا 11: 24 – 26 ]…

كل الأمثلة عن التمجيد الجسدى وعن المذاق المسبق لقيامة الأموات الأخيرة تؤكد أن التعليم المسيحى عن الآخرة ليس شيئًا إستقباليا فقط بل شيئًا محققًا من الآن وقد كرّس…

يقول القديس غريغوريوس بالماس:

” إذا كان الجسد يشترك آنذاك مع الروح بالخيرات السرّية فإنه الآن يشترك بخيرات الروح الذى يقطنه”…

 

هذا هو المعنى اللاهوتى لحوار: سيرافيم وموتوفيلوف…

إنه يعرض بوضوح الأهمية التى للجسد البشرى فى مخطط الله الخلاصى، ويدعونا لتوجيه أنظارنا إلى قيامتنا العتيدة وفى الوقت نفسه يرينا كيف يمكن أن نتمتع بالثمار الأولى، ثمار القيامة هنا ومن الآن…

 

و تجلى العالم :

ليس الجسد الإنسانى مدعوًا ليتجلّى، ليصير ” متشحا بالروح” وحسب، بلّ الخليقة المادية كلها…

عندما يبزغ اليوم الأخير لن ينسلخ الإنسان المُعْتق عن باقى الخليقة إذ أن الخليقة كلها ستخلص وستتمجد معه…

يقول الإنجيلى يوحنا:

[  ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، لأَنَّ اَلسَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَاَلْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ ] [ رؤيا 21: 1 ]…

ويقول الرسول بولس:

[ لأَنَّ اِنْتِظَارَ اَلْخَلِيقَةِ يَتَوَقَّعُ اِسْتِعْلاَنَ أَبْنَاءِ اَللهِ. إِذْ أُخْضِعَتِ اَلْخَلِيقَةُ لِلْبُطْلِ – لَيْسَ طَوْعاً بَلْ مِنْ أَجْلِ اَلَّذِي أَخْضَعَهَا – عَلَى اَلرَّجَاءِ. لأَنَّ اَلْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ اَلْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اَللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ اَلْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى اَلآن ] [ رومية 8: 19 – 22 ]…

يمكن أن تؤول هذه الفكرة عن خلاص العالم تأويلاً خاطئا إلا أنها عندما تُفَسّر تُفَسيرًا صحيحا تُشكّل عنصرًا أساسيا من عناصر العقيدة الأرثوذكسية عن الأمور المتعلّقة بالآخرة…

 

يستطيع الآن أن ينظر الإنسان إلى الأيقونات المقدسة كثمار أولى لهذا الخلاص الجماعى الذى يشمل حتى المادة…

فيها نرى بوضوح ما للخشب واللون كمادة من إمكانات التقديس …

الأيقونات هى كشوفات قوية للقوة الروحية التى يملكها الإنسان وبها يستطيع أن يخلّص العالم بالجمال والفن…

إنه عربون الظفر العتيد عندما يتوطد الخلاص الذى حمله المسيح لكل الخليقة لمحو نتائج السقطة…

الأيقونة مثال مادى إيجابى أعيد وضعه فى تناسقه وجماله الأولى يستعمل الآن كمتشح للروح القدس…

الأيقونة تؤلّف قسما من العالم المتجلّى…

 

كما أن تجلّى يسوع يرمز إلى قيامة الجسد الأخيرة، كذلك يشير مسبقا إلى تحوّل كلّ العالم…

إن شخص السيد المسيح لم يتجلّ وحده فوق جبل ثابور بلّ ولباسه أيضا…

يقول ف. دى موريس:

” إن حدث التجلّى عاش خلال العصور وأنار جميع الأجيال. لقد حازت كلّ الوجوه، بسبب ذلك النور وتلك الهيئة التى شعّت بمجد الله، بسبب تلك الأوشحة التى لمعت بيضاء كالثلج، على هذا الإشعاع وكل الأشياء العامة تجلّت. تجلّى الرب يسوع يعنى تجلّى كل المخلوقات تجليا كماله فى المستقبل ومقدماته لنا من الآن ويمكن أن يتذوقها الإنسان. يكفى أن تكون له الأعين ليرى”…

 

يقول القديس إيريناوس فى وصفه اليوم الأخير:

” لا أقنوم ولا جوهر الخليقة يندثران، بل حجم هذا العالم يعبر، أى ما كان سببًا للمعصية وصار به الإنسان عتيقا. بعبور هذا الشكل وتجدّد الإنسان وبنموه فى عدم الفساد لا يستطيع أن يصير عتيقا.وتكون سماء جديدة وأرض جديدة ويبقى الإنسان فى الجديد جديدًا يحدث الله ويكلمه”…

 


 

6 – 

الدينونة

   

أ – عدل الله وحكمه :

الله طويل الأناة ومتحنن ومحب للبشر وهو بالمقدار نفسه عادل…

وكما أن محبته للبشر وتحننه لا متناهيان، كذلك عدله…

ومع التأكيد على أن الله رحيم غفتور يفتح صدره للذى ياتى إليه تائب، كالابن الشاطر، فيعفو عنه ويخلّصه، فهو كذلك ديّان يدين بالقوّة نفسها من لا يتوب ويرفض الخلاص…

ولذا كان لا بدّ من الكلام عن العقاب الأبدى بعد أن تحدّثنا عن الحياة الأبدية…

ويذكّرنا بذلك الرسول بولس حيث يقول:

[ فَإِنَّنَا نَعْرِفُ اَلّذِي قَالَ: { ليَ اَلاِنْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ اَلرَّبُّ }. وَأَيْضاً: { الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ }. مُخِيفٌ هُوَ اَلْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اَللهِ اَلْحَيِّ! ] [ عبرانيين 10: 30، 31 ]…

 

ب – المسيح هو الديان :

لنتأمل مليا فى هذا النصّ الذى أعطانا يوحنا الرسول:

[ قَالَتْ لَهُ: { نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ اَلْمَسِيحُ ابْنُ اَللَّهِ الآتِي إِلَى اَلْعَالَمِ }. وَلَمّا قَالَتْ هَذَا مَضَتْ وَدَعَتْ مَرْيَمَ أُخْتَهَا سِرّاً قَائِلَةً: { اَلْمُعَلِّمُ قَدْ حَضَرَ وَهُوَ يَدْعُوكِ }. أَمَّا تِلْكَ فَلَمّا سَمِعَتْ قَامَتْ سَرِيعاً وَجَاءَتْ إِلَيْهِ. وَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ قَدْ جَاءَ إِلَى اَلْقَرْيَةِ بَلْ كَانَ فِي اَلْمَكَانِ اَلَّذِي لاَقَتْهُ فِيهِ مَرْثَا  ] [ يوحنا 5: 27 – 30 ]…

 

ولنعد إلى ما أورده القديس متى عن لسان السيد فى يوم الدينونة:

[ ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ منْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ ] [ متى 25: 34 – 36 ]…

 

ج – شرط الدينونة:

نخْلُص مما سبق إلى ما يلى:

 الحاكم الديّان سيكون المسيح نفسه..

 

 هذا الحاكم الديّان يحبنا ومات من أجلنا:

[ لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ. وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ اَلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. ] [ رومية 5: 6 – 8 ]…

 

 هذا الحاكم الديان نفسه قال على لسان نبيّه:

[ قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا يَقُولُ اَلسَّيِّدُ اَلرَّبُّ، إِنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ اَلشِّرِّيرِ، بَلْ ‏بِأَنْ يَرْجِعَ اَلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. إِرْجِعُوا إِرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ ‏اَلرَّدِيئَةِ. فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ ] [ حزقيال 33: 11 ]…

وقد أكّد الرسول بولس هذا القول:

[  اَلَّذِي يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ اَلنَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ اَلْحَقِّ يُقْبِلُونَ ] [ 1 تيموثاوس 2: 4 ]…

وذكرنا به بطرس الرسول:

[ لاَ يَتَبَاطَأُ الرَّبُّ عَنْ وَعْدِهِ كَمَا يَحْسِبُ قَوْمٌ التَّبَاطُؤَ، لَكِنَّهُ يَتَأَنَّى عَلَيْنَا، وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ اَلْجَمِيعُ إِلَى اَلتَّوْبَةِ ] [ 2 بطرس 3: 9 ]…

 

 وكما أن هذا الحاكم الديّان محب ورحيم فهو عادل…

 

 وسوف يعاملنا السيد حسب أعمالنا ونيّاتنا فى آن:

[  لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ اَلنَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ اَلْخَطِيَّةِ ] [ رومية 3: 20 ]…

إذ قال السيد:

[ فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ أَيْضاً رَحِيمٌ. وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ ] [ لوقا 6: 36، 37 ]…

 

 وبالتالى سيكون حسابنا عسيرًا ومرتبطا إرتباطا وثيقًا بمواقف داخلية تنمّ عن محبة وعطاء يتجلّيان فى علاقتنا بالمرضى والغرباء والسجناء والمعذبين فى الارض لأن فى هؤلاء يسكن السيد…

وهكذا، فالمحك، فى النهاية، سيكون مقدار محبتنا وتكريس ذواتنا لخدمته وخدمة الذين خُلقوا على صورته ومثاله:

[ إِنَّ مَحَبَّتَنَا لإِخْوَتِنَا تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّنَا انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. فَالَّذِي لاَ يُحِبُّ إِخْوَتَهُ، فَهُوَ بَاقٍ فِي الْمَوْتِ  ] [ 1 يوحنا 3: 14 ]…

 

 ها هو الطريق الذى يجب أن نسلكه لنحظى بالحياة الأبدية…

وقد أصبح واضحا كلّ الوضوح…

فما علينا إلا أن نَعْبُر من البغضاء إلى المحبة، لأن عبورًا كهذا يجعلنا نَعْبُر من الموت إلى الله أى الحياة…

وهكذا، نستبق، بشكل من الأشكال، الدينونة…

وكما يقول ذهبى الفم:

” السماء على الأرض نجدها فى الإفخارستيا وفى محبّة القريب”…   

 المعرفة والإيمان وليدًا المحبّة:

[ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً: لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَصْدُرُ مِنَ اللهِ. إِذَنْ، كُلُّ مَنْ يُحِبُّ، يَكُونُ مَوْلُوداً مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ .أَمَّا مَنْ لاَ يُحِبُّ، فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِاللهِ قَطُّ لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ! وَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الأَوْحَدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. ] [ 1 يوحنا 4: 7 – 9 ]…

 

 الله محبّة، فمن لا يحب لا شركة له مع الله، وبالتالى لا صلة له بالحياة التى هى من لدن الله…

ومآله الموت والزوال…

ومصيره جهنم حيث ” لا يوجد الله” ولا يسمع له صوت…

وليس العذاب الأبدى هو أن يعرف الخاطئ أنه سيحيا إلى الأبد بعيدًا عن حضرة الله، لا يسمع صوته ولا ينعم بالملكوت الذى أعده الله منذ إنشاء العالم:

[  ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ ] [ متى 25: 34 ]…

 


 

 

7 –

الصلاة من أجل الموتى

   

 صلاة البار وشركة القديسين :

يوصينا يعقوب الرسول فيقول:

[ وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ لِكَيْ تُشْفَوْا. طِلْبَةُ اَلْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيراً فِي فِعلِهَا ] [ يعقوب 5: 16 ]…

وفى كتاب المكابيين نجد أن صلاة البار تقتدر على الصفح عن الخاطئ حتى بعد وفاته:

[ لأنَّه لّوْ لَمّ يَكُنْ مُتَرْجَيًا قِيَامَةُ اَلَّذين سَقَطُوا لَكَانَتْ صَلاتَه مِنْ أَجْلِ اَلمَوْتَى بَاطِل وعَبَثًا. ولاعْتِبَارِه أَنّ اّلَّذِين رّقّدُوا بِالتَقْوَى قَدْ إِدْخَرَ لَهُمْ ثَوَابٌ جَمِيلٌ. وَهُوَ رَأيٌ مُقَدَّسٌ تَقْوَي ولِهَذَا قَدَّمَ اَلكَفَّارَة عَنْ اَلمَوْتَى لِيُحَلُّوا مِنْ اَلخَطِيَّئةِ  ] [ 2 مكابيين 12: 44 – 46 ]…

 

أمّا يوحنا الإنجيلى فيعكس الآية ويقول لناك

[ وَلَمَّا أَخَذَ اَلسِّفْرَ خَرَّتِ اَلأَرْبَعَةُ اَلْحَيَوَانَاتُ وَاَلأَرْبَعَةُ وَاَلْعِشْرُونَ شَيْخاً أَمَامَ اَلْحَمَلِ، وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُوراً هِيَ صَلَوَاتُ اَلْقِدِّيسِينَ … وَجَاءَ مَلاَكٌ آخَرُ وَوَقَفَ عِنْدَ اَلْمَذْبَحِ، وَمَعَهُ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَأُعْطِيَ بَخُوراً كَثِيراً لِكَيْ يُقَدِّمَهُ مَعَ صَلَوَاتِ اَلْقِدِّيسِينَ جَمِيعِهِمْ عَلَى مَذْبَحِ اَلذَّهَبِ اَلَّذِي أَمَامَ اَلْعَرْشِ ] [ رؤيا 5: 8 و8: 3 ]…

ويشبه صلوات القديسين أمام عرش الحمل بكؤوس من ذهب مملوءة بالبخور…

 

فالموت، إذًا، لا يفصم عُرى وحدة جسد المسيح…

والأحياء فى هذا العالم والذين إنتقلوا على رجاء القيامة هم دائما جسد واحد…

وهذا ما نسمّيه ب ” شركة القديسين”…

 

هذه الشركة التى سبق وتحدثنا عنها فى الفصل الثامن تتجلّى على أفضل وجه فى حياة الكنيسة الليتورجية…

فالكنيسة جمعاء تصلّى وليس الأحياء فقط…

لأن الأموات الموجودين معنا فى الكنيسة والذين تمثلهم أيقونات القديسين الموضوعة فى الكنيسة هم أيضًا يشاركوننا التسبيح…

وشئ آخر هام يحصل فى القداس الإلهى إذ أن الكاهن يذكر الأحياء ويضع قطعا من خبز التقدمة على الصينية ثم يذكر الأموات ويضع على الصينية نفسها قطعا من خبز التقدمة، وبعدئذ يضع ما تجمّع على الصينية فى الكاس فيغدو الأحياء والأموات جسدًا واحدًا بالمسيح…

 

لذلك، فالمكان الوحيد الذى يلتقى فيه الأحياء والأموات بكلّ معنى الكلمة هو الكنيسة وبالتحديد فى الكأس المقدس أى فى المسيح يسوع…

 

لذا، فنحن مدعوون إلى أن نحمل أمواتنا فى صلواتنا إلى الرب وهم أيضًا يشتركون معنا فى التسبيح فيتمجد اسم الرب فيهم وفينا وينمو الجسد الذى يجمعنا والذى هو الكنيسة جسد المسيح...

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- المعمودية

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل التاسع: المعمودية

الفصل التاسع: المعمودية.

* الأسرار فى الكنيسة:

* سر المعمودية:

1 – المعمودية موت وحياة:

2 – المعمودية فى الديانات :

3 – المعنى المسيحى للمعمودية:

* ملحق :معمودية الأطفال

1 المسألة :

2 – معمودية الأطفال فى العصر الرسولى:

3 – معمودية الأطفال فى العصور الأولى:

4 – الأساس التاريخى واللاهوتى لمعمودية الأطفال:

5 – الولادة الطبيعية من أبوين مسيحيين دعوة إلى العماد:


الفصل التاسع

المعمودية

” ..و اعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا…”

 

 

* الأسرار فى الكنيسة:

يبتدئ البحث فى الأسرار من البحث عن الإنسان المؤمن، بعد أن صعد الرب إلى السماء…

 

نعلم أن بولس الرسول تكلّم على أن هناك سرًا إلهيًا كان فى الله منذ الأزل، وهو سرّ محبة الله للبشر…

هذا السر يشكّل حياة الله ضمن الثالوث القدوس، أى أن الآب والابن والروح القدس متحدون بسرّ المحبة:

[ اَلله مَحَبّة ] [ 1يوحنا 4: 8 ]…

 

تنطلق المحبة من الآب وتعود إليه فى دورة دائمة، فى حركة بين الأقانيم الثلاثة دائمة…

هذا السر، سرّ أن الله محبة، كُشف فى المسيح وحققه المسيح…

حقق المسيح المحبة بالفداء ثم عاد المسيح إلى أحضان الآب وأعاد إليه هذا الجنس البشرى المتروك الذى كان قد أخطأ….

بعودة المسيح إلى الآب، الإنسان نفسه عاد إلى الله…

هذا فى الأساس…

ثم سكب الله الروح القدس على المؤمنين لكى يعطيهم كلّ ما حُقق فى المسيح، أى لكى يمنحهم سرّ محبته ويجعلهم يعيشون معه…

حياة الله التى تدور ضمن الثالوث القدوس وتغلى ضمنه، حياة الله هذه كان لله أن يمد البشر بها…

والروح القدس هو الموزّع لحياة الله، هو معطيها…

إذًا، كل الهدف من مجئ المخلص على الأرض وصعوده إلى السماء، هو توزيع المواهب الإلهية على الناس…

بكلمة أخرى، يجب أن يكون هناك قوم يعيشون بحياة الله، وهؤلاء القوم هم الكنيسة…

والكنيسة تعيش بحياة الله، بقوة الله، كما كانت هذه القوة ظاهرة فى المسيح…

أى هى القوة نفسها التى كانت فى المسيح أيام بشارته، عندما كان على الأرض…

قوة المسيح هذه التى خلصت وأحبت يجب أن تُنقل بالروح القدس…

حياة الكنيسة هى، إذًا، حياة المسيح منقولة إلينا بالعنصرة، بإنعطاف الروح القدس على البشر وعلى الكون بواسطة الكنيسة…

الكنيسة هى المحيط الذى فيه الله فاعل…

الله يحرّك الكنيسة، يحييها وينعشها بالحياة نفسها التى فيها، هذه الحياة التى كانت مسكوبة فى المسيح…

وتوزيع حياة المسيح والقوة التى فى المسيح يتممه الروح القدس عن طريق الأسرار…

 

السرّ فى الكنيسة – كأن نقول سرّ المعمودية، سرّ الميرون وسرّ الشكر …. – السر فى الكنيسة لا يعنى شيئًا آخر غير السرّ الإلهى القديم، الأزلى، الذى تكلّم عنه الرسول بولس، أعنى سرّ الحياة الإلهية، سرّ المحبة، سر محبة  الآب والابن والروح القدس…

وبالتالى، كيف تظهر محبة الله لنا بالأسرار؟، هذا هو الموضوع…

أسرار الكنيسة ماهى إلا نفس السرّ الذى ينكشف الآن، الذى يتحقق الآن…

وهذا السرّ الذى تحدّث عنه الرسول بولس فى الرسالة إلى أهل أفسس عندما قال:

[ أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ.

الَّذِي بِحسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ اَلْمَسِيحِ.

الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو اَلْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ اَلْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ:

أَنَّ اَلأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي اَلْمِيرَاثِ وَاَلْجسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي اَلْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ. ] [ أفسس 3: 3 6 ]…

ثم يكمّل:

[ وَأُنِيرَ اَلْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ اَلسِّرِّ اَلْمَكْتُومِ مُنْذُ اَلدُّهُورِ فِي اَللهِ خَالِقِ اَلْجَمِيعِ بِيَسُوعَ اَلْمَسِيحِ ] [ أفسس 3: 9 ]…

وهذا السر الإلهى نحن شركاؤه، نحن شركاء هذا الشئ الخفى فى أعماق الله وهو أن الأمم محبوبة كاليهود، أن البشر جميعا محبوبون ويدخلون فى ميراث الله…

أسرارالكنيسة، إذًا، هذا الإخراج لسرّ الله، هذا النقل وهذه الترجمة لهذه المحبة…

 

ولكن لهذه الأسرار كلها، وبالتالى، علاقة بحياة المسيح فى الجسد…

وهذا هو المهم جدًا فى البحث فى الأسرار…

هذه الحياة الإلهية الأزلية عاشها المسيح فى الجسد، هنا…

والروح يعطينا حياة المسيح كما عاشها هنا…

وبالأخير، إذًا، عندما نتكلّم عن أسرار الكنيسة السبعة فهذه كلها تكون إمدادات لحياة المسيح فى أيام تجسده، بحيث نعيش نحن فى الجسد ما عاشه هو فى الجسد…

 

* سر المعمودية :

1 – المعمودية موت وحياة:

سر المعموية ماذا يُخرج إلينا من حياة المسيح، ماذا يُترجم لنا؟…

هنا يمكن القول، أن المعمودية تترجم لنا كل حياة المسيح إذا كانت هذه الحياة تلخّص بكلمتين: موت وحياة…

حياة المسيح فى البشرية، من الميلاد إلى تمجيدها عند فجر الفصح، كلها موت وحياة، لأن المسيح وُلد لكى يموت ويُبعث…

طبعا، وضعه فى أقمطة وهذا المولد المتواضع وهذه المعمودية التى نالها من يوحنا فى الأردن وهذه الآلام المعنوية التى ذاقها من اليهود وهذه الاضطهادات، كل هذا، قبل صلبه من اليهود وبيلاطس، كان طريقا على الموت وكان، فى وقت واحد، إنبعاثا من موت…

معمودية يسوع فى الأردن كانت نزولاً تحت المياه وكانت خروجا من المياه وظهورًا للآب والروح عليه…

كذلك، التجلّى على الجبل كان تمجيدًا له، ولكنه، فى آن واحد، حسب رواية لوقا الإنجيلى، كان حديثا عن خروجه من أورشليم، أى كان إستعدادًا لموته:

[ وَفِيمَا هُوَ يُصَلِّي صَارَتْ هَيْئَةُ وَجْهِهِ مُتَغَيِّرَةً وَلِبَاسُهُ مُبْيَضّاً لاَمِعاً.

وَإِذَا رَجُلاَنِ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ وَهُمَا مُوسَى وَإِيلِيَّا

اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ اَلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ.

وَأَمَّا بُطْرُسُ وَاَللَّذَانِ مَعَهُ فَكَانُوا قَدْ تَثَقَّلُوا بِالنَّوْمِ. فَلَمَّا اِسْتَيْقَظُوا رَأَوْا مَجْدَهُ وَاَلرَّجُلَيْنِ اَلْوَاقِفَيْنِ مَعَهُ.

وَفِيمَا هُمَا يُفَارِقَانِهِ قَالَ بُطْرُسُ لِيَسُوعَ: يَا مُعَلِّمُ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا. فَلْنَصْنَعْ ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةً وَلِمُوسَى وَاحِدَةً وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةً . وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ.

وَفِيمَا هُوَ يَقُولُ ذَلِكَ كَانَتْ سَحَابَةٌ فَظَلَّلَتْهُمْ. فَخَافُوا عِنْدَمَا دَخَلُوا فِي اَلسَّحَابَةِ.

وَصَارَ صَوْتٌ مِنَ اَلسَّحَابَةِ قَائِلاً:  هَذَا هُوَ اِبْنِي اَلْحَبِيبُ. لَهُ اِسْمَعُوا .

وَلَمَّا كَانَ اَلصَّوْتُ وُجِدَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَأَمَّا هُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُخْبِرُوا أَحَداً فِي تِلْكَ اَلأَيَّامِ بِشَيْءٍ مِمَّا أَبْصَرُوهُ ] [ لوقا 9: 28 – 36 ]…

 

كل فصول حياة السيد هى إنبعاث من موت، مرافقة الموت للحياة…

من هذا القبيل المعمودية تعطينا كل المسيح ولهذا نقول أنها الميلاد الثانى…

هى الميلاد الثانى إذا قيس هذا الميلاد بميلادنا من أمتنا…

هذا هو المولود الأول فى الجسد، ولكننا نولد الآن ليس من لحم ودم ولا من مشيئة رجل بل من الله…

المسيح أعطانا أن نصير أولاد الله:

[ وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.

 اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ بَلْ مِنَ اللَّهِ  ] [ يوحنا 1:  12، 13 ]…

الإنسان كان فى حالة الغضب، فى حالة اللعنة…

واللعنة تعنى الإقصاء عن البركة…

والبركة معناها إمداد الإنسان بحياة الله…

الإنسان أُقصى عن هذه البركات بالخطيئة…

هو جعل نفسه فى الظلمة وجعل نفسه فى العزلة عن الله وفى التشتت وفى التفتت، فى التجزئة، فى التلاشى وفى الإضمحلال…

هذه هى الخطيئة عمقا وكينونة…

فالإنسان من جديد يولد وكأنه لم يكن…

فى الواقع، لم نكن نحن شيئًا قبل المخلّص وقبل أن يتنزّل علينا بالمعمودية…

 

2 – المعمودية فى الديانات :

ماذا جرى فى المعمودية؟…

ماذا كان يجرى سابقا، قبل المسيح، بالمعموديات؟…

كان للناس فى كل الدنيا معموديات وفى كل الديرة…

والوضوء الإسلامى نوع من معمودية وهو يعنى إغتسالاً وتهيئة للصلاة…

رهبان قمران، على شواطئ البحر الميت، قبل مجئ المخلّص، كانت لهم أحواض يغتسلون فيها كل يوم أكثر من مرة…

عندنا، أيضا معمودية يوحنا كتهيئة للتوبة…

والدخلاء الوثنيون الذين كانوا ينضمون للدين اليهودى على يد الفريسيين، هولاء، أيضا كانوا يُعمّدون…

الحضارة البشرية، قبل المخلّص، هنا وهناك، كانت تعتمد تشوقا منها إلى طهارة كانت تتوق إليها…

كانت تتوقع هذه البشرية أن تنال طهارة…

والبشرية أحسّت أنها، من أجل هذه الطهارة تستعمل ماء…

طبعا، أن يُقال: هذا أمر طبيعى وبديهى جدًا كون الماء يغسل الجسم…

ولكن الفكرة كانت أبعد من هذا…

فالماء ملتبس المعنى فى الحضارات القديمة، أى ان له معنى مزدوجا وهو لا يعنى، دائما الطهارة…

الماء مخيف البحر مريع…

الماء يدل على الغرق، على الموت…

والماء، فى كل الحضارات، كان محيط الخطيئة، محيط الشر…

مثلاً، فى الفكر العبرى: ” لوياثان” التنين: هذا كان الوحش الأسطورى الذى فى الماء…

ولذا، فخواض البحر يقتل التنين، وما إلى ذلك من هذه الصورة الأسطورية…

الماء مخيف ثم الماء محيى…

فى التوراة خلق الله الدنيا من ماء:

[ فِي اَلْبَدْءِ خَلَقَ اَللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ اَلْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اَللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ اَلْمِيَاهِ ] [ تكوين 1: 1، 2 ]…

فى بداية التكوين، فى الأساطير البابلية، وأيضا فى القرآن: ” وجعلنا من الماء كل شئ حى”…

الماء هو المحيط الذى يخرج منه الكائن الحى…

الجنين يخرج من ماء…

إذًا، الماء مزدوج المعنى ملتبسه…

ولهذا فإتخاذ الإديان للماء لم يكن سببه فقط، أنه غاسل ولكن سببه هو أنه يميت ويحيى…

وإذًا، فالغسل، هنا، ليس شيئًا سطحيًا…

الغسل معناه أننا نموت بشكل ما…

 

عندما جاء المخلص لم يخترع رمز الماء ولم يخترع المعمودية…

وجدها قائمة عند أهل قمران ويوحنا المعمدان والفريسيين…

ولكن موقفه منها كان أنه عبأها، ملأها بمعنى جديد…

 

3 – المعنى المسيحى للمعمودية:

نعم، نحن نموت بالماء، ولكن أى موت هو المقصود؟…

ونحيا بالماء، ولكن أى حياة هى المقصودة؟…

فى أواخر إنجيل متى:

[ فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ ] [ متى 28: 19 ]…

أى إجعلوا من جميع الأمم لكم تلاميذ وعمدوهم…

إذًا، فالمعمودية مرتبطة عند المسيح بأن الناس يصيرون بها تلاميذ له…

أذًا، يتعلمون الإنجيل ويأخذون من الإنجيل الإيمان:

[  مَنْ آمَنَ وَاِعْتَمَدَ خَلَصَ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ ] [ مرقس 16: 16 ]…

 

الإيمان هو الخروج من أى وضع نحن فيه إلى الله…

يقول الله لإبراهيم:

[  اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى اَلأَرْضِ اَلَّتِي أُرِيكَ ] [ تكوين 12: 1 ]…

الإيمان هو، أيضًا، مجازفة مع الله…

هو أن يطرح الإنسان نفسه فى كائن لا يعرفه، ويعرفه على قدر ما يطرح نفسه فيه…

يذوقه بعد أن يرمى نفسه هناك…

إذًا، هناك موت بالنسبة إلى الحياة القديمة التى كان فيها، هناك إنسلاخ عنها…

شئ منا يموت…

نُغْرَق فى الماء…

وإذا متنا تأتى حياة جديدة ليست منا…

هنا كل الحديث عند يسوع عن الماء الذى هو يعطيه، فى ما قال للمرأة السامرية التى كانت تستقى من بئر يعقوب:

[  كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً ] [ يوحنا 4: 13 ]…

إذًا، شئ من الدنيا القديمة نتركه، نترك هذا العالم القديم، ندخل فى وضع جديد مع هذا العالم الجديد…

كلّ هذا ينكشف، فيما بعد، بصورة أوضح بعد أن قام المخلّص وحدثنا الرسول بولس عن هذه الحياة التى جاءت إلينا بالمعمودية حيث يقول فى الرسالة إلى أهل رومية:

[ أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اِعْتَمَدَ لِيَسُوعَ اَلْمَسِيحِ اِعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ

فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ حَتَّى كَمَا أُقِيمَ اَلْمَسِيحُ مِنَ اَلأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ اَلْحَيَاةِ.

لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ.

عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا اَلْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ اَلْخَطِيَّةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ ] [ رومية 6: 3 – 6 ]…

ما أود أن ألفتكم إليه، فقط، الآن، هو هذا أن اللفظة التى يستعملها الرسول باليونانية وقد ترجمت : أعتمد، يعتمد، معمودية… إلخ…

هذه اللفظة هى  Vaptiso ( أعمّد ) وهى تعنى، فقط، أغطس…

هذه كلمة عادية جدًا صارت، بعدئذ، مصطلحا مسيحيا…

من إعتمد ليسوع – اللام هنا هى، فى اليونانية، حرف جر وهو يعنى الحركة، أى إنتقل إلى يسوع بهذا التغطيس – إنما إنتقل إلى موته فدفن مع المسيح بالمعمودية…

مع هنا هى Préfixe  أى هى، فى لغاتهم، أداة توضع قبل الفعل…

ودفنّا معه تصبح، بهذا، فعلاً واحدًا عندهم، أى تصبح لفظة واحدة…

وإذا قرأ الواحد اللفظة – الفعل هذا الذى ركّبه الرسول بولس والذى ليس موجودًا فى اليونانية بلّ هو من إختراع بولس: دفن مع، فهذا بعنى أنه عندما دُفن المسيح كان معه الذين له، أى أن الذين له كانوا معه فى القبر…

إذًا، نحن عندما نعتمد فكأننا تخطينا الزمان وأبدناه وإنتقلنا هذه السنين الألفين، وكأنن، أيضًا، نحن الذين متنا مع المخلّص ودُفنّا معه…

إذًا، ما حصل ليسوع المسيح ربطنا مع المسيح…

ما حصل له هو، بالفداء، حصل لنا أيضا…

 

إن الحياة الإلهية التى كانت فى المسيح أبادت الموت، تفجرت فى الموت فحولته إلى حياة وقامت هذه الحياة من القبر لأنه لا يمكن أن يُضبط أساس الحياة وخالقها فى القبر…

بعد أن مات، لا يموت ولا يتسلّط عليه الموت…

 

يمكننا أن نقول، إذًا، أن المعمودية هى أن تتحقق فينا هذه الأشياء التى صارت، أن تُخرج…

فى الحقيقة، ليس هناك شئ جديد فى المعمودية…

المعمودية لم تبتدئ اليوم، هى إبتدأت آنذاك بموت السيد وقيامته…

إن موت المسيح وقيامته هما كحدث واحد من حيث الأصل والطاقة، لأن كل قيامة المسيح موجودة فى موته ولكنها تفجرت بعدئذ…

أى أن كل حياة المسيح كانت مسكوبة فيه عندما مات…

وهذه الحياة التى فيه هى مسجلة فينا نحن منذ أن مات وقام، أى هى مسجلة فى المؤمنين…

ولذلك، فعندما يُعمّد إنسان تخرج هذه الحياة، نؤديها، ونُعبّر عنها…

هى بالحرى، خلقة جديدة بالماء والروح…

هى إنكشاف لحياة المسيح فينا…

 لذلك، نقول : دُفِنّا – وهو فعل ماضٍ – معه للموت أى حتى الموت…

نحن نُدْفن حتى نموت، حتى، كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضًا فى جدة الحياة، فى حياة جديدة…

إذًا، هذه مشاركة كانت موجودة وحُققت الآن، وُزعت علينا هذه المشاركة، بالروح القدس، فى هذا السرّ…

 

القضية، إذًا، ليست قضية محو خطيئة…

هى ليست أن ثمة دَيْنا مكتوبا علينا يُمْحى فنصبح بلا دَيْن – هذا التصوّر العادى للمعمودية وهو أننا بها نصبح بلا دين، بلا خطيئة جدّية…

فى الحقيقة، إن الخطيئة الجديّة لا تورّث، أى لا تنتقل، ولكن الإنسان يولد ميتا، يُولد معرّضا للموت، حاملاً فى طيّات نفسه وجسده قوة الموت…

الإنسان هو فى حالة موت دائم، بمعنى أنه مقهور، منحدر، مهترئ…

هذا وضع نلاحظه…

الموت لم يأتِ…

هو لا يأتى ولا يذهب…

هذا ما يُلاحظ: الموت فى الإنسان…

هذا وضعه…

هو إنسان فى حالة إنحطاط…

كلّ إنسان هو مولود فى الإنحطاط، فى التقهقر، فى الإهتراء، فى السقوط، فى الظلمة…

إذًا، الموت طاقة فينا…

هذا ما سمّاه فرويد ” غريزة الموت”…

فعندما ينزل المسيح إلينا ويتحد بنا فى المعمودية يضع شيئًا ليس فينا، يضع قوة الحياة…

فقوة الحياة التى فيه تصارع قوة الموت التى فينا…

فإذا قبلنا الموت هو، نكون، فى نفس الوقت، قابلين إفناء موتنا نحن…

عندما نرتضى أن المسيح مات، أى عندما نسلّم إليه، إلى صليبه، إذ ذاك نكون غالبين لقوة الموت التى فينا…

المهم هو أنه يجب أن ندرك هذا حتى ندرك كل العمليه وإلا تبقى قضية سطحية…

وليس هناك كعمودية بدون إدراك ذلك…

 

كيف خلصنا يسوع المسيح؟…

خلصنا بأنه، وهو الذى لا يحتمل الموت ولا يُحكم عليه بالموت ولا يموت ولا يستطيع أن يموت لأنه بار، والبار لا يموت، إرتضتى الموت…

كل عملية الفداء متعلقة بهاتين الكلمتين…

المسيح الذى لا يستطيع أن يموت أراد أن يموت…

فإذًا، هو أدخل الموت طوعا إلى ذاته…

فالموت الذى كان ضرورة على الجنس البشرى، إقتبله هو طوعًا…

أطاع الله بهذا…

لكونه خضع بإرادته للموت، كان فوق الموت…  

لكونه أطاع الموت، صار فوق الموت وصار غالبا له، هو سيد الموت…

لكونه أطاع الله حتى الموت، موت الصليب، رفعه الله إليه: ” متوفيك ورافعك إلىّ”…

رفعه الله إليه وأعطاه إسم فوق كل إسم…

ترجمة هذا الكلام فى اللغة العصرية تعنى: أعطاه قوة فوق كل قوة وحضورًا فوق كل حضور، ونفاذًا فوق كل نفاذ…

وإذًا، حياة المسيح كانت فيه – وهى حياة الله فى المسيح فى هذا الجسد – منذ ان قبل الموت…

بكلمة أخرى، كان المسيح منبعثا منذ أن إرتضى الموت…

قوة الإنبعاث كانت فيه آنذاك…

هذا يعنى أنه، عندما كان المسيح على الصليب، بعد أن مات، لم تكن ثمة لحظة من لحظات الزمان كان المسيح فيها مغلوبا ولا يمكن أن يُغلب…

من المهم تأكيد أنه ليس هناك لحظة زمنية كان المسيح فيها ميتًا وعبدًا للموت…

إذًا، هذا يعنى أنه مات وقام فى نفس الوقت…

ليس هذا أنه رُئى حيًا، كلا، لم يُرَ حيًا ولكن فى حقيقة الأمر، كان حيًا…

رُئى حيًا بعد ثلاثة أيام، فى اليوم الثالث، فى القيامة التى هى كشف لهذه الحياة التى فيه وإذاعة لها وبثا لها على الكون وإشراكا للمؤمنين فى قوة الفداء…

من هنا قول الرسول بولس: ” دُفنّا معه للموت” وهذا يعنى أنه ربانا فى الموت بالمعمودية، حتى، كما أقيم، نقوم نحن أيضًا فى جدة الحياة…

نحن أيضًا عندما إرتضينا المعمودية ونرتضيها بعد أن تمت، أى نرتضيها طيلة العمر – المعمودية تُرتضى وتُرفض – فإرتضاؤنا لها يعنى أننا قبلنا هذا الموت…

قبلنا موت المسيح وقبلنا أن نموت عن الخطيئة…

وبلغة أخرى، أن نميت الخطيئة فينا، وبهذا نفصل كياننا الحقيقى الجوهرى عن الخطيئة…

عندما يقول الرسول بولس: ” أن نموت عن الخطيئة”، فهذا لأن الإنسان، فى أصله، حرّ من الخطيئة…

والرسول إعتبر الخطيئة جسم غريب، دخيل نموت عنه…

إذًا، فى اللحظة التى نُعمّد فيها، نموت ونقوم، نحصل على الحياة الجديدة بالمثل…

وإذا كانت فينا الحياة الجديدة فالخطيئة تزول…

إذًا، فزوال الخطيئة فين وزوال قوة الخطيئة فينا هو نتيجة للحياة الجديدة…

الحياة الجديدة تأتى مثل الطعم…

والطعم إذا أتى يحارب الجرثومة…

 

الحياة الجديدة التى تنسكب من المسيح علينا بالروح القدس فى الكنيسة هى التى تطارد قوة الموت…

فإذًا، نحن فى مطاردة لقوة الموت عن طريق الحياة الجديدة…

وهذا ما نحياه بوجه عام، فى العمر كلّه…

حياتنا هى إفناء للموت، إماتة الموت، إماتة الخطيئة، إماتة كل قوة القهر والظلم والخنوع والذل وكل ما هو فساد…

وهى مطاردة الفساد بقوة الحياة التى إنكشفت وتفجّرت…

 

* ملحق :

معمودية الأطفال

لللأب/ نقولا أفاناسييف

1 المسألة :

تتوجه البشارة المسيحية إلى الناس كافة حتى يقدر كل منهم أن يؤمن بابن الله وأن يدخل فى الكنيسة إذا تاب…

والإيمان والمعمودية يتطلبان ذلك الرشد الذى يضمن العلاقة الواعية بسر المعمودية عند الداخل إلى الكنيسة…

والكنيسة تقبل فقط أولئك الذين ادركوا الغاية والمعنى من إنضمامهم إليها…

فهل يتبع هذا أن الأطفال والأولاد يجب أن، ويقبلوا فقط إذا بلغوا ذلك الرشد وبمكن تعميدهم وفق رغبة ذويهم؟…

 

ويبدو أن هناك ما يجعلنا نظن أن مسألة المعمودية كانت مطروحة فى العصر الرسولى وكانت تثار من وقت إلى آخر بصورة ماسة…

ولكن بلغت حدتها فى زمن المناظرات البيلاجيوسية…

وبنتيجة هذه المناظرات ثبتت ممارسة معمودية الأطفال…

ولكن المسالة لم تطرح جانبًا بصورة نهائية…

وفى الأزمنة الحديثة ظهرت ظهرت بصدد هذ المسألة تيارات متشعبة…

 

2 – معمودية الأطفال فى العصر الرسولى:

ليس لدينا من العصر الرسولى معطيات إيجابية تجعلنا نؤكد الصورة التى حلت فيها قضية معمودية الأطفال فى الكنيسة الأولى…

أن الشهادات التى لدينا لا تخولنا الحق فى أن نؤكد أن معمودية الأطفال كانت تُكمّل فى العصر الرسولى الأول ولا تُكمّل…

لقد ذكرت فى أسفار العهد الجديد معمودية بعض العائلات:

عماد بطرس لكرنيليوس [ أعمال الرسل 10]…

معمودية ليديا وأهل بيتها [ أعمال 16: 15 ]…

معمودية السجان وأهل بيته [ أعمال الرسل 16: 33 ]…

معمودية كريسيوس رئيس المجمع وكل أهل بيته [ أعمال الرسل 18: 8 ]…

ومعمودية بيت إسطفانوس [ 1 كورونثوس 1: 16 ]…

ومن العسير أن نذهب إلى أن هذه البيوت المعمدة كلها كانت خالية من الصغار…

كذلك لا نستطيع الجزم بأنهم كانوا موجودين…

فلو كنا عارفين أن الرسل عمدوا أولادًا لقلنا بتأكيد أن الصغار، فى حال وجودهم، عمدوا ولكن من كون بيوت كرنيليوس وليديا والسجان تعمدت لا نستطيع إطلاقا أن نستنتج أن الرسل عمدوا أولادًا…

 

3 – معمودية الأطفال فى العصور الأولى:

أما فى العصر اللاحق للعصر الرسولى فممارسة معمودية الصغار مشهودًا لها كثيرًا…

فإن أوريجانوس يشهد بأن:

” الكنيسة تقلّدت من الرسل أن تمنح المعمودية أيضًا للأطفال” [ فى الرسالة إلى الرومانيين 5: 9 ]…

ونعلم أن الأطفال فى القرن الثانى عُمّدوا شرقا وغربا…

بذا يشهد إيريناوس [ ضد الهرطقات 2، 33: 2 ]، وترتليانوس [ فى المعمودية، 18 ]…

وفى القرن الثالث، فى كنيسة روما، كانت معمودية الأطفال ظاهرة مألوفة…

وفى ” التقليد الرسولى” إشارة إلى أنه يجب تعميد الأطفال قبل البالغين…

وقد كان يؤتى بالأولاد إلى المعمودية فى سن مبكرة جدًا…

ويتضح هذا مما أشار إليه هيبوليتوس الرومانى بأن الوالدين والأقارب يستطيعون أن يعطوا جوابا أثناء المعمودية [ التقليد الرسولى 21: 4 ]…

وإذا أتاح ” التقليد الرسولى” مجالاً للشك فى السن التى فيها يؤتى بالأولاد إلى المعمودية ففى أيام كبريانوس القرطاجى كانوا يقولون بأنه لا يجوز إرجاء المعمودية إلى ما بعد اليوم الثامن [ الرسالة ال 64 ]…

فى القرن الرابع لم يتغيّر الموقف من معمودية الأطفال…

وكما يتضح من شهادة يوحنا ذهبى الفم [ الموعظة 11، 17: 28 ]، وأمبروسيوس [ فى إبراهيم 2، 81 ]، كانت معمودية الأطفال نظاما شائعا…

وفى القرن الخامس ثبتت المناظرات البلاجيوسية نظام معمودية الأطفال، ” إنه من الحماقة أن نعلم أن الأولاد يستطيعون أن يرثوا الحياة الأبدية دون المعمودية”، هكذا قال البابا أينوكنديوس الأول عن نتيجة هذه المناظرة…

 

وفى الغرب ثبت رأى كبريانوس القرطاجى بمجمعه فى أن المعمودية يمكن ان تكمّل مباشرة بعد الولادة…

أمّا فى الشرق ففى القرن التاسع كانوا أيضا يذهبون إلى أنها تكمّل فى اليوم الأربعين…

ثم زال الفرق بين العرف الغربى والعرف الشرقى تدريجيًا…

ولكن ثبت فرق آخر، ففى الشرق رافق معمودية الأطفال والأولاد إتمام سرّ مسحة الميرون وبعده يعلن الطفل مستحقا للإشتراك بسر الشكر ” الفائق القداسة والكمال”…

أمّا فى الغرب، ففى القرون الوسطى فصل التثبيت عن المعمودية وأخذ الأسقف يكمله على الأولاد فى سن الحادية والثانية عشرة وكانت المناولة الأولى تتبعه…

ولكن فى الكنيسة الأرثوذكسية يتم قبول الأطفال فى الكنيسة قبولاً كاملاً بالمعمودية والميرون…

 

4 – الأساس التاريخى واللاهوتى لمعمودية الأطفال:

وإن كانت معمودية الأطفال نظاما شائعا فى القرن الثانى فمن الطبيعى الظن بأنه لم ينشأ فى العصر اللاحق للرسل ولكنه كان تكميلاً النظام العصر الرسولى…

فنحن نعود هكذا ثانية إلى هذا السؤال:

هل كان الرسل يتممون معمودية الأطفال أم لا؟

وإذا كنا بدون أدلة تشير إلى ذلك فى أسفار العهد الجديد فهل ينبغى أن نزهد بحلّ مسألة جوهرية كهذه؟…

أن خلاء الأدلة الواحدة فى أسفار العهد الجديد طبيعى بالكلية لأن العدد العديد من المتعمدين كانوا من البالغين…

أن مسألة تعميد الأولاد يمكن ان تُطرح فقط فى الجيل المسيحى الثانى ولكن عندما طُرحت فى ذاك الزمن كان التقليد الكنسى فى هذا الموضوع متراكما…

من خلاء الأدلة المباشرة عن معمودية الأطفال فى العهد الجديد ينبغى أن نخرج بالتعليم عن المعمودية من جهة وبنظام معمودية الدخلاء عند اليهود ونظام الختان من جهة اخرى…

وبكلمة أخرى، المسألة فى هل يتوافق نظام معمودية الأطفال مع التعليم عن سرّ المعمودية؟…

وهل ينسجم مع نظام الختان وقبول الدخلاء؟…

[ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ يَهُوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً ] [ 1 كورونثوس 12: 13 ]…

إن الدخول فى الكنيسة لهو الدخول فى جسد المسيح، وأعضاءه صرنا فى المعمودية…

هذا الدخول يجب أن يسبقه الإيمان والتوبة والتوبة والإيمان، وعليهما يُبنى الإختيار الروحى لمن يرغب فى الدخول إلى الكنيسة…

ومع هذا لا الإيمان وحده ولا التوبة وحدها ولا الإختيار الحرّ قادر أن يجعل من الراغب فى الإنضمام على الكنيسة عضوًا فى جسد المسيح…

إن الكنيسة لا تسجّل الراغبين فى الدخول إليها إن وَجدت فيهم الإيمان والتوبة ولكنها تكمّل سرّ المعمودية عليهم، الإنضمام إلى الكنيسة يكمّله الروح القدس الذى يرسله الله فى سرّ المعمودية…

الكنيسة هى مكان فعل الروح القدسن ولذا تُجرى المعمودية فى الكنيسة وهى التى تجريها بالإستقلال عن المعتمد ولو بناء على إختياره الحرّ…

المعمودية هى جواب الكنيسة عن إيمان الراغب فى الدخول إليها ولكن المعمودية نفسها تقتضى أن يتبعها إيمان المعتمد جوابا منه عن معموديته…

الدخول فى الكنيسة ممكن فقط بالإيمان بابن الله الذى أحب المعمد واسلم نفسه من أجله…

 الإيمان السابق للمعمودية يفرض الإيمان اللاحق إنفتاحا كاملاً له…

 

الحياة فى الكنيسة تبتدئ بوقت المعمودية بواسطة الإشتراك فى سرّ الشكر…

بدون هذا الإشتراك تظل المعمودية غير ومحققة…

وبدورها الحياة فى الكنيسة غير ممكنة بدون المعمودية…

 

هكذا نصل إلى العبارة ” الإيمان – المعمودية – الإيمان” وتبدو هذه العبارة إلزامية إطلاقا لكلّ الداخلين فى الكنيسة…

إن الشطر الأول والشطر الثالث من هذه العبارة يتعلّقان بالإنسان، امّا الشطر الثانى وهو الرئيسى فلا يتعلّق به، بلّ يكمّله الروح القدس بالكنيسة…

[ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ …]…

الإيمان السابق يفتح إمكانية تكميل المعمودية…

أمّا الإيمان اللاحق فهو الشرط لإمكانية الإشتراك فى الإفخارستيا…

 

إن الولادة الطبيعية من والدين يهوديين تعين إنتساب الأولاد إلى شعب العهد القديم المختار إلا أن الولادة الطبيعية وحدها لم تكن بكافية لتجعلهم أعضاء فى الشعب الذى اقام الله معه عهدًا…

فكان ختم الختان وحده يجعل المولود من أبوين يهوديين عضوًا حقيقيا فى شعب الله…

وفى اليهودية كان الختان يُنظر إليه كولادة جديدة ترافق الولادة القديمة…

وأن معنى الختان كعلامة إنتساب للشعب المختار ينطلق من هذا أن الوثنيين كانوا قادرين أن يصبحوا أعضاء فى شعب الله عن طريق الختان…

وكان يتمّ عليهم على أساس إيمانهم وحرية إختيارهم…

[ وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْماً لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ لِيَكُونَ أَباً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضاً الْبِرُّ ] [ رومية 4: 11 ]…

ولابد هنا ان نلاحظ أن ختان الأمميين كان يرافق ” غسل التطهير” الذى كان يجرى للرجال والنساء…

وأثناء ختن الدخلاء كان صبيانهم يختنون…

وأما ” غسل التطهير” فكان يجرى للبالغين والأولاد المولودين قبل ختانة الأب…

أمّا الأولاد الدخلاء المولودين بعد الختانة فما كانو خاضعين ل ” غسل التطهير”…

 

أن عصر الولادة الطبيعية لم يكن له معنى فى العصر الرسولى للدخول إلى الكنيسة…

فكان الأمم واليهود يتنصرون ” بختم” سرّ المعمودية…

فكما كان الختان، كانت المعمودية ختم الإنتساب إلى شعب الله…

إن المقارنة بين المعمودية والختان ظاهرة عند الرسول بولس:

[ وَبِهِ أيْضاً خُتِنْتُمْ خِتَاناً غَيْرَ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، بِخَلْعِ جِسْمِ خَطَايَا الْبَشَرِيَّةِ، بِخِتَانِ الْمَسِيحِ ] [ كولوسى 2: 11 ]…

بقوة هذه المقارنة استبدل الختان المصنوع بيد البشر بختان غير مصنوع بيد…

 

لقد أعوز الأمم واليهود ” غسل التطهير” ليصبحوا يفعل الروح القدس أعضاء فى جسد المسيح…

عليهم ان يولدوا من فوق، من الروح القدس لينتسبوا للعهد الجديد…

إن المعمودية ولادة روحية وبدونها لا حياة فى الكنيسة…

وقد حسم الرب يسوع سرّ المعمودية فى مقابلته مع نيقوديموس قائلاً:

[ فَقَالَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ .

قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟

أَجَابَ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ.

اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ.

لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ.

اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ ] [ يوحنا 3: 3 – 8 ]…

 

5 – الولادة الطبيعية من أبوين مسيحيين دعوة إلى العماد:

كان لا بد لعنصر الولادة الطبيعية أن يدخل فى حيّز الوجود فى الجيل المسيحى الثانى فيما يتعلّق بمعمودية الأولاد المولودين من أبوين مسيحيين…

إن النظام المسيحى، آنئذ، كان يوجهه نظام الرسل الأول عندما شرعوا يعمدون العَيل ( العائلات )…

إن حالات التعميد لعائلات كاملة كما هى موصوفة فى سفر الأعمال ما كانت نادرة…

إن المقارنة بين المعمودية والختان أوحت إلى الرسل وصحبهم أن يكملوا فى آن واحد معمودية البالغين والأولاد…

وإنّا لواجدون فى بولس الرسول ما يثبت ذلك عندما يقول:

[ لأَنَّ اَلرَّجُلَ غَيْرَ اَلْمُؤْمِنِ مُقَدَّسٌ فِي اَلْمَرْأَةِ وَاَلْمَرْأَةُ غَيْرُ اَلْمُؤْمِنَةِ مُقَدَّسَةٌ فِي اَلرَّجُلِ – وَإِلاَّ فَأَوْلاَدُكُمْ نَجِسُونَ. وَأَمَّا اَلآنَ فَهُمْ مُقَدَّسُونَ ( Aghia )  ] [ 1 كورونثوس 7: 14 ]…

فمن كلام بولس الرسول يتضح أن لعنصر الولادة الطبيعية علاقة مباشرة بالإنتساب إلى الكنيسة ولفظة ” أجيوس” التى يضعها بولس الرسول للأولاد من أب مؤمن وأم مؤمنة تعنى أنهم ينتسبون لشعب الله. أى أنه يفتح لهم أبواب المعمودية : إنهم مقدسون فإذًا قد إعتمدوا…

 

إن اللاهوت العقائدى يؤكد أن معمودية الأطفال تكمل يناء على إيمان الوالدين :

{ أما ما يختص بالأطفال فهم غير قادرين أن يكون عندهم إيمان وتوبة ولا أن يشهدوا لهما  قبل المعمودية فإنهم يتعمدون يناء على إيمان والديهم وإشبينهم الذين يتلون عوضا عتنهم قأنون الإيمان وجحد الشيطان وكل أعماله متعهدين أمام الكنيسة بتنشئة الأولاد فى الإيمان وحسن العبادة إذا ما بلغوا السن }…

 

إن إيمان الوادين هو حقيقة شرط إمكانية تكميل معمودية الأولاد…

فى العبارة ” الإيمان – المعمودية – الإيمان ”  الإيمان السابق عند المعتمد يقوم مقامه عند الولد كونه إبنا لوالدين مؤمنين…

الكنيسة تنتمى إلى الدهر الآتى ولكنها قائمة فى الدهر الحاضر…

والولادة الطبيعية عنصر طبيعى متعلق بالدهر الحاضر ولكن من أجل العائشين فى الكنيسة فإنها عنصر كنسى…

الولادة الطبيعية تجر إليها الولادة الروحية للدهر الآتى…

الولادة من أبوين مسيحيين شهادة تعطى للكنيسة أن نقول أن الله يدعو أولاد هذين الأبوين إلى الكنيسة…

ولذلك لا نستطيع أن نقول أن معمودية الأطفال تخرق حرية إرادتهم لأن الإرادة الحرة غير موجودة إطلاقا عندهم ونحن لا نقول ان الولادة الطبيعية تخرق الإرادة الحرّة عندهم…

ومن هنا تنبثق نتيجة أساسية تتعلّق بمعمودية الأطفال والأولاد…

إنها تكمل فقط لأولاد الأشخاص القائمين فى الكنيسة لأن قيام الوالدين فى الكنيسة يمكن أن يقوم مقام إيمان الطفل المعتمد…

ففى حالة معمودية الأطفال المولودين لأبوين غير مسيحيين ليس من إيمان سابق لأن إيمان الإشبين لا يستطيع أن يملأ فراغ الإيمان عند الأولاد

 

المولود لأبوين مسيحيين يدخل إلى العالم والله يدعوه إلى الكنيسة…

بالمعمودية المكملة فى الكنيسة يصبح عضوًا فى شعب الله…

إن حياته العاملة فى الكنيسة تتعلق بإيمانه اللاحق…

وهذا هو جواب من تعمد فى الطفولة عن نداء الله…

وبآن واحد هذا الإيمان هو جوابه للكنيسة التى عمدته على أساس نداء الله إليه…

وهذا الجواب يمكن ان يكون إيجابي وسلبيا…

ولكن فى هذه الحالة وتلك يظل عضوًا فى الكنيسة…

وكما يستحيل محو الولادة الطبيعية هكذا يستحيل محو الولادة الروحية…

وبقوة ولادته الروحية يعترف انه مقيم فى الدهر الحاضر وأنه ينتمى بآن واحد إلى الدهر الآتى…

على المعتمد نفسه أن يحقق إنتسابه إلى الكنيسة وان مسئولية هذا التحقيق ملقاة ليس فقط عليه ولكن على الكنيسة التى على أساس إيمان والديه كملت معموديته، ثم تقع هذه المسئولية على والديه…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- الكنيسة

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثامن: الكنيسة

الفصل الثامن: الكنيسة.

* الروح القدس يحقق الكنيسة جسد المسيح :‏

* الكنيسة شركة المؤمنين فى مواهب الروح :

* الإكليريكى والعلمانى وعضوية شعب الله :‏

* مواهب الروح ومعية الكنيسة :

* شركة المواهب وشركة المائدة :‏

* القداسة هى الهدف :‏

*معية القديسين:‏

* شفاعة القديسين :‏

* يسوع المسيح الشفيع الوحيد :


الفصل الثامن

الكنيسة

” ..وبكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية…”

 

 

* الروح القدس يحقق الكنيسة جسد المسيح :

فى الكنيسة مهمتان: مهمة للمسيح ومهمة للروح القدس…

فالمسيح بتجسده، بأبعاد التجسد الكاملة أى الفداء والقيامة، وضع الأساس…

[ فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاساً آخَرَ غَيْرَ اَلَّذِي وُضِعَ اَلَّذِي هُوَ يَسُوعُ اَلْمَسِيحُ ] [ 1 كورونثوس 3: 11 ]…

 

والأساس يصل إلينا نحن عن طريق الكلمة أيضًا، الكلمة المعبّر عنها بشتى المظاهر أى الإنجيل مقروءً، مدروسً، ممثلاً ومسكوبًا فى طقوس، فى خدمة وفى عبادة…

هذا هو الأساس…

 

هذا الأساس ينقله الروح القدس ويبنى عليه…

الروح القدس هو الذى ينشئ فى العتالم هيكل الله أى الكنيسة…

هيكل الله، حضور الله فى العالم، مؤسس وقائم على هذه الكلمة الواردة إلينا فى الإنجيل والتى ظهرت، أولاً، بشخص يسوع،…

وهذا الهيكل له نمو بالروح القدس الذى يشكل فى هذا العالم جسد المسيح…

أى أن هذه الكنيسة هى جسد المسيح…

أى هى محضر المسيح ومكان تجلّيه…

من هنا أنه يوجد عملان لا ينفصلان:

عمل المسيح البنيانى، الأساسى، ثم عمل الروح القدس الذى لا يأتى بمسيح جديد، بل يشكل المسيح فينا، ونفتحته هى التى تنشئ هذا المسيح فينا…

لهذا كانت الأسرار وهى مبنية على كلمة المسيح ولكنها محققة بالروح القدس…

مثال على ذلك:

المسيح عندما قال ” … خذوا كلوا هذا هو جسدى … واشربوا منه كلكم هذا هو دمى … لمغفرة الخطايا”، أسس سرّ الشكر…

كلامه هذا هو كلام التأسيس الذى أوجد هذا السر…

أما اليوم، بعد صعود المسيح، فالروح القدس هو الذى يبنى على هذا الأساس…

أى هو الذى يحوّل الخبز إلى جسد المسيح والخمر إلى دمه…

إذًا، فالمسيح يظهر ويشكل إنطلاقًا من خبز وخمر، بنفخة الروح القدس وبنزول هذا الروح على القرابين وعلى الجماعة…

كما أن كلام الله للإنسان فى الفردوس:

” تكثران وتملآن الأرض” أسس الزواج فجعله ممكنًا، إلا أن إتصال الرجل بالمرأة هو الذى يحقق كلمة الله…

الروح القدس هو، إذًا، المحقق لحضور المسيح…

 

* الكنيسة شركة المؤمنين فى مواهب الروح :

هذا الروح هو الذى يوحّد أعضاء الكنيسة وقد صاروا أعضاء فيها بالمعمودية…

ولكن يجب أن تتعمق عضويتهم وأن يقوى إنتسابهم للمسيح بالقداسة…

ما كانت المعمودية سوى مدخل إلى الكنيسة، ولوج إليها…

ولكن لايصل الإنسان إلى ملء قامة المسيح، أى لا يحقق الإنسان فى نفسه كل أبعاده المسيحية، كل قامته إلا بالنمو اليومى الدائم بالروح القدس…

ومعايشة المسيحيين بعضهم بعضًا وتساندهم بالمحبة هما اللذان يجعلان هذه الكنيسة شركة الروح القدس…

يقول الرسول بولس:

[ نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله الآب وشركة الروح القدس لتكن معكم ]…

من هنا أننا نصبح جسدًا للمسيح أى نصبح واحدًا له ومتجلى وإمتدادًا ليس فقط بالمعمودية ولكن على قدر هذا النمو الذى هو، أصلاً، حصيلة الميرون…

هتذا يعنى أن نموّنا يأتى بالميرون وأننا به ندخل فى الميثاق مع الله…

فكما أن الإنسان فى العهد العتيق كان يولد وفى اليوم الثامن يُختن أى يدخل فى ميثاق الله، هكذا، فى العهد الجديد، يولد الإنسان للمسيح بالمعمودية ولكن بالميرون يدخل فى ميثاق الله أى العهد…

معاهدة الله بهذا السرّ وختم الله علينا، ختم موهبة الروح القدس…

 

روح القداسة هو الأقنوم الثالث…

وهذه القداسة تتمّ عن طريق توزيع المواهب المختلفة…

الكلمة المستعملة فى اللغة اليونانية والتى ترجمت فى العربية بكلمة موهبة Charisma وهى مشتقة من لفظة Charis  أى النعمة…

والنعمة تعنى، طبعًا، العطاء المجانى، أى أن الواحد يعطى الآخر لقاء لاشئ…

Charisma تعنى، حرفيًا، حصيلة النعمة فينا وهى التى ترجمناها ب ” موهبة”…

وكلمة موهبة، فى العربية، تدل على الفاعلية والمفعولية…

تدل على المواهب ” الله الواهب” – ولهذا يُقال أن فلانًا عنده موهبة للدلالة بذلك على أن الله هو الواهب -، وعلى الشئ الموهوب…

والمقصود ب Charisma هنا هو هذا العطاء الذى وُهبه الإنسان من الروح القدس، بل إن هذا العطاء هو الروح القدس نفسه…

ومعنى هذا أن عطاء الروح القدس لنا ليس شيئًا خارج الله، مستقلاً عنه ولكنه قوة تفيض من الله نفسه…

لذلك، كل من أخذ موهبة فقد أخذ الله: ” أخذنا الروح السماوى”، ولكن الله له مفاعيل مختلفة…

 

* الإكليريكى والعلمانى وعضوية شعب الله :

يصف بولس الرسول، فى رسالته الأولى إلى أهل كورونثوس، مواهب الروح القدس…

[ فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.

وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ.

وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ.

وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعطَى إِظْهَارُ الرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ.

فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِالرُّوحِ كَلاَمُ حِكْمَةٍ. وَلآخَرَ كَلاَمُ عِلْمٍ بِحَسَبِ الرُّوحِ الْوَاحِدِ.

وَلآِخَرَ إِيمَانٌ بِالرُّوحِ الْوَاحدِ. وَلآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِالرُّوحِ الْوَاحِدِ.

وَلآخَرَ عَمَلُ قوَّاتٍ وَلآخَرَ نُبوَّةٌ وَلآخَرَ تَمْيِيزُ الأَرْوَاحِ وَلآخَرَ أَنوَاعُ أَلْسِنَةٍ وَلآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ.

وَلَكِنَّ هذِهِ كُلَّهَا يَعمَلُهَا الرُّوحُ الْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ قَاسِماً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ كَمَا يَشَاءُ ] [ 1كورونثوس 12: 4 – 11]…

وثمة فى مواضع أخرى ذكر لموهبة الشفاء، مثلاً، وموهبة التدبير وموهبة ترجمة اللغات وموهبة النبوّة وما إلى ذلك…

هناك، إذًا، مواهب متعددة ومنها الموهبة العامة التى هى أن يكون الإنسان عضوًا فى شعب الله، ويسمّى فى العامية علمانيًا…

وربما أتت هذه اللفظة من السريانية ” عُولِم”…

وهى فقط من علم أى الاهتمام يأمر هذه الدنيا…

العلمانى، فى العامية، تعنى من ليست له علاقة بالعلوم اللاهوتية الروحية ولكنه يتعاطى العلم الاعتيادى…

وإذا أتت من ” عُولِم” فهى تعنى من يتعاطى شؤون هذه الدنيا…

هذا التفسير لكلمة علمانى خاطئ، طبعًا، وهو صادر عن التفكير اللاهوتى الغربى…

علمانى تعنى Laicos وهذه كلمة يونانية مشتقة من Laos التى تعنى شعب…

و

Laicos اليونانية تعنى العضو، ومن الأفضل تعريبها بكلمة ” عامّى” أى بالنسبة لعامّة الشعب…

وهكذا فإن العامى، أى الذى من الشعب، هو عضو فى الشعب الإلهى، والحقيقة أن كل إنسان، حتى الإكليريكى، عضو فى الشعب الإلهى، الإكليريكى عامى أيضًا، والقول الذى شاع فى هذه البلاد، وهو أيضًا هناك إكليريكيًا وعلمانيً، قول لا أساس له…

فكل من نال الميرون صار من شعب الله، والاكليريكى عندما صار إكليريكيًا لم يبطل أن يكون من شعب الله أى علمانيًا…

 

ضمن هذه الشركة المواهب متنوعة، الله ينوّعها…

هو الذى يجعل كلاً منّا عضوًا فى شعب الله، وهو الذى يعطى الحياة الأبدية للمؤمنين، أى أن حياة الله فيهم يعطيها هو بدفق دائم…

وإذا تآزرت هذه المواهب تتشكل الكنيسة…

أى يخرج المؤمنون من كونهم جماعة زمنية تعيش فى هذا التاريخ، جماعة سوسيولوجية، يخرجون من وضعهم الاجتماعى إلى وضع أبدى…

أى أنهم يأخذون حجمهم الإلهى عن طريق الروح القدس…

أى كما أن ثمة قوة فيهم حتى يشهدوا فى العالم، هكذا أيضًا، وبعكس ذلك، فيهم قوة حتى يتصفوا من تقلبات هذا العالم، من خطايا هذا العالم ليصبحوا شعبًا لله…

وعلى قدر ما يصيرون شعبًا لله يعودون ليشغلوا فى هذا العالم باستقلال عنه، أى تكون هناك، بينهم وبين العالم، فسحة من الحياة الأبدية…

فالحياة الأبدية التى فيهم تجعلهم يحكمون فى شئون هذا العالم ويوجهونه…

 

ولكن ثمة وجهًا إلى الله أولاً…

الروح القدس هو الذى يوجهنا إلى الله…

يوجهنا تعنى، فى العربية، يلفت وجوهنا إلى الله، يديرها حتى تتطلع إليه…

وعلى قدر ما تنظر هذه الوجوه باتجاه واحد، على هذا القدر، نكون كنيسة…

نصبح كنيسة على قدر ما يلتفت وجه كل واحد منا ليتطلع إلى الله…

ولكن، عندما نتطلع إلى الله ونحن نمارس الخدمة، تبقى لكل من موهبته الخاصة…

عندنا جميعًا موهبة العلمانية،أى موهبة الميرون، وهى أن نكون مختومين لله، محفوظين للمسيح، مخصصين له…

فإذًا، إذا كنا نحن مختومين ليسوع المسيح معنى هذا أننا ننفتح له فقط، فبهذا الاتجاه الواحد إلى الله، ونحن فى هذا العالم، نشكل الكنيسة…

الكنيسة إذًا، هى، دائمًا، متجهة إلى الله الآتى إليها، وهى، بسبب الخدمة من أجل تحويل هذا العالم، متجهة على العالم…

 

* مواهب الروح ومعية الكنيسة :

من هنا أنن نحتمل بعضنا بعضًا، كما يقول الرسول بولس فى رسالته إلى أهل رومية، ليس لمحاكمة أفكار، ونحمل بعضنا لاثقال بعض ولا ندين أحدًا بل نقبل الموهبة التى فى الآخر…

نقبل، مثلاً، أن فلانًا واعظ كبير وأن فلانا مدبّر صالح…

ولذلك، لا يفتش الواعظ الكبير عن أن يصبح مدبرًا أى إداريًا، وإذا فعل ذلك فإنما هو يضيع وقته لأن الروح القدس لم يعطه هذه الموهبة…

وايضً، لا يفتش الإدارى الكبير عن أن يصبح واعظًا…

الإنسان لا يستطيع أن يأخذ شيئًا لم يعطه إيّاه الله، أساسًا…

تبقى هناك، طبعا، جهود بشرية…

كل الأمور التى بمتناول الإنسان يجب السعى إليها…

الوعظ، مثلاً، يُتعلّم كتقنية، كفن، ولكن قد يستمر الواحد عشرين سنة فى تعلّم الفن وقد يُتقن خطابا سياسي وأدبيا دون أن يتوصّل إلى إتقان عظة دينية إذا لم تكن عنده النفحة لذلك…

 

الأسقفية، أساسًا، تجمع مواهب فى الكنيسة مختلفة كالتعليم والإدارة، وما إلى ذلك…

والأسقفية ليست سلطة وإمتيازًا ولكنها موهبة…

والإنسان لا يعمل، فى الأساس، شيئًا حتى ينال الموهبة…

فهو لا يستطيع أن يصنع نفسه كاهنا…

فإمّا أن يكون من بطن أمه كاهن ولا يكون…

وهو يستطيع أن يكتشف ذلك فيما بعد إذا كان موهوبًا له، والبطريرك يقول له ذلك والكنيسة جمعاء تستطيع أن تقول له ذلك…

يبقى أن أصحاب المواهب يتبنّون بعضهم بعضًا، يقبلون بعضهم بعضًا ويقبلون تنوعّهم…

هذه عملية من أصعب ما فى الدنيا: ان أقبل أن يكون فلان إداريصا بينما أنا لست إداريا، وأن يكون فلان معلما بينما أنا لست معلما…

والخطأ يكون عندما يهيج كل منا نفسه ليجمع المواهب كلها…

نحن نقبل التنوع لأننا نقبل الله مصدرًا للكلّ…

 

لا شك أنن، فى الكنيسة، حتى نكون معية يجب أن ننمى المواهب فى كل إنسان…

فالذكى مثلاً يجب أن لا نطمسه حسدًا ولكن نظهره لأن المسيح يستفيد من ذكائه، ولأن القضية التى نحملها تنجح بالاشتراك…

بالمحبة، إذًا، والتشجيع نجعل الآخرين يتقدمون…

إذا كانت تهمنا، فعلاً، مصلحة المسيح، فيهمنا بالتالى أن يبقى فلان تقيًا لا أن نقص له حواجبه وننمّ عليه…

ومن أجل هذا نستر بعضنا عيوب بعض…

من واجبنا، طبعا، أن نوقظ المواهب فى الناس، ذلك أن الإنسان لا يعرف نفسه موهوبًا…

المحبة الأخوية هى القوة التى توقظ المواهب…

فنحن، إذًا، نحيط الناس بعناية وعطف حتى تستفيق فيهم مواهب الروح القدس لتنمو بالتنوّع…

من هنا اننا لا نستطيع، إعتباطا، أن نقرّر ما هو الأكثر فائدة للكنيسة فى هذا لابظرف وذاك…

أى أننا لا نستطيع نحن أن نقرّر، مثلاً، أن الكنيسة، اليوم، بحاجة إلى إداريين فنأتى بأحسن الإداريين ونجعلهم رؤساء، وإكليروسً وغير ذلك…

هذا تفكير خاطئ…

لا نستطيع نحن ان نقرّر أن الكنيسة بحاجة إلى لاهوتيين أكثر مما هى بحاجة إلى ناس عمليين…

الكنيسة بحاجة إلى مواهب متنوعة ومتعددة كما رسمها الله على لسان الرسول بولس…

نحن ليس لنا أن نقرّر ما هو المهم وما هو غير المهم…

ما يكشفه الله أنه مهم هو المهم…

وبالتالى فإن هذه المواهب تتآزر ونوقظها نحن فى الناس…

 

* شركة المواهب وشركة المائدة :

إذا عرفنا ذلك فنحن نعرف أن هذه الشركة بين أصحاب المواهب تتوطد على قدر إلتفافنا حول المائدة، مائدة القرابين حيث يتغذى أصحاب المواهب لينتقلوا إلى العالم…

عندما نأكل جسد المسيح ونشرب دمه نكون، بالتالى، فى حالة التقوى بمواهب الروح كل حسبما وُهب…

الإكليروس والعلمانيون يشتركون معا فى حياة الكنيسة حسبما أُعطى كل منهم من مواهب الروح…

الاشتراك الأمثل والضرورى جدًا والذى لا حياة لنا بدونه هو الاشتراك بجسد ابن الله فى كل قداس إلهى حيث تكون ال ” بيرارخيا”…

وال ” بيرارخيا” كلمة يونانية ليست لها ترجمة فى أيّة لغة، وهى تعنى الجماعة المتشاركة…

إنها مشتقة من كلمة تعنى القدسى…

وهى تعنى هنا المبدأ القدسى…

وباتصال الكلمتين صارت تعنى المشاركة حسب رتب مختلفة…

ال ” بيرارخية” عندما صورها ديونيسيوس الأريوباغى – راهب من القرن السادس، وهو على الآرجح، سورى – صوّر المائدة المقدسة وحولها الأسقف والكهنة والشعب المؤمن وتسع طغمات منها المعمودية والميرون، وهذه الطغمات صورها واقفة حول المذبح…

وفى السماء أيضًا تسع طغمات ملائكية حول العرش الإلهى…

الرتب هنا على الأرض تناسب التى فى السماء…

هذا يعنى، بكلمة ثانية، أن عمل الله ينبث من القرابين، من المذبح، وهكذا إلى هذه الحلقات الملحقة حول جسد ابن الله…

هذا ما يسمّى بال ” بيرارخيا”… 

الذى نال الميرون صار فى ال” بيراخيا” العامة فى الكنيسة…

فجسد ابن الله، إذًا، هو المصدر، ولكنه يأتى أيضًا بحلول الروح القدس على القربان والخمر…

وبالتالى فإن تناولنا لجسد ابن الله هو تناولنا لقوة الروح القدس…

بالنتيجة، إن جسد ابن الله يجمعنا بمعنى أن كلاً منا يزداد فى موهبته، وهكذا يرتفع مستوى الكنيسة…

 

ليست غاية المناولة، إذًا، أن يسر الواحد به ويشتاق إليها فقط، غاية المناولة أن تتشكل الكنيسة…

أن تصير موحدة لأننا بتناولنا الجسد والدم ننضم إلى ابن الله الجالس فى السماوات…

ينمو جسده وينمو كل منا بموهبته الخاصة وتنتقل الكنيسة من جسم مبعثر غارق فى الدنيويات والشهوات إلى جسم مُرَوْحَن أكثر فأكثر أى معبأ بقوة الروح…

 

* القداسة هى الهدف :

المسيحى، إذًا، هو من يسلك درب القداسة فى شركة الأخوة…

ليس من أحد يفهم إلا على قدر ما يتقدس…

ليس الفهم بالدماغ، إنه بالروح القدس إذا حلّ عليك…

دماغك لا يقدّم فى هذا ولا يؤخر، هو يفسّر لك بعض الأمور ويوضحها، والتوضيح والتفسير هما فقط لتنظيم الأشياء وترتيبها ولا يخلقان فاعلية إلهية…

كما أنه إذا شرحت أمامكم لوحة فنية فمجرد الشرح لا يخلق عندكم شعورًا بالجمال ما لم يكن فيكم حس الجمال…

ليست القضية بالشرح، والحياة المسيحية ليست بالمحاضرات ولكنها أن ينزل الله عليك ولا ينزل…

القضية قضية نعمة إلهية تأتى على الإنسان وعلى قدر قداسته بفهم…

ولكون الإنسان لا يستطيع أن يتقدّس لوحده وجب عليه أن يحب لكى يتقدس – فالذى لا يحب ليس عنده شئ – وعليه أن يعيش مع الجماعة فى خدمة عملية…

وعلى قدر ما يتساند والجماعة هذه، كلهم بعضهم مع بعض، يصبحون إنسانًا واحدًا فى المسيح يسوع…

إذا أحبت هذه الجماعة الموجودة هنا بعضها بعضًا حقيقة وفى الأعماق، وإذا تطهّر كل واحد فيها من شهواته، تصبح قادرة على الفهم والحياة فى المسيح يسوع…

العملية الأرثوذكسية هكذا تكون:

{ لنحب بعضنا بعضًا لكى، بعزم متفق ( بقلب صادق ) نعترف مقرين بآب وابن وروح قدس…}…

المحبة شرط المعرفة ومفتاح المعرفة…

ولذلك أن أتعاطى شهواتى المختلفة، والبغض والحقد والحسد والإغراء وما إلى ذلك وأن أذهب بعد ذلك لأقوم بإجتماع دينى فهذا غير ممكن، ذلك أن الناس الذين هم على شئ من البصيرة يدركون أن كلامى مكرر، مجتر وأنه مجرد نقل عن الكتب ولم يصدر من داخلى ويمر فى عظامى كلها لأننى ما زلت محافظًا على شهواتى وبالتالى لا يمكننى أن أتكلّم ولا أن أخدم…

ولذلك السؤال:

لماذا المسيحيون متقاعسون ومتكاسلون؟…

جوابه:

لأنهم لا يحبون الله ولأن خطاياهم تمنعهم من النشاط…

لا يوجد تفسير ثانٍ…

وليس فى الأرثوذكسية غير هذا التفسير الوجودى…

إذًا فهذه الشركة وهذه المعية تقويان بالمحبة اليومية العملية…

 

*معية القديسين:

إن المشاركة بين المؤمنين، بالروح القدس الواحد فيهم، لا يقطعها الموت…

المحبة أقوى من الموت…

وما سمّى شركة القديسين، ونترجمه هنا معيّة القديسين – والمعيّة كلمة عربية جميلة جدًا لا ترادفها كلمة فى أيّة لغة أخرى – وهى تعنى هنا القديسين الذين على الأرض والقديسين الذين فى السماء، بحيث أن الرسول بولس يسمى المسيحيين، هنا على الأرض، قديسين، وحيث أن القديس هو الذ خُصّص لمسيح وكُرّس له، والقديس ليس هو البطل، فالمسيحية ليس فيها ما يسمّى بطولة – هذه المعيّة تعنى أن ثمّة عُرى لا تنفصم بين الذين هم على الأرض والذين إنتقلوا إلى الله…

إن البروستانتية، حين ألغت ذكر القديسين الممجدين، حرمت نفسها من كنز لا يثمن…

حرمت نفسها من أن تبقى واحدة مع المواكب، مع هذه الأجيال البارة التى سبقتنا…

لأنه إذا كان المسيح واحدًا، إذا كان المسيح غالبًا الموت فغلبته تفعل الآن وإلا فليست شيئًا…

إذا قلنا أننا كلنا أموات ونفنى فى القبور وأن المسيح سوف يعيدنا إليه فقط فى اليوم الأخير فهذا القول يعنى أن ثمة فجوة بين قيامة المخلص واليوم الأخير وأن هذه الفجوة لا يسدها أحد…

 

خطأ البروستانتية الأساسى أنها لا تعرف الشركة…

هى تعرف أن الإنسان مع ربه فقط…

ولكن حقيقة الإنسان أنه مع الإنسان الآخر والله بينهما جامع…

ليس صحيحًا أنى أنا مع الله لوحدى…

أنا معكم وكلنا، بعضنا البعض، مع الله…

هذه هى الإنسانية، هذا هو جسد المسيح…

المسيح هو فى الذين يحبونه، هؤلاء أعضاء لا ينفصل بعضها عن البعض الآخر…

والله الآب هو أبو هذه العائلة والمسيح يشكلها والروح القدس مبثوث فيها…

هذه حقيقة الإنجيل…

وحيث أن إيماننا أن المسيح قد قام حقًا فهو، من الآن، مهيمن على هذه الجماعة، أى أن قيامته، إنقاذه الإنسان من الخطيئة والفساد، هذه القيامة فاعلة وإلا فمعنى هذا أن اليوم الأخير مفصول عتن القيامة وكأن المسيح ذكرى نلهج بها…

أى أن ثمة هوة هائلة بين المجئ الأول والمجئ الثانى إذا لم يكن هناك قديسون، إذا لم يوجد أناس موصولون بعضهم مع بعض…

الكنيسة، بالتالى، فى جانب من جوانبها، وهى هذه الموصولية بين كنيسة الأرض وكنيسة الأبكار المكتوبين فى السماء…

وهتذه الموصولية تمثلها الكاس المقدسة عندما نضع فيها أجزاء الأحياء والأموات، بعد مناولة المؤمنين، فتمتزج الأعضاء الحية، أى الأحياء العائشون هنا، والأعضاء الذين انتقلوا إلى الله، الذين ذُكروا، والقديسون ممثلين بتسع طغمات عن يسار الحمل، ووالدة الإله التى هى عن يمين الجوهرة فى الصينية…

يتحد هؤلاء بالدم الإلهى…

هذا يعنى أن دم المسيح الذى سُكب انبث فى الدنيا ويجمع الأحياء والأموات، يجمع الذين مُجدوا فى قداسة معلنة والذين انتقلوا ولم يُمجّدوا فى قداسة معلنة ولكنهم يساهمون فى حياة الله والذين، هم على الأرض، يسعون سعيًا…

هؤلاء كلهم مربطون بعضهم مع بعض بدم الحمل الإلهى وهم معيّة…

 

ولذا فالإنسان ليس هو، فقط، ابن اليوم…

الإنسان مسنود…

أنا موصول، منذ ألفى سنة، بأناس سبقونى، بهذه المواكب التى تتعاقب بالشهادة والدم والأسقفية والذبيحة المستمرة…

 

* شفاعة القديسين :

من أجل هذا فالدعاء للقديسين – وهو ما يسمّمونه الشفاعة – هو نتيجة منطقية لكونهم:

[ وَلَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ لأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَهُ أَحْيَاءٌ ] [ لوقا 20: 38 ]…

ويقول صاحب نشيد الأنشاد:

[ أَنَا نَائِمَةٌ وَقَلْبِي مُسْتَيْقِظٌ ] [ نشيد الأنشاد 5: 2 ]…

إذًان فهؤلاء النائمون فى القبور ليسوا أمواتًا، قلوبهم يقظة…

وإذا أردتم تمييزًا فلسفيًا بين النفس والجسد، فنفوس هؤلاء، منذ الآن، قائمة من الموت…

نفوسهم قائمة بفعل المسيح وأجسادهم منحلة وهذه المقبرة ختمناها بالماء المقدس فأشرنا بهذه الطريقة الرمزية إلى أنها استهلال للقيامة، إنها بدء، إنتظار…

هذا الانتظار هو تطلّع على ما سوف يكون…

 

ولكن عندنا، هنا، امران:

عندنا – وهذا رأى أورثوذكسى وليس عقيدة – أن بعض الأجساد لا تفنى ولكن تبقى طرية، مثال على ذلك:

المطران صدقة الموضوع فى دير مارإلياس – شوبا، وقد توفى منذ ما يقرب من مئة وخمسين سنة ولم يزل اللحم على جسده وكذلك شعره…

وكثيرين من أجساد القديسين لم تر فسادًا محفوظة بالكاتدرائية بكلوت بك بالقاهرة…

عن هذه الحالات يقول سمعان اللاهوتى الحديث انها حالة وسط وأن ثمة إنتظار لملكوت السماوات بحيث أن الجسد لا ينحل ويبقى فى حالة وسطى للدلالة على أن هذه الأجساد سوف تبعث…

وبصرف النظر عن هذا الرأى، ثمة أمر آخر مهم هو بقايا رفات القديسين وبقايا الشهداء المحفوظة فى الكنائس والأديرة…

 

المهم هنا اننا نؤكد هذه المعية بكل هذه الرموز والأعمال، تؤكد هذه المعية الواحدة بيننا وبين الذين ذهبوا، نؤكد ان الروح القدس الواحد يجمع بينهم وبيننا…

 

ولهذا فالموقف الأرثوذكسى فى إستشفاع العذراء والقديسين، أى طلب دعائهم لنا، الموقف الأرثوذكسى فى ذلك ليس أنهم جسر يوصلنا إلى الله – ذلك أن الله أقرب إلينا مما هم إلينا، وهذا التصوير أن الله بعأيد وأنهم هم يقربوننا إليه تصوير خاطئ – إنما هو أنهم هم معنا فى صلاة واحدة…

والقضية هى فقط قضية ناس مرتبين حول عرش الله…

ويمكننا القول أن الذين سبقونا إلى المجد الإلهى انتهى جهادهم، أكملوا الجهاد الحسن…

من هذه الناحية هم ثبتوا فى سكون الله…

نحسبهم كذلك بحيث أننا نعتبر أنفسنا خطأة وأننا ما زلنا فى الجهاد فيما هم أكملوا الجهاد…

ولا يختلف موقف الإستشفاع هذا عن أى طلب شفاعة…

فمثلاً، عندما يقدّم أحدنا تقدمة للكنيسة فى عيد قديس ما يطلب إلى الكاهن أن يذكر له اسمه فطلب الشفاعة باسم هذا القتديس وذاك يكون من باب أن طلبة البار تقتدر كثيرًا فى فعلها…

البار يصلى، طبعًا فى الكنيسة، ولست أتكلم عن الصلاة الطقسية التى يرأسها الكاهن من حيث الوظيفة، ولكنى اتكلم عن الدعاء الخاص الذى نطلب فيه شفاعة الأبرار…

من هذه الناحية نحن نطلب شفاعة الأولين هؤلاء الذين ينتمون إلى الصف الأول من هذه الصفوف التى، فى النهاية، تتحلق كلها حول السيد المسيح…

 

* يسوع المسيح الشفيع الوحيد :

من هنا أنه يصبح سطحيًا هذا السؤال:

لماذا نصلّى طلبًا لشفاعة مريم العذراء عند الله فى حتين أن الشفيع الوحيد عند الله هو يسوع المسيح؟…

المسيح هو الشفيع الوحيد بين الله والناس ليس بمعنى أنه يقصينا ولكن بمعنى أنه يقصى شفاعة العهد القديم…

أى أن موسى لا يمكن أن يكون شفيعًا بين الناس والله، فالناس فى اليهودية بقوا مفصولين عن الله إلى حين أتى المسيح فاتحدهم به…

إذًا، فالوسيط الوحيد الذى يجمع بين الله والناس هو يسوع المسيح، كما يقول الرسول بولس…

أى هو الذى عُلّق على الخشبة…

فلأنه رُفع على الخشبة ومات ثم قام ألصق الله بالناس…

هذا يعنى أنه لا يوجد إلتصاق بين الله والناس عن طريق اليهودية ولكن عن طريق العهد الجديد…

وهكذا عبارة الشفيع الوحيد هى ليست لإقصاء مريم وبقية القديسين، كلمة وحيد هى لإقصاء الذين سبقوا أى لإقصاء شرعية اليهود…

وبالتالى فالمسيح يبقى الشفيع الوحيد بين الله والناس ونحن فيه…

إذًا، فهذا الشفيع الوحيد بين الله والناس هو المسيح النامى العملاق الذى ينمو من الآن وإلى آخر الدهر…

والذى يتناول جسد المسيح ودمه يلتصق به ويصبح جزءًا من المسيح…

إذًا، فالذى أصبح فى المسيح قائمًا من بين الأموات، الذى يتغذى من القيامة ويصبح إنسانًا قياميا، هذا الإنسان يصلى فى المسيح، من جوف المسيح يصلى ويبقى فى هذه الوحدانية المتشفعة، يبقى فى هذا الكائن الوحيد المتشفع من أجل الناس…

 

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- الثالوث القدوس

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل السابع: الثالوث القدوس

الفصل السابع: الثالوث القدوس

*ليس الثالوث فلسفة :

*ما يُنسب للإنسان لا يُنسب لله :

*الثالوث يتعدى العدد :

*موقف روحى صوفى :‏

*من هو إله المسيحيين؟ :

*الابن مولود من الآب والروح القدس منبثق من الآب :‏

*المعنى الأخير للثالوث :‏

*الثالوث متجلى الله :‏

 


 

الفصل السابع

اَلثَالوث القدوس

” ..أؤمن بإله واحد، الله الآب….وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور … نعم أؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب…”

 

 

* ليس الثالوث فلسفة :

إن الكثيرين من المسيحيين يظنون أن عقيدة الثالوث هى نظرية فلسفية وهى قضية معقدة لا يفهمها أحد، وبالتالى هى موجودة ونقول بها، إلا أنها لا تمت بصلة إلى الناس وإلى ما يعيشون…

ولكن عندنا القديس ” إغريغوريوس اللاهوتى” الذى يقول: ” الثالوث فرحى”…

إذً، وُجِدَ أناس ليس الثالوث بالنسبة إليهم شرحا فلسفيًا، ليس تعليما للأذكياء ولكنه حياة تُعطى للناس جميعا، وكل الناس يمكنهم الإشتراك فى حياة الثالوث…

ليس عند المسيحيين تعليم إلا وله علاقة بحياة البشر الأقرب إلى معيشتهم، ليس المسيحيون فلاسفة وليس ثمة عنصر فلسفى فى دياناتهم، وهم يُجلّون إيمانهم عن أن يكون فلسفيًا…

هذا يعنى أنه ليس هناك عنصر أرضى يكوّن إيمانهم…

هم يقولون أن الألف والياء فى إيمانهم هو الثالوث القدوس…

وبالتالى، لا مهرب من أن نواجه هذا الذى يقال عنه فى المسيحية أن البداية والنهاية…

 

* ما يُنسب للإنسان لا يُنسب لله :

يجب القول، بادئ ذى بدء، تمهيدًا لبسط العقيدة، أننا إذا تحدّثنا فى الله فإنما يكون للكلمات معانٍ غير المعانى المألوفة…

الله يُتَحّدث عنه بتنزيهه عن المخلوق…

الله ليس مثله شئ، ليس مثله مخلوق…

فالحديث عنه، إذً، بكلمات – طبعا لا يستطيع الإنسان إلا أن يتكلّم، وهذا العلم الإلهى نقول عنه إنه التكلّم بالإلهيات – ولكن، حتى إذا تكلمنا فى أمور الله فنحن نضمّن الكلمات معانى غير المعانى المعروفة، له، طبعا، صلات بالمعانى المعروفة ولكنها غيرها فى النهاية…

مثلاً:

إذا قلنا أن هذا الإنسان واحد وليس إثنين فليس بهذا المعنى نقول إن الله واحد. الله واحد ولكن ليس تشبيها بأن هذا من الناس وذاك هو واحد. هناك، طبعا، شئ من القرابة بين أن الله واحد وأن هذا من الناس وذاك واحد. ولكنها فقط قرابة. لا نعنى الشئ نفسه إذا قلنا واحد عن إنسان وإذا قلنا واحد عن الله. ليس هناك مدلول واحد. عندنا مدلولات مختلفة. إذا قلنا أن هذا الإنسان جميل، بمعنى أن ثمة تناسقا بين عينيه ومنخريه وفمه وقامته… إلخ. فليس بهذا المعنى نقول أن الله جميل…

 

ماذا نعنى عندما نقول أن الله جميل؟…

هذا يفرض حركة فى القلب، حركة تطهّر كبيرة…

وندرك فى الصلاة، فى التأمل الروحى، أن الله جميل…

الله هو الذى يُتصل به ويُعبد وفى النهاية، لا يُتكلم عنه…

ولكن لابد من الكلام…

فنقول، إذًا، كلاما منزها عن الكلام البشرى…

نقول عن الله ما ليس هو، ولا نقول عنه ما هو…

نقول، مثلاً، الله ليس بواحد، ليس بجميل وليس بموجود، إذا كان الإنسان موجودًا بمعنى أن له عظاما ولحما ونفسا… إلخ…

أى أننا إذا حددنا كيان الإنسان فليس بهذا المعنى الله موجود…

ولا يمكننا، بمعنى من المعانى، أن نتكلّم عن الله مثلما نتكلّم عن الإنسان…

صحيح أن الله موجود أى هو قائم، ولكن هل هو موجود مثلما الإنسان موجود؟…

كلا…

دائما هناك كلا عندما نتكلّم عن الله…

ليس هو موجودًا بنفس الوجود الإنسانى…

إذا كان للإنسان جوهر، فهل لله جوهر؟…

نقول فى نشيد الميلاد: { العذراء تلد الفائق الجوهر }…

لم نقل أن له جوهرًا ولكن أنه يفوق الجوهر…

فإذًا، إذا كان الإنسان ذا جوهر فالله ليس ذا جوهر…

ما يُنسب للإنسان لا يُنسب لله…

الله يُنزّه دائما ويُرفع ويُعلى…

 

* الثالوث يتعدى العدد :

بناء على ما تقدّم…

إذا قلنا أن الله مثلّث الأقانيم، وإذا قلنا أنه واحد فى الجوهر فهذا ليس معناه، على الإطلاق، أنه هو ثلاثة و أنه واحد…

ليس هو ثلاثة بمعنى العدد…

العدد لا علاقة له بالله…

لا يستطيع الإنسان إلا أن يعدّ المحسوسات…

الله لا يُعدّ لإن من عدَّه فقد حَدّه…

وذلك، عندما يقول شهود يهوه والمسلمون و اليهود، عندما يقولون عنّا أنّ عندنا ثلاثة آلهة، لأننا نقول: واحد وثان وثالث، ( وهم يعنون بذلك أن عندنا ثلاثة آلهة )…

فالجواب على ذلك هو أننا لا نعدّ الله ثلاثة…

ليس هذا عدًّا…

أحدهم اسمه الآب وأحدهم اسمه الابن وأحدهم اسمه الروح القدس…

إذ أنه يُجاب على المسلم واليهودى وشهود يهوه بأنه إذا كان إلهك واحدًا وأنت تعدّه واحدًا فهذا كأنك تعدّه ثلاثة وأربعة وخمسة عشر…إلخ…

لأنك إذا عدَدْته واحدًا معنى هذا أنك حدّدته بواحد…

الله لا يُحَدّ…

فإذًا، واحد ليس أقل من ثلاثة…

إذا كان ثلاثة عددًا فواحد عدد أيضًا…

الله ليس واحدًا إذا قصدنا بهذا أنه ليس إثنين…

هو واحد، هكذا قال عن نفسه بمعنى لا أعرفه عقليا ولا يمكن أن أعرفه عقليا…

ولكن هكذا كشف هو نفسه…

وأنا أستطيع، بالإتصال الروحى، بالصلاة، بخيرة القديسين وخبرة الجماعة أن أذوق كيف هو ثلاثة، كيف هو واحد…

ولكن يبقى أن القضية ليست إحصاء…

 

* موقف روحى صوفى :

تلاحظون أننا أرجعنا الآن إلى موقف روحى، صوفى، إلى موقف يفوق كل إدراك عقلى، لأننا نحن لا نستوعب الله ولكنه هو يستوعبنا…

وبالتالى لا مبرر للسؤال:

كيف أن الثلاثة واحد والواحد ثلاثة؟…

لأنه ليس همّى أن أفهمك هذا ولا يمكنك أن تفهم هذا…

وأكثر من ذلك لا يمكنك أن تفهم، حتى، كيف أن الله واحد؟…

ولكن عقل الإنسان حسابىّ وهذا بالنسبة إليه بسيط أكثر من أن تجعله يقارن بين شيئين فيلتبس عليه الأمر وتتعقد بساطته العقلية…

ولكن، فى حقيقة الحال، عقليا، الواحد ليس أبسط من ثلاثة…

ويبقى فهمك للواحد على نفس صعوبة فهمك للثلاثة…

فإذًا، لا يفتخرن أحد علينا بأن عنده ديانة عقلية…

وهل فهم أنّ الله واحد هو موقف عقلى؟…

كل وجود الله، فى الأساس، ليس عقليا…

العقل البشرى لا يفرض عليك الوجود الإلهى…

ويرتاح العقل البشرى، كليا، إنّ بوجود الله و بعَدّ وجوده…

إذ يمكن لهذا العقل أن يصعد إلى القمر وأن يصنع مختبرات وصواريخ سواء كان الله، بالنسبة إليه، موجودً وغير موجود…

ولا يستطيع العقل البشرى، بقدرته الوحيدة، إلا أن يعدّ…

والفيزياء الصحيحة والسليمة هى، فى النهاية، العدّ، هى حساب…

كلّ شئ ليس هو حسابا ليس علما…

كلّ شئ ليس هو حسابا ليس معرفة…

الله ليس حسابا لذلك فهو لا يُعرَف ولا يستدلّ عليه…

 

* من هو إله المسيحيين؟ :

فى سفر الرؤيا آية تقول عن المسيح أنه:

[ وسيَسجُدُ لَه أَهلُ الأَرضِ جَميعًا، أُولئِكَ الَّذينَ لم تُكتَبْ أَسْماؤُهم مُنذُ إِنْشاءِ العالَمِ في سِفرِ الحَياة، سِفرِ الحَمَلِ الذَّبيح ] [ الرؤيا 13: 8 ]…

إذًا، قبل أن يخلق الله العالم كان عنده فى جوفه حمل مذبوح وهو الابن الذى أعدّه لخلاص العالم…

هذا قبل أن يُنشأ العالم…

هناك، إذًا، عملية حُب فى داخل الثالوث…

الله أعدّ ابنه ليكشف للعالم بأنه محبوب، أى بأن العالم هذا محبوب…

ويحذرنا الآباء، طبعا، من أن نتحدّث فى الثالوث القدوس إذا كنا نريد أن نتكلم عن علاقة الله بالعالم…

هذا الحديث، يقول الآباء، هو خارج عن المبحث الثالوثى…

ثمة علم اسمه ” الثيولوجيا” وهو الكلام عن الله فى أزليته، بحد نفسه…

وثمة علم اسمه ” إيكونوميا” وهو التدبير، أى هو كيف أن الله يريد أن يدبر هذه الدنيا عن طريق الخلاص…

ويقول لنا الآباء، أيضًا، أن البحث فى ” الثيولوجيا” هو غير البحث فى ال ” إيكونوميا” أى فى تدبير الخلاص…

 

الإله الواحد الأحد لا يُحبّ…

” الواحد” تعنى فى العربية، واحدًا بالعدد، و” الأحد” تعنى الذى ليس بعده ثانٍ، هذا فى العربية…

{ قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد }…

هذه آية من سورة ” الإخلاص” وليست هى، فى الحقيقة، موجهة ضد المسيحيين…

ليس معناها أنها تنكر الابن والروح القدس…

إذا أخذناها نصا فقط وليس بمدلولها القرآنى، يمكننا أن نقول، من حيث النص، أن الإله الأحد أى المنغلق على نفسه، المحدود بأحديته، هذا الإله لا يلد ولا يولد، أى أنه لا يحب ولا يُحبّ…

عندما يكون الواحد واحدًا فقط وغير قادر أن يصير إثنين وأن يحاور شخصا أمامه فهو ليس منفتحا…

حتى الراهب الساكن فى صومعته هو فى حوار مع المؤمنين الذين ليسوا معه فى صومعته، ذلك أنه يصلّى من أجلهم ويصلون من أجله…

 

لا يوجد إنسان طالع من صخر…

كلّ إنسان يحاور حتى يوجد…

قبل أن يحاور ليس هو موجودًا…

الله موجود لأنه يحاور، لأنه غير منغلق على نفسه، لأنه فاتح نفسه…

هذا الإله الفاتح نفسه للحديث، لحديث حبّ – ولا حديث غير هذا – هذا الإله هو الآب وهو مصدر الوجود الإلهى، أى مصدر اللاهوت، مصدر الألوهة…

قبل أن يكون العالم وبالإستقلال عن العالم الله قائم…

كان يمكن للعالم ألا يكون…

العالم موجود عرضًا ويمكن أن يُفنى، يقول العلماء أنه سيُفنى…

الله موجود بصرف النظر عن العالم، عن وجود العالم وزواله…

 

* الابن مولود من الآب والروح القدس منبثق من الآب :

هذا الإله الموجود، القائم فى نفسه والمنفتح من نفسه أيضًا،

هذا الإله الذى لا بدء له ولا نهاية ولكنه بدء كل شئ ونهاية كل شئ،

هذا الإله، قبل أن يَخْلق وبالإستقلال عن الخلق،

جاء منه الابن، فاض منه الابن – الكلمة،

وفاض منه، أى من الآب، أيضا الروح القدس…

والكلمات التى تُستعمل فى التراث المسيحى، فى هذا الشأن،

هى أن الآب غير مولود وغير منبثق – هذه صفته الخاصة به والتى تميزه عن الابن والروح –

والابن مولود من الآب،

والروح القدس منبثق من الآب…

هاتان الكلمتان – مولود ومنبثق – موجودتان فى الكتاب المقدّس…

نحن نعرف أن الابن مولود من الآب وقرأنا أن الروح القدس منبثق من الآب…

ماهو الفرق بين المولود والمنبثق؟…

هذا ما لا نعرفه…

هذا النشوء:

نشوء الابن عن الآب ونشوء الروح القدس عن الآب، هو نشوء أزلى، أى بلا زمان، قبل الزمان، لأن الزمان مخلوق…

قبل الزمان وبدونه، بدون إنفعال، بدون مخاض وبدون أزمة، صدر الابن عن الآب وصدر الروح القدس عن الآب…

هذا بدون بَعْدية، أى أن الواحد لا يأتى بعد الثانى فى الزمن…

من هذا القبيل فإن هذا لا يُشَبّه، إطلاقا، بالولادة الجسدية لأن الأب الجسدى هو قبل ابنه، فبينهما إذًا بَعْدية…

ليس من بَعدية بين الآب والابن…

فالواحد ليس قبل الثانى فى الزمن…

ولكن، إذا صحّ التعبير، يمكننا أن نقول أن الآب هو قبل الابن ليس بالزمان ولكن بالنطق، أى بالتسلسل، بتسلسل غير زمنى…

الآب قبل الابن بالنطق لا بالزمن أى أن الواحد يجئ من الثانى…

ولكن نعود فنقول، أنه مذ كان الآب فى الأزل، كان ابنه معه وكان روحه معه…

فإذًا، ليس بينهم إنفصال ولا فجوة ولا بُعد ولكن، فى نفس الوقت، الواحد ليس الآخر…

الآب ليس الابن، والابن ليس الروح القدس، والروح القدس ليس الآب، ولكنهم الكل فى جوهر واحد…

 هناك تمايز – وهنا يمكن أن تكون كل الكلمات ثقيلة جدًا – بينهم، تمايز بلا أفضلية…

التمايز يعنى فى اللغة العربية، أن الواحد غير الثانى…

الآب لا يمكن أن يكون الابن، ولا الابن الروح القدس’ ولا الروح القدس الآب، العلاقة بينهم علاقة الصدور…

الابن صدر عن الآب والروح القدس صدر عن الآب، الابن بالولادة والروح بالانبثاق وما يجمعهم هو الجوهر الواحد…

الذى يجمع الأقانيم الثلاثة هو الجوهر الواحد و الطبيعة الواحدة…

أى أن كل ما بينهم مشترك ما عدا صفات تخص الأقنومية…

كل ما بينهم مشترك ماعدا الصفات الأقنومية…

الجلسة واحدة أى الملوكية واحدة والربوبية واحدة، وباللغة الإسلامية، الحاكمية واحدة …

والخالقية واحدة أى أن الثلاثة اشتركوا فى خلق العالم…

كل هذه العبارات تأتى تحت كلمة الربوبية…

الربوبية، الازلية، الأبدية، الرحمة، المحبّة… إلخ، كل الصفات مشتركة ما  عدا الصفات الخاصة بكل منهم…

أى أن الصفة الخاصة بالآب هى الأبوة، أى هو غير مولود وغير منبثق، وهذه هى صفة الأقنومية للآب…

والصفة الأقنومية للابن هى المولودية، أى أنه مولود…

والصفة الأقنومية للروح القدس هى الإنبثاق، اى أنه منبثق…

فإذًا، كل ما بينهم مشترك عدا الصفات الأقنومية…

وهذه قاعدة أساسية فى اللاهوت المسيحى…

 

لذلك ترون فى الإنجيل أحاديث وأن هذه الأحاديث تدور، تارة، على الابن مولود من الآب وإذًا، هو خاضع للآب وعائد إليه – هذا فى موضوع التجسّد – وتارة تدور هذه الأحاديث على التساوى بينهما…

ثمة أحاديث، إذًا، تدلّ على التساوى بين الآب والابن…

وثمة أحاديث أخرى تدلّ على أن الابن مولود من الآب وبالتالى على أنه تابع من حيث أنه ليس هو المصدر ولكنه آت من المصدر بدون زمان…

هو تابع ليس لأنه عبد للآب بل بمعنى انه متصل بالتبعية…

الابن والروح القتدس متصلان بالتبعية مع الآب بلا زمان، بلا تفريق، بلا فجوة وبلا بُعد…

 ولكن هناك ثانٍ وثالث مقابل الأول وهو الآب الذى يبقى مصدرًا للاهوت…

 

علينا، إذًا، أن نستوعب فى نفسنا المؤمنة، وفى نفس الوقت، أن بين الأقانيم الثلاثة تساويًا، ولذا، فثمة أحاديث تدور حول التساوى…

وأن بينهم تستسل وإرتباط وصلة ولذا، أيضًا، ثمة أحديث عن الصلة…

من أجل ذلك مردودة هى هذه الدعاوى:

كيف يتكلم عن الآب أنه أهم من الابن وأعلى منه وأن المسيح يظهر نفسه بأنه خاضع؟….

المسيح خاضع لأنه تابع، لأنه ابن، والمسيح خاضع أيضا، فيما بعد، فى الإنجيل، لأنه تألم، لأنه إنسان، ولكن ليس فقط لأنه إنسان، بل أيضا، لأنه ابن وسيكون الله الآب الكل فى الكل، وفى الآخر سيخضع المسيح للآب لأنه، أى المسيح، يأتى بالإنسانية جمعاء إلى الله الآب…

ولكن، بصرف النظر عن المخلوق وبصرف النظر عن الفداء، فالمسيح متجه إلى الآب لأنه مولود منه…

 

* المعنى الأخير للثالوث :

لماذا كل هذه ” الكركبة”، هذه ” الشغلة” لماذا؟…

فقط لأن الله هكذا قال…

وما قاله صحيح…

ولكن ما المعنى الأخير للثالوث؟…

المعنى الأخير للثالوث هو أن الله محبّة…

أى، هذا الإله الأول، كما تسميه الطقوس الأرثوذكسية، وهو الآب، الأول فى النطق وليس الأول فى الزمن…

الأول من حيث أنه المصدر…

هذا الإله الأول، لكونه محبّة، صدر عنه ابنه وروحه صدور حبّ…

صدورًا لا زمنيًا، ولكنه صدورًا حبيًا كما يقول القديس مكسموس المعترف…

الله الآب يحب بهذا المقدار أنه صدر عنه هذا الإثنان الابن والروح…

وهذا يعنى أن الابن هو الآب مسكوبًا كليًا فى الأقنوم الثانى…

الابن معناه جوهر الآب، طبعا، وليس أقنوم الآب وفرد الآب كفرد، أى معناه جوهر الآب، طبيعة الآب وحياة الآب…

وبكلمة عصرية، حياة الآب التى فيه إنسكبت كليًا فى الابن…

فإذًا، يمكننا القول أن الآب نفسه مُضحّى بالابن وكذلك إنسكبت كليًا فى أقنوم ثالث، وهو الروح القدس، حتى تكتمل دورة المحبّة…

قال متصوف أرثوذكسى التفكير وهو H. de Saint-Victor  :

{ الآب يحبّ الابن، هكذا أن الروح القدس انبثق من الآب حتى يكون الابن محبًا للروح القدس وحتى يكون الابن محبوبًا من الروح القدس }.

 

من هنا أنه فى التجسد، الله يأتى ليكلّم الناس…

يقول ” نيقولا كاسيلاس” أن الله هو الخطيب وهو كمن يخطب بنتًا فيأتى ويخطب ودها. المسيح خطيب للجنس البشرى…

جاء ليبذل الحب للناس حتى يذعن الناس لهذا الحب. المسيح أحبّ، فى النهاية، لكى يدرب الإنسانية، حتى يفتح قلبها على الله. المسيح هكذا فعل لأنه مفوض. وهو مفوض أن يفعل هذا لأنه هو هكذا، لأن من طبيعته أن يحب. الأمور كلها مضبوطة بشكل أن من لا يقبل الثالوث لا يقبل المحبة…

 

* الثالوث متجلى الله :

وبالتالى، الثالوث القدوس هو المتجلّى وهو التعليم الكامل والسليم عن الله فى حياته والذى هو وحده الأساس والضابط لكل شئ…

من هنا ترون أن الثالوث ليس فذلكة عقلية وليس هو أن الآباء أرادوا أن يتسلّوا لأنهم درسوا الفلسفة اليونانية فركبوا الأمور هكذا…

القضية ليست أننا فلاسفة أذكياء ونرتب الأمور هكذا…

كلا…

ذلك أن هذه القضية، قضية الثالوث، وصلنا إليه وهى كشفت لنا، فى النهاية، على الصليب…

الحمل الذبيح قبل إنشاء العالم والذى رأيناه مذبوحا، فى وقت ما، على تلة من تلال أورشليم، هذا الحمل كشف لنا أن هذه العملية التى هى موته وحبه، عملية لا تفهم ولا تدرك إلا لأنها عملية تامة منذ الأزل…

الله، منذ الأزل، أحب الجنس البشرى وأرسل الابن…

الله حين ظهر إلى الوجود – وهو مجرد تعبير – أى قبل الوجود، سرمديًا، ظهر إلها محبًا، محاورًا نفسه ويحرّك الحب فى نفسه حتى يستطيع أن يكشفه للناس، جوهرًا، بهذا المعنى…

 

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- الفداء

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل السادس: الفداء

الفصل السادس: الفداء.

1 الصلب:

*بالصليب حطم المسيح حواجز أنانيتنا:

* بالصليب أخذ المسيح على ذاته خطيئتنا:

* بالصليب انتصر المسيح على الألم والموت بدخوله فيهما:

* ملحق:‏

2 – القيامة

* القيامة فيض الحياة الإلهية فى إنسانية يسوع المنفتحة إلى الله بعطاء كامل:

* القيامة تفجير لمملكة الموت بدخول سيد الحياة فيها:‏

* ملحق:‏

3 – إشتراكنا فى صليب الرب وقيامته:

* تمسك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت:‏

* الكلمة المتجسّد الوحيد الذى استطاع أن يتخلى عن تملك ذاته:‏

* المسيح نائب عن البشر أجمعين:‏

* إرادة الإنسان والخلاص:‏

* التوبة والأعمال:

1 محبة المسيح لنا:

2 – ثقتنا بانتصار المسيح على الموت:

* الرب يعين ضعفنا:‏

* إقتبال الأسرار الإلهية:

* التوبة المستمرة:

4 – الفداء ومحبة القريب‏:

* محبة الفادى لنا تلهم محبتنا للناس:‏

* إن محبة الفادى لنا تعين نوعية محبيتنا للناس:

أ – مبنية على بذل الذات:

ب- تتجلّى بالمشاركة:

ج – توجه الإرادة والعمل:‏

د – مجانية، غير مشروطة:

ه – موجهة بصورة خاصة إلى المتألمين:

* من قيامة المسيح نستمد المقدرة على محبة القريب:‏

* ملحق:

5 – الصعود‏:

*الصعود تتويج لعملية الفداء:

* تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع:

* لكن يسوع صعد إلى السماء ليصعد البشرية معه:‏

* لقد فتح لنا يسوع بصعوده طريق السماء:

*الصعود لا يعنى إذًا هروبًا من الأرض وواجباتها:‏

* ولكن المسيحى يعلم أن تحوّله هو وتحوّل الكون لم يكتملا إلا عند المجئ الثانى فى نهاية الأزمنة:

*‏ ولكننا ندخل هذا الكون المتجدد منذ الآن:‏‏

 


 

الفصل السادس

اَلْفِدَاء

” ..وصُلِبَ عَنّا عَلَى عَهْدِ بِيلاطُس اَلْبُنْطِى وتَأَلّمَ وقُبِرَ وَقَامَ مِنْ بَيْن الأمْوَاتِ فِى اَلْيَوْمِ اَلثَالِثِ كَمَا هُوَّ فِى اَلْكُتُبِ. وَصَعَدَ إِِلَى اَلسَمَوَاتِ وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ اَلآبِ. وَأَيْضًا يَأْتِى فِى مَجْدِهِ لِيَدِينَ اَلأحْيَاءَ واَلأمْوَاتِ. اَلْذِى لَيْسَ لِمُلْكِهِ إِنْقِضَاء…”

 

1 الصلب

إن الفداء إمتداد وتكملة لعمل التجسّد…

هذا الفداء الذى بلغ بالصليب قمته يمكن أن يُنظر إليه من ثلاث وجهات نظر:

 

*بالصليب حطم المسيح حواجز أنانيتنا :

بالتجسّد أصبح الله حاضرًا فى الإنسان ليجدّده ويشفيه ويشركه فى حياته الإلهية…

ولكن بقى أن يُزال الحاجز الذى أقامته الخطيئة فى صميم الإنسان بينه وبين خالقه…

هذا الحاجز هو كما رأينا إنغلاق الإنسان وإنطواؤه على نفسه دون الله، هو عبادة الأنا التى حكمت على الإنسان بعزلة مميتة…

كان ينبغى، إذً، تحطيم هذا الحاجز لتتدفق فى الإنسان حياة الله، لأن الإنسان الممتلئ من ذاته لم يعد لله مكان فيه…

لذلك عندما اتخذ ابن الله طبيعة الإنسان، داوى أنانيتها بالانفتاح الكامل والعطاء الكامل اللذين حققهما فى إنسانيته…

 

فإنه طيلة حياته علي الأرض، لم يرد أن يتمتع بالمجد الإلهى الذى كان كامنا فيه…

فإنه : [ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ ] [ فيليبى 2: 7 ]…

أخلى ذاته من التمتع بالمجد الإلهى وقبل طوعا بوضع العبد…

فضّل العطاء على التمتع، ومع أن كل شئ كان فى متناول يده، أراد أن يبذل لا أن يأخذ:

[ كَمَا أَنَّ اِبْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ ] [ متى 20: 28 ]…

إنه : [ اَلْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ  ] [ رومية 15: 3 ]…

ولكن حياته كلها كانت قربانا لله الآب وللبشر الذين صار أخا لهم…

فقد وُلد فقيرًا فى مذود البهائم وتشرّد عند إضطهاد هيرودس له، وعاش معظم حياته عاملاً مجهولاً:

[ أَلَيْسَ هَذَا هُوَ اَلنَّجَّارَ اِبْنَ مَرْيَمَ ] [ مرقس 6 : 3 ]…

وطاف يبشّر فيما [ لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ ] [ متى 8: 20 ]…

ورفض أن يصنع آية فى السماء ليبهر بها البشر [ وَجَاءَ إِلَيْهِ اَلْفَرِّيسِيُّونَ وَاَلصَّدُّوقِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً مِنَ اَلسَّمَاءِ…. جِيلٌ شِرِّيرٌ فَاسِقٌ يَلْتَمِسُ آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ اَلنَّبِيِّ ] [ متى 16: 1، 4 ]…

ولكنه كان يصنع العجائب رأفة بالمعذبين و[ َأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ اَلسُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ فَشَفَاهُمْ ] [ متى 4 : 23 ]…

وقد احتمل عدم إيمان الكثيرين، حتى أقاربه الذين كانوا ينعتونه بالجنون وتلاميذه الذين لم يفهموا رسالته حق الفهم والذين تركوه كلهم وفرّوا حين تسليمه، وباعه أحدهم وأنكره آخر…

وصبر على كل إهانات وشتائم وإضطهادات أعدائه الذين كانوا ينعتونه [ فَقَالَ اَلْيَهُودُ : أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَناً إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟ ] [ يوحنا 8: 48 ]…

ولم يرد أن ينتقم منهم بل إنتهر يعقوب ويوحنا عندما طلبا إنزال نار من السماء لإحراق قرية رفضت أن تستقبله:

[ وَحِينَ تَمَّتِ اَلأَيَّامُ لاِرْتِفَاعِهِ ثَبَّتَ وَجْهَهُ لِيَنْطَلِقَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَأَرْسَلَ أَمَامَ وَجْهِهِ رُسُلاً فَذَهَبُوا وَدَخَلُوا قَرْيَةً لِلسَّامِرِيِّينَ حَتَّى يُعِدُّوا لَهُ. فَلَمْ يَقْبَلُوهُ لأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ مُتَّجِهاً نَحْوَ أُورُشَلِيمَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تِلْمِيذَاهُ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا قَالاَ: { يَا رَبُّ أَتُرِيدُ أَنْ نَقُولَ أَنْ تَنْزِلَ نَارٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَتُفْنِيَهُمْ كَمَا فَعَلَ إِيلِيَّا أَيْضاً؟ } فَالْتَفَتَ وَاِنْتَهَرَهُمَا وَقَالَ: { لَسْتُمَا تَعْلَمَانِ مِنْ أَيِّ رُوحٍ أَنْتُمَا! لأَنَّ اِبْنَ اَلإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُهْلِكَ أَنْفُسَ اَلنَّاسِ بَلْ لِيُخَلِّصَ }. فَمَضَوْا إِلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى ] [ لوقا 9: 51 – 59 ]…

وزجر بطرس عندما أراد أن يدافع عنه بالسيف:

[ رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ اَلَّذِينَ يَأْخُذُونَ اَلسَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ ] [ متى 26: 52 ]…

وصلّى من أجل قاتليه:

[ يَاأَبَتَاهُ اِغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ ] [ لوقا 23: 34 ]…

وأراد، وهو المعلّم والسيّد، أن يكون وسط تلاميذه كالخادم:

[ لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ؟ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ اَلَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ اَلَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ ] [ لوقا 22: 27 ]…

وأن يغسل أرجلهم:

[ قَامَ عَنِ الْعَشَاءِ وَخَلَعَ ثِيَابَهُ وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَاتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ وَاِبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ التّلاَمِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِالْمِنْشَفَةِ اَلَّتِي كَانَ مُتَّزِراً بِهَا ] [ يوحنا 13: 4، 5 ]…

 

هذا العطاء الذى به أراد المسيح أن يستأصل أنانيتن، بلغ ذروته فى الصليب…

كان فى وسع المسيح أن لا يموت بالنظر لللاهوت الكامن فيه…

ولكنه ذهب فى تخليه عن ” الأنا” إلى أقصى الحدود، باذلاً ذاته للموت…

وهكذا قدّم حياته على الصليب قربان محبة للآب، وتعبيرًا عن تخلّيه التام عن مشيئته الذاتية، كما قال بنفسه فى بستان جسيمانى:

[ يَا أَبَتَاهُ إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ…. يَا أَبَتَاهُ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تَعْبُرَ عَنِّي هَذِهِ اَلْكَأْسُ إِلاَّ أَنْ أَشْرَبَهَا فَلْتَكُنْ مَشِيئَتُكَ ] [ متى 26: 39، 42 ]…

وكما ورد فى الرسالة للعبرانيين:

[ ذَبِيحَةً وَقُرْبَاناً لَمْ تُرِدْ، وَلَكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَداً. بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ. ثُمَّ قُلْتُ: هَئَنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ ] [ عبرانيين 10: 5 – 7 ]…

 

هكذا تمرّد آدم، وأطاع المسيح…

تكبّر آدم، فتواضع المسيح…

اكتفى آدم بذاته، فتخلّى المسيح عن ذاته:

[ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ ] [ فيليبى 2: 8 ]…

وهكذا بموته على الصليب، أعطى البشرية الدواء الشافى لداء الأنانية الذى فصلها عن الله…

 

* بالصليب أخذ المسيح على ذاته خطيئتنا :

ومن وجهة نظر أخرى، نرى أن الرب يسوع المسيح، لكى ينقذنا من الخطيئة التى أصبحنا نئن تحت وطأته، شاء أن يأخذها على نفسه، لا أن يأخذها هى بلّ أن يحتمل فى ذاته نتائجها المريعة حبًا بنا…

إن المحب يود لو أنه يستطيع أن يأخذ على نفسه مرض المحبوب ليخلصه من وطأته…

ولكن ما لا يستطيع أن يفعله الحب البشرى، استطاع أن الرب يسوع المسيح أن يتممه إذ أنه، لأجل محبته لن، أخذ على نفسه مرضنا لينقذنا منه:

[ لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا0 وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً ‏مَضْرُوباً مِنَ اَلْلَّهِ وَمَذْلُولا ] [ أشعياء 53: 4 ]… و

[ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا ] [ متى 8: 17 ]…

 

فإنه وهو البرئ من كل خطيئة، أخذ على نفسه كل الشقاء الذى جرّته الخطيئة على الجنس البشرى:

[ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ ‏فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ… وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا0 تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا ‏عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا ] [ أشعياء 53: 2، 5 ]…

وكانه متروك من الله نفسه:

[ إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ ] [ متى 27: 46 ]…

حاصلاً فى ظلمة وحزن مميتين:

[  نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى اَلْمَوْتِ ] [ متى 26: 38 ]…

 

هكذا تجسّمت فى المسيح – وهو لم يعرف خطيئة – كل مأساة خطيئة البشر:

[ كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ ‏جَمِيعِنَا ] [ أشعياء 53: 6 ]…

وكأنه صار هو خطيئة على حد تعبير الرسول بولس:

[ لأَنَّهُ جَعَلَ اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا ] [ 2 كورونثوس 5: 21 ]…

 

وهكذا فإن يسوع المسيح على الصليب ظهر لله الآب مجسمًا فى جسده الجريح، الممزّق، المختنق، وفى نفسه المنسحقة، بشاعة كل خطيئة البشر التى أخذها على نفسه فصار شفيعا للخطأة أجمعين عندما وحد ذاته معهم:

[ لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ اَلأَعِزَّاءِ وَمَعَ اَلْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ‏سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ ‏وَشَفَعَ فِي اَلْمُذْنِبِينَ ] [ أشعياء 53: 12 ]…

ذلك أن الآب لم يعد ينظر إلى الخطأة إلا من خلال هذه الصورة، صورة ابنه الوحيد الحبيب المصلوب الذى جعل نفسه كواحد منهم.

وبهذا المعنى يتابع الرسول بولس:

[ لأَنَّهُ جَعَلَ اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اَلْلَّهِ فِيهِ ] [2 كورونثوس 5: 21 ]…

أى أن الله تصالح مع البشر الخطأة وغفر خطاياهم وبرّرهم وضمهم إليه من خلال شخص الابن الوحيد الحبيب الذى وحّد ذاته معهم…

 

هكذا كان الحمل الذى كان يُذبح فى الهيكل صباحا ومساءً تكفيرًا عن خطايا الشعب رمزًا وإشارة إلى المسيح الذى قال عنه يوحنا المعمدان:

[ هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ اَلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ  ] [ يوحنا 1: 29 ]…

 

* بالصليب انتصر المسيح على الألم والموت بدخوله فيهما :

وهناك أخيرً، معنى ثالث بالغ الأهمية يتجلّى فى الصليب…

لقد دخل البشر بالخطيئة فى مملكة الموت ( وبلغة الكتاب والآباء تُدعى ” الجحيم” )…

وساد عليهم الحزن والألم والضعف والفناء…

لقد أصبحوا كمن اُغلَّق عليهم فى سجن مظلم رهيب…

لقد كان بإمكان الله أن يحرّرهم من الخارج، بكلمة منه فقط، بإرادته الفائقة…

ولكن محبته دفعته أن يشارك البشر أولاً مصيرهم لكى يوحّد ذاته معهم…

المحبة تدفع المحبّ إلى مشاركة المحبوب فى آلامه…

هكذا محبة الله للإنسان، كما نعتها كاباسيلاس، لم تدفعه إلى إجتياز الهوة الفاصلة بين الخالق والمخلوق وحسب – وهذا هو التجسّد – بل إلى مشاركته أيضًا فى جحيم بؤسه…

 

فالإله بتجسّده:

[ فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا… ] [ عبرانيين 2: 14 ]…

شاء أن يصير شبيها فى كلّ شئ بالبشر الذين إتخذهم إخوة له:

[ مِنْ ثَمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيماً، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِيناً فِي مَا لِلَّهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ ] [ عبرانيين 2: 17 ]…

أن يشاركهم أيضًا بكلّ ما تعرّض له هذا اللحم والدم، من جرّاء الخطيئة، من حزن وضيق وآلام وموت…

هكذا إكتمل التجسّد ودخل ابن الله إلى صميم الطبيعة الإنسانية، مختبرًا إياها بكلّ شقائه، حتى يشعر الإنسان فى حزنه وبؤسه، فى آلامه الجسدية والمعنوية، فى نزاعه وموته، إنه محبوب، وأن الله نفسه شاركه فى ذلك كلّه…

لقد جعل الله نفسه طريح الألم لكى لا يشعر الإنسان أنه يعانيه وحده بلّ برفقة الإله المتجسّد الذى عاش آلام الإنسان فى نفسه وجسده، بمعيّة ذاك الذى كُتب عنه:

[ لأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّباً يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ ] [ عبرانيين 2: 18 ]…

 

هكذا دخل يسوع المسيح، حبًا بالإنسان، مملكة الموت التى كان غريبًا عنها إطلاق، ليس فقط من حيث إلوهيته التى هى ينبوع الحياة، بلّ من حيث إنسانيته أيضًا…

فإنسانية يسوع المسيح لم تعرف الخطيئة البتة ولذلك فقد كانت بالكليّه غريبة عن مملكة الموت، ذلك الموت الذى إنجرف إليه الإنسان بالخطيئة…

مملكة الموت هى مملكة الشيطان الذى قتل الناس بالخطيئة، ولم يكن للشيطان شئ فى إنسانية يسوع المسيح البريئة من كل عيب، ولذا قال يسوع لتلاميذه قبل تسليمه بقليل:

[ لأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ ( أى الشيطان الذى تسلّط على العالم بالخطيئة ) يَأْتِي ( أى أن يسوع سوف يدخل بالموت إلى مملكته ) وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ ] [ يوحنا 14: 30 ]…

فى تلك المملكة التى كان غريبًا عنها بالكلّية، مملكة الموت والشيطان الذى له [ سُلْطَان اَلْمَوْتِ ] [ عبرانيين 2: 14 ]…

دخل يسوع حبًا بالإنسان سجين ذلك العالم الرهيب…

 

ولكن مملكة الموت لم يكن بوسعها أن تضبط سيد الحياة والقدّوس البرئ من الخطأ…

لذا كان دخول يسوع فيها مقدمة لتحطيمها وتحرير الإنسان منها…

هكذا لما شاركنا الرب فى الآلام والموت أعتقنا من الموت والآلام…

ولمّا أسلم ذاته لذلك العالم الرهيب الذى أوجدته الخطيئة ضرب قوى الخطيئة الكامنة فينا ضربة قاضية…

عندما طرح نفسه فى ظلمتن، أضاءها بنوره، وعندما شاركنا فى موتنا أعطانا حياته…

هكذا تحققت نبؤة أشعياء التى ردّدها الإنجيل مطبقا إيّاها على يسوع:

[ اَلْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظَِلاَلِ اَلْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ ] [ أشعياء 9 : 2 ]…و

[ الشَّعْبُ الْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً وَالْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ الْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ  ] [ متى 4: 16 ]…

هذا ما عبّرت عنه الرسالة إلى العبرانيين:

[ فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ ] [ عبرانيين 2: 14 ]…

 

* ملحق :

1 – القديس مكسيموس المعترف هو أحد كبار معلمى الكنيسة، عاش راهبًا فى القرن السابع وفقد لسانه ويده دفاعا عن الإيمان المستقيم. قال فى سر الخلاص:

” لقد عَلّق السيد جسده الإنسانى كطعم بصنارة ألوهيته، كأنه يريد بذلك أن يجتذب الشيطان. وبالفعل هذا التنين العقلى، النهم إلى جسد الإنسان فغر فاه حول هذا الطعم، حاسبًا إيّاه، من جرّاء طبيعته الإنسانية، سهل المنال. وهكذا علق بصنارة الألوهة. بعد ذلك أرغمه جسد الكلمة المقدّس أن يلفظ كليًا الطبيعة الإنسانية التى كان سبق فابتلعها. وهكذا فالذى كان قد أغوى الإنسان مؤملاً إيّاه بالتأليه وابتلعه على هذا المنوال، أُجْتذِبَ بدوره بجسد الإنسان ذاته وأُرْغِم على لفظ ما كان قد ابتلعه. هكذا تجلّت القدرة الإلهية بشكل ساطع: فقد انتصرت على قوة الغالب مستخدمة بمثابة سلاح ضعف الطبيعة المغلوبة. منذ ذلك الحين أصبح الله الظافر بطبيعته الإنسانية وليس الشيطان بوعده الإنسان بالطبيعة الإلهية”…

 

2 والشاعر ” تشارلز باجى” عبر عن احتمال المسيح بالصليب كل لعنة الخطيئة، وأحصى مع أثمة، لذلك أصبح للبشر الخطاة الدالة أن ينادوا الآب ” أبانا” من خلال الابن الوحيد الذى صار واحدًا منهم، قائلاً:

” أبانا الذى فى السموات، لقد علمهم ابنى هذه الصلاة…

” أبانا الذى فى السموات، لقد كان يعرف ماذا يصنع، فى ذلك اليوم، ابنى الذى كان يحبهم بهذا المقدار…

” الذى عاش بينهم، الذى كان واحدًا مثلهم…

” الذى كان يسير مثلهم، ويتكلّم مثلهم، ويعيش مثلهم…

” الذى كان يتألم…

” ابنى الذى أحبهم بهذا المقدار، الذى يحبهم أبديًا فى السماء…

” أبانا الذى فى السموات، تلك الثلاث وألأربع كلمات…

” تلك الكلمات التى تسير أمام كل صلاة كما تسير يدا المتوسّل أمام وجهه…

” كما أن يدىّ المتوسّل المضمومتين تتقدّمان أمام وجهه و دموع وجهه…

” هذا ما أخبرهم ابنى عنه، لقد سلم إليهم ابنى…

” سرّ الدينونة نفسها…

” والآن هكذا يبدون لى، هكذا أراهم…

” هكذا أنا مرغم أن أراهم…

” كما أن أثتر سفينة جميلة لا يزال يتسع حتى يتلاشى…

” ولكنه يبدأ برأس، وهو رأس السفينة ذاته…

” هكذا موكب الخطاة الهائل لا يزال يتسع حتى يتلاشى…

” يبدأ برأس هو رأس السفينة ذاته…

” والسفينة هى ابنى نفسه، حاملاً كل خطتايا العالم…

” ورأس السفينة هو يدا ابنى المضمومتان…

” وأمام نظرة غضبى وأمام عدالتى…

” أبانا الذى فى السموات، لقد اخترع ذلك…

” لقد كان معهم، لقد كان مثلهم، لقد كان واحدًا منهم…

” أبانا، كمثل رجل يلقى معطفا كبيرًا على كتفيه…

” ارتدى، متجها نحوى…

” معطف خطايا العالم….”…

 

 


 

2 – القيامة

القيامة إنفجار قوة الفداء المحيية…

ويمكننا لجلاء معانيها أن نتأملها من وجهتى النظر التاليتين:

* القيامة فيض الحياة الإلهية فى إنسانية يسوع المنفتحة إلى الله بعطاء كامل :

إن الرب يسوع بالصليب بلغ قمّة التخلّى عن إرادته الذاتية وقدّم ذاته بكلّيته إلى الله الآب…

تقدمة محبة كاملة وعطاء لا تحفظ فيه…

هكذا أصبحت إنسانية يسوع منفتحة كل الانفتاح على الله الآب فى شركة حب كاملة معه، لذا تدفقت فيها الحياة الإلهية كلها وتحولت بالمجد الإلهى…

لقد كان مجد الألوهة بالطبع حالاً فى المسيح منذ تجسّده، إذ لم يزل إلها بعد أن إتّخذ جسدن، إلا أن هذا المجد كان مستترً، محجوبًا وراء الطبيعة البشرية التى إتّخذها ابن الله بحدودها وشقائها…

لذا جاع المسيح وعطش وبكى وتألّم…

لقد كانت الألوهة مستقرة فى قلب كيانه ولكنه كان يبدو فى الظاهر إنسانا كبقية الناس…

ولكن عندما اكتمل عطاء يسوع المصلوب إجتاح المجد الإلهى الكامن فيه والمحتجب وراء طبيعته الإنسانية هذا الناسوت كله وملأه بقوة الله وحياته وجماله…

 

عند الفجر تكون الشمس أولاً متخفية وراء الأفق، يتراءى نورها خفيفً، ناعمً، لا يُبهر الأنظار، ثمّ ينفجر النهار ويغمر النور الكون كله ويضفى على الأشياء كلها بهاءًا ساطعا…

هكذا ألوهة الرب يسوع المسيح المستمدّة أزليًا من الله الآب فاضت بالصليب فى ناسوته المنفتح كليًا إلى الآب، فتمجّد هذا الناسوت وانتصر على الموت…

 

لقد كانت حادثة التجلّى:

[ وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ.

وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ.

وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ.

فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ: يَا رَبُّ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ. لَكَ وَاحِدَةٌ وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ .

وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ وَصَوْتٌ مِنَ اَلسَّحَابَةِ قَائِلاً: هَذَا هُوَ اِبْنِي اَلْحَبِيبُ اَلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اِسْمَعُوا .

وَلَمَّا سَمِعَ اَلتَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً.

فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: قُومُوا وَلاَ تَخَافُوا .

فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ ] [ متى 17: 1 – 9 ولوقا 9: 28 – 36 ]…

مقدمة وصورة للقيامة كما يتّضح من توصية يسوع بعد الحادثة:

[ وَفِيمَا هُمْ نَازِلُونَ مِنَ اَلْجَبَلِ أَوْصَاهُمْ يَسُوعُ قَائِلاً: لاَ تُعْلِمُوا أَحَداً بِمَا رَأَيْتُمْ حَتَّى يَقُومَ اِبْنُ اَلإِنْسَانِ مِنَ اَلأَمْوَاتِ ] [ متى 17: 9 ]…

فعلى جبل التجلّى فاض نور الألوهة المستقرّ فى الرب يسوع المسيح، فى جسده، فتغيّر منظره وصار وجهه مضيئًا كالشمس وثيابه بيضاء كالثلج، لامعة كالنور…

وقد حدث هذا التحوّل عندما كان موسى وإيلي، اللذان ظهر، يتحدّثان مع يسوع:

[ اَللَّذَانِ ظَهَرَا بِمَجْدٍ وَتَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ اَلَّذِي كَانَ عَتِيداً أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ ] [ لوقا9: 31 ]…

لقد تجلّى يسوع عندما كان يتحدّث عن موته، وفى ذلك إشارة إلى أن إنسانية يسوع كانت سوف تتمجّد بالموت…

 

تلك العلاقة الوثيقة بين الصليب وتمجيد يسوع، قد أوضحها الكتاب المقدّس فى مواضع مختلفة…

ففى إنجيل يوحنا نرى يسوع يقول لتلاميذه قبل آلامه بفترة وجيزة:

[ وَأَمَّا يَسُوعُ فَأَجَابَهُمَا: قَدْ أَتَتِ اَلسَّاعَةُ لِيَتَمَجَّدَ اِبْنُ الإِنْسَانِ ] [ يوحنا 12: 23 ]…

وأضاف موضحا كيف يتم التمجيد:

[ اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ اَلْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلَكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ] [ يوحنا 12: 24 ]…

تمجيد يسوع هذا، إذًا، فى موته…

كذلك فى الصلاة التى تفوّه بها يسوع قبل خروجه مع تلاميذه إلى بستان جسيمانى حيث أسلم ذاته، قال:

[ أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ اَلسَّاعَةُ. مَجِّدِ اِبْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ اِبْنُكَ أَيْضاً ] [ يوحنا 17: 1 ]…

” الساعة” التى أتت هى ساعة الصليب والموت كما يتضح من مكان آخر:

[ فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَداً عَلَيْهِ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ ] [ يوحنا 7: 30 ]…

” أتت الساعة، فمجد ابنك” يعنى، إذً، أن ساعة الموت كانت بالنسبة للرب يسوع المسيح هى ساعة المجد…

 

الصليب، إذً، كان يحمل كلّ طاقة القيامة:

لقد دخل يسوع المجد ( الذى له منذ الأزل وهو فى حضن الآب ) عندما قبل بإجتياز الموت ولم يبق بعد ذلك إلا أن يظهر هذا المجد بقيامته من بين الأموات…

بالصليب، إذً، تحققت القيامة، لذلك فقد كانت آلة العار هذه بالنسبة ليسوع عرش المجد والظفر…

لذ، شبهها الرسول بولس بتلك المركبة التى يقف عليها قادة روما الظافرون ويدخلون بها إلى المدينة جارين وراءهم رؤساء الأعداء مقيدين…

هكذا إعتلى المسيح الصليب كمركبة ظفر وربط بها الأرواح الشريرة مقيّدة ذليلة:

[ إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً إيَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيه] [ كولوسى 2: 14، 15 ]…

ولذلك، تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية بحزن وخشوع فى فى صلاة الساعة السادسة من يوم الجمعة العظيمة بذكرى الصلب منشدة ذاك النشيد المؤثر:

[ يا من فى اليوم السادس وفى الساعة السادسة سُمّرت على الصليب من أجل الخطية التى تجَرّأ عليها آدم فى الفردوس…. يا يسوع المسيح إلهنا الذى سُمّرت على الصليب فى الساعة السادسة وقتلت الخطية بالخشبة وأحيَيْتَ الميت بموتك، الذى هو الإنسان الذى خلقته بيديك، الذى مات بالخطية، اقتل أوجاعنا بآلامك المشفية المحيية وبالمسامير التى سُمّرت بها… صنعت خلاصًا فى وسط الأرض أيها المسيح إلهنا عندما بسطت يديك الطاهرتين على الصليب، فلهذا كل الأمم تصرخ قائلة: المجد لك يارب…]…

مظهرة هكذا أنه حينما بلغت الظلمة أشدّها بموت المسيح، انفجر النور فى صميمها ولم يبق لنا إلا انتظار ظهوره فى صباح الفصح…

كذلك، فى خدمة” جناز المسيح”، التى يُحتفل بها بتذكار دفن المسيح، تنشد مع المراثى ترانيم القيامة…

ويا ليتنا نقر، ونتأمّل فى الإصحاح الثالث من مراثى أرميا النبى…

 

* القيامة تفجير لمملكة الموت بدخول سيد الحياة فيها:

ومن جهة أخرى فقد رأينا أن الرب يسوع المسيح دخل فى مملكة الموت ( وبعبارة أخرى فى الجحيم ) لكى يشارك الإنسان بؤسه وشقاؤه…

ولكن الموت لم يكن بإمكانه أن يضبط من هو بلاهوته سيد الحياة ومصدرها…

لذلك فقد كان دخول المسيح فى الموت حكما مبرما على الموت بالزوال…

والموت نتيجة الخطيئة، ثمرتها السامة، لذا تحطيم مملكة الموت يعنى أيضًا تقويض سلطة الخطيئة…

لقد دخل الرب يسوع المسيح بموته فى السجن الذى كنّا مقيّدين، مستعبدين، نئن تحت نير الشر والبؤس والموت، فدكّ هذا السجن الرهيب وحطمه من أساسه…

فأطلق الموت يسوع وأطلق معه البشرية جمعاء التى وحد يسوع ذاته بها…

لذا تنشد الكنيسة معبّرة عن الخلاص بصورة شعرية:

” أيها الرب، أيها الرب، أن أبواب الموت قد انفتحت لك من الخوف، ولما أبصرك بوابو الجحيم ارتعدو، لأنك حطمت أبوابه النحاسية وسحقت أقفاله الحديدية وأنقذتنا من ظلمة الموت وإدلهمامه وقطعت قيودنا”…

وأيضًا:” جمع الملائكة انذهل متحيرًا لمشاهدتهم إياك محسوبًا بين الأموات أيها المخلص وساحقا قدرة الموت ومنهضا آدم معك ومعتقًا إيّانا من الجحيم كافة”…

 

هكذا تحققت بقيامة المسيح النبوة التى كان قد تفوّه بها هوشع النبى:

[ مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ ‏أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ تَخْتَفِي النَّدَامَةُ عَنْ عَيْنَيَّ ] [ هوشع 13: 14 ]…

تلك النبوة ردّد الرسول بولس صداها بعدما تحققت بالمسيح منشدًا بنشوة الظفر الذى جعلنا يسوع مساهمين فيه:

[ وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: { ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ }. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ ] [ 1 كورونثوس 15: 54، 55 ]…

وأضاف:

[ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. ][ 1 كورونثوس 15: 56، 57 ]…

معلنًا أن إنتصار المسيح على الموت هو فى الآن نفسه إبادة للخطيئة فين، تلك الخطيئة التى تُنتِج الموت…

 

هكذا صار المسيح القائم من بين الأموات محرّر الإنسانية الحقيقى الأوحد لأنه لم يكتف بمعالجة بعض مظاهر مأساة الإنسان لكنه جابه المأساة فى أعماقها وأصولها وجعل فينا طاقة تجاوزها…

إنه جابه قوى الموت الكامنة فى الإنسان ( أى قوى التفكك التى مزّقت الإنسان نفسًا وجسمًا ) ومن ورائها تلك القوة الرهيبة التى استخدمتها لاستعباد الإنسان أعنى بها قوة الشيطان…

لقد جابه يسوع الشيطان فى عقر داره، إذا صحّ التعبير، وضع نفسه بين براثنه ليحطمه ويخلّص منه البشر…

دخل إلى مملكته المظلمة ليقيّده ويُبطل قوته…

وقد علّمْنا الرب يسوع نفسه هذه الحقيقة بمثل عندما قال:

[ حِينَمَا يَحْفَظُ اَلْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحاً تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ. وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَغْلِبُهُ وَيَنْزِعُ سِلاَحَهُ اَلْكَامِلَ اَلَّذِي اِتَّكَلَ عَلَيْهِ وَيُوَزِّعُ غَنَائِمَهُ] [ لوقا 11: 21. 22 ]…

 

هكذا انتصر المسيح على الموت لما إجتاز ظلمته، لقد ” وطئ الموت بالموت” كما تنشد الكنيسة…

لقد فتح باب النور والحياة بيديه الداميتين..

ولكنه أحرز هذا الظفر من أجلنا نحن، ليجعلنا مساهمين فيه: نحن ظافرون إذًا على قدر إتحادنا بالمسيح الظافر…

نعم، إننا لا نزال نخطئ ونتألّم ونموت، ولكن طاقة الحياة الظافرة قد زُرِعَتْ فى أعماقنا…

من يمرّ على حقل بعد أن زُرعت فيه البذور يخاله جامدً، ميتً، ولطم الحياة كامنة فى أعماقه تتحفز للوثوب وسوف تنتصب بعد فترة تحت السماء سنابل ذهبية تتماوج فى النور…

عندما كان يسوع موضوعا فى القبر، كان يبدو ميتا كبقية الموتى ولكن الحياة كلها كامنة فى هذا الجسد الساكن، كقنبلة مؤقتة كان لابد لها أن تفجّر الموت وتدحْرج حجر الضريح…

هكذ، فالمتحدون بيسوع يحملون فى أجسادهم المائتة ونفوسهم التى لم تتحرّر بعد كليًا من ضعفه، طاقة قيامة ربهم التى سوف تحوّلهم فى اليوم الأخير على صورة السيد الناهض من بين الأموات…

[ لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ ] [ 1 كورونثوس 15: 53 ]…

وقد كتب الرسول يوحنا بهذا المعنى، مظهرًا كيف أننا فى آن حاصلون على التجدّد ومنتظرون إعلانه الكامل فينا:

[ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، نَحْنُ الآنَ أَوْلاَدُ اللهِ. وَلاَ نَعْلَمُ حَتَّى الآنَ مَاذَا سَنَكُونُ، لَكِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ، سَنَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ عِنْدَئِذٍ كَمَا هُوَ! ] [ 1 يوحنا 3: 2 ]…

 

بالقيامة تحقق الخلاص الذى شاء الرب أن يتممه بتجسّده وصلبه…

القيامة، إذً، علامة نجاح خطة الله لإنقاذ الإنسان…

إنها برهان خلاصنا…

ولذلك، فهى الركيزة الأساسية للبشارة المسيحية…

فقد كان الرسل قبل كل شئ شهودًا لقيامة الرب يسوع المسيح:

[ فَيَنْبَغِي أَنَّ اَلرِّجَالَ اَلَّذِينَ اِجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ اَلزَّمَانِ اَلَّذِي فِيهِ دَخَلَ ‏إِلَيْنَا اَلرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ. مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى اَلْيَوْمِ اَلَّذِي ‏اِرْتَفَعَ فِيهِ عَنَّا يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ‏ ] [ أعمال الرسل 1: 21، 22 ]…

وكتب الرسول بولس إلى أهل كورونثوس:

[ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ ] [ 1 كورونثوس 15: 14 ]…

القيامة قلب الإيمان المسيحى والحياة الروحية…

إنها أيضا محور الترتيب الطقسى، فكل يوم أحد تذكار للقيامة، وكل قدّاس إلهى هو إستمرار له، والصوم الكبير إستعداد للفصح، والفصح ” عيد الأعياد وموسم المواسم” كما تسميه الطقوس، وقلب الكنيسة الأرثوذكسية فيه تنشد الكنيسة متهللة:

 

المسيح قام…بالحقيقة قام…

إخرستوس أنستى… أليسوس أنستى…

 

* ملحق:

عظة للقدّيس يوحنا ذهبى الفم بمناسبة أحد الفصح المجيد:

من كان حسن العبادة ومحبًا لله فليتمتع بحسن هذا الموسم البهيج. من كان عبدًا شكورًا فليدخل إلى فرح ربه مسرورًا. من تعب صائمًا فليأخذ الآن أجرته دينارًا. من عمل من الساعة الأولى فلينل اليوم حقه بعدل. من قدِم بعد الساعة الثالثة فليعيّد شاكرًا. من وافى بعد الساعة السادسة فلا يشك فإنه لا يسر شيئًا. من تأخّر إلى الساعة التسعة فليتقدّم غير مرتاب. من وصل الساعة الحادية عشرة فلا يخف الإبطاء فإن السيد كريم جوّاد، يقبل الأخير مثل الأول، ويربح العامل من الساعة الحادية عشرة مثل العامل من الساعة الأولى. يرحم الأخير ويرضى الأول. يعطى ذاك ويهب هذا. يقبل الأعمال ويسر بالنية. يُكرم الفعل ويمدح العزم. فإدخلوا إذًا كلكم إلى فرح ربكم. أيها الأولون والأخيرون خذوا أجوركم. أيها الأغنياء والفقراء أطربوا معا فرحين…

أمسكتم وتوانيتم أكرموا هذا النهار. صمتم ولم تصوموا أفرحوا اليوم. المائدة ملآنة فتمتعوا كلكم. العجل سمين وافٍ فلا يخرجن أحدًا جائعا. تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان. تمتعوا كلكم بوليمة الصلاح. لا ينوحنّ أحد عَن فقر فإن المملكة العامة قد ظهرت. لا يندمنّ أحد على إثم فإن الصفح قد بزغ من القبر. لا يخف أحد الموت فإن موت المخلص قد حرّرنا. فإنه قد أخمد الموت حين قبض الموت عليه، وسبى الجحيم بنزوله إليه. مرمره لما ذاق جسده. هذا ما سبق أشعياء ونادى قائلاً: تمرمر لما إلتقاك أسفل. تمرمر لأنه بطل. تمرمر لأنه هُزئ به. تمرمر لأنه قد أميت. تمرمر لأنه قد أبيد. تمرمر لأنه قد رُبط…

تناول جسدًا فصادف إلها…

تناول أرضًا فألفاها سماءًا…

تناول ما نظر، فسقط من حيث لم ينظر…

أين شوكتك ياموت؟…

أين غلبتك ياهاوية؟…

قام المسيح وأنت صرعت…

قام المسيح والشياطين تساقطت…

قام المسيح والملائكة جذلوا…

قام المسيح والحياة انبعثت…

قام المسيح ولا أحد ميت فى القبر…

قام المسيح من الأموات فصار باكورة الراقدين…

فله كلّ المجد والعزّة إلى دهر الداهرين. آمين…

 


 

3 – إشتراكنا فى صليب الرب وقيامته

   

* تمسك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت:

إن ما فعله الرب بإجتيازه الموت الذى قاده إلى القيامة، إنما فعله من أجلنا…

ذلك أن الإنسان كان عليه، كى يُخلّص من شقائه وتفككه،أن يقبل بالتخلّى للأنا، فيلاقى الله من جديد وينعم بحياته…

ولكن الإنسان الساقط لم يعد قادرًا على هذا التخلّى لأن فى ممارسته شعورًا بالإنسلاخ والفراغ وضياع الذات…

وبعبارة أخرى، إذا شاء الإنسان أن يعرض عن إتخاذ الأنا محورًا لكل شئ، شعر وكانه يموت، كأن حياته تفلت منه…

لذا يتمسّك الإنسان بأنانيته مخافة من الموت…

ولكنه بذلك يبقى بعيدًا عن الله، ينبوع الحياة، وبالتالى يبقى أسير الموت ( بمعناه العام، أى بمعنى التفكك الكيانى الذى ليس الموت الجسدى سوى مظهر من مظاهره )…

إذً، الإنسان يبقى أسير الموت بداعى خوفه من الموت…

تلك هى المفارقة الكبرى التى هى فى صميم مأساة الإنسان والتى يمكن لكلّ واحد منا أن يختبرها…

 

فلنتساءل:

لماذا نخطئ، فنجعل حاجزًا بين الله وبيننا؟…

الجواب العميق عن هذا السؤال هو أننا نخطئ مخافة من الموت…

لماذا يسرق الإنسان؟…

لأنه مثلاً يخاف من الحرمان، والحرمان نوع من الموت…

لماذا الكذب؟…

لأنه مثلاً يخاف من العقاب، والعقاب نوع من الموت…

لماذا يزنى؟…

لأنه فى كثير من الأحيان يخاف من العزلة، والعزلة نوع من الموت…

لماذا يتباهى؟…

لأنه يخاف أن لا يعجب به الناس، أن يهملوه، وإهمال الناس له نوع من الموت…

مجمل الكلام أننا نستعبد أنفسنا للخطيئة، وبالتالى للموت، الذى هو على حدّ تعبير الرسول بولس:

[ أَجْرُ اَلْخَطِيْئَةِ  ] [ رومية 6: 32 ]…

لأن الخطيئة تفصل عن الله مصدر الحياة، بسبب خوفنا من الموت…

هذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس فى الرسالة إلى العبرانيين بقوله:

[ وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ ] [ عبرانيين 2: 15 ]…

 

ولنا نموذج لذلك فى علاقتنا البشرية…

كل إنسان يحلم بأن يعيش صداقة كاملة وحبًا كاملاً، لأن قلبه يتوق إلى شركة إنسانية كهذه يروى بها عطشه إلى حياة كاملة…

ولكن الصداقة الكاملة والحب الكامل أمران يسعى إليهما الإنسان دون أن يتمكّن من إدراكهما كليًا…

إنه فى أحسن الإحتمالات يقترب من تحقيقهما ولكنه، حتى فى هذه الحال، يُبقى على شئ كثير من العطش والعزلة…

إن إتحاده بمن يحب لا يمكن أن يكون كاملاً…

لماذا؟…

لأن إتحاد الإنسان بمن يحبه لا يتم إلا إذا قبل الإنسان بأن لا يكون أناه محورًا لوجوده، بأن يتخلّى عن تملّك ذاته، بعبارة أخرى إذا قبل الإنسان بأن يمر بخبرة الموت…

ولكن الإنسان فى وضعه الساقط، وأن قبل جزئيًا بتلك الخبرة، لا يستطيع أن يقبلها كليًا وفى الصميم…

أنه يخاف الموت ولذا يبقى أسير العزلة وبالتالى أسير الموت…

 

* الكلمة المتجسّد الوحيد الذى استطاع أن يتخلى عن تملك ذاته:

يسوع المسيح وحده تمم بناسوته ما لم يكن بوسع أى إنسان أن يتممه…

الإنسان يسوع المسيح استطاع وحده أن يتخلّى بالحقيقة عن تملّك ذاته، وبعبارة أخرى استطاع وحده أن يقبل الموت بالكلية وفى الصميم…

ولذ، استطاع وحده أن يلج بإنسانيته إلى مجد الله…

لقد كان رئيس الكهنة عند اليهود يدخل مرة فى السنة إلى قدس الأقداس ( الذى كان يمثل السماء ) حاملاً دم الذبائح…

الرسالة إلى العبرانيين تقول لنا أن ذلك كان رمزًا للمسيح الذى كان فى الآن نفسه الكاهن والذبيحة، وقد دخل بدمه المسفوك إلى مجد الله:

[ وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخَلِيقَةِ. وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً ] [ عبرانيين 9: 11، 12 ]…

هذا الدخول إلى مجد الله إنما ظهر بالقيامة…

 

* المسيح نائب عن البشر أجمعين:

ولكن يسوع المسيح قد أتمّ هذا العطاء الكامل لا من أجل نفسه بلّ بالنيابة عن البشر أجمعين…

عندما قبل الموت كليًا إنما قبله كممثل عن البشر الذين لا يستطيعون هم قبوله…

هذا ما عبّر عنه الرسول بولس بقوله:

[ لأَنَّ مَحَبَّةَ اَلْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ. فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا ] [ 2 كورونثوس 5: 14 ]…

عطاؤنا ناقص لا يمكن أن نبلغ به إلى الله، إنه مشوب بالأنانية المستحكمة فينا بسبب خوفنا من الموت…

ولكننا نستطيع أن نلج إلى الله من خلال عطاء يسوع المسيح الكامل…

يسوع، بما أنه قربان كامل لله، يشفع بضعفنا وعجزنا ويقرّبنا من الله، كأننا طيور مكسورة الأجنحة يحملها نسر قوى ويحلّق بها إلى أقصى الفضاء:

[ لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هَذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرٍّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ ] [ عبرانين 7: 25 ]…

بذبيحة الرب يسوع إذًا، تلك الذبيحة التى تبلغ وحدها السماوات، ننال القيامة التى هى تدفق الحياة الإلهية فى كياننا المتفكك، المائت…

 

* إرادة الإنسان والخلاص:

ولكن الفداء لا يفعل فينا بشكل سحرى…

الله لا يُخلّص الإنسان بالاستقلال عن إرادة الإنسان لأنه يحترم حريته…

لذا لا ينال القيامة من يرفض الإشتراك فى صليب المسيح، أى من لا يقبل أن يدخل فى طريق الموت عن الذات سلكها يسوع حتى النهاية…

لقد علّمنا الرب صراحة أنه لا يسعنا الإشتراك معه فى الحياة الإلهية ( أى فى قيامته ) إن لم نسلك فى أثره طريق الموت:

[ إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا وَمَنْ يُهْلِكُ نَفْسَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا ] [ متى 16: 24، 25 ]…

وقد علّمنا الرسول بولس أن إشتراكنا فى الصليب ضرورى إذا شئنا أن نكون منتمين إلى المسيح وبالتالى أبناء القيامة:

[ وَلَكِنَّ اَلَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا اَلْجَسَدَ ( أى الخطيئة، أى عبادة الذات ) مَعَ اَلأَهْوَاءِ وَاَلشَّهَوَاتِ ] [ غلاطية 5: 24 ]…

و[ فَإِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَ اَلْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنَّنَا سَنَحْيَا أَيْضاً مَعَهُ ] [ رومية 6: 8 ]…

و[ حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضاً فِي جَسَدِنَا ] [ 2 كورونثوس 4: 10 ]…

و[ لأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ، لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ اَلأَمْوَاتِ ] [ فيليبى 3: 10، 11 ]…

 

* التوبة والأعمال:

إننا فى وضعنا الساقط لا نستطيع بالطبع أن نقدّم ذواتنا بالكلية، ولكن المطلوب منا أن نجتهد فى هذا السبيل…

أن ننوى بصدق السير فى طريق نكران الذات وراء المعلم…

تلك هى التوبة فى الأساس…

إنها سير فى طريق إسلام الذات لله…

وهذا السير يدوم الحياة كلها لأن عطاءنا يبقى ناقصا ما حيينا…

لذا فالكنيسة ليست كنيسة الصديقين بلّ كنيسة التائبين أى العائدين من عبادة ذواتهم إلى عبادة ربهم…

ولنا فى هذا السير دافعان يشددان عزمنا:

1 محبة المسيح لنا:

لقد تجلّت محبة المسيح لنا بشكل باهر فى بذله ذاته من أجلنا…

وقد قال هو عن نفسه:

[ لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ ] [ يوحنا 15: 13 ]…

وأيضا:

[ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ اَلْخِرَافِ ] [ يوحنا 10: 14، 15 ]…

هذا الحب المبذول يثير حبنا ويدفعنا إلى أن نحيا فيما بعد لا لذواتنا بل للذى مات عنّا حبًا…

بهذا المعنى كتب بولس الرسول:

[ لأَنَّ مَحَبَّةَ اَلْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا. إِذْ نَحْنُ نَحْسِبُ هَذَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ. فَالْجَمِيعُ إِذاً مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ اَلْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ اَلأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَام ] [ 2 كورونثوس 5: 14، 15 ]…

وفى مكان آخر كتب:

[ مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ] [ غلاطية 2: 20 ]…

أى أننى أسلّم ذاتى ( هذا هو المعنى العميق للإيمان ) لذلك الذى أسلَم ذاته لأجلى…

هكذا فالحب الذى تثيره فينا محبة المسيح المبذولة لنا حتى الموت يساعدنا على التغلّب على الخوف من الموت، ذلك الخوف الذى يحول دون تقدمة ذواتنا…

هذا ما تنشده الكنيسة عن الشهداء:

{ لأن المحبة قد غلبت الطبيعة ( أى مخافة الموت المتأصلة فى طبيعتنا ) وجعلت العاشق أن يتّحد بواسطة الموت بالمعشوق } ( خدمة عيد القديس جورجيوس )…

 

2  ثقتنا بانتصار المسيح على الموت:

ومن جهة أخرى فإن حدّة الخوف من الموت تخف فينا لمعرفتنا أن المسيح قهره بمروره فيه…

فيما كان يتحدّث عن قيامة السيد، هتف الرسول بولس بلهجة الانتصار:

[ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ ] [ 1 كورونثوس 15: 55 ]…

ونحن إذا شئنا التخلّى عن أنانيتنا ومررنا من جراء ذلك فى خبرة الموت يهدأ جزعنا لعلمنا أننا لسنا نجتاز هذه الخبرة وحدنا، بل بمعيّة ذاك الذى إجتاز الموت قبلنا وقهره:

[ أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ اَلْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي ] [ مزمور 23: 4 ]…

 

* الرب يعين ضعفنا:

إننا نتمرّس، إذًا، على تقدمة ذواتنا مدفوعين بالحب الذى تثيره فينا محبّة الرب لنا وبثقتنا بانتصاره على الموت…

ولكن الرب أيضًا يعين ضعفنا…

ذلك أننا إذا قبلنا أن نشترك فى صليبه، فإن تقدمتنا هذه، وإن كانت لا تزال ناقصة، مشوبة بالأنانية، تبلغ إلى الله محمولة على أجنحة تقدمته هو، كما رأينا…

وبعبارة أخرى فإن قبولنا الإشتراك فى صليب المسيح يجعلنا مشتركين فى قيامته أيضًا، أى فى الحياة الإلهية التى إحتاجت إنسانيته المقرّبة إلى الله…

وإذا تدفقت الحياة الإلهية فينا، أصبحنا أكثر قدرة على المحبّة والعطاء…

تلك هى النعمة الإلهية التى تجدّدنا باستمرار بفعل صليب الرب وقيامته…

 

* إقتبال الأسرار الإلهية:

هذا ما يجرى خاصة عند إقتبالنا الأسرار الإلهية…

فعند إقامة سر الشكر مثلاً، فى القدّاس الإلهى، يأتى المؤمنون إلى الله بتوبتهم ( أى بعزمهم على إسلام ذواتهم لله ) ولكن هذه التقدمة لا تبلغ إلى الله إلا لكونها تندمج فى التقدمة الكاملة الوحيدة، تقدمة المسيح المصلوب التى يشكّل كل قداس إمتدادًا لها…

إستحالة الخبز والخمر ( اللذين يمثلان تقدمة البشر ) إلى جسد ودم المسيح معناها أن المسيح إتخذ توبة البشر الناقصة ودمجها بتقدمته هو ليوصلها إلى الآب…

هكذا يبلغ المؤمنون بالمسيح إلى الله وينالون بتناول القرابين الحياة الإلهية فيصيرون مشاركى القيامة التى تجدّدهم وتؤهلهم لأن يكونوا بدورهم قرابين…

 

* التوبة المستمرة:

هكذا بالتوبة التى هى عملية تستمر العمر كلّه – لأن طاعتنا لله ناقصة ما حيينا – وبالأسرار، نشترك أكثر فأكثر فينا على حدّ تعبير الرسول، أى نصبح أكر فأكثر مساهمين فى انفتاحه التام للآب وفى تدفّق الحياة الإلهية فيه…

وهكذا شيئًا فشيئًا نصبح على حد تعبير الرسول:

[ كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضاً اِحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتاً عَنِ اَلْخَطِيَّةِ وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلَّهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا ] [ رومية 6: 11 ]…

وشيئًا فشيئًا نستطيع أن نتبنى قول الرسول:

[ لأَنِّي مُتُّ بِالنَّامُوسِ لِلنَّامُوسِ لأَحْيَا لِلَّهِ. مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي ] [ غلاطية 2: 19، 20 ]…

 


 

4 – الفداء ومحبة القريب

   

* محبة الفادى لنا تلهم محبتنا للناس:

محبة الفادى التى تجلّت فى بذله ذاته عنّا هى بمثابة النار التى لا بدّ أن تُلْهب ما حولها…

إنها حَرِيّة بأن تُضرم فينا بدورنا نار المحبة…

لقد قال الرب بهذا المعنى:

[ جِئْتُ لأُلْقِيَ نَاراً عَلَى اَلأَرْضِ فَمَاذَا أُرِيدُ لَوِ اِضْطَرَمَتْ؟ ] [ لوقا 12: 49 ]…

الحب يستدعى الحب…

لقد بيّن علم النفس الحديث أن الطفل يستمد من محبة والديه له المقدرة على أن يحب بدوره الناس، وبعبارة أخرى إن حب والديه له يوقظه إلى الحب، يفجّر فيه طاقة الحبّ…

هكذا المحبة الفائقة التى أبداها الرب نحونا تنتزعنا من إكتفائيتنا لتلقى بنا بدورنا فى مجازفة الحب…

هذا الجواب الحى على محبّة السيّد يتّخذ، كما رأينا، شكل الحب لشخصه، ولكنه يتّخذ أيضًا شكل محبّة البشر…

ذلك لأنه لا يسعنا، إذا كنّا مؤمنين، إلا أن نرى فى كل إنسان، أيًّا كان:

[ فَيَهْلِكَ بِسَبَبِ عِلْمِكَ اَلأَخُ اَلضَّعِيفُ اَلَّذِي مَاتَ اَلْمَسِيحُ مِنْ أَجْلِهِ ] [ 1كورونثوس 8: 11 ]…

عند ذاك يصبح كل إنسان، فى نظرنا، ذا قيمة لا تقدّر، قيمة الدم الإلهى الذى سكب من أجله…

 

* إن محبة الفادى لنا تعين نوعية محبيتنا للناس:

محبّة الفادى لا تُلْهِم محبتنا للناس وحَسْب، ولكنها أيضا تعين نوعيتها…

ذلك أنه ينبغى لنا أن نحبّ الناس بالمحبّة التى أحبهم بها المسيح…

تلك هى وصية السيد فى خطابه الوداعى:

[ هَذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ ] [ يوحنا 15: 12 ]…

هذا يعنى أنه ينبغى أن تكون لمحبتنا للناس الصفات التالية:

 

أ – مبنية على بذل الذات:

يُكْثر الناس من استعمال كلمة ” أحبّ”، ولكنها هيهات أن يكون الحب الذى يتحدّثون عنه فى كثير من الأحيان هو الحب الأصيل الذى عاشه السيّد…

” أحب التفاح” يعنى أننى أتلف التفاح من أجل لذتى…

” أحبّ” إنسانا يعنى فى كثير من الأحيان، إذا شئت أن أواجه حقيقتى، أننى أريد تسخيره وإستغلاله لشهوتى ومصلحتى…

أمّا المسيح فقد أحبّنا من أجل أنفسنا وعوض أن يُسَخّرنا له سَخّرَ نفسه لأجلنا…

لقد إعتبر أن لنا من الأهمية ما يُبرّر سفك دمه الإلهى عنّا…

فأتاح لنا هكذا أن نكتشف المحبّة الحقة التى تقوم على العطاء…

ولذا نرى الرسل يحثونا على إقتفاء آثتار السيّد فى محبتنا للناس، فقد قال الرسول يوحنا:

[ وَمِقِيَاسُ الْمَحَبَّةِ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمَسِيحُ إِذْ بَذَلَ حَيَاتَهُ لأَجْلِنَا. فَعَلَيْنَا نَحْنُ أَيْضاً أَنْ نَبْذُلَ حَيَاتَنَا لأَجْلِ إِخْوَتِنَا ] [ 1 يوحنا 3: 16 ]…

”  أَنْ نَبْذُلَ حَيَاتَنَا ” يسوع لم يعطِ فقط أشياء مما له، إنما أعطى ذاته للناس، طيلة حياته أولاً، التى كانت مسخّرة لخدمتهم، ثم فى تقدمته الكبرى على الصليب…

ما يُطلب منّا أن لا نكتفى نحن أيضًا بإعطاء بعض الوقت والمال للغير، بلّ أن يكون الغير شغلنا الشاغل وموضوع إهتمامنا الدائم…

المطلوب أن لا نعود نحن مركز إهتمام ذواتنا بلّ أن يصبح الغير هم مركز الإهتمام، كما كتب الرسول بولس:

[ فَيَجِبُ عَلَيْنَا نَحْنُ الأَقْوِيَاءَ أَنْ نَحْتَمِلَ أَضْعَافَ اَلضُّعَفَاءِ وَلاَ نُرْضِيَ أَنْفُسَنَا. فَلْيُرْضِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا قَرِيبَهُ لِلْخَيْرِ لأَجْلِ اَلْبُنْيَانِ. لأَنَّ اَلْمَسِيحَ أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ ] [ رومية 15: 1 – 3 ]… 

ب – تتجلّى بالمشاركة:

المسيح إذ أحبنا شاركنا حياتنا وآلامنا وموتنا…

ومحبتنا نحن أيضًا يجب أن تتحلّى بالمشاركة…

قد يكون فى الشفقة ترفّع عن الغير، ولذا فقد تجرح الناس وتضيف إلى آلامهم ألما جديدًا ومرارة…

لذلك أوصى الكتاب:

[ فَرَحاً مَعَ اَلْفَرِحِينَ وَبُكَاءً مَعَ اَلْبَاكِينَ ] [ رومية 12: 15 ]…

وأيضًا:

[ اُذْكُرُوا الْمُقَيَّدِينَ كَأَنَّكُمْ مُقَيَّدُونَ مَعَهُمْ، وَالْمُذَلِّينَ كَأَنَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً فِي الْجَسَدِ ] [ عبرانيين 13: 3 ]…

وقد عاش الرسول بولس المحبّة إلى حدّ المشاركة الصميمة فى المآسى التى أحسّها:

[ مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟ ] [ 2 كورونثوس 11: 29 ]…

 

ج – توجه الإرادة والعمل:

ولكن هذه المشاركة لا قيمة لها إن لم تتعدّ صعيد العاطفة…

فقد نريح ضميرنا بشكل رخيص مكتفين بأن ” نشعر” مع الناس…

ولكن مشاعرنا لا تهم الله كثيرًا…

أن ما يهمه إرادتنا…

المسيح لن يتلهَّ بتعابير غنائية عن المحبة وإنما عاشها فى عرق وجهاد وفى النهاية بتسلم ذاته للموت…

لذ، فليس المهم أن ” أحسّ” نحو الناس بانعطاف، إنما المهم أن أوجّه إرادتى بالفعل نحو خدمتهم…

هذا ما علّمنا إيّاه الرسول يوحنا بقوله:

[ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ الصِّغَارُ، لاَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَحَبَّتُنَا مُجَرَّدَ ادِّعَاءٍ بِالْكَلاَمِ وَاللِّسَانِ، بَلْ تَكُونَ مَحَبَّةً عَمَلِيَّةً حَقَّةً ] [ 1 يوحنا 3: 18 ]…

 

د – مجانية، غير مشروطة:

لقد كان الله هو البادئ بالمحبّة، إذ أن الإله المتجسّد بذل نفسه عنّا بغض النظر عن عدائنا له، عن رفضنا إيّاه…

لقد أحبنا مجانا، دون قيد وشرط، لا لسبب آخر سوى حبّه المجانى…

هذا ما حدّثنا عنه الرسول بولس بقوله:

[ لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ. فَإِنَّهُ بِالْجَهْدِ يَمُوتُ أَحَدٌ لأَجْلِ بَارٍّ. رُبَّمَا لأَجْلِ الصَّالِحِ يَجْسُرُ أَحَدٌ أَيْضاً أَنْ يَمُوتَ. وَلَكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ اَلْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. ] [ رومية 5: 6 – 8 ]…

وبالمعنى نفسه كتب الرسول يوحنّا:

[ وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا ] [ 1 يوحنا 4: 10 ]…

هكذا يجب أن تكون محبتنا للناس مجانية كمحبة يسوع لنا…

يجب أن نحبهم مهما كانت صفاتهم، مهما كان إنسجامهم و عدم إنسجامهم معنا، مهما كانت علاقاتهم بنا وتصرّفاتهم نحونا:

[ وَإِنْ أَحْبَبْتُمُ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يُحِبُّونَ اَلَّذِينَ يُحِبُّونَهُمْ.

وَإِذَا أَحْسَنْتُمْ إِلَى اَلَّذِينَ يُحْسِنُونَ إِلَيْكُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا.

وَإِنْ أَقْرَضْتُمُ اَلَّذِينَ تَرْجُونَ أَنْ تَسْتَرِدُّوا مِنْهُمْ فَأَيُّ فَضْلٍ لَكُمْ؟ فَإِنَّ اَلْخُطَاةَ أَيْضاً يُقْرِضُونَ اَلْخُطَاةَ لِكَيْ يَسْتَرِدُّوا مِنْهُمُ اَلْمِثْلَ.

بَلْ أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَأَحْسِنُوا وَأَقْرِضُوا وَأَنْتُمْ لاَ تَرْجُونَ شَيْئاً فَيَكُونَ أَجْرُكُمْ عَظِيماً وَتَكُونُوا بَنِي اَلْعَلِيِّ فَإِنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ اَلشَّاكِرِينَ وَاَلأَشْرَارِ ] [ لوقا 6: 32 – 35 ]…

 

المسيحى هو دوما البادئ بالمحبة كما ان المسيح هو المبادر بالحب نحونا…

لقد كنّا غرباء عنه، ضائعين فى متاهات عبادة الذات، ولكنه أتى إلينا – ولا يزال يأتى – فجعلنا قريبين إذ غمرنا بحبّه المبذول…

هكذا علّمنا من هو القريب…

لقد كان اليهود يعتقدون أن القريب، الذى تتوجّب عليهم محبّته، هو من كان يشاركهم فى الجنس والدين..

وذات يوم سأل أحد معلّمى الناموس يسوع قائلاً : من هو قريبى؟…

فلم يجبه مباشرة بلّ روى له مثل السامرى الصالح:

[ إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِناً نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَكَذَلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضاً إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. وَلَكِنَّ سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ  فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِهِ. وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ. فَأَيُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟  فَقَالَ: الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضاً وَاصْنَعْ هَكَذَا] [ لوقا 10: 25 – 37 ]…

هنا فجّر يسوع وصية المحبة التى كانت فى العهد القديم، إذ أعطانا أبعادًا شاسعة وجعلها تتخطى كلّ الحدود…

علمنا أن القريب ليس من هو قريبى، أى من تربطنى به روابط اللحم والدم، روابط العاطفة والمصلحة، روابط الرأى الواحد، والمجتمع الواحد…

إنّما قريبى هو من أصير أنا قريبًا منه بمحبتى له…

القريب هو من أقترب أنا منه بالمحبّة…

إننى أصبح قريبا لكل إنسان – ويصبح كل إنسان قريبى – إذا أحببته، ولو لم يكن بين هذا الإنسان وبينى أى رابط بشرى…

أكثر من ذلك، إذا كان إنسان ما عدوّى، فمحبتى غير المشروطة له تجعله قريبا، كما أن المسيح صار قريبًا لى، وقد كنت عدوّه، إذ بذل نفسه عنّى…

 

ه – موجهة بصورة خاصة إلى المتألمين:

تلك المحبّة للقريب يجب أن تشمل بنوع خاص البشر المتألمين، الذين هم بحاجة خاصة إليها…

إن كنّا نحب المسيح فلنا أن نرى فى كلّ معذبى الأرض وجهه الدامى المكلّل بالشوك وجسده الممزّق وكرامته المداسة من الناس ونفسه الحزينة حتى الموت…

ذلك أن الرب نفسه جعل تلك المطابقة بين المتألمين وبينه، فأقام وحدة بينه وبين الجائعين والعطاش والعراة والغرباء والمرضى والمسجونين:

[ لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي. عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي. كُنْتُ غَرِيباً فَآوَيْتُمُونِي. عُرْيَاناً فَكَسَوْتُمُونِي. مَرِيضاً فَزُرْتُمُونِي. مَحْبُوساً فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ ] [ متى 25: 35، 36 ]…

هذا ما سوف يقوله الرب للأبرار فى اليوم الأخير، مضيفا:

[  فَيُجِيبُ الْمَلِكُ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي فَعَلْتُمْ ] [ متى 25: 40 ]…

والصغار هؤلاء هم البؤساء والضعفاء الذين هم بنوع خاص أخوة يسوع إذ لم يشارك الرب البشر أمجادهم وغناهم بلّ إرتضى أن يشاركهم بؤسهم وفقرهم…

المألمون إمتداد للمسيح المتألم…

ولذلك كان أحد الآباء الروحيين يقول:

{ إن شئتم أن تلمسوا اليوم جراح المسيح كما لمسها توما، فما عليكم إلا أن تحتكّوا بإنسان بائس}…

 

لذ، فموقفنا من البائسين لا يمكن أن يكون بحال من الأحوال موقف الترفع والتفضل، إنما هو موقف إحترام عميق لهؤلاء الذين، وإن لم يدروا، وإن جدّفوا، هم فى بشاعة بؤسهم صورة لذاك الذى إرتضى أن يصبح:

[ نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ ‏فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ. مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ اَلنَّاسِ رَجُلُ ‏أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ اَلْحُزْنِ وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ ] [ أشعياء 53: 2، 3 ]…

 

يُروى عن القديس يوحنا الذى كان بطريركا للإسكندرية أوئل القرن السابع ودُعى ” يوحنا الرحوم”، أنه عندما استلم مسئوليته البطريركية طلب من أعوانه أن يضعوا له لائحة بأسماء ” سادته”…

وعندما سألوه مستغربين من عسى يكون هؤلاء السادة؟…

أجابهم بأنهم فقراء الإسكندرية…

هذا هو الموقف المسيحى الأصيل…

 

ولكن محبّة البؤساء والمحرومين لا يمكن أن تتخذ طابع العمل الفردى وحسب، لأنها عندئذ تكون ناقصة…

محبتنا المسيحية للبائسين تدعونا لرفض كلّ ما يكرّس يؤسهم وحرمانهم فى الأنظمة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية…

تلك المحبة تدعونا للنضال من اجل إقامة مجتمع يؤمن لمعذّبى الأرض العدالة وشروط حياة كريمة…

هذا ما فهمه عدد متكاثر من المسحيين فى عصرنا الذين فى كلّ أقطار المعمورة يناضلون من أجل العدالة وكرامة الإنسان، مدفوعين لا بإعتبارات إنسانية وحسب بل بقناعتهم بأن كل ظلم يلحق بالإنسان إنما هو طعنة للمسيح فى الصميم… كل ما لم تفعلوه بأحد إخوتى هؤلاء الصغار فبى لم تفعلوا…

أمام الدماء النازفة من جراح محرومى الدنيا، لا يسع المسيحيين إلا أن يتذكّروا عبارة باسكال الشهيرة:

{ المسيح فى نزاع إلى منتهى الدهر، فكيف يسعنا أن ننام؟ }…

 

* من قيامة المسيح نستمد المقدرة على محبة القريب:

ولكن محبة القريب، كما حددناها، تلك المحبة غير المشروطة التى تتجه إلى الآخر من أجل ذاته وتبذل ذاتها من أجله، تلك المحبة لا تنسجم مع متطلبات ” الإنسان العتيق” فينا، ذلك اِلإنسان الساقط، أسير الأنا، الذى يَعْتبر ذاته مركزًا للكون ولا ينظر إلى الآخر إلا كوسيلة لإشباع شهوته و حاجز دون بلوغ مأربه…

 

المحبة المسيحية تفرض أن نتخلّق بأخلاق الله وهذا لا يتم لنا إلا باشتراكنا بقيامة المسيح التى بها نصبح مساهمين فى حياة الله وبالتالى فى أخلاق الله…

المحبة المسيحية ثمرة القيامة التى نشترك بها كما رأينا بالتوبة وبالأسرار…

” الإنسان العتيق”، وهو فى كل منا كامن ما حيينا، لا قدرة له على المحبة المسيحية لأنه بعيد عن الله، فى تفكك وموت…

الحياة الإلهية إذا تدفقت فى كياننا تكوّن فينا إنسانا جديدًا، مستعيدًا صورة خالقه، وتجعلنا بالتالى قادرين على محبة القريب…

لذ، كتب الرسول يوحنا إلى المسيحيين قائلاً لهم أن المحبة التى تجمع بينهم هى برهان خروجهم من الموت إلى الحياة، أى برهان مساهمتهم فى قيامة المسيح:

[ إِنَّ مَحَبَّتَنَا لإِخْوَتِنَا تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّنَا انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ. فَالَّذِي لاَ يُحِبُّ إِخْوَتَهُ، فَهُوَ بَاقٍ فِي الْمَوْتِ ] [ 1 يوحنا 3 : 14 ]…

وقد كتب الرسول نفسه أيضًا:

[ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً: لأَنَّ الْمَحَبَّةَ تَصْدُرُ مِنَ اللهِ. إِذَنْ، كُلُّ مَنْ يُحِبُّ، يَكُونُ مَوْلُوداً مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ ( بالمعنى الكتابى: أى متحد بالله ) . أَمَّا مَنْ لاَ يُحِبُّ، فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِاللهِ قَطُّ لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ! ] [ 1 يوحنا 4: 7، 8 ]…

لذ، تربط الكنيسة بين القيامة ومحبة الناس فتنشد فى خدمة الفصح:

{ اليوم يوم القيامة … فلنقل يا إخوة ونصفح لمبغضينا عن كل شئ فى القيامة }، وكانها تذكّرنا بذلك أن إشتراكنا فى القيامة ينبوع محبتنا للآخرين…

 

ولكن إذا كانت محبة الإخوّة ثمرة إشتراكنا فى القيامة، فمن جهة أخرى، التمرّس عليها والجهاد من أجل إكتسابها هو مظهر أساسى لذلك المجهود، مجهود التوبة، الذى به، كما رأينا، نقبل الإشتراك بصليب الرب فنصبح مشتركين فى قيامته…

إن إجهاد تسليم ذواتنا للرب لا ينفصم عن الجهاد فى سبيل محبة القريب:

[ وَنَحْنُ أَنْفُسُنَا اخْتَبَرْنَا الْمَحَبَّةَ الَّتِي خَصَّنَا اللهُ بِهَا، وَوَضَعْنَا ثِقَتَنَا فِيهَا. إِنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي اللهِ، وَاللهُ يَثْبُتُ فِيهِ ] [ 1 يوحنا 4: 16 ]…

مجمل الكلام أن محبة القريب هى ثمرة القيامة وطريق القيامة فى آن…

 

إن الاعتراف بالآخر شخصا مستقلاً عن أهوائنا ومصالحنا، مهما بحد ذاته، بعبارة أخرى، الإعتراف به على أنه آخر وليس مجرّد إمتداد لشخصى، هذا الإعتراف الذى تفرضه المحبة المسيحية، ” جحيم” بالفعل ل ” الإنسان العتيق” فىّ، إنسان الشهوة، أسير عبادة الذات…

إنه إنسلاخ وموت…

ولكن من قبل أن يجتاز هذا الموت يشترك فى صليب المسيح ويبلغ إلى الله من خلال إنفتاحه للآخر فتتحقق ” السماء” فى قلبه…

 

*ملحق:

1 – كان يوحنا ذهبى الفم، بطريرك القسطنطينية ( الذى جرّد البطريركية من كل مظاهر الترف وعاش فيها فقيرًا وتوفى سنة 407 فى المنفى لتوبيخه الملوك ) يخاطب بجرأة أغنياء عصره، معلنًا إن إهمالهم للمساكين فى سبيل ترفهم هو إهمال للمسيح نفسه، ومن أقواله:

{ لقد أعطاكم الله سقفا دون المطر لا لترصّعوه ذهبصا فى حين أن الفقير يموت جوعا. وأعطاكم ملابس لتتستروا لا لتزكشوها بترف فى حين أن المسيح العارى يموت بردًا. أعطاكم منزلاً  لا لتسكنوه وحدكم بل لتستقبلوا فيه الآخرين، والأرض لا لتددوا مواردها على الجوارى والراقصات والممثلين وعازفى المزمار والقيثارة ولكن لتسعفوا الجياع والعطاش…} …

{ ماذا ينفع تزيين مائدة المسيح بأوان ذهبية إذا كان هو نفسه سموت جوعا؟. فأشبعه أولاً حينما يكون جائعا. وتنظر فيما بعد فى أمر تجميل مائدته بالنوافل … }…

{ فلا تزين الكنائس إن كان ذلك لإهمال أخيك فى الشدّة، هذا الهيكل أكثر جلالاً من ذاك }…

{ بينما كلبك متخم، يهلك المسيح جوعا }…

إنك تحترم هذا المذبح حينما ينزل إليه جسم المسيح ولكنك تهمل وتبقى غير مبالٍ حينما يفنى ذاك الذى هو جسم المسيح}…

 

2 – ويقول فرانسوا مورياك – الحائز على جائزة نوبل فى الأدب – فى محاضرة أمام ثلاثة آلاف شخص بمناسبة أسبوع المفكرين الكاثوليك، عنوانها: ” الإقتداء بجلادى المسيح”:

{ أيًا كانت مبرراتنا وأعذارنا، أقول أنه، بعد تسعة عشر قرنًا من المسيحية، لا يظهر المسيح أبدً، لجلادى اليوم، فى المعذّب، لا ينكشف الوجه المقدّس أبدًا فى وجه العربى الذى يهوى عليه مفوض الشرطة بقبضته ( وذلك فى نضال المغاربة لنوال استقلالهم عام 1954 وتعذيبهم من الشرطة الفرنسية ) ألا تجدون غريبًا أن يفكّروا أبدًا بإلههم المقيد بالعمود والمسلّم إلى الجند، أن لا يسمعوا، من خلال صراخ ضمائرهم وأنينها صوته المعبود يقول: ” بى تفعلونه”. ذلك الصوت الذى سيدوّى يومًا، ولن يكون عند ذاك متوسل، وسيصرخ بنا كلنا نحن الذى قبلنا وربما لأيدنا هذه الأشياء: ” كنت هتذا الشاب المحب لوطنه والمحارب من أجل ملكه، كنت هذا الأخ الذى كنت تريد أن ترغمه على خيانة أخيه…”. كيف لا تعطى هذه النعمة أبدًا لأحد هؤلاء الجلادين المعمّدين؟ كيف لا يلقى جنود الفرقة أحيانًا سوط الجلد ليركعوا عند أقدام ذاك الذى يجلدونه؟ }…

 

3 – ويقول ” ألبير لحام” فى محاضرة عن ” العدالة السياسية فى المسيحية” التى نشرت بمجلة ” محاضرات الندوة” بتاريخ 11/12/1966، ص 44:

قلب المسيحية هو الإيمان بأن ابن الله إتخذ فى ذاته آلامنا طوعا ليحررنا من الآلام. ليست المسيحية، إذًا، كما يقول البعض، ديانة تدعو إلى الخنوع أمام الألم والظلم…

ليست المسيحية ديانة الألم…

إنما هى ديانة الفداء…

لا قيمة للألم فى نظرنا إلا إذا اقتُبل، كما اقتبله المسيح، محبة بالله وبالآخرين…

المسيحى، إذا أراد أن يسير فى طريق سيده، لا بدّ له أن يكون مستعدًا لإحتمال الألم والموت من أجل تحرير المتألمين والمظلومين والمستعبدين، لا بدّ أن يناضل حتى الدم من أجل العدالة…

هذا ما أوضحه الأستاذ ” ألبير لحام” فى محاضرة ألقاها فى الندوة اللبنانية ضمن سلسلة محاضرات ” العدالة فى المسيحية والإسلام”. وفيما يلى مقطع منها:

{ فى وسط الجناح المخصص للمسيحية فى متحف الإلحاد فى مدينة لينيجراد يقوم تمثال كبير للسيد المسيح يرزح تحت وطأة صليب ثقيل. هذا التمثال، يقول لك الدليل، هو رمز المسيحية التى تدعو الناس إلى حمل الصليب والرضوخ للظلم والقبول بالألم والإستسلام للطغيان بانتظار حياة الآخرة. هذا التعريف الكاريكاتورى للمسيحية، كم يذكرنى بقول الرسول بولس:

[ فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ] [ 1 كورونثوس 1: 18 ]…

فالصليب ليس عنوان الذل والخمول والإستسلام…

بل عنوان المحبة الإلهية الفادية…

والتضامن المطلق مع جميع الناس…

والمشاركة التامة للرازحين تحت الظلم والطغيان…

والمجازفة الجريئة حتى الموت لتحريرهم جميعا…

لأنه، كما تقول الرسالة إلى العبرانيين:

[ فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ ] [ عبرانيين 2: 14، 15 ]…

فإذا كان المسيحى يلتزم قضية العدالة السياسية فى مجتمعه، فلأنه يسير فى خطى ذلك الذى إلتزم بؤسنا وشقاءنا إذ لبس طبيعتنا وخاض معنا، كواحد منا، معركة الموت والحياة، وفتح لنا بصليبه طريق النصر والرجاء وهو القائل:

[ وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ ] [ يوحنا 10: 10 ]…

 


 

5  – الصعود

    

* الصعود تتويج لعملية الفداء:

فالمجد الإلهى، كما رأينا، إجتاح إنسانية يسوع لما أسلمت بإرادتها ذاتها بالكلية على الصليب…

هذا المجد الإلهى نفسه الذى أقام يسوع من بين الأموات كان كفيلاً بأن يصعده إلى السماء، أى بأن يهب لإنسانيته الإشتراك التام بالحياة الإلهية وبالسيادة الإلهية على جميع الكائنات…

هكذا دخلت طبيعة يسوع الإنسانية، عندما بلغت الكمال بالصليب، فى ذلك المجد الإلهى الذى كانت طبيعته الإلهية تتمتع به منذ الأزل…

هذا ما أشار إليه الرب عندما خاطب الآب قبيل ذهابه إلى الآلام قائلاً له:

[ وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ اَلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ اَلْعَالَمِ ] [ يوحنا 17 : 5 ]…

هكذا كان إنحدار المسيح بإختياره إلى دركات الموت طريقا لبلوغه ذروة المجد…

هذا ما أشار إليه الرسول بولس عندما كتب:

[ اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ اَلَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ اَلسَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ اَلْكُلَّ ] [ أفسس 4: 10 ]…

عندما إبتعد ابن الله بتواضعه الفائق، إلى أبعد حدّ عن أصله الإلهى، عند ذاك، وبفعل هذا التواضع بالذات، عاد بجسده إلى ذلك الأصل الإلهى…

هذا ما انشده الرسول فى رسالته إلى أهل فيليبى:

[ الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ. لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اَللهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ اِسْماً فَوْقَ كُلِّ اِسْمٍ لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي اَلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى اَلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ اَلأَرْضِ، وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ اَلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اَللهِ اَلآبِ ] [ فيليبى 2: 6 – 11 ]…

 

* تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع:

تلك هى السماء التى صعد إليها يسوع والذى كان إرتقاؤه فى الفضاء أمام التلاميذ صورة ورمزًا لها…

إن عددًا من المؤمنين يخلطون بين السماء المادية و” سماء” الله…

يعتقدون أن الله كائن يقبع فى أجواء الفضاء العليا…

ويشاركهم عدد من غير المؤمنين هتذا التفكير…

هكذا صرّح رائد الفضاء ” تيتوف” أن الله غير موجود لأنه لم يجده أثناء رحلته الفضائية…

هذا تصوّر صبيانى لا يليق بالعقل الإنسانى ولا بطبيعة الله…

فالله ليس قابعا فى أجواء الفضاء الخارجى العليا، إنه كائن لا يحدّه مكان وهو حاضر بمعرفته وقدرته وحبه وعنايته فى كل مكان…

إنما الإنسان لكونه كائنا حسيًا ومحدودًا، لا يستطيع أن يعبّر عن الله إلا بصورة حسية، ناقصة…

 السماء المادية تعلو عن الارض، لذلك إتّخَذَت فى كل الأديان صورة  عن تعالى الله…

عبارة ” سماء” نفسها مستقاة من ” سما” التى تعنى ” علا”…

السماء المادية رمز إذًا لتعالى الله…

هذا ما عبّر عنه أشعياء النبى عندما كتب:

[‏ لأَنَّ أَفْكَارِي لَيْسَتْ أَفْكَارَكُمْ وَلاَ طُرُقُكُمْ طُرُقِي يَقُولُ اَلرَّبُّ. لأَنَّهُ ‏كَمَا عَلَتِ اَلسَّمَاوَاتُ عَنِ اَلأَرْضِ هَكَذَا عَلَتْ طُرُقِي عَنْ طُرُقِكُمْ ‏وَأَفْكَارِي عَنْ أَفْكَارِكُمْ  ] [ أشعياء 55 : 8، 9 ]…

صعود المسيح إلى السماء يعنى، إذًا، إشتراك إنسانيته فى تعالى الله، فى حياة الله، فى مجد الله، فى سيادة الله…

 

* لكن يسوع صعد إلى السماء ليصعد البشرية معه:

نزعة الإنسان العميقة هى أن يبلغ إلى السماء، أى إلى الإشتراك فى الحياة الإلهية…

هذا المعنى العميق لحنينه إلى القدرة والمعرفة والعدالة والحبّ والسعادة والخلود…

ولكنه يطمع أن يبلغ السماء بفعله الذاتى…

فأتباع الديانات الوثنية كانوا ولا يزالون يعتقدون أن الإنسان يستطيع أن يبلغ إلى عالم الإلوهة بواسطة طقوس يقيمه وتقشفات ينصرف إليها…

كذلك نرى الكثيرين من البشر فى عالمنا الحديث يحلمون بتأليه الإنسانية بوسائل بشرية بحتة كالإختراعات العلمية والأنظمة الإجتماعية…

تجاه تلك المواقف تعلن المسيحية أن الإنسان لا يستطيع بفعله الذاتى أن يتخلّص من حدوده ويبلغ إلى التأليه، إنه لا يسعه بمجرّد مبادرته الذاتية أن يتحرّر جذريا من الشقاء والخطيئة والعزلة والموت…

السماء لا تقتحم إقحاما إنما تنحدر إلينا هبة مجانية…

لم يكن بإستطاعة الإنسان أن يبلغ إلى الله لو لم ينحدر الله إلى الإنسان ليرفعه إليه…

هذا ما عبّر عنه الرب يسوع عندما قال لنيقوديموس:

[ وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ ] [ يوحنا 3: 13 ]…

 

طريق السماء أى الحياة الإلهية بما تتضمنه من إنتصار نهائى على الخطيئة والشقاء والعزلة والموت، إنما فتحه لنا المسيح عندما عاد بالجسد إلى مجده الذى كان له منذ الأزل…

بصعوده دشّن صعودنا نحن…

هذا معنى صلاته إلى الآب قبل الآلام:

[ أَيُّهَا اَلآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا لِيَنْظُرُوا مَجْدِي اَلَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَنَّكَ أَحْبَبْتَنِي قََبْلَ إِِنْشَاءِ اَلْعَالَمِ ] [ يوحنا 17: 24 ]…

بصعود الرب يسوع المسيح بدأ تأليهنا نحن:

[ اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ ] [ أفسس 2: 4 – 6 ]…

 

* لقد فتح لنا يسوع بصعوده طريق السماء:

أى طريق الإشتراك فى الحياة الإلهية…

بقى علينا أن نسلك هذه الطريق…

ولكن طريقنا لا يمكن أن تكون غير طريق يسوع…

وطريق يسوع إلى القيامة ثم إلى الصعود كانت طريق الإنسلاخ المعطاء…

طريق نكران الذات فى إتجاه محب إلى الله والناس…

لذا من أراد الإشتراك فى الصعود وجب عليه أن ينسلخ، بجهاد هو عملية الحياة كلها، عن التمتع الأنانى بخيرات الدنيا، كى يتجه، مع المسيح وبمؤازرة نعمته، إلى فوق، أى إلى تلك الشركة مع الله التى أعدّت لنا…

هذا ما علمنا إياه الرسول بولس عندما كتب إلى أهل كولوسى:

[ فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ. اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى اَلأَرْضِ، لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ اَلْمَسِيحِ فِي اَللهِ] [ كولوسى 3: 1 – 3 ]…

 

* الصعود لا يعنى إذًا هروبًا من الأرض وواجباتها:

ولكن عبارة الرسول: [ اهْتَمُّوا بِمَا فَوْقُ لاَ بِمَا عَلَى اَلأَرْضِ ] لا تعنى، كما يعتقد البعض، أنه ينبغى للمسيحيين أن يهملوا الأرض، أن يتركوها وشأنها…

هذا التفسير بالطبع مرفوض لأنه ينافى محبة القريب التى بدونها، كما رأينا، لا يمكننا أن نقترب من الله…

محبة الإخوة تفرض أن نهتم بشئونهم ليس الروحية وحسب بل الأرضية أيضًا ( كما أشبع المسيح الجياع وشفى المرضى )، أن نعالج إذًا من أجلهم شئون الدنيا ( بالعمل والعلم والنضال الإجتماعى مثلاً )…

عبارة الرسول تعنى إذًا أن نعرض عن التمتع الأنانى، النهم بخيرات الأرض…

من إنشغل بهذا التمتع تغرّب عن الله وعن الآخرين لأنه غارق فى شهوته…

أما المسيحى الذى يكافح أنانية الشهوة فإنه بمشاركته صليب الرب، يساهم فى صعوده، وإذ ينال هكذا الحياة الإلهية لا يصبح غريبًا عن الناس وهمومهم بل قريبًا منهم كل القرب بتلك المحبة التى فيه، المستمدة من محبة الله لخلائقه…

 

الصعود لا يعنى إذًا هروبا من الأرض وواجباتها ومشاكلها وآلامها…

هذا الهروب، أيًا كانت مبرراته، يدل بالعكس على أننا لم نصعد بعد، على أننا لا نزال أسرى ” الإنسان العتيق” فينا يؤلّه راحته وطمأنينته…

الصعود هو بالعكس إلتزام كلّى لكلّ قضايا الإنسان فى الأرض…

إنه حضور كله حب وبذل…

ذلك أن السماء، كما سبق فقلنا، ليست فوق الغيوم ولكنها، فى صميم كياننا، إشتراك، منذ الآن، فى حياة الله…

لقد قال الرب يسوع:

[ وَلاَ يَقُولُونَ: هُوَذَا هَهُنَا أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ لأَنْ هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ ] [ لوقا: 17: 21 ]…

وملكوت الله هو الحياة الإلهية، هو بعبارة أخرى السماء…

إذً، المسيحى الحقيقى يصعد إلى السماء دون أن يترك الأرض، إنه يعيش على الأرض سماويًا أى مشتركا فى حياة الله إلى أن تكتمل فيه فى اليوم الأخير…

هذا ما عبّر عنه الرب يسوع عندما قال عن تلاميذه، مخاطبًا الآب:

[ وَلَسْتُ أَنَا بَعْدُ فِي اَلْعَالَمِ وَأَمَّا هَؤُلاَءِ فَهُمْ فِي اَلْعَالَمِ وَأَنَا آتِي إِلَيْكَ. أَيُّهَا الآبُ اَلْقُدُّوسُ اِحْفَظْهُمْ فِي اِسْمِكَ. اِلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.

أَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمْ كلاَمَكَ وَاَلْعَالَمُ أَبْغَضَهُمْ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ اَلْعَالَمِ كَمَا أَنِّي أَنَا لَسْتُ مِنَ اَلْعَالَمِ

لَسْتُ أَسْأَلُ أَنْ تَأْخُذَهُمْ مِنَ اَلْعَالَمِ بَلْ أَنْ تَحْفَظَهُمْ مِنَ اَلشِّرِّيرِ ] [ يوحنا 17: 11، 14، 15 ]…

المؤمن المشترك فى صعود ربه يتخلّق بأخلاق الله:

[ اَلدِّيَانَةُ اَلطَّاهِرَةُ اَلنَّقِيَّةُ عِنْدَ اَللَّهِ اَلآبِ هِيَ هَذِهِ: اِفْتِقَادُ اَلْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ اَلإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ اَلْعَالَمِ ] [ يعقوب 1: 27 ]…

ولكن الحياة الإلهية الكامنة فيه هى فى جوهرها حبّ وعطاء، لذلك لا يسعها إلا أن تنسكب وتنبت فيما حولها، ناشرة فى الأرض عدلاً وسلاما وفرحا وإخاء…

هكذا يُشعّ الملكوت من المؤمنين ليحوّل الأرض كما تُخمّر خميرة صغيرة العجين كله:

[  يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ ] [ متى 13: 33 ]…

بهذا المعنى دعا الرب يسوع المؤمنين به :

[ مِلْحَ اَلأرْضِ ] [ متى 5: 13 ]…

الملح يختلف عن الطعام ولكنه يختلط بالطعام إختلاطا صميميًا ليطعمه كله…

هكذا يحمل المؤمن فى ذاته حياة الله التى تفق العالم ولكنه يبثها فى كل مرافق الوجود الأرضى، فى الحياة العائلية والمهنية والإجتماعية والسياسية…

حبّه للناس وإشتياقه إلى رؤية الملكوت قد تحقق تماما يدفعانه إلى رسم صورته فى الكون…

لذلك، لا يسعه إلا أن يجاهد من أجل كل حق وخير الأرض، من أجل العدل والسلام والإخاء بين البشر، من أجل كرامة كلّ إنسان ونمو شخصيته، من أجل تقهقر الشقاء والألم والمرض والموت…

 

* ولكن المسيحى يعلم أن تحوّله هو وتحوّل الكون لم يكتملا إلا عند المجئ الثانى فى نهاية الأزمنة:

بصعود المسيح ألقى نور الله فى صميم الدنيا وبدأت الأرض تتحوّل إلى سماء، ولكن فى نهاية الأزمنة :

[ وَعِنْدَنَا الْكَلِمَةُ النَّبَوِيَّةُ، وَهِيَ أَثْبَتُ، الَّتِي تَفْعَلُونَ حَسَناً إِنِ انْتَبَهْتُمْ إِلَيْهَا كَمَا إِلَى سِرَاجٍ مُنِيرٍ فِي مَوْضِعٍ مُظْلِمٍ، إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ] [ 2 بطرس 1: 19 ]…

ويجدّد الكون :

[ وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضاً سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ ] [ 1 كورونثوس 15: 28 ]…

صعود الرب إذًا مقدمة لمجيئه الثانى الظافر كما يتضح من الحادثة نفسها:

[ اَلْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ ‏وَيُعَلِّمُ بِهِ. إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي ارْتَفَعَ فِيهِ بَعْدَ مَا أَوْصَى بِالرُّوحِ الْقُدُسِ ‏الرُّسُلَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ. اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضاً نَفْسَهُ حَيّاً بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ ‏بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ ‏الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ. وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ ‏يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ بَلْ يَنْتَظِرُوا { مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي‏‏، لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ لَيْسَ ‏بَعْدَ هَذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ}. أَمَّا هُمُ الْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ: { يَا رَبُّ هَلْ فِي ‏هَذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟ } فَقَالَ لَهُمْ: { لَيْسَ لَكُمْ أَنْ ‏تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ. لَكِنَّكُمْ ‏سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي ‏أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ }. وَلَمَّا ‏قَالَ هَذَا اِرْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. وَفِيمَا ‏كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى اَلسَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ ‏بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ. وَقَالاَ: { أَيُّهَا اَلرِّجَالُ اَلْجَلِيلِيُّونَ مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ ‏تَنْظُرُونَ إِلَى اَلسَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هَذَا اَلَّذِي اِرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى اَلسَّمَاءِ ‏سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى اَلسَّمَاءِ}‏ ] [ أعمال الرسل 1: 1 – 11 ]…

لذا ينتظر المؤمن هذا الكون الجديد:

[ وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا اَلْبِرُّ ] [ 2 بطرس 3: 13 ]…

هذا الكون الذى وصفه يوحنا الرسول فى سفر الرؤيا قائلاً:

[ وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ اَلْمَدِينَةَ اَلْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ اَلْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ اَلسَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اَللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا.

وَسَمِعْتُ صَوْتاً عَظِيماً مِنَ اَلسَّمَاءِ قَائِلاً: ” هُوَذَا مَسْكَنُ اَللهِ مَعَ اَلنَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْباً. وَاَللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهاً لَهُمْ.وَسَيَمْسَحُ اَللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَاَلْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ اَلأُمُورَ اَلأُولَى قَدْ مَضَتْ”.

وَقَالَ اَلْجَالِسُ عَلَى اَلْعَرْشِ: “هَا أَنَا أَصْنَعُ كُلَّ شَيْءٍ جَدِيداً “. وَقَالَ لِيَ: ” اكْتُبْ، فَإِنَّ هَذِهِ اَلأَقْوَالَ صَادِقَةٌ وَأَمِينَةٌ ” ] [ رؤيا 21 : 2 – 5 ]…

تلك الأرض المتجدّدة التى أصبحت سماء حضور الله الكامل فيها هى موطننا الحقيقى…

بهذا المعنى ورد فى الرسالة إلى العبرانيين:

[  لأَنْ لَيْسَ لَنَا هُنَا مَدِينَةٌ بَاقِيَةٌ، لَكِنَّنَا نَطْلُبُ الْعَتِيدَةَ ] [ عبرانيين 13: 14 ]…

وفى الرسالة إلى أهل فيليبى:

[ فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي اَلسَّمَاوَاتِ، اَلَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ اَلرَّبُّ يَسُوعُ اَلْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ اِسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ ] [ فيليبى 3 : 20، 21 ]…

 

* ولكننا ندخل هذا الكون المتجدد منذ الآن:

بهذا المعنى قال الرب يسوع:

[ وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ ] [ يوحنا 4: 23 ]…

التجديد سيكتمل فى اليوم الأخير ولكنه منذ الآن قد بدأ…

ينبغى أن ندخل فيه منذ الآن حتى يتحقق فينا كاملاً عند مجئ الرب الثانى…

المسيحى لا ينتظر مجئ يوم الرب وحسب ولكنه:

[ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَاَلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ.

وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا اَلْبِرُّ.

لِذَلِكَ أَيُّهَا اَلأَحِبَّاءُ، إِذْ أَنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ هَذِهِ، اِجْتَهِدُوا لِتُوجَدُوا عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ.

وَاحْسِبُوا أَنَاةَ رَبِّنَا خَلاَصاً، كَمَا كَتَبَ إِلَيْكُمْ أَخُونَا اَلْحَبِيبُ بُولُسُ أَيْضاً بِحَسَبِ اَلْحِكْمَةِ اَلْمُعْطَاةِ لَهُ ] [ 2بطرس 3: 12 – 15 ]…

أى أنه يبدأ بتحقيقه، بنعمة الرب، فيه وحوله، مستنزلاً على الأرض بعض أيام السماء…

وفى جهاده، المرير أحيانًا، من أجل الحق والخير والفرح فى الأرض، يشعر بثقة لا تعادلها ثقة لأنه يعلم أن جهوده لن تضيع وأن الشر والموت سيقهران نهائيًا بنعمة الإله الذى تجسّد وصلب وقام وصعد إلى السماء ليحرر الإنسان من الخطيئة…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- التجسد

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الخامس: التجسد

الفصل الخامس: التجسد.

أولاً: غاية التجسد‏:

ثانيًا: تهيئة التجسد‏:

الناموس:

الحوادث التاريخية:

الأنبياء

ثالثًا: التجسّد فى كتابات القديس كيرلس الكبير‏

1 – مفهوم كلمة ” صار” فى عبارة ” والكلمة صار جسدًا”:

2 ما معنى كلمة” المسيح”؟:

3 – كيف يجب أن نفهم ” عمانوئيل”؟:

4 – من هو يسوع؟:

5 – لماذا دعى كلمة الله إنسانًا؟:

6 – كيف قيل أن الكلمة أخلى وأفرغ ذاته؟:

7 – كيف يكون المسيح واحدًا؟:

8 – كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟:

9 – ما هو هذا الاتحاد؟:

أمثلة كتابية عن كيفية الاتحاد

     

أ – الجمرة:

      ب – سوسنة الأودية:

     

ج – تابوت العهد:

10 – الله الكلمة واحد من اثنين: لاهوت كامل وناسوت كامل:

        براهين كتابية على أن كلمة الله وإن كان قد صار إنسانًا إلا أنه ظل إله:‏  

11 – المسيح ليس الله لبس جسدً، وليس كلمة الله الذى حلّ فى ‏إنسان، بل الله الذى تجسّد فعلاً حسب شهادة الكتب:

رابعًا: دور العذراء مريم فى التجسد:

 


 

الفصل الخامس

التجسّد

” ..الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصن، نزل من السماء وتجسّد من الروح القدس ومن العذراء مريم وتأنس…”

 

أولاً: غاية التجسد

بالخطيئة كما رأين، انفصل الإنسان عن الله وغدا مهمشًا طريحًا غير قادر أن ينهض نفسه من الهوة التى سقط فيها…

لم يكن بإمكانه أن يرتفع إلى الله ولذلك فقد شاء الله فى محبته أن ينحدر بنفسه إلى الإنسان ليعيد الشركة بين الإنسان وبينه…

إن الله أحبّ الإنسان ” حبًا جنونيًا” على حدّ تعبير اللاهوتى ” نقولا كباسيلاس”، حتى أنه وهو الكائن الأبدى، الخالق، ذو السعادة المطلقة، لم يترك وشأنه ذاك الإنسان الذى رفضه إختياريا بلّ إنحدر إليه ساعيًا فى طلبه…

كما سعى الراعى الذى تكلّم عنه الرب يسوع وراء الخروف الضال [ لوقا 15: 1 7 ]…

غير مكتفٍ بالملائكة كما لم يكتف ذل الراعى بالتسعة والتسعين خورفًا التى لم تضلّ…

 

بالتجسّد أخذ الله طبيعتنا البشرية المنحطة، الساقطة، واتحدت مع لاهوته اتحادًا فائق الوصف…

ليداوى الله بالتجسّد النزيف الروحى الذى هو الخطيئة الأصلية…

بالتجسّد بث الله حياته فى الإنسان المريض، ليعيد إليه القوة الروحية التى خارت والجمال الذى تشوّه…

بالتجسد اتحد الله ذاته بالإنسان لتسرى فى الإنسان حياة الله …

لقد رأينا ان الإنسان سقط لكونه أراد أن يجعل نفسه إلها دون الله، بالاستغناء عن الله…

لقد كان يتوق إلى التألّه ولكنه ضلّ الطريق إذ اعتقد أن التألّه يتم بانتفاخ الأنا…

فالله لم يخلق الإنسان ليكون له عبدًا بل شريكًا فى حياته الإلهية…

ولكن هذه الشركة فى الطبيعة الإلهية لم يكن ممكنًا بمعزل عن الله بلّ كان مشرطًا باتحاد الإنسان بالله…

لأن من الله، ومن الله وحده، يستمد الإنسان كل موهبة وقوة وحياة…

خارج الله ليس سوى العدم والفراغ والموت…

ولكن الإنسان استمع على خداع الشرير فطمع بالتألّه دون الله، فلم يبلغ مأربه بل انحطّ من مستواه الإنسانى الأصيل وأخضع طبيعته للموت…

لقد كانت وعود الشيطان كاذبة، لقد قال عنه يسوع أنه ” كَذَّاب وَأَبُواَلْكَذِب ” [ يوحنا 8: 44 ]، عندما اعلن للإنسان أنه بمخالفة الله يصير إلها…

تلك الوعود البراقة كانت وهما وخداعا ولكن مل لم يستطع الإنسان أن يحققه عندما تشامخ حققه له الله عندما نزل إليه…

 

وحتى لا يتششت القارئ فى معنى أن الإنسان تألّه بالتجسد؟…

هذا لا يعنى أننا أصبحنا آلهة بالطبيعة، فإننا مازلنا مخلوقات…

ولكن التألّه يعنى أن حياة الله قد أُعْطيت لنا فصرنا مشاركين له فى محبته، فى مجده، فى قوته، فى فرحه، فى حكمته، فى قداسته، فى خلوده…

لم ولن نبلغ جوهر ولاهوت الله لأنه دائمًا متعالٍ لا يمكن الوصول إليه، ولكن القوى الإلهية أعْطيت لنا وأصبحت فى متناولنا…

هذا ما اوضحه بنوع خاص القديس ” غريغوريوس بالاماس” وثبتته المجامع الأرثوذكسية…

بهذا المعنى ينبغى أن نفهم كلمة الرسول بطرس:

[ كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ،

اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.

وَلِهَذَا عَيْنِهِ وَأَنْتُمْ بَاذِلُونَ كُلَّ اجْتِهَادٍ قَدِّمُوا فِي إِيمَانِكُمْ فَضِيلَةً، وَفِي الْفَضِيلَةِ مَعْرِفَةً،

وَفِي الْمَعْرِفَةِ تَعَفُّفاً، وَفِي التَّعَفُّفِ صَبْراً، وَفِي الصَّبْرِ تَقْوَى،

وَفِي التَّقْوَى مَوَدَّةً أَخَوِيَّةً، وَفِي الْمَوَدَّةِ الأَخَوِيَّةِ مَحَبَّةً ] [ 2 بطرس 1: 3 – 7 ]…  

 

ثانيًا: تهيئة التجسد

التجسد إذًا مبادرة محبة مجانية من الله نحو الإنسان الذى ابتعد عنه ورفضه بإختياره:

[ وَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ مَحَبَّتَهُ لَنَا إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ الأَوْحَدَ إِلَى الْعَالَمِ لِكَيْ نَحْيَا بِهِ. وَفِي هَذَا نَرَى الْمَحَبَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ، لاَ مَحَبَّتَنَا نَحْنُ لِلهِ، بَلْ مَحَبَّتَهُ هُوَ لَنَا. فَبِدَافِعِ مَحَبَّتِهِ، أَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا ] [ 1يوحنا 4: 9، 10 ]…

 

ولكن محبّة الله لا تُفرض فرضا..

ولذا كان على الإنسان أن يتقبّل مبادرة الحب الإلهى هذه…

من أجل هذا اهتم الله بمحة أبوية أن يهيئ البشر تدريجيًا إلى إقتبال التجسد وكان عمله شبيهًا بعمل المربّى الحكيم الذى يهيئ للطفل الظروف المؤاتية كى يرقى مراحل النمو الواحدة تلو الأخرى حتى يصل إلى البلوغ…

وقد ظهرت هذه التربية الإلهية لحرية الإنسان خاصة فى الشعب الإسرائيلى الذى بقى وحده بين الشعوب أمينًا لله رغم خطاياه الكثيرة…

ففيه خاصة هيأ الله البشر إلى إقتبال التجسد حتى إذا تم يحمل أفراد من هذا الشعب بشارته إلى العالم أجمع…

وقد اتخذت هذه التهيئة وجوهًا مختلفة منها:

 

* الناموس:

وهو مجموعة شرائع أعطيت إلى الشعب الإسرائيلى بوحى من الله…

وقد قال عنه الرسول بولس:

[ إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ ] [ غلاطية 3: 24 ]…

والمؤدب كان عند اليونان عبدًا موكولاً إليه أن يصحب الأولاد المؤتمن عليهم ويسهر عليهم وياقنهم ميادئ المعرفة ليتمكنوا فيما بعد من استماع دروس يلقيها معلّم شهير…

تلك كانت وظيفة الناموس بالنسبة إلى اليهود…

فالوصايا العشر مثلاَ كانت غايتها تهذيب أخلاق الناس كى يُعدّوا للدخول فى ملكوت المحبة…

أمّا الذبائح التى كان يفرضها الناموس للتكفير عن الخطايا فقد كانت رمزًا يشير إلى الذبيحة الحقيقية الواحدة وهى موت يسوع المسيح على الصليب…

 

* الحوادث التاريخية:

وقد كانت حوادث تاريخ الشعب اليهودى ترمز إلى حوادث الخلاص وتُعدّ الشعب لإقتبال التجسّد…

فيوسف الذى باعه أخوته حسدًا وصار كما قال الكتاب عنه ” مخلّص العالم” أثناء المجاعة التى حصلت، كان رمزًا للمسيح الذى أُسْلِمَ حسدًا من اليهود أخوته بالجسد إلى الرومانيين لكى يميتوه صلبًا فصار بالمعنى الكامل ” مخلّص العالم”…

مطعما الناس ليس خبزًا ماديًا كما فعل يوسف بل الخبز السماوى الذى هو جسده…

كذلك خلاص الشعب الإسرائيلى من عبودية فرعون على يد موسى ودخوله فى أرض الميعاد على يد يشوع الذى هو اسم يسوع بالذات ومعناه ” الله يخلّص”، كان رمزًا لخلاص المؤمنين من عبودية الشيطان بتجسّد المسيح وموته وقيامته ودخولهم إلى ملكوت الله…

 

* الأنبياء

كذلك أرسل الله أنبياء إلى شعبه على مرّ الأجيال لتهيئته لإقتبال التجسّد…

والنبى كما يدلّ إسمه كانت مهمته أن ينبئ بإرادة الله أى أن يعلنها بقوة داعيًا البشر إلى تقويم ما إعوج من سيرتهم وإلى الرجوع إلى الله…

هؤلاء الأنبياء أعدّوا الشعب اليهودى لإقتبال التجسّد:

1 – لأنهم كانوا يحرّكون الضمائر النائمة المتحجّرة وقولون جهرًا للناس أن تتميم الشريعة فى الظاهر لا يهم، إنما المهم تغيير القلب وإعطائه لله، وهكذا يمهدون طريق الله الآتى إلى العالم…

 

2 – لأنهم كانوا يشيرون، بإلهام إلهى، إلى تجسّد ابن الله وإلى أعمال الخلاص التى سوف يقوم بها فى أرضنا…

هكذا تحدّث النبى أشعياء الذى عاش فى القرن الثامن قبل الميلاد عن البيت الذى يولد فيه المسيح، فقال أن سيكون من نسل داود:

[ وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ ‏‏وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْمَشُورَةِ ‏وَالْقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ‏ ] [ أشعياء 11: 1، 2 ]…

وأعلن النبى نفسه أنه يولد من عذراء:

[ وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ اَلسَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا اَلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ اِبْناً وَتَدْعُو ‏اِسْمَهُ {عِمَّانُوئِيلَ}‏ ] [ أشعياء 7: 14 ]…

وتنبّأ النبى ميخا الذى عاش خو أيضًا فى القرن الثامن قبل الميلاد عن مكان ولادة المخلّص، فقال:

[ أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمَِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا ‏فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي اَلَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ ‏اَلْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ اَلأَزَلِ ] [ ميخا 5: 2 ]…

وتحدّث أشعياء عن رسالة المخلّص قائلاً:

[ رُوحُ اَلسَّيِّدِ اَلرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ اَلرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ اَلْمَسَاكِينَ ‏أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي اَلْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ ‏وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. لأُنَادِيَ بِسَنَةٍ مَقْبُولَةٍ لِلرَّبِّ وَبِيَوْمِ اِنْتِقَامٍ ‏لإِلَهِنَا. لأُعَزِّيَ كُلَّ اَلنَّائِحِينَ ] [ أشعياء 61: 1، 2 ]…

كذلك أعلن أشعياء عن الآلام التى سوف يتحمّلها المخلّص من أجل خطايا الناس:

[ وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا ‏عَلَيْهِ وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا.  كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ ‏وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا.  ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ ‏كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى اَلذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ ] [ أشعياء 53: 5 – 7 ]…

 

 

ثالثًا: التجسّد فى كتابات

القديس كيرلّس الكبير

( الرد على من يظنون أن المسيح مجرّد إنسان أخذ قوة من الله )

1 –  مفهوم كلمة ” صار” فى عبارة ” والكلمة صار جسدًا”: 

 

يقول القديس كيرلس عن الهراطقة إنهم يظنون أن كلمة ” صار” تعنى معنى واحدًا فقط وهو التغيّر والتحوّل ويؤيدون شرحهم ببراهين من الكتب الموحى بها…

[ وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً ] [ يوحنا 1: 14 ]…

فقد قيل عن زوجة لوط:

[ َنَظَرَتِ اِمْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ!‏ ] [ تكوين 19: 26 ]…

وقيل عن عصا موسى:

[ … فَطَرَحَهَا إِلَى اَلأَرْضِ فَصَارَتْ حَيَّةً… ] [ خروج 4: 3 ]…

 

ولكن القديس كيرلّس يقول: إن إفتراض التغيّر لمعنى كلمة ” صار” لا ينطبق على الله، والإدعاء بالتغيّر فى طبيعة الله هو جهل وكفر…

يقول الرسول بولس:

[ لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ ] [ فيليبى 2: 7 ]…

الكلمة الابن الوحيد الذى وُلد من الله الآب الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره ( أقومنه ):

[ الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، ] [ عبرانيين 1:  3 ]…

هو الذى صار جسدًا دون أن يتحوّل إلى جسد…

إى بلا إمتزاج واختلاط وأى شئ آخر من هذا القبيل بلّ، أخلى ذاته، وجاء إلى فقرن، فجعل جسد البشر جسده وبنفس إنسانية عاقلة…

 

ولذلك قيل عنه أنه وُلِد دون أن يفقد ما يخصّه…

فولد كإنسان بطريقة معجزية من إمرأة…

ولأنه إصلاً إله قيل عنه أنه:

[ وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ ] [ فيليبى 2: 8 ]…

فالله الذى ظهر فى شكلنا وصار فى صورة عبد هو الرب وهتذا ما نعنيه أنه صار جسدًا…

ويؤكّد القديس كيرلس أن كلمة ” صار” هنا تعنى أن الكلمة فعلاً تجسّد، وليس كما يظن البعض من الهراطقة أن الكلمة قام بأعمال عملها فى الجسد…

 

إن كلمة ” صار” تحتوى على الحقائق الخاصة بالتجسّد، وكل ما حدث له تدبيرًا عندما أخلى ذاته إراديًا قَبِلَ الجوع والتعب…

وكان من المستحيل أن يتعب وهو كلّى القدرة ولا يمكن أن يجوع وهو طعام الكلّ وحياتهم لو لم يكن قد أخذ جسدًا بشريًا ومن طبيعته أن يجوع ويتعب…

وكذلك من المستحيل أن يُحصى مع أثمة لو لم يكن قد صار لعنه لأجلنا…

وعندما تأنّس وصار جسدًا وولد مثلنا كإنسان من العذراء القديسة مريم…

 

2 ما معنى كلمة ” المسيح”؟

ليس للفظ ” المسيح” قوة تعريف ولا يوضّح جوهر شئ م، كما أن كلمة ” رجل” أو” حصان” أسماء لا توضّح شيئًا عن جوهر حاملها بل تشير إليهم فقط، واسم ” المسيح” يعلن عن شئ سوف نفحصه….

 

فى القديم حُسب مسرة الله مسح البعض بالزيت، وكانت المسحة علامة لهم على المملكة…

الأنبياء أيضا مُسِحوا روحيًا بالروح القدس، ولذلك دعوا مسحاء…

لأن داود النبى ينشد معبّرًا عن الله نفسه فيقول:

[ لاَ تَمَسُّوا مُسَحَائِي وَلاَ تُسِيئُوا إِلَى أَنْبِيَائِي ] [ مزمور 105: 15]…

وحبقوق النبى يقول ايضًا:

[‏ خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ ] [ حبقوق 3: 13 ]…

لكن بالنسبة للمسيح مخلّص الكلّ، فقد مُسح، ليس بصورة رمزية مثل الذين مُسحوا بالزيت، ولم يُمسح لكى ينال نعمة وظيفة النبى، ولا مُسح مثل الذين اختارهم الله لتنفيذ تدبيره، أى مثل قورش الذى ملك على الفارسين والماديين وقاد جيشًا ليستولى على أرض البابليين حسبما حرّكه الله ضابط الكلّ ولذلك قيل عنه:

[ هَكَذَا يَقُولُ اَلرَّبُّ لِمَسِيحِهِ لِكُورَشَ اَلذِي أَمْسَكْتُ بِيَمِينِهِ لأَدُوسَ ‏أَمَامَهُ أُمَماً وَأَحْقَاءَ مُلُوكٍ أَحُلُّ. لأَفتَحَ أَمَامَهُ اَلْمِصْرَاعَيْنِ وَاَلأَبوَابُ لاَ ‏تُغْلَقُ ] [ أشعياء 45: 1 ]…

ولا يجب أن ننسى أن الرجل ” قورش” كان وثنيا إلا أنه دُعى ” مسيحا” كما لو كان الأمر السمائى قد مسحه ملك، لأنه بسبق معرفة الله قد مال قوة لقهر بلاد البابليين…

 

إن ما نريد أن نقوله بخصوص معنى كلمة ” المسيح” هو ما سيأتى:

بسبب تعدّى آدم [ لَكِنْ قَدْ مَلَكَ اَلْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى وَذَلِكَ عَلَى اَلَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ اَلَّذِي هُوَ مِثَالُ اَلآتِي ] [ رومية 5: 14 ]…

وفارق الروح القدس الطبيعة البشرية التى صارت مريضة فى كل البشر…

ولكى تعود الطبيعة البشرية من جديد إلى حالتها الأولى احتاجت إلى رحمة الله، لكى تُحسب بموجب رحمة الله مستحقة الروح القدس…

لذلك صار الابن الوحيد كلمة الله إنسانا…

وظهر للذين على الأرض بجسد من الأرض ولكنه خالى من الخطيئة…

حتى فيه وحده تتوج الطبيعة البشرية بمجد عدم الخطيئة، وتغتنى بالروح القدس، وتتجدّد بالعودة إلى الله بالقداسة…

لأنه هكذا تصل إلينا النعمة التى بدايتها المسيح البكر بيننا….

ولهذا السبب يعلّمنا داود النبى المبارك أن نرتّل للابن:

[ أَحْبَبْتَ اَلْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ اَلإِثْمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اَللهُ إِلَهُكَ بِدُهْنِ اَلاِبْتِهَاجِ ] [ مزمور 45: 7 ]…

فكان الابن قد مُسح كإنسان بمديح عدم الخطيئة…

وكما قلت أن الطبيعة البشرية قد مُجّدَت فيه وصارت مستحقة للحصول على الروح القدس الذى لن يفارقها كما حدث فى البدء، بل صارت مسرّته ( أى الروح القدس ) أن يسكن فينا…

لذلك أيضا كُتب أن الروح حل بسرعة ( معنى حلول الروح القدس بشكل حمامة أى الطيران السريع علامة الشوق ) على المسيح واستقرّ عليه:

[ وَشَهِدَ يُوحَنَّا: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. ] [ يوحنا 1: 32، 33]…

فالمسيح هو كلمة الله الذى لأجلنا صار إنسانًا مثلن، وفى صورة العبد، ومُسح كإنسان حسب الجسد، ولكنه كإله يمسح بروحه الذين يؤمنون به…

 


 

3 – كيف يجب أن نفهم ” عمانوئيل”؟

الله الكلمة دُعى ” عمانوئيل” لأنه [… بَلْ يُمْسِكُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ ] [ عبرانيين 2: 16 ] ….

كلمة أمسك تعنى أنه ليس مجرد اتخاذ الجسد البشرى، بل أن يُحسب مثل الناس لأنه صار ضمن الناس…

ومثلن، [ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ  هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ] [ عبرانيين 2: 14 ]…

وعمائيل تعنى ” الله معنا” وبالتدقيق” معنا الله” حسبما يظهر من أصلها العبرانى، إذ تأتى كلمة ” معنا” قبل كلمة ” إيل”…

ونحن نعترف بأن الكلمة الله هو معنا…

دون أن يكون محصورًا فى مكان ما…

لأنه أى مكان لا يوجد فيه الله الذى يملأ كل الأشياء؟!…

وهو ليس معنا كما لو كان قد جاء لمساعدتنا مثلما قيل ليشوع :

[‏ لاَ يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. كَمَا كُنْتُ مَعَ مُوسَى ‏أَكُونُ مَعَكَ. لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ‏ ] [ يشوع 1: 5 ]…

ولكنه معنا لأنه صار مثلنا أى أخذ طبيعة بشرية دون أن يفقد طبيعته الإلهية لأن كلمة الله غير متغيّر بطيعته…

 

ولماذا لَمْ يُدْع الله ” عمانوئيل” رغم أنه قيل ليشوع ” كما كنت مع موسى سأكون معك”؟…

ولَمْ يدْع الله ” عمانوئيل” رغم أنه كان مع كل القديسين والآباء البطاركة؟…

والسبب هو أن الله الكلمة أصبح معنا فى الوقت الذى تحدّث عه باروخ هو أظهر ذاته على الأرض. وتحدّث مع الناس، وأسّس كل طرق التعليم، وأعطاه ليعقوب عبده ولإسرائيل حبيبه، لأنه هو إلهنا وليس آخر سواه:

[ دَعَاهَا فَقَالَتْ نَحْنُ لَدَيْكَ وأَشْرَقَتْ مُتَهَلَّلَةً لِلَّذِي صَنَعَهَا. هَذَا هُوَ إِلَهُنَ ولا يَعْتَبِرْ حِذَاءَه آَخَرٌ. هُوَ وَجَدَ طَرِيْقَ اَلْتَأَدُّبِ بِكَمَالِهِ وجَعَلَهُ لِيَعْقُوبِ عَبْدَهُ ولإِسْرَائِيلِ حَبِيبَه. وبَعْدَ ذَلِكَ تَرَاءَى عَلَى الأَرْضِ وتَرَدَّدَ بَيْنَ اَلْبَشَرِ ] [ باروخ 3: 35 – 38 ]…

وكما يليق بطبيعته الإلهية لم يكن ” معنا” بالمعنى الذى تحدّث عنه باروخ…

لأن الفروق بين اللاهوت والناسوت لا تسمح بالمقارنة بينهما فما أعظم الفرق بين الطبيعتين…

يشرح القديس كيرلس الكبير ” عمانوئيل” على أنه اسم الله عندما صار معنا بالجسد، لأنه معنا منذ بداية العالم ولكنه أصبح معنا على نحو جديد فريد، لذلك وضع كيرلس هذه العبارة لكى يدعّم معنى ” الله معنا”…

ولذلك يتكلم داود النبى عن العلاقة السرّية التى كانت قبل التجسّد، وبين الله الكلمة، وبينن، ويقول بالروح:

[ يَا رَبُّ لِمَاذَا تَقِفُ بَعِيداً؟ لِمَاذَا تَخْتَفِي فِي أَزْمِنَةِ اَلضِّيقِ؟ ] [ مزمور 10: 1 ]…

أمّا الآن فهو لا يتركن، بلّ هو معنا عندما صار مثلنا دون أن يفقد ما له لأنه أمسك بنسل إبراهيم كما قلت، بل أخذ صورة العبد ورآه البشر كإنسان يمشى على الأرض…

 

إن عمانوئيل والمسيح يخصان الابن الواحد نفسه…

فهو المسيح لأنه مُسِح مثلنا كبشر، وأخذ الروح البشرية لأنه الأول وبداية الجنس البشرى الجديد…

وبالمثل، هو نفسه كإله يَمْسَح بالروح القدس كل الذين يؤمنون به…

وهو ” عمانوئيل” لأنه صار معنا على النحو الذى شرحته…

والذى يخبرنا به أشعياء النبى:

[  ‏وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ اَلسَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا اَلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ اِبْناً وَتَدْعُو ‏اِسْمَهُ {عِمَّانُوئِيلَ}‏ ] [ أشعياء 7: 14 ]…

لأن العذراء القديسة مريم حبلت بالروح القدس وولدت حسب الجسد ابن، عند ذلك فقط، دُعى المولود ” عمانوئيل” …

لأن غير المتجسد أصبح معنا عندما وُلِد…

وقد حدث ذلك طبقا لما ذكره داود:

[ مِنْ صِهْيَوْنَ كَمَالِ اَلْجَمَالِ اَللهُ أَشْرَقَ. يَأْتِي إِلَهُنَا وَلاَ يَصْمُتُ. نَارٌ قُدَّامَهُ تَأْكُلُ ‏وَحَوْلَهُ عَاصِفٌ جِدّاً‏ ] [ مزمور50: 2، 3 ]…

وهو ما أشار إليه أشعياء:

[ لِذَلِكَ يَعْرِفُ شَعْبِيَ اِسْمِي. لِذَلِكَ فِي ذَلِكَ اَلْيَوْمِ يَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ ‏اَلْمُتَكَلِّمُ . هَئَنَذَا ] [ أشعياء 52: 6 ]…

لأن الكلمة قبل أن يتجسّد تحدّث من خلال الأنبياء، ولكنه فى مِلء الزمان صار معنا متجسّدًا…

 


 

4 – من هو يسوع؟

إن تتابع تأملنا يلزمنا أن نتحدّث عن الواحد ابن الله، فالمسيح وعمانوئيل ويسوع شخص واحد…

والاسم ” يسوع” جاء من الحقيقة:

[ فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ ] [ متى 1: 22 ]…

لأنه كما أن الاسم ” عمانوئيل” يعنى أن كلمة الله بسبب ميلاده من العذراء صار معنا…

والمسيح دُعى كذلك لأنه مُسِحَ مثلنا كبشر…

هكذا أيضا يسوع، لأنه خَلّصنا نحن شعبه…

وهذا الاسم يوضّح أنه الله بالحقيقة، ورب الطبيعة…

لأنه لا يليق أن تكون الخليقة ملك للإنسان، بل من اللائق أن نقول أن كل الأشياء هى للابن الوحيد حتى وهو فى الجسد…

 

وربّما إعترض البعض وقال أن شعب إسرائيل دُعِى شعب موسى…

وعلى هذا نجيب أن شعب إسرائيل دُعِى شعب الله وهذا حقيقى…

ولكن عندما تمرّدوا على الله وصنعوا العجل فى البرية، حُرِموا من كرامة الانتساب لله، ورفض أن يدعوهم شعبه بلّ تركهم لرعاية البشر…

وهذا لا ينطبق علينا نحن خاصة يسوع، لأنه الله الذى به خلقت كل الأشياء…

وعن هذا يقول داود النبى:

[ اعْلَمُوا أَنَّ اَلرَّبَّ هُوَ اَللهُ. هُوَ صَنَعَنَا وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ ] [ مزمور 100: 3 ]…

وهو ( أى المسيح ) يقول عنا:

[ وَلَكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي كَمَا قُلْتُ لَكُمْ. خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي ] [ يوحنا 10: 26، 27 ]…

وهو أيضًا أوصى بطرس الرسول:

[ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا أَتُحِبُّنِي… اِرْعَ خِرَافِي ] [ يوحنا 21: 15 ]…

 


 

5 – لماذا دُعِى كلمة الله إنسانًا؟

الكلمة الذى من الله الآب ( أى المولود من الآب ) دُعِى إنسانا رغم كونه بالطبيعة الله…

لأنه اشترك فى الدم واللحم مثلنا [ عبرانيين 2: 14]…

وهذا جعل الذين على الأرض قادرين على مشاهدته…

وعندما حدث ذلك ( أى تجسّد ) لم يفقد شيئًا مما له ( أى ألوهيته )…

وإذ أخذ طبيعة بشرية مثلنا ( أى مثل طبيعتنا ) لكنها كاملة ( أى بلا خطيئة )، ظل أيضا الله وربّ الكلّ، لأنه هو هكذا فعلاً وبطبيعته وبالحق مولود من الله الآب رغم تجسده…

وهذا ما يرينا إيّاه بوضوح كافٍ الحكيم بولس عندما يقول:

[ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ ] [ 1 كورونثوس 15: 47 ]…

ورغم أن العذراء مريم ولدت الهيكل ( شاع استخدام كلمة ” الهيكل” للدلالة على ناسوت المسيح فى كل الكتابات المسيحية منذ العهد الجديد [ أَجَابَ يَسُوعُ: انْقُضُوا هَذَا الْهَيْكَلَ وَفِي ثلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ .‏‏ فَقَالَ الْيَهُودُ:  فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هَذَا الْهَيْكَلُ أَفَأَنْتَ فِي ثلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ ،‏‏ وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ.‏] [ راجع يوحنا 2: 19، 20 ] وهو تعبير هام يؤكد أن ناسوت المسيح هو مكان حلول الله ) المتّحد بالكلمة إلا أن عمانوئيل قيل عنه، وهذا حق، ” من السماء ” لأنه من فوق، مولود من جوهر الآب…

وإن كان قد نزل إلينا عندما صار إنسانً، إلا أنه من فوق…

وعن هذا شهد يوحنا:

[ اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ . اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ ] [ يوحنا 3: 31 ]…

والمسيح نفسه قال لشعب اليهود:

[ أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ مِنْ هَذَا اَلْعَالَمِ ] [ يوحنا 8: 23 ]…

وأيضا:

[ وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ فِي السَّمَاءِ ] [ يوحنا 3 : 13 ]…

 

ولذلك نقول أن ابن الإنسان نزل من السماء وهذا تدبير الاتحاد …

لأن الكلمة وهب لجسده كل صفات مجده وكل ماهو فائق وخاص بالله…

( تتكرر كلمة ” التدبير” فى هذه المقالة، وهى تعنى أن هناك أمورًا معينة قام بها المسيح مثل الجوع والعطش والألم …إلخ، وكل هذه كانت جزءًا أساسيًا فى خطة الخلاص… وكانت الخطة” التدبير” هى أن يكون للمسيح كل صفات الناسوت )…


 

6 – كيف قيل أن الكلمة أخلى وأفرغ ذاته؟

إن الله الكلمة بطبيعته كامل من كل الوجوه، ومن مِلئه يوزّع عطاياه للخلائق…

ونحن نقول عنه أنه أفرغ ذاته دون أن يمسّ هذا بطبيعته…

لأنه عندما أفرغ ذاته لم يتغيّر إلى طبيعة أخرى…

ولم يصبح أقل مما كان عليه لأنه لم ينقص شيئا…

هو غير متغيّر مثل المولود منه ( أى الذى ولده الآب )…

ومثله تمامًا غير عُرضة للأهواء…

ولكن عندما صار جسدًا ( أى إنسانًا ) جعل فقر الطبيعة الإنسانية فقره…

ولذا قال:

[ وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى ] [ يوئيل 2: 28 ]…

ولقد تمّ هذا:

أولاً: لأنه صار إنسانًا رغم أنه ظلّ الله…

ثانيًا: أخذ صورة العبد، وهو بطبيعته حر كابن. وفى نفس الوقت هو نفسه رب المجد، ولكنه قيل أنه تمجّد لأجلنا. هو نفسه الحياة، ولكن قيل عنه أنه اُحْيى ( أى أقيم من الأموات )، وأُعطى سلطانًا على كل شئ، وهو نفسه ملك الأشياء مع الله الآب. أطاع الآب وتألّم وما إليه…

هذه الأشياء تخص الطبيعة البشرية، ولكنه جعلها له ( أى تخصه ) عندما تجسّد لكى يكمّل التدبير ويبقى كما هو…

وهذا ما تقصده الأسفار المقدّسة بإفراغ الذات…


 

7 – كيف يكون المسيح واحدًا؟

يكتب بولس الرسول:

[ لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً سِوَاءٌ كَانَ فِي اَلسَّمَاءِ وعَلَى اَلأَرْضِ كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ. لَكِنْ لَنَا إِلَهٌ وَاحِدٌ: اَلآبُ اَلَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ اَلأَشْيَاءِ وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ اَلْمَسِيحُ اَلَّذِي بِهِ جَمِيعُ اَلأَشْيَاءِ وَنَحْنُ بِهِ] [ 1 كورونثوس 8: 5، 6 ]…

وأيضًا يقول يوحنا الرسول عن الله الكلمة:

[  كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ ] [ يوحنا 1: 3 ]…

وجبرائيل المبارك يعلن البشارة المفرحة للعذراء القديسة قائلاً:

[ وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ اِبْناً وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ ] [ لوقا 1: 31 ]…

فبولس الرسول يعلن أن كل الأشياء خلقت بيسوع المسيح، والإنجيلى الإلهى يؤكد قوة التعبير نفسه ويبشر أنه هو الله خالق كل الأشياء، وهذا نطق حق …

وصوت الملاك أيضًا يشير إلى أن يسوع المسيح ولد حقا من العذراء القديسة…

ونحن لا نقول أن يسوع المسيح كان مجرّد إنسان، ولا نعتقد بالله الكلمة بدون طبيعته الإنسانية!!…

بل نقول أنه واحد من إثنين أى الإله المتجسّد…

( راجع ثيؤتوكية الأحد حيث تردد الكنيسة وتقول: واحد من اثنين، لاهوت قدّوس بغير فساد مساوٍ للآب وناسوت طاهر مساوٍ لنا كالتدبير )…

هو نفسه وُلِد إلهيًا من الآب لأنه الكلمة وإنسانيًا من إمرأة كإنسان…

وهذا لا يعنى أنه وُلِد مرة ثانية عندما قيل أنه ولد حسب الجسد…

فهو مولود قبل كل الدهور…

وكما ذكرنا قبل، كثيرون قد دُعوا مسحاء ولكن يوجد واحد فقط يسوع المسيح الذى به خُلقت كل الأشياء…

وهذا لا يعنى بالمرة أن إنسانًا صار خالق كل الأشياء…

بلّ يعنى أن الله الكلمة الذى به خُلِقت كل الأشياء صار مثلنا واشترك فى الدم واللحم، ودُعى إنسانًا دون أن يفقد ماله ( أى ألوهيته )…

لأنه وإن كان قد صارجسدًا لكنه بالحقيقة خالق الكلّ…

( راجع التسابيح الكيهكية حيث نرتل ونقول: فى حضن أبيه الممجّد. فلنسبحه كإله ونمدحه مع أمه كإنسان … الإبصلمودية طبعة 1911 ص 91 . يا ليت الذين يتهموننا بالأوطاخية يخجلون )…

 


 

8 – كيف يكون عمانوئيل واحدًا؟

قيل عن الله الكلمة مرة واحدة وإلى الأبد وفى آخر الدهور أنه صار إنسانًا كما يقول الرسول بولس:

[ فَإِذْ ذَاكَ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِرَاراً كَثِيرَةً مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، وَلَكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ اِنْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِهِ ] [ عبرانيين 9: 26 ]…

وما هى هذه الذبيحة؟…

هى جسده الذى قدمه كرائحة بخور ذكيّة لله الآب…

فقد دخل مرة واحدة إلى القدس، ليس بدم ماعز وتيوس بل بدمه ذاته:

[ وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً ] [ عبرانيين 9: 12 ]…

وهكذا حصل للذين يؤمنون به فداءً أبديًا…

وكثيرون قبله كانوا قدّيسين ولكن ليس واحد منهم دُعى ” عمانوئيل” . لماذا؟…

لأن الوقت لم يكن قد حان بعد ليكون هو معنا أى يجئ إلى طبيعتنا عندما يتجسّد لأنه أسمى من كل المخلوقات…

 

واحد إذًا هو ” عمانوئيل” لأنه هو الابن الوحيد الذى صار إنسانًا عندما وُلد جسديًا من العذراء القديسة…

لقد قال الله ليشوع ” سأكون معك” ( يشوع 1: 5 ) ولكن الله لم يُدْع فى ذلك الوقت ” عمانوئيل”

وكان قبل ذلك مع موسى ولم يُدعْ ” عمانوئيل”…

لذلك عندما نسمع اسم ” عمانوئيل” أى ” معنا الله” الذى اُعْطِى للابن، فلنعتقد بحكمة أنه ليس معنا كما كان فى الأزمنة السابقة مع القديسين لأنه كان معهم كمعين فقط…

ولكن هو معنا لأنه صار مثلنا دون أن يفقد طبيعته لأنه الله غير المتغيّر…

 


 

9 – ماهو هذا الاتحاد؟

عندما نقول أن كلمة الله اتّحد بطبيعتنا فإن كيفية هذا الاتحاد هى تفوق فهم البشر…

فهو اتحاد لا يوصف وغير معروف لأى من الناس سوى الله وحده الذى يعرف كل شئ…

وأى غرابة فى أن يفوق اتحاد اللاهوت بالناسوت إدراك أى عقل؟…

فنحن عندما نبحث بدقة عن أمورنا ونحاول إدراك كنهها نعترف أنها تفوق مقدرة الفهم الذى فينا…

فما هى كيفية اتحاد نفس الإنسان بجسده؟…

من يمكنه أن يخبرنا؟…

ونحن بصعوبة نفهم وبقليل نتحدّث عن اتحاد النفس بالجسد…

ولكن إذا طلِبَ منّا أن نحدّد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو أمر يفوق كل فهم بل صعب جدًّ، نقول أنه من اللائق أن نعتقد أن اتّحاد اللاهوت بالناسوت فى “عمانوئيل” هو مثل اتّحاد نفس الإنسان بجسده – وهذا ليس خطأ لأن الحق الذى نتحدّث عنه هنا تعجز عن وصفه كلماتنا…

والنفس تجعل الأشياء التى للجسد هى لها رغم أنها بطبيعتها لا تشارك الجسد آلامه المادية الطبيعية والآلام التى تسببها للجسد الأشياء التى هى خارج الجسد لأن الجسد عندما يتحرّك مدفوعا نحو رغباته الطبيعية ( الجسدية ) فإن النفس التى فيه تعرف هذه الرغبات بسبب اتحاد النفس بالجسد…

ولكنها ( أى النفس ) لا تشارك الجسد رغباته، ومع ذلك تَعْتبر أن تحقيق الرغبة هو تحقيق لرغبتها هى ( أى النفس )…

فإذا ضُرب الجسد وجُرح، مثل، فإن النفس تحزن مع جسده، ولكن طبيعتها لا تتألّم بالآلام المادية التى تقع على الجسد…

 

ومع هذا يلزم أن نقول أن الاتحاد فى ” عمانوئيل” هو أسمى من أن يُشبّه باتحاد النفس بالجسد…

لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمى حتى أنها عندما تقبل الهوان تتعلّم كيف تخضع لطاعة الله…

أمّا بخصوص الله الكلمة فإنه من الحماقة أن نقول أنه كان يشعر بلاهوته بالإهانات…

لأن اللاهوت لا يشعر بما نشعر به نحن البشر…

وعندما اتّحد بجسد له نفس عاقلة وتألّم لم ينفعل اللاهوت بما تألّم به، ولكنه كان يعرف ما يحدث له…

وأباد كإله كل ضعفات الجسد، رغم أنه جعلها ضعفاته هو فهى تخصّ جسده…

لذلك بسبب هذا الاتحاد قيل عنه أنه عطش وتعب وتألّم لأجلنا…

ولعلّ التفرقة بين ” يعرف” و” يشعر” هى من أهم ما تعلّم به الكنائس الشرقية الأرثوذكسية عن آلام الرب يسوع المسيح…

يُعبّر كيرلس الكبير هنا عن التقوى الشرقية الأرثوذكسية بكل وضوح أن المتألّم هو ربنا وليس لاهوته ورغم أن الآلام تخصّ جسده إلا أنها تنْسَبْ له كشخص واحد غير منقسم وهو ذات ما صرّح به القديس ديوسقورس بطل الرثوذكسية…

 

ولذ، فإن اتحاد الكلمة بطبيعتنا البشرية يُمكن على وجه ما أن يُقارن باتحاد النفس بالجسد…

لأنه كما أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس، ولكن الإنسان واحد من إثنين ( النفس والجسد )…

هكذا المسيح واحد من الأقنوم الكامل لله الكلمة ومن الناسوت الكامل…

والألوهة نفسها والناسوت نفسه فى الواحد بعينه الأقنوم الواحد…

وكما قلت، أن الكلمة يجعل آلام جسده آلامه هو، لأن الجسد هو جسده وليس جسد أحد آخر سواه…

هكذ، يمنح الكلمة جسده كل ما يخصّ لاهوته من قوة، حتى أن جسده قادر على أن يقيم الموتى ويُبرئ المرضى…

اتحاد اللاهوت بالناسوت يعنى أن كل من لمس جسد الابن الوحيد بالإيمان يحصل على كل ما يريده من الله ( اللاهوت )، مثل المرأة النازفة الدم التى لمست طرف ثوبه وبرئت لأن قوة خرجت من المسيح…

ولاحظ أن الرب يؤكّد حقيقة الاتحاد عندما قال:

[ فَقَالَ يَسُوعُ: قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي ] [ لوقا 8: 46 ]…

ولم يقل من لاهوتى…

هكذا شرح القديس كيرلّس المعجزة…

ويؤكّد الإنجيل فى عدّة مناسبات أن المعجزات كانت تتم بقوة منه، كما جاء فى :

[ وَاَلْمُعَذَّبُونَ مِنْ أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ. وَكَانُوا يَبْرَأُونَ. وَكُلُّ اَلْجَمْعِ طَلَبُوا أَنْ يَلْمِسُوهُ لأَنَّ قُوَّةً كَانَتْ تَخْرُجُ مِنْهُ وَتَشْفِي اَلْجَمِيعَ ] [ لوقا 6: 18 ]…

فما أبعد الفرق بين هذه النظرة الإنجيلية وبين النصّ المشهور فى طومس لاون:” الواحد يشفى المرضى والآخر يتألّم”…

أمثلة كتابية عن كيفية الاتحاد: 

وإذ يليق بنا فى هذا المجال أن نستخرج تشابيه من الكتب الموحى بها من الله، لكى نوضّح بعدة أمثلة كيفية الاتحاد، لذلك دعونا نتكلّم من الكتب حسب طاقتنا:

 

 

أ – الجمرة:

قال النبى أشعياء:

[ فَطَارَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنَ اَلسَّرَافِيمِ وَبِيَدِهِ جَمْرَةٌ قَدْ أَخَذَهَا بِمِلْقَطٍ مِنْ ‏عَلَى اَلْمَذْبَحِ . وَمَسَّ بِهَا فَمِي وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ قَدْ مَسَّتْ شَفَتَيْكَ ‏فَانْتُزِعَ إِثْمُكَ وَكُفِّرَ عَنْ خَطِيَّتِكَ‏ ] [ أشعياء 6: 6، 7 ]…

ونحن نقتول ان الجمرة المتقدة هى مثال وصورة للكلمة المتجسّد لأنه عندما يلمس شفاهنا أى عندما نعترف بالإيمان به فإنه ينقينا من كل خطية ويحرّرنا من اللوم القتديم الذى ضدّنا…

 

ويمكننا أن نرى أيضً، الجمرة مثالاً لكلمة الله المتّحد بالطبيعة البشرية دون أن يفقد خواصه…

بل حوّل ما أخذه ( الطبيعة البشرية ) وجعله مُتحدًا به، بلّ بمجده وبعمله…

لأن النار عندما تتصل بالخشب تستحوذ عليه، ولكن الخشب يظل خشبً، فقط يتغيّر إلى شكل النار وقوته، بلّ يصبح له صفات النار وطاقتها ويُعتبر واحدًا معها…

هكذا أيضًا يجب ان يكون إعتقادنا فى المسيح، لأن الله اتّحد بالإنسانية بطريقة لا يُنطق بها…

ولكنه أبقى على خواص الناسوت على النحو الذى نعرفه…

وهو نفسه لم يفقد خواص اللاهوت عندما اتّحد بالناسوت، بل جعله واحدًا معه، وجعل خواص الناسوت خواصه…

بل هو نفسه قام بكلّ أعمال اللاهوت فى الناسوت…

نرى هذا الأساس الأبائى للعبارة المشهورة فى الاعتراف الأخير قبل التناول حيث يقول الكاهن القبطى:” وجعله واحدًا مع لاهوته بغير اختلاط ولا إمتزاج ولا تغيير” وهى تعبّر عن إيمان سليم…

 

ب – سوسنة الأودية:

قدّم لنا نشيد الأناشيد ربنا يسوع المسيح قائلاً:

[  أَنَا نَرْجِسُ شَارُونَ ‏ ( وَرْدَة اَلْسِفُوحِ .. الترجمة السبعينية) سَوْسَنَةُ اَلأَوْدِيَةِ ] [ نشيد الأناشيد 2: 1 ]…

وفى السوسنة الرائحة غير المجسّمة ( غير ظاهرة للعين ) ولكنها لا توجد خارج السوسنة…

ولذلك فالسوسنة واحدة من اثنين ( الرائحة وجسم السوسنة )…

وغياب رائحة السوسنة لا يجعلها سوسنة…

وكذلك غياب جسم السوسنة لا يفسر وجود رائحة السوسنة، لأن فى جسم السوسنة رائحتها…

هكذا أيضا يجب أن يكون اعتقادنا فى ألوهية المسيح الذى يُعطر العالم برائحته الذكيّة ومجده الذى يفوق مجد الأرضيات…

ولكى يُعَطر العالم كله استخدم اللاهوت الطبيعة البشرية…

لأنه عندما أراد أن يُعلن عن ذاته من خلال الجسد جعل فيه كلّ ما يخصّ اللاهوت…

لذلك من الصواب أن نعتقد أن الذى بطبيعته غير جسمانى اتّحد بجسده وأصبح الاتحاد مثل السوسنة لأن الرائحة العطرة وجسم السوسنة هما واحد ويسميان السوسنة…

أى أن الجسد الذى أخذه، له نفس عاقلة، وأصبح جسد اللاهوت غير المجسم،

 وإذا فُصِل أيهما عن الآخر فإننا بالفصل نلغى يقينًا ونهائيًا تدبير المسيح…

 

ج – تابوت العهد

إن خيمة الاجتماع التى أراد الله أن تُقام فى البرية ترمز على “عمانوئيل” فى أشياء كثيرة…

الله إله الكلّ قال لموسى:

[ فَيَصْنَعُونَ تَابُوتاً مِنْ خَشَبِ اَلسَّنْطِ طُولُهُ ذِرَاعَتانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ‏ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ وَاِرْتِفَاعُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ. وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ. مِنْ ‏دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ تُغَشِّيهِ. وَتَصْنَعُ عَلَيْهِ إِكْلِيلاً مِنْ ذَهَبٍ حَوَالَيْهِ ] [ خروج 25: 10، 11 ]…

الخشب الذى لا يُسوّس هو رمز للجسد الذى لم يفسد، لأن الرز لا يُسوّس…

أمّا الذهب وهو يفوق كل الأشياء فهو يشير إلى جوهر اللاهوت الفائق…

لكن لاحظ كيف غُطى التابوت كلّه بالذهب النقى من الداخل والخارج، لأن الله الكلمة اتّحد بجسد مقدّس وهو مايشير إليه تغطية التابوت بالذهب من الخارج…

والنفس العاقلة التى فى جسده هى نفسه، وهذا مايشير غليه تغشية التابوت من الداخل…

وهكذا لم يحدث تشويش للطبيعتين…

لأن الذهب الذى غُطّى به الخشب ظلّ كما هو ذهبًا…

أمّا الخشب فقد صار غنيًا بمجتد اللاهوت، ولكنه لم يفقد خصائصه كخشب…

 

وببراهين كثيرة يمكننا أن نتأكّد من أن التابوت يرمز للمسيح لأنه كان يخرج أمام بنى غسرائيل وكان هذا سبب عزاء لهم، وهكذا قال المسيح فى موضع معين:

[ لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَاناً آتِي أَيْضاً وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ ] [ يوحنا 14: 14 ]… 

 

تفسير خيمة الإجتماع على هذا النحو موجود عند الآباء قبل القديس كيرلّس، وبالذات إيروناوس وهيبوليتوس…

ومن يقرأ نصّ القديس كيرلّس يشعر على الفور أنه كان يأخذ من كلمات ثيؤتوكية الأحد حيث ترتل كنيستنا: ” التابوت المصفّح بالذهب من كلّ ناحية المصنوع من خشب لا يسوّس سبق ان يدلّنا على الله الكلمة الذى صار إنسانًا بغير افتراق…”…

وشرعية تفسير الآباء قائمة على حقيقة أساسية أن كل ما هو متّصل بظهور الله فى العهد القديم قد تحقق بشكل أفضل وأكمل فى العهد الجديد عندما إتحد وحلّ فى الهيكل الحقيقى أى الطبيعة البشرية…

ولاحظ أن ثيؤتوكية الأحد تتحدّث عن التجسّد ثم عن العذراء لأن كلّ ما يخصّ العذراء مرتبط بالتجسّد…

 


 

10 – الله الكلمة واحد من اثنين: لاهوت كامل وناسوت كامل

الله الكلمة صار إنسانًا..

وهو ليس إنسانا تشرّف بصلة اللاهوت…

كما أنه ليس إنسانا حصل على مساواة كرامة وسلطان الله الكلمة حسب زعم البعض…

فى هذه الفقرة يفرّق القديس كيرلّس بين هرطقتين وهما النسطورية التى إدّعت أن المسيح حصل على مجرّد صلة باللاهوت، والأريوسية التى إدّعت أن الابن فى الجسد مخلوق رُفع بمنحة إلهية من الآب إلى كرامة اللاهوت…

ويمكن لأى إنسان يريد أن يتحاشى السقوط فى هرطقة أن يتذكّر دائما ان ربنا يسوع المسيح ليس إنسانا تألّه ولا إلها فقط بل هو واحد من اثنين : لاهوت وناسوت…

 

يقول الرسول بولس:

[ وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ ] [ 1تيموثاوس 3: 16 ]…

وهذا حقيقى لأن الله الكلمة ظهر فى الجسد، وتبرّر فى الروح، لأننا لم نر فيه أى خضوع لضعفاتنا رغم أنه لأجلنا صار إنسانا إلا أنه بلا خطيئة…

وشاهدته الملائكة فهم لم يجهلوا ميلاده حسب الجسد…

وكُرّز به للأمم كإله صار إنسانًا…

وهذا ما برهنه الرسول بولس:

[ لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَاناً مَصْنُوعاً بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ ] [ أفسس 2: 11، 12 ]…

فالأمم إذ كانوا بلا إله فى العالم عندما كانوا بدون المسيح…

ولكن عندما آمنوا بالمسيح أنه هو بالحقيقة وبالطبيعة الله، إعترف هو بهم بدوره كمعترفين بالإيمان…

وهو ( أى المسيح ) رُفع بمجد ( أى بمجد إلهى ) لأن داود ينشد:

[ ارْتَفِعِ اَللهُمَّ عَلَى اَلسَّمَاوَاتِ. لِيَرْتَفِعْ عَلَى كُلِّ اَلأَرْضِ مَجْدُكَ ] [ مزمور 67: 5 ]…

لأنه بالحقيقة صعد بالجسد وليس باللاهوت وحده، لن الله تجسّد ولذلك يجب أن يُقال عنه أنه صعد أيضًا…

إن الإيمان الأرثوذكسى ( الصحيح ) هو:

أننا نؤمن بالرب الذى ظهر فى شكل العبد والذى صار مثلنا بالحقيقة بطبيعة بشرية ولكنه ظلّ الله…

لأن الله الكلمة عندما أخذ جسدًا لم يفقد خواصه الإلهية بلّ ظلّ فى نفس الوقت هو الله المتجسّد…

 

وإذا قال أحد: أى ضرر يحدث إذا اعتقدنا أن إنسانا مثلنا قد حصل على الألوهة وليس الله هو الذى تجسّد؟…

سوف نجيب بأنه يوجد ألف دليل ضد هذا الرأى، وكلّ هذه الأدلّة تؤكد لنا أنه علينا أن نجاهد بثبات ضد هذا الرأى وأن نرفضه…

وقبل أى شئ آخر فلندرس التدبير الخاص بالتجسد ونفحص حالتنا جيدًا…

 

يقول فى ذلك القدّيس كيرلّس:

لقد تعرّضت البشرية للخطر وهوت إلى أدنى حالات المرض أى اللعنة والموت…

وزيادة على ذلك تدنّست بقذارة الخطيئة وضلّت وصارت فى الظلام حتى أنها لم تعرفه وهو الله الحقيقى وعبدت المخلوقات دون الخالق…

فكيف كان من الممكن أن تتحرّر من فساد مثل هذا؟…

هل بأن تعطى لها الألوهة؟…

كيف وهى لا تعرف على وجه الإطلاق ما هى كرامة وسموّ الألوهة؟…

ألم تكن البشرية مقيّدة بعدم المعرفة وفى ظلام، بلّ ومدنّسة بلطخة الخطيئة؟…

فكيف كان من الممكن أن ترتفع إلىالطبيعة الكلّية النقاء، وتحصل على المجد الذى لا يستطيع أحد أن يحصل عليه إلا إذا وُهب له؟…

دعونا نفترض أنه بالمعرفة مثل وبالتعليم يمكن الحصول على الألوهة، فمن ذا الذى سيعلّمها عتن المجد الإلهى؟…

لأنهم كيف يؤمنوا إن لم يسمعوا؟…

[ فَكَيْفَ يَدْعُونَ بِمَنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ. وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يَسْمَعُونَ بِلاَ كَارِزٍ؟ ] [ رومية 10: 14 ]…

ولذلك فإنه غير ممكن لأى من الناس ان يرتقى إلى مجد الألوهة ولكن من اللائق بلّ من المعقول أن نعتقد أن الله الكلمة الذى به خُلقت كل الأشياء اشتهى أن يُخلّص ما قد هلك….

فنزل إلينا ونزل إلى ما دون مستواه حتى يرفع الطبيعة البشرية إلى ما هو فوق مستواها…

أى ترتفع إلى أمجاد اللاهوت بسبب الاتحاد به…

يلخّص القديس كيرلّس فى هذه السطور جوهر لاهوت مدرسة الإسكندرية ونظرتها العميقة للخلاص فهو:

أولاً: عودة إلى الاتحاد بالله بعد أن إغتربنا عنه بالخطيئة، وقتد أصبح من الممكن أن نعود لله عندما اتّحد اللاهوت بالناسوت فى ربنا يسوع المسيح…

ثانيًا: أن الذى يحقق عودتنا لله فى المسيح هو الروح القدس…

ثالثًا: أن الخلاص هو إلتصاق بالمسيح فى المعمودية التى هى دفن وقيامة معه وفى شركة جسده فى الإفخارستيا وفى فهم أسراره فى الكلمة الإلهية، وبالموت مثله فى حالات الشهداء والنساك، وكل هذا مؤسس على حقيقة أساسية وهى صحّة الاعتقاد بمجئ الله إلينا فى الجسد وباتحاده بهذا الجسد…   

 

لذلك كان ارتفاع الطبيعة البشرية إلى فوق بسبب التجسّد مقبولاً ومعقولاً عن أن ترتفع الطبيعة البشرية على أمجاد اللاهوت بدون التجسّد، وأن تنال عدم التغيّر الخاص بالله دون أن ينزل الله إليها…

ومن اللائق أن ينزل غير الفاسد إلى الطبيعة المستعبدة للفساد حتى يحرّرها من الفساد…

وكان من اللائق أن الذى لم يعرف خطيئة يصبح مثل الذين تحت الخطيئة ليُبطل الخطيئة…

ففى النور تصبح الظلمة بلا عمل…

وحيث يوجد عدم الفساد يهرب الفساد…

لأن الذى لم يعرف خطيئة ( أى الله ) جعل الذى تحت الخطيئة ( الجسد ) خاصًا به حتى تصير الخطيئة إلى عدم…

  

وعلى الرغم من انه قيل عن يسوع أنه كان:

[ وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي اَلْحِكْمَةِ وَاَلْقَامَةِ وَاَلنِّعْمَةِ عِنْدَ اَللهِ وَاَلنَّاسِ ] [ لوقا 2: 52 ]…

فإن هذا يخص التدبير…

لأن كلمة الله سمح لبشريته أن تنمو حسب خواصها وحسب قوانينها وعاداتها…

ولكنه أراد شيئًا فشيئًا أن يعطى مجد ألوهيته إلى جسده كلما تقدّم فى العمر حتى لا يكون مرعبًا للناس إذا بدر منه عدم الاحتياج المطلق لأى شئ…

ولعلّ هذا المبدأ اللاهوتى الهام، هو ما يميّز الأناجيل الأربعة عن غيرها من الأناجيل المزوّرة التى تنسب للمسيح فى طفولته معجزات وخوارق غير عادية…

ولذلك يجب أن نفرّق بين أتحاد اللاهوت والناسوت الذى حدث فى اللحظة التى تكون فيها الجسد، وبين ظهور المجد الإلهى…

فالاتحاد حدث دون انفصال لكن ظهور المجد الإلهى كان يحدث على فترات وفى مناسبات مثل السير على الماء والتجلّى…

ومع هذا تكلّموا عنه:

[ فَتَعَجَّبَ اَلْيَهُودُ قَائِلِينَ: كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ اَلْكُتُبَ وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟ ] [ يوحنا 7: 15 ]…

فالنمو يحدث للجسد، كما أن التقدّم فى النعمة والحكمة يتلاءم مع مقاييس الطبيعة البشرية…

وهنا يلزمنا أن نؤكّد أن الله الكلمة المولود من الآب هو نفسه كلّى الكمال لا ينقصه النمو والحكمة والنعمة…

بلّ أنه يُعْطى للمخلوقات الحكمة والنعمة وكلّ ما هو صالح… 

 

وعلى الرغم أنه قيل عن يسوع أنه تألّم فإن الآلام هى أيضًا خاصة بالتدبير…

هى آلامه هو، وهذا صحيح تمامًا لأنه تألّم فى الجسد الذى يخصّه هو…

ولكنه كإله لا يتألّم أى لا تقبل طبيعته الألم حتى عندما تجرّأ صالبوه وعذبوه بقسوة…

عندما صار الابن الوحيد مثلنا – لأنه دُعى فى الأسفار التى أوحى بها الله ب ” ابن البشر”، وهذا حسب التدبير – إلا أننا نعترف لأنه بطبيعته الله…

 

 براهين كتابية على أن كلمة الله وإن كان قد صار إنسانًا إلا أنه ظل إله:

 

1 –  الكاروبيم:

يقول الله لموسى النبى شارحًا الأسرار الإلهية:

[ وَتَصْنَعُ غِطَاءً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ذِرَاعُ ‏وَنِصْفٌ وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى ‏طَرَفَيِ اَلْغِطَاءِ. فَاصْنَعْ كَرُوباً وَاحِداً عَلَى اَلطَّرَفِ مِنْ هُنَا وَكَرُوباً ‏آخَرَ عَلَى اَلطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ. مِنَ اَلْغِطَاءِ تَصْنَعُونَ اَلْكَرُوبَيْنِ عَلَى ‏طَرَفَيْهِ. وَيَكُونُ اَلْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ مُظَلِّلَيْنِ ‏بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى اَلْغِطَاءِ وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى اَلآخَرِ. نَحْوَ اَلْغِطَاءِ ‏يَكُونُ وَجْهَا اَلْكَرُوبَيْنِ ] [ خروج 25: 17 – 20 ]…

هذا رمز صحيح يدلّ على أن الله الكلمة الذى تأنّس إلا أنه ظلّ الله، وعندما صار مثلنا من أجل التدبير لم يفقد مجده وعظمته…

وعمانوئيل صار لنا كفارة بالإيمان:

[ الَّذِي قَدَّمَهُ اَللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ مِنْ أَجْلِ اَلصَّفْحِ عَنِ اَلْخَطَايَا اَلسَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اَللهِ ] [ رومية 3: 25 ]…

وهذا يبرهنه يوحنا أيضًا:

[ يَاأَوْلاَدِي الصِّغَارَ، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الأُمُورَ لِكَيْ لاَ تُخْطِئُوا. وَلكِنْ، إِنْ أَخْطَأَ أَحَدُكُمْ، فَلَنَا عِنْدَ الآبِ شَفِيعٌ هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا، لاَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ، بَلْ لِخَطَايَا الْعَالَمِ كُلِّهِ ] [ 1 يوحنا 2: 1، 2 ]…

وعلينا أن ننظر إلى الكروبين واقفين باسطين أجنحتهما على كرسى الرحمة، وهما يتطلعان إلى كرسى الرحمة وفى نفس الوقت يثبتان أعينهما على إرادة ربهما. وحشد الأرواح السمائية يثبتون عيونهم على إرادة الله الكلمة الذى تأنس إلا انه ظل الله، وكلهم لا يشبع من النظر إلى الله…

هذا المنظر الأرضى ( فى خيمة الاجتماع ) يذكرنا بالمنظر السمائى الذى رآه أشعياء النبى عندما رأى الابن جالسًا على عرش عالس والسارافيم يخدمونه كالله:

[‏ فِي سَنَةِ وَفَاةِ عُزِّيَّا اَلْمَلِكِ رَأَيْتُ اَلسَّيِّدَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيٍّ عَالٍ ‏وَمُرْتَفِعٍ وَأَذْيَالُهُ تَمْلأُ اَلْهَيْكَلَ. السَّرَافِيمُ وَاقِفُونَ فَوْقَهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ‏سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ. بِإثْنَيْنِ يُغَطِّي وَجْهَهُ وَبِإثْنَيْنِ يُغَطِّي رِجْلَيْهِ وَبِإثْنَيْنِ ‏يَطِيرُ. وَهَذَا نَادَى ذَاكَ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ اَلْجُنُودِ. مَجْدُهُ ‏مِلْءُ كُلِّ اَلأَرْضِ ] [ أشعياء 6: 1 – 3 ]…

 

2 الحيّة النحاسية:

وموسى النبى قد أقيم فى القديم لكى يحرّر شعبه من ظلم المصريين ولكن كان من الضرورى أولاً أن يتعلّم الذين كانوا تحت نير العبودية أن الله تصالح معهم…

لذلك أمر الله موسى أن يُجرى معجزات، لأن المعجزة فى بعض الأوقات تساعدنا على الإيمان، لذلك يقول موسى لله ضابط الكلّ:

[‏ فَأَجَابَ مُوسَى: وَلَكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ ‏لِقَوْلِي بَلْ يَقُولُونَ لَمْ يَظْهَرْ لَكَ اَلرَّبُّ. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: مَا هَذِهِ فِي ‏يَدِكَ؟ فَقَالَ: عَصاً. فَقَالَ: اطْرَحْهَا إِلَى الأَرْضِ. فَطَرَحَهَا إِلَى ‏اَلأَرْضِ فَصَارَتْ حَيَّةً فَهَرَبَ مُوسَى مِنْهَا. ثُمَّ قَالَ اَلرَّبُّ لِمُوسَى: مُدَّ يَدَكَ وَأَمْسِكْ بِذَنَبِهَا ( فَمَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِهِ فَصَارَتْ عَصاً فِي ‏يَدِهِ). لِكَيْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَكَ اَلرَّبُّ إِلَهُ آبَائِهِمْ إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ ‏وَإِلَهُ إِسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ ] [ خروج 4: 1 – 5 ]…

لنتأمّل هذ، أن الله بالطبيعة وبالحق هو عصا الآب لأن العصا هى علامة المملكة…

لأن الآب فى الابن له سلطان على الكلّ، وفى هذا يقول داود:

[ كُرْسِيُّكَ يَا اَللهُ إِلَى دَهْرِ اَلدُّهُورِ. قَضِيبُ اِسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ ] [ مزمور 45: 6 ]…

ولكنه ( أى الآب ) طرحه وجعلها على الأرض فى طبيعة بشرية، عند ذلك اتخذت ( العصا ) شبه الناس الخطاة، وأصبح واضحا أن العصا التى صارت حيّة ترمز إلى شرّ الطبيعة البشرية، لأن الحيّة علامة على الشر…

ولكى نتأكّد من هذا التفسير أن صواب، نجد أن ربنا يسوع المسيح نفسه يقول عن رموز التدبير بالجسد أنه مثل الحيّة النحاسية التى رفعها موسى لكى تشفى من عضات الحيات، لأنه يقول:

[ وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ ] [ يوحنا 3: 14، 15 ]…

والحيّة التى صُنعت من نحاس كانت سبب خلاص الذين كانوا فى خطر، لأنهم عندما نظروا غليها خلِصوا…

هكذا ربنا يسوع المسيح للذين ينظرونه وهو فى شبه الناس الخطاة – لأنه صار إنسانا – ولكن لا يجهل أحد أنه الله الذى يقيم والذى يمنح الحياة والقوة للهرب من العضات الأليمة والسامة ( إى القوات الشيطانية التى تحاربنا )…  

 

3 – عصا موسى ابتلعت عصى السحرة:

ويمضى القدّيس كيرلّس فيقول:

هناك وجه رمزى آخر وهو ( عصا ) موسى إبتلعت ( عصى ) السحرة التى ألقيت على الأرض…

لأن ( العصا ) بعد أن طرحت على الأرض وصارت حية لم تظلّ حيّة بلّ رجعت إلى ما كانت عليه…

كذلك ( عصا ) الآب ( أى الابن ) الذى فيه يسود الآب على الكلّ صار فى شبهنا – كما قلت من قبل – إلا أنه بعد أن أكمل التدبير عاد إلى السماء، فهو فى يد الآب قضيب البر والملك [ قَضِيبُ اِسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ ] [ مزمور 45: 6 ]…

وهو يجلس عن يمين الآب فى مجده، وله عرش الآب وهو فى الجسد…

 

4 – يد موسى البرصاء:

قال الرب لموسى :

[‏ ثُمَّ قَالَ لَهُ اَلرَّبُّ أَيْضاً: أَدْخِلْ يَدَكَ فِي عُبِّكَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي عُبِّهِ ثُمَّ ‏أَخْرَجَهَا وَإِذَا يَدُهُ بَرْصَاءُ مِثْلَ اَلثَّلْجِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: رُدَّ يَدَكَ إِلَى ‏عُبِّكَ ( فَرَدَّ يَدَهُ إِلَى عُبِّهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا مِنْ عُبِّهِ وَإِذَا هِيَ قَدْ عَادَتْ مِثْلَ ‏جَسَدِهِ)‏ ] [ خروج 4: 6، 7 ]…

اليد – يد الله الآب – فى الأسفار الإلهية هى الابن لأن هذا النصّ يشير إليه:

[ وَيَدِي أَسَّسَتِ اَلأَرْضَ وَيَمِينِي نَشَرَتِ اَلسَّمَاوَاتِ. أَنَا أَدْعُوهُنَّ فَيَقِفْنَ ‏مَعاً ] [ أشعياء 48: 13 ]…

وداود الإلهى ينشد قائلاً:

[ بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا ] [ مزمور 33 : 6 ]…

وعندما كانت يد موسى مختبأة فى حضنه لم تكن برصاء، ولكن عندما أخرجت صارت برصاء…

وبعد فترة أدخلها مرة أخرى ثم أخرجها ولم تعد برصاء بل قيل:

[ وَإِذَا هِيَ قَدْ عَادَتْ مِثْلَ ‏جَسَدِهِ ] [ خروج 4: 7 ]…

لذلك عندما كان الله الكلمة فى حضن الاب كان يشرق ببهاء الألوهة، ولكن عندما صار كما لو كان خارجا بسبب التجسّد ولأنه صار إنسانا فى شبه جسد الخطية

[ … فَاللَّهُ إِذْ أَرْسَلَ اِبْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ اَلْخَطِيَّةِ وَلأَجْلِ اَلْخَطِيَّةِ دَانَ اَلْخَطِيَّةَ فِي اَلْجَسَد ] [ رومية 8 : 3 ]… و

[ لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ اَلأَعِزَّاءِ وَمَعَ اَلْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ ‏سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ ‏وَشَفَعَ فِي اَلْمُذْنِبِينَ ] [ أشعياء 53: 12 ]…

لأن الرسول بولس يقول:

[ لأَنَّهُ جَعَلَ اَلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اَلْلَّهِ فِيهِ ] [ 2 كورونثوس 5: 21 ]…

وهذا ما أعتقد أن البرص أشار إليه لأن الأبرص حسب الناموس كان نجسًا…

ولكنه عندما عاد إلى حضن الآب، لأنه صعد على هناك بعد قيامته من الأموات – صار مثل يد موسى التى أدخلت فى حضنه وصارت طاهرة…

هكذا سوف يأتى سوف ياتى ربنا يسوع المسيح فى الوقت المحدد ببهاء مجد الألوهة رغم أنه لم يخلع شبهنا…

لأن بولس المبارك يقول ايضًا عن المسيح:

[ هَكَذَا اَلْمَسِيحُ أَيْضاً، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِيَّةٍ لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ] [ عبرانيين 9: 28 ]…

لذلك عندما تدعو الأسفار الإلهية المسيح يسوع فى مناسبات متعدّدة، لا يظن أحد أنه مجرّد إنسان بلّ لنعتقد أنه يسوع المسيح كلمة الله الحقيقى الذى من الله الآب حتى وإن صار إنسانًا…

 


 

11 – المسيح ليس الله لبس جسدً، وليس كلمة الله الذى حلّ فى إنسان، بل الله الذى تجسّد فعلاً حسب شهادة الكتب

الذين بلا دنس يؤمنون بالمسيح، ويتفقون معن، يعلمون أن الكلمة هو من الله الآب…

وأنه نزل إلى فقرنا وصار فى صورة العبد…

والجسد الذى أخذه وولد من العذراء هو جسده…

بل أنه لم يولد فقط بل صار مثلنا ودُعى ابن الإنسان…

فهو بالحقيقة الله حسب الروح ولكنه هو نفسه إنسان حسب الجسد…

من أجل هذا يوجّه الرسول بولس خطابه إلى اليهود قائلاً:

[ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ ] [ عبرانيين 1: 1، 2 ]…

كيف تكلّم الله الآب فى الأيام الأخيرة فى ابنه؟…

قديمًا تكلّم فى الناموس فى الابن…

ولذلك قال الابن أن كلماته أُعْطيت قديمًا لموسى الحكيم:

[ لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ و الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ ونُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.. اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ.‏ ] [ متى 5: 17، 18، متى 24: 35 ]…

وكذلك يشهد النبى أشعياء:

[ أنَا اَلْمُتَكَلِّمُ أَنَا آَتٍ ] [ أشعياء 52: 6 السبعينية ]…

وعندما تجسّد تكلّم الآب معنا فيه كما قال بولس : [ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ ] …

ولكى لا يعوق أى شئ إيماننا بأنه هو هو قبل الدهور الله الابن أضاف الرسول على الفور: [ الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ ]…

ثم عاد وأكّد: [ الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ ] [ عبرانيين 1: 3 ]…

بالحقيقة صار إنسانًا ذاك الذى به الله خلق العالمين…

ولذلك لكى يكون اعتقادنا سليمًا علينا أن نؤمن أنه صار إنسانًا وليس كما يفترض البعض أن الله سكن فيه…

ولو كان هذا صحيحًا – أى أن الله سكن فى إنسان – الا يصبح ما يقوله يوحنا الإنجيلى : [ اَلْكَلِمَة صَارَ جَسَدًا ] [ يوحنا 1: 14 ] بلا فائدة؟…

لأن ماهى الحاجة إلى هذا التصريح؟…

وكيف يقال أن الله تجسّد غلا إذا كان فعلاً قد صار جسدًا أى صار مثلنا؟…

إن قوة التجسّد تظهر فى أنه صار مثلنا لكنه ظلّ فوقنا بلّ فوق كلّ الخليقة…

 

وسوف أبرهن بأمثلة كثيرة على صدق ما ذكرته وهو ان الابن الوحيد صار إنسانًا وهو الله حتى وهو فى الجسد، ولم يسكن فى إنسان ثم جعل هذا الإنسان لابسًا اللاهوت مثل البشر الذين أنعم عليهم بشركة الطبيعة الإلهية…

 

1 – يقول الله عن البشر:

[ هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ اَلرَّبُّ وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ ‏يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً. لَيْسَ كَالْعَهْدِ اَلَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ ‏أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي ‏فَرَفَضْتُهُمْ يَقُولُ اَلرَّبُّ. بَلْ هَذَا هُوَ اَلْعَهْدُ اَلَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ ‏إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ اَلأَيَّامِ يَقُولُ اَلرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ ‏وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً ] [ أرميا 33 : 31 – 33 ]… و

[ إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً  ] [ 2 كورونثوس 6: 16 ] …

ويقول الرب يسوع المسيح نفسه:

[ إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كلاَمِي وَيُحِبُّهُ أَبِي وَإِلَيْهِ نَأْتِي وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً…. هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي ] [ يوحنا 14: 23 ورؤيا 3: 20 ]…

وكذلك ايضًا دعينا هياكل الله:

[ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اَللهِ اَلْحَيّ ] [ 2كورونثوس 6: 16 ]…

ويقول ايضًا:

[ أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ اَلْقُدُسِ اَلَّذِي فِيكُمُ اَلَّذِي لَكُمْ مِنَ اَللهِ وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ ] [ 1 كورونثوس 6: 19 ]…

فإذا قالوا أنه دُعى عمانوئيل بمعنى أنه مثلنا نحن البشر قد سكن الله فيه…

فليعترفوا علانية أنهم عندما يشاهدوننا نحن والملائكة فى السماء وعلى الأرض نعبده يخجلون من هذه الفكرة…

ويخجلون بالحرىّ لأنهم يجهلون قصد الأسفار المقدسة…

كما أنه لايوجد عندهم الإيمان الذى سلّمه إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخدّامًا للكلمة [ لوقا 1: 2 ]…

وإذا قالوا أنه الله وانه يمجّد كإله لأن كلمة الله الآب سكن فيه ( أى فى يسوع المسيح ) وأنه يُمجّد على هذا النحو وليس على أساس أنه الله الذى صار جسدًا فليسمعوا منا هذا:

” لا يكفى لمن يسكن الله فيه أن تجعله هذه السكنى إلهًا يُعبد، لأن الله يسكن فى الملائكة وفينا نحن بالروح القدس … ومع هذ، فالذين أخذوا الروح القدس لا يكفيهم هذا لكى يصبحوا بالحقيقة آلهة { تُعدّ هذه الفقرة من أهم ما تركه الآباء لنا عن الفرق الأساسى بين المسيح وبين المؤمنين، من حيث مشاركة الطبيعة الإلهية، ولم يكتب أحد قبل كيرلس الاسكندرى بهذا الوضوح فى هذه النقطة }، لذلك ليس لهذا السبب بالذات قيل أن عمانوئيل هو الله، ونحن لا نعبده لأن الكلمة حلّ فيه كما يحلّ فى إنسان، وإنما نعبده لأنه الله الذى صار جسدًا أى إنسانًا وظل فى نفس الوقت الله الذى يُعبد “…

 

2 – عدما يتحدّث بولس الرسول عن المسيح يقول:

[ الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو اَلْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ اَلْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ ] [ أفسس 3 : 5 ]… و

[ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لَكِنَّهُ الآنَ قَدْ أظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ، الَّذِينَ ارَادَ اللهُ أنْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هَذَا السِّرِّ فِي الأُمَمِ، الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ. الَّذِي نُنَادِي بِهِ مُنْذِرِينَ كُلَّ إنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ] [ كولوسى 1: 26 – 28 ]…

فإذا كان المسيح إنسانًا لبس اللاهوت وليس الله بالحقيقة…

فكيف يصبح هو نفسه ” غنى مجد السرّ” الى يُبشر به الأمم؟…

وكيف يمكن أن يُقال أن الرسول بشر بالله بالمرة؟…

 

3 – [ فَإِنِّي ارِيدُ أنْ تَعْلَمُوا أيُّ جِهَادٍ لِي لأَجْلِكُمْ، وَلأَجْلِ الَّذِينَ فِي لاَوُدِكِيَّةَ، وَجَمِيعِ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا وَجْهِي فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ تَتَعَزَّى قُلُوبُهُمْ مُقْتَرِنَةً فِي الْمَحَبَّةِ لِكُلِّ غِنَى يَقِينِ الْفَهْمِ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ ] [ كولوسى 1: 1، 2 ]…

وها هو يسمّى سرّ الله، سرّ المسيح ويتمنى لمن يكتب إليهم أن يكون عندهم ” يقين الفهم” لمعرفته…

فما هى حاجة الذين يريدون أن يعرفوا سرّ المسيح إذا كان الله قد حلّ فى إنسان؟…

لكنهم يحتاجون إلى ” غنى يقين الفهم” لكى يعرفوا أن الله الكلمة تجسّد…

 

4 – [ لأَنَّهُ مِنْ قِبَلِكُمْ قَدْ أُذِيعَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ، لَيْسَ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَيْضاً قَدْ ذَاعَ إِيمَانُكُمْ بِاللهِ، حَتَّى لَيْسَ لَنَا حَاجَةٌ أَنْ نَتَكَلَّمَ شَيْئاً] [ 1 تسالونيكى 1: 8 ]…

وها هو الرسول يذكر أن إيمانهم هو إيمان الله، بينما يقول المسيح:

[ اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ] [ يوحنا 6: 47 ]…

كما ان الكلمة التى يبشر بها الرسول هى كلمة الرب أى المسيح…

 

5 – [ فَإِنَّكُمْ تَذْكُرُونَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ تَعَبَنَا وَكَدَّنَا، إِذْ كُنَّا نَكْرِزُ لَكُمْ بِإِنْجِيلِ اللهِ، وَنَحْنُ عَامِلُونَ لَيْلاً وَنَهَاراً كَيْ لاَ نُثَقِّلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ. أَنْتُمْ شُهُودٌ، وَاللهُ، كَيْفَ بِطَهَارَةٍ وَبِبِرٍّ وَبِلاَ لَوْمٍ كُنَّا بَيْنَكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ. كَمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ كُنَّا نَعِظُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ كَالأَبِ لأَوْلاَدِهِ، وَنُشَجِّعُكُمْ، وَنُشْهِدُكُمْ لِكَيْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلَّهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ نَحْنُ أَيْضاً نَشْكُرُ اللهَ بِلاَ انْقِطَاعٍ، لأَنَّكُمْ إِذْ تَسَلَّمْتُمْ مِنَّا كَلِمَةَ خَبَرٍ مِنَ اللهِ، قَبِلْتُمُوهَا لاَ كَكَلِمَةِ أُنَاسٍ، بَلْ كَمَا هِيَ بِالْحَقِيقَةِ كَكَلِمَةِ اللهِ، الَّتِي تَعْمَلُ أَيْضاً فِيكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ. ] [ 1تسالونيكى 2: 9 – 13 ]…

ألا يقول الرسول صراحة أن كلمة المسيح هى إنجيل الله وأنها كلمة الله أيضًا؟…

 

6 – [ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَتْ نِعْمَةُ اَللهِ اَلْمُخَلِّصَةُ لِجَمِيعِ اَلنَّاسِ، مُعَلِّمَةً إِيَّانَا أَنْ نُنْكِرَ اَلْفُجُورَ وَالشَّهَوَاتِ اَلْعَالَمِيَّةَ، وَنَعِيشَ بِالتَّعَقُّلِ وَاَلْبِرِّ وَاَلتَّقْوَى فِي اَلْعَالَمِ اَلْحَاضِرِ، مُنْتَظِرِينَ اَلرَّجَاءَ اَلْمُبَارَكَ وَظُهُورَ مَجْدِ اَللهِ اَلْعَظِيمِ وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ اَلْمَسِيحِ] [ تيطس 2: 11 – 13 ]…

هنا جهرًا يوصف الرب يسوع بأنه ” الله العظيم”…

ذلك الذى ننتظر مجيئه المجيد فنصلّى بحرارة ونعيش بالتقوى وبدون عيب…

ولو كان المسيح إنسانًا لبس اللاهوت فكيف يُسمّى ” الله العظيم”؟…

وكيف يكون رجاؤنا فيه مباركا؟…

والنبى أرميا يقول:

[ مَلْعُونٌ اَلرَّجُلُ اَلَّذِي يَتَّكِلُ عَلَى اَلإِنْسَانِ وَيَجْعَلُ اَلْبَشَرَ ذِرَاعَهُ وَعَنِ ‏اَلرَّبِّ يَحِيدُ قَلْبُهُ ] [ إرميا 17: 5 ]…

ولو كان المسيح قد لبس اللاهوت فهذا لا يجعله إلها…

وقياسًا على ذلك لو دعونا كل من حلّ فيهم الله آلهة، فماذا يمنعنا من عبادتهم؟…

لكن الرسول بولس يسمّى المسيح: الله العظيم، وأن مجيئه مبارك، بولس أيضًا قال لليهود عن عمانوئيل:

[ الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ . وَلَهُمُ الآبَاءُ وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهاً مُبَارَكاً إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. ] [ رومية 9: 4، 5 ]…

ولقد كرّز بولس بإعلان إلهى … وهذا واضح إذ يقول هو نفسه:

[ ُمّن بَعْدَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً صَعِدْتُ أَيْضاً إِلَى أُورُشَلِيمَ مَعَ بَرْنَابَا، آخِذاً مَعِي تِيطُسَ أَيْضاً. وَإِنَّمَا صَعِدْتُ بِمُوجَبِ إِعْلاَنٍ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمِ الإِنْجِيلَ الَّذِي أَكْرِزُ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، وَلَكِنْ بِالاِنْفِرَادِ عَلَى الْمُعْتَبَرِينَ، لِئَلاَّ أَكُونَ أَسْعَى وقَدْ سَعَيْتُ بَاطِلاً. ] [ غلاطية 2: 1، 2 ]…

ونحن نعلم أن بولس بشّر بالمسيح للأمم كإله، وفى كلّ مكان كان يتحدّث عن سر المسيح مسميًا إيّاه بالسرّ العظيم الإلهى واستمر فى كرازته بعد أن عرضها على المعتبيرين من القديسين عندما صعد إلى أورشليم بموجب الوحى الإلهى، فكانت توافق التعليم الرسولى…

 

 


رابعًا: دور العذراء مريم فى التجسد

قلنا أن الله صمّم فى محبته أن ينحدر على الإنسان ليخلّصه…

إلا أنه – وهو يحترم حرية الإنسان – كان منتظرًا أن يريد الإنسان خلاصه، ان يشاء إقتبال الإله المنحدر إليه…

ولذا فقد هيّأ الله الإنسانية تدريجيًا إلى إقتبال الخلاص…

وقد أدّت هذه التهيئة إلى العذراء مريم…

فمريم هى زهرة العهد القديم وثمرة عناية الله بشعبه وتربيته له على مرّ الأجيال…

ففى مريم بلغت قداسة العهد القديم ذروتها فى الإيمان والتواضع والطاعة لله…

لذلك فى شخص مريم استطاعت البشرية أن تقول ” نعم” لله وأن تتقبله مخلّصا له، هذا ما تمّ عندما أجابت مريم الملاك:

[ هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ ] [ لوقا 1: 38 ]…

عندئذ، تمّ تجسّد ابن الله لأن البشرية ” سمحت” له بشخص مريم أن يأتى إليها ويخلّصها…

لذلك كتب اللاهوتى ” نقولا كباسيلاس” : { إن التجسّد لم يكن فعل الآب وقدرته وروحه فحسب، ولكنه أيضًا فعل إرادة العذراء وإيمانها. فبدون قبول الكلية النقاوة، وبدون مساهمة إيمانه، لكان تحقيق هذا المقصد متعذرًا…}…

 

هكذا كانت مريم ذلك :

[ ثُمَّ أَرْجَعَنِي إِلَى طَرِيقِ بَابِ اَلْمَقْدِسِ اَلْخَارِجِيِّ اَلْمُتَّجِهِ لِلْمَشْرِقِ ‏وَهُوَ مُغْلَقٌ. فَقَالَ لِيَ اَلرَّبُّ: هَذَا اَلْبَابُ يَكُونُ مُغْلَق، لاَ يُفْتَحُ وَلاَ ‏يَدْخُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ، لأَنَّ اَلرَّبَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ دَخَلَ مِنْهُ فَيَكُونُ مُغْلَقاً‏ ] [ حزقيال 44: 1، 2 ]…

ففى مريم تمّ أولاً الاتحاد بين الله والإنسان…

إذ أن ابن الله اتحد ذاته بجسد إتخذه من جسد مريم…

لذلك تدعو الكنيسة العذراء ” والدة الإله” لأنها ولدت الإله المتجسّد…

وبذلك ترَدّد ما قالته أليصابات بوحى الروح القدس عندما زارتها نسيبتها العذراء مريم إذ:

[ فَلَمَّا سَمِعَتْ أَلِيصَابَاتُ سَلاَمَ مَرْيَمَ ارْتَكَضَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِهَا وَامْتَلأَتْ أَلِيصَابَاتُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ  وَصَرَخَتْ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَتْ: مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ وَمُبَارَكَةٌ هِيَ ثَمَرَةُ بَطْنِكِ! فَمِنْ أَيْنَ لِي هَذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ؟ ] [ لوقا 1 : 41 – 43 ]…

 

وتعتقد الكنيسة أن منزلة العذراء تفوق الملائكة إذ قد أُهّلَتْ أن تحمل فى ذاتها ابن الله المتجسد فتصير هكذا هيكلاً حيًا للإله الذى: { لا تجسر طغمات الملائكة أن تنظر إليه }

لذلك تخاطبها الكنيسة منشدة: { يامن هى أكرم من الشاروبيم وأرفع مجدًا بغير قياس من السارافيم }…

وأيضًا: { لأنه صنع مستودعك عرشًا وجعل بطنك أرحب من السماوات }…

 

وهكذا فتكريم الكنيسة الأرثوذكسية للعذراء مريم يعود خاصة للدور الذى لعبته فى التجسّد…

لذ، فالاسم الذى تطلقه عليها باستمرار هو إسم ” والدة الإله”…

ولذلك، أيضا عندما تمدحها تمدح بنوع خاص ذلك الدور الذى شاء الله أن يسنده إليها فى مقاصده…

وللسبب عينه لا تمثل الأيقونات الأرثوذكسية أبدًا العذراء وحده، بلّ تمثلها دوما حاملة ابنها وإلهها…

فمجد والدة الإله مستمد من ذاك الذى شاء أن يُولد منها…

والعذراء نفسها فى حياتها الأرضية لم تشأ أن تُبرز شخصيتها بل كانت دائما متخفية وراء ابنها والتعليم الوحيد الذى نقله إلينا الإنجيل عن لسان العذراء إنما هو وصيتها للبشر بأن يطيعوا ابنها:

[  قَالَتْ أُمُّهُ لِلْخُدَّامِ: مَهْمَا قَالَ لَكُمْ فَافْعَلُوهُ ] [ يوحنا 2: 5 ]…

 

وتعتقد الكنيسة أن العذراء بما انها صارت أما للإله المتجسّد، فقد أصبحت أيضًا أمًّا لكلّ الذين صار ذاك الإله أخا لهم بالتجسّد:

[ لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ، فَلِهَذَا السَّبَبِ لاَ يَسْتَحِي أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِخْوَةً…. فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا ] [ عبرانيين 2: 11، 14 ]…

وبنوعٍ خاص اما للذين أصبحوا بإيمانهم تلامذة أحباء له…

فعندما كان يسوع على الصليب خاطب مريم قائلاً عن التلميذ الحبيب:

[ فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَاَلتِّلْمِيذَ اَلَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لأُمِّهِ: { يَا اِمْرَأَةُ هُوَذَا اِبْنُكِ }. ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: { هُوَذَا أُمُّكَ }. وَمِنْ تِلْكَ اَلسَّاعَةِ أَخَذَهَا اَلتِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ ] [ يوحنا 19: 26، 27 ]…

فهذه العبارات يصح إطلاقها على كل تلميذ حبيب ليسوع أى كل مؤمن به…

فى عرس قانا الجليل تحسست مريم لحاجة أهل البيت وضمت شعورها بهذه الحاجة إلى شعور ابنها قائلة له:

[ وَلَمَّا فَرَغَتِ الْخَمْرُ قَالَتْ أُمُّ يَسُوعَ لَهُ: { لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ}. قَالَ لَهَا يَسُوعُ: { مَالِي وَلَكِ يَا امْرَأَةُ! لَمْ تَأْتِ سَاعَتِي بَعْدُ}] [ يوحنا 2: 3، 4 ]…

 

هكذا تتحسس مريم لحاجتنا وشفاعها هى أن تضم حنوها علينا إلى حنو ابنها…

وهذه الشفاعة قوية كما يظهر من حادثة عر قانا الجليل…

وكما تشهد الكنيسة: { ليس أحد يسارع محاضرصا إليك ويمضى خازيًا من قبلك أيتها البتول النقية أم الإله }…

ولكن النعمة التى تطلبها لنا العذراء بنوع خاص هى أن يتصوّر ابنها فينا حتى نحمله نحن فى كياننا كما حملته هى ونتحد به كما اتحدت به هى…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- ألوهة الأبن

نشر بواسطة: mechristian في أوت 11, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الرابع: ألوهة الابن

الفصل الرابع: ألوهة الابن.

1 ألوهة الابن:

أسئلة :

2 – شهادات من الكتاب المقدّس على ألوهة الابن:

أ – فقد أطلق الكتاب المقدس على يسوع المسيح الأسماء الإلهية نفسها التى يطلقها على ‏الله:‏

ب – وقد نسب الكتاب المقدس لابن الله الجوهر الإلهى نفسه:‏

ج – وقد نسب له أيضًا الوحدة التامة مع الآب:‏

د – أخيرًا نسب الكتاب المقدس للابن الصفات والأعمال الإلهية:

1 – الأزلية:

2 – السلطة التشريعية:

3 – السلطة على غفران الخطايا:‏

4 – السلطة الإلهية على الحياة والموت:‏

أسئلة:‏

ملحق

:

 


الفصل الرابع

ألوهة الابن

” ..وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد. المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب فى الجوهر، الذى به كان كل شئ…”

1 ألوهة الابن

 

يؤكّد لنا الفصل الثانى من دستور الإيمان ألوهة الابن، وقد وضع لتثبيت إعتقاد الكنيسة المستقيم تجاه البدعة التى أتى بها كاهن إسكندرى يدعى ” أريوس” فى أوائل القرن الرابع مدعيًا بأن الابن مخلوق وأنه دون الآب…

فاجتمع لدحض أرائه ( التى ورثها ” شهود يهوه” فى أيامنا ) مجمع يشمل الكنيسة جمعاء وهو المجمع المسكونى الأول الذى انعقد فى مدينة نيقيا سنة 325 ووضع القسم الأكبر من دستور الإيمان الذى نتلوه فى كلّ قداس ومن جملته هذا الفصل المتعلّق بألوهة الابن…

 

ويؤكّد لنا هذا الفصل أن الابن ” مساوٍ للآب فى الجوهر” أى أن له الطبيعة الإلهية نفسها التى لله الآب…

فكما أن الابن البشرى يأخذ عن أبيه الإنسان طبيعته الإنسانية…

هكذا ابن الله يستمد من الآب طبيعته الإلهية…

وكما أن النور الصادر من الشمس له طبيعة الشمس نفسها التى هى نور هكذا الابن الصادر من الآب ( وهذا معنى كلمة ” مولود” ) له طبيعة الآب عينها: ” نور من نور، إله حق من إله حق”…

وينتج من ذلك أن الصفات الإلهية التى للآب كالأزلية والقدرة على كل شئ والمعرفة التامة والقداسة الكاملة…

هذه الصفات كلها هى للابن أيضًأ…

 

الابن صادر عن الآب ولكنه ” مولود غير مخلوق” …

فالمخلوق يخرج من العدم إلى الوجود بإرادة الله…

ولكن ابن الله يصدر من صميم الله الآب نفسه…

لذلك فإن هوة تفصل الخالق والمخلوق…

أمّا ابن الله والله الآب فهما على الصعيد نفسه لأنهما يشتركان كلاهما فى الطبيعة الإلهية الواحدة…

البشر يُدعَوْن أبناء الله فقط من أجل محبّة الله لهم وإعتنائه بهم…

هذه المحبّة تجتاز الهُوّة التى بين الخالق والمخلوق ولكنها لا تزيلها…

أمّا يسوع المسيح فهو ابن الله بطبيعته…

أى أنه بحدّ ذاته فى وحدة كاملة مع الآب ولذلك دُعِى ” ابن الله الوحيد”…

أى أنه وحده ابن الله بالمعنى الكامل لهذه العبارة…

بينما نحن لا نُدعى أبناء الله إلا لأن محبّة الله تتبنّانا رغم الهُوْة السحيقة بين طبيعة الله وطبيعتنا المخلوقة…

 

والمخلوق يبدأ فى الزمن…

أى أنه يكون غير موجود من قبل ثم فى لحظة معيّنة من الزمن يظهر فى الوجود…

ولذلك يكون الابن البشرى فى البدء دون أبيه، لأن أباه سبقه فى الوجود، واكتسب بنموّه ما لم يكتسبه الابن بعد…

أمّا ابن الله فلم يكن زمن لم يكن موجودًا فيه…

النور صادر من الشمس، ولكن لا شمس بدون نور…

هكذا الابن مولود من الآب ولكن لا آب بدون ابن…

وجود الابن، إذًا، ملازم لوجود الآب…

كما أن النور ملازم لوجود الشمس ووجود الفكر ملازم لوجود العقل…

وبما أن الآب لا إبتداء له…

أى أزلى لأنه أصل كل شئ ولا أصل له…

كذلك الابن أزلى مثله:” مولود من الآب قبل كلّ الدهور”…

 

**********

* أسئلة :

1 – ما هى العقيدة التى يعبّر عنها الفصل الثانى من دستور الإيمان؟…

2 – من أنكر هذه العقيدة فى القديم ومن ينكرها فى أيامنا؟…

3 – ما معنى ” مساوٍ للآب فى الجوهر”، ” نور من نور”، ” إله حق من إله حق”؟…

4 – ما الفرق بين مولود ومخلوق؟…

5 – نحن أبناء الله ويسوع المسيح ابن االله، فما الفرق بين بنوتنا وبنوته؟ ولماذا دّعى هو ب ” ابن الله الوحيد”؟…

6 – ما معنى عبارة ” مولود من الآب قبل كل الدهور”؟…

 


 

2 – شهادات من الكتاب المقدّس

 على ألوهة الابن

هذا الإيمان بألوهة الابن تسلمته الكنيسة من الرسل…

وقد عُبّر عنه فى الكتاب المقدّس بآيات جلية:

 

أ – فقد أطلق الكتاب المقدس على يسوع المسيح الأسماء الإلهية نفسها التى يطلقها على الله:

فمن ألقاب الله فى العهد القديم عبارة ” الأول والآخر”…

مثلاً:

[  أَنَا اَلرَّبُّ اَلأَوَّلُ وَمَعَ اَلآخِرِينَ أَنَا هُوَ ] [ أشعياء 41: 4 ]…

وأيضا:

[‏ هَكَذَا يَقُولُ اَلرَّبُّ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَفَادِيهِ رَبُّ اَلْجُنُودِ: أَنَا اَلأَوَّلُ وَأَنَا ‏اَلآخِرُ وَلاَ إِلَهَ غَيْرِي ] [ أشعياء 44: 6 ]…

ولكننا نر سفر الرؤيا فى العهد الجديد يُطلق اللقب نفسه على يسوع المسيح:

[ وَفِي وَسَطِ السَّبْعِ الْمَنَايِرِ شِبْهُ ابْنِ إِنْسَانٍ، مُتَسَرْبِلاً بِثَوْبٍ إِلَى الرِّجْلَيْنِ، وَمُتَمَنْطِقاً عِنْدَ ثَدْيَيْهِ بِمِنْطَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ…. فَلَمَّا رَأَيْتُهُ سَقَطْتُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ كَمَيِّتٍ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَيَّ قَائِلاً لِي: لاَ تَخَفْ، أَنَا هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتاً وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ ] [ رؤيا 1: 13، 17، 18، ]…

 

من ألقاب الله فى العهد القديم عبارة ” رب الأرباب”…

مثلاً:

[ لأَنَّ اَلرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ اَلآلِهَةِ وَرَبُّ اَلأَرْبَابِ اَلإِلهُ اَلعَظِيمُ اَلجَبَّارُ ‏اَلمَهِيبُ اَلذِي لا يَأْخُذُ بِالوُجُوهِ وَلا يَقْبَلُ رَشْوَةً ‏] [ تثنية 10: 17 ]…

ولكننا نرى أيضا سفر الرؤيا فى العهد الجديد يطلق اللقب عينه على يسوع المسيح:

[ هَؤُلاَءِ سَيُحَارِبُونَ اَلْحَمَلَ، وَاَلْحَمَلُ يَغْلِبُهُمْ، لأَنَّهُ رَبُّ الأَرْبَابِ وَمَلِكُ اَلْمُلُوكِ، وَاَلَّذِينَ مَعهُ مَدْعُوُّونَ وَمُخْتَارُونَ وَمُؤْمِنُونَ ] [ رؤيا 17: 14 ]…

وأيضا:

[ وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ { كَلِمَةَ اللهِ }.

وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْلٍ بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزّاً أَبْيَضَ وَنَقِيّاً.

وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصاً مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.

وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: { مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ } ] [ رؤيا 19: 13 – 16 ]…

 

ب – وقد نسب الكتاب المقدس لابن الله الجوهر الإلهى نفسه:

 

[ فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً ] [ كولوسى 2: 9 ]…

أى فى جسد المسيح يحل ملء اللاهوت…

وقد تجلّى ذلك الذى ألقاه الرسول بولس على رعاة كنيسة أفسس قبل معادرته إيّاهم:

[ اِحْتَرِزُوا إِذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ اَلرَّعِيَّةِ اَلَّتِي أَقَامَكُمُ اَلرُّوحُ اَلْقُدُسُ ‏فِيهَا أَسَاقِفَةً لِتَرْعُوا كَنِيسَةَ اَللهِ اَلَّتِي اِقْتَنَاهَا بِدَمِهِ ] [ أعمال 20: 28 ]…

فالدم الذى سُفك من أجل الكنيسة، دم المسيح، يُدعى هنا دم الله…

لأن الطبيعة الإلهية مستقرّة فى يسوع المسيح…

 

ج – وقد نسب له أيضًا الوحدة التامة مع الآب:

 

فقد صرّح الرب يسوع المسيح:

[ أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ ] [ يوحنا 10: 30 ]…

وأيضا:

[ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ ] [ يوحنا 14: 9 ]…

وأيضا مخاطبًا الآب:

[ وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ ] [ يوحنا 17: 10 ]…

 

د – أخيرًا نسب الكتاب المقدس للابن الصفات والأعمال الإلهية:

   

1 – الأزلية:

[ وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ اَلَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ اَلْعَالَمِ ] [ يوحنا 17: 5 ]…

وأيضا:

[ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: اَلْحَقَّ اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ ] [ يوحنا 8: 58 ]…

ولنلاحظ كيف لم يقل ” أنا وُجدْت” بلّ ” أنا كائن” للدلالة على أمن وجوده لا بدء له…

 

**********

2 – السلطة التشريعية:

 

[ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ ] [ متى 5: 21، 22]…

وأيضا:

[ أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ. وَأَمّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلفُوا الْبَتَّةَ لاَ بِالسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ اَلْلَّهِ ] [ متى 5: 33، 34 ]…

هنا يضع يسوع سلطته التشريعية بمنزلة سلطة الله…

فيوضّح ويكمّل بسلطته الخاصة الشريعة التى كان الله نفسه قد أعطاها قديمًا بواسطة موسى النى:

[ ثُمَّ قَالَ اَلرَّبُّ لِمُوسَى: ادْخُلْ إِلَى فِرْعَوْنَ فَإِنِّي أَغْلَظْتُ قَلْبَهُ ‏وَقُلُوبَ عَبِيدِهِ لأَصْنَعَ آيَاتِي هَذِهِ بَيْنَهُمْ… ‏ ‏فَقَالَ عَبِيدُ فِرْعَوْنَ لَهُ: إِلَى مَتَى يَكُونُ هَذَا لَنَا فَخّاً؟ أَطْلِقِ اَ‏\لرِّجَالَ لِيَعْبُدُوا اَلرَّبَّ إِلَهَهُمْ. أَلَمْ تَعْلَمْ بَعْدُ أَنَّ مِصْرَ قَدْ خَرِبَتْ؟… ‏فَمَدَّ مُوسَى عَصَاهُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ فَجَلَبَ اَلرَّبُّ عَلَى اَلأَرْضِ رِيحاً ‏شَرْقِيَّةً كُلَّ ذَلِكَ اَلنَّهَارِ وَكُلَّ اَللَّيْلِ. وَلَمَّا كَانَ اَلصَّبَاحُ حَمَلَتِ اَ‏لرِّيحُ اَلشَّرْقِيَّةُ اَلْجَرَادَ ‏‏] [ خروج 10: 1، 7، 13 ]…

وهذا يشير إلى أن ليسوع كلّ السلطة الإلهية…

 

**********

3 – السلطة على غفران الخطايا:

 

هذه السلطة يملكها الله وحده…

لأن كلّ خطيئة مخالفة لله ولذلك لا يستطيع سوى الله أن يغفرها…

لذلك كان اليهود على حق عندما قالوا:

[ فَابْتَدَأَ اَلْكَتَبَةُ وَاَلْفَرِّيسِيُّونَ يُفَكِّرُونَ قَائِلِينَ: { مَنْ هَذَا اَلَّذِي يَتَكَلَّمُ بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اَللهُ وَحْدَهُ؟ }] [ لوقا 5: 21 ]…

ولكن يسوع برهن عن لاهوته بممارسته الحق الإلهى فى غفران الخطايا:

[ وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ اَلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى اَلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ اَلْخَطَايَا  – قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاِحْمِلْ فِرَاشَكَ وَاِذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ ] [ لوقا 5 : 24 ]…

 

**********

4 – السلطة الإلهية على الحياة والموت:

 

فى العهد القديم أقام إيليا ابن الأرملة وأقام أليشع أيضا ولدًا، ولكنهما فعلا ذلك بقوة الله التى استمدّاها بصلاة وتضرّع…

فقد ورد فى سفر الملوك:

[ فَتَمَدَّدَ عَلَى اَلْوَلَدِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَصَرَخَ إِلَى اَلرَّبِّ: يَا رَبُّ إِلَهِي، ‏لِتَرْجِعْ نَفْسُ هَذَا اَلْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ. فَسَمِعَ اَلرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، ‏فَرَجَعَتْ نَفْسُ اَلْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ فَعَاشَ ] [ 1 ملوك 17: 21، 22 ]…

أمّا يسوع فقد كانت له فى ذاته تلك السلطة المطلقة على الحياة والموت التى يملكها الله وحده…

لذلك قال:

[ لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ يُقِيمُ الأَمْوَاتَ وَيُحْيِي كَذَلِكَ الاِبْنُ أَيْضاً يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ ] [ يوحنا 5 : 21 ]…

 

لذلك نراه يقيم الموتى بلهجة الأمر الذى يملك فى ذاته سلطة إقامتهم ولا يستمدّها من غيره…

فعندما أقام ابن أرملة نايين قال:

[ ثُمَّ تَقَدَّمَ وَلَمَسَ اَلنَّعْشَ فَوَقَفَ اَلْحَامِلُونَ. فَقَالَ: { أَيُّهَا اَلشَّابُّ لَكَ أَقُولُ قُمْ }. فَجَلَسَ اَلْمَيْتُ وَاِبْتَدَأَ يَتَكَلَّمُ فَدَفَعَهُ إِلَى أُمِّهِ] [ لوقا 7: 14، 15 ]…

كذلك عندما أقام ابنة يايروس:

[ فَأَخْرَجَ اَلْجَمِيعَ خَارِجاً وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَنَادَى قَائِلاً: { يَا صَبِيَّةُ قُومِي }. فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ فِي اَلْحَالِ. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ ] [ لوقا 8: 54، 55 ]…

 


 

* أسئلة:

1 – هل أطلق الكتاب المقدّس الأسماء نفسها علىالله وعلى يسوع المسيح؟ [ أنظر أشعياء 44: 6 ورؤيا 1: 13، 17، 18 وتثنية 10: 17، ورؤيا 19: 13 – 16 ورؤيا 17: 14]…

2 – هل نسب الكتاب المقدس لابن الله الجوهر الإلهى نفسه؟ [ انظر كولوسى 2: 9 وأعمال الرسل 20: 28 ]…

3 – هل نسب الكتاب المقدس للابن الصفات والأعمال الإلهية؟

الأزلية: انظر يوحنا 17: 5، يوحنا 8: 58…

السلطة التشريعية الإلهية: أنظر متى 5: 21، 22 ومتى 5: 33، 34 وقابل مع خروج 20: 1، 7، 13 …

السلطة على غفران الخطايا: انظر لوقا 5: 25…

السلطة الإلهية على الحياة والموت: أنظر يوحنا 5: 21 و لوقا 7: 14 ولوقا 8: 54 وقابل مع الملوك الأول 17: 21 …

 


 

* ملحق

لقد أعلن يسوع بوضوح عن ألوهيته ليس بالكلام وحسب ولكن بتصرفاته خاصة، تلك التصرفات التى كانت تظهر أنه ينسب لنفسه سلطة إلهية، هذا ما يبدو مثلاً فى موقفه من الشريعة الموسوية، تلك الشريعة التى كان الله مصدره، وقد كتب بهذا الصدد الأب جان دانيالو عميد كلية اللاهوت الكاثوليكى فى باريس فى كتاب صدر له:

{ عندما يقول المسيح: أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضً، يقول الفريسيون:

هذا الإنسان يجدّف. وهم ( من وجهة نظرهم ) محقون، لأن السبت أقيم من الله. إذًا الله وحده رب السبت.

{ كثيرًا ما رويت … ذلك الحديث ( النموذجى ) الذى جرى لى مع حاخام قال لى يوما: يا أبت، هناك أمر نلوم المسيح عليه، هو أنه مسّ الشريعة، لأن الشريعة وضعها يهوه على جبل سين، والله وحده يستطيع أن يعدّل ما وضعه الله…

{ فأجبته: يا سيدى الحاخام، لم يكن بوسعك أن تقول ما يسرّنى أكثر من أقتوالك هذه، لأنه أمر أكيد أن يسوع عدّل الناموس، وهذا يعنى بالفعل، ولا يمكن أن يعنى سوى أمر واحد، وهو أنه، إن كان الله وحده، كما قلت وكما قلت بحق، يستطيع ان يعدّل ما  وضعه الله، فهذا يعنى أن يسوع كان يعترف لنفسه بسلطة مساوية لسلطة ذاك الذى وضع الشريعة، أى يهوه على جبل سين، هذا ما كان اليهود تماما ولا يزالون يفهمونه تماما}…

لا يمكن لإنسان أن ينسب ألوهة لنفسه إن لم يكن مختل و مخادعًا. ولكن البشر المخلصين، أيًا كان معتقدهم، يجلّون يسوع عن هاتين الصفتين. إن شخصيته الفذة تلاقى إجلالاً ليس من المسيحيين وحسب بل من غير المسيحيين أيضا من مسلمين ويهود وهندوسيين وملحدين. هذا ما يوضحه الكاتب المذكور آنفا:

{ … كل الناس دون إستثناء متفقون ليروا فى يسوع، بأدنى حدّ، إحدى الشخصيات الأكثر سموًا فى التاريخ البشرى. وأقول كلّ الناس، لأن هذا الأمر يتفق عليه ليس المسيحيون وحسب بلّ الآخرون أيضا. إقرأوا الكتب التى كتبها عن يسوع يهود ك ” أدمون فلاج ” و” روبير آرون” و” جول إسحق” و ” شالوم آش” … إنهم يرون فيه أحد التعابير الأكثر سموًا عن شعب إسرائيل.

{ وها هو هم المسلمون، فيسوع، عيسى، يشغل فى القرآن مكانة كبرى، وكان محمتد يرى فى يسوع أعظم الأنبياء…

{ وها هم الهنود: كان ” غاندى” و” أوروبيندى” يريان فى العظة على الجبل أعلى قمة فى الدين البشرى…

{ ومعظم الملحدين، كالاشتراكى ” بربوس” والوجودى ” جانسون” والماركسى ” جارودى” يعترفون بأن يسوع على الصعيد البشرى، عظمة ينحنون أمامها}…

 

هكذا لا بدّ من طرح السؤال:

إذا كان يسوع قد نسب لنفسه الألوهة بوضوح، من جهة، وإذا كان – بشهادة غير المسيحيين أنفسهم – شخصية فذّة تُجلّ عن المخادعة و الاختلال العقلى، أفلا يعنى ذلك أن شهادته عن نفسه يجب أن تُصدّق؟…

هذا السؤال الذى لا بدّ لكلّ إنسان مخلص أن يطرحه على نفسه…

يجيب عنه المسيحيون بالإيمان بالمسيح إلها متأنسا…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية – الخلق والسقوط

نشر بواسطة: mechristian في أوت 10, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثالث: الخلق والسقوط

الفصل الثالث: الخلق والسقوط.

1 الخلق والتطوّر:

   

رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

   

مراحل التطوّر:

أ – تطوّر المادة:‏

ب – قفزة الحياة:

ج – تطوّر الحياة:

د – قفزة الفكر:

   

التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:‏

أ – التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:‏

ب – التطوّر لا يُعلّل بفعل ” الطبيعة”:‏

ج – نظرة إيمانية إلى التطوّر:

  

أسئلة:‏

 

ملحق:

2 – خلق الإنسان

   

إرتباط الإنسان بالطبيعة المادية: ‏

  

الإنسان على صورة الله ومثاله:‏

  

تصميم الله فى اتحاد الرجل والمرأة:

أ – الجنسان متعادلان ومكملان أحدهما للآخر:

ب – إتحاد الجنسين يتم بالزواج الذى هو صلة عميقة وإرتباط نهائى:

أسئلة:

3 – مقاصد الله نحو الإنسان:

  

غاية خلق الإنسان:‏

 

تصميم الله الخاص بالإنسان:‏

أ – التنعم بتمام القوى النفسية:

ب – الخلود:‏

ج – السيادة على الطبيعة:

د – الإنسان كاهن الكون:‏

  

دور حرية الإنسان:‏

 

 ملحق:

‏‏4 – السقوط:

   

أسئلة:

5 – نتائج السقوط:

أ – تصدعت وحدة الإنسان مع ذاته:‏

ب – تصدعت الوحدة بين الإنسان والغير:

ج – تصدعت الوحدة بين الإنسان والطبيعة:

 

أسئلة:

6 – صورة الله فى الإنسان بعد الخطيئة‏:

 

أسئلة:


الفصل الثالث

الخلق والسقوط

” ..خالق السماء والأرض كل ما يُرى وما لا يُرى…”

1 الخلق والتطوّر

يقول الكتاب المقدس:

[ فِي اَلْبَدْءِ خَلَقَ اَللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ] [ تكوين 1 : 1 ]…

تلك عقيدة الخلق

التى بموجبها نقرّ أن كل الموجودات قائمة فى الوجود

 بإرادة الله وبإرادته فقط، ومُسْتَمِدّة منه وجودها…

هذا ما نعبّر عنه فى قانون الإيمان بقولنا:

” أؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى”…

* رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

 

عندما يصف لنا سفر التكوين عملية الخلق، فى فصله الأول، فإنه يصوّر لنا الكائنات وكأن كلاّ منه وكلّ نوع منها قد أوجده الله بشكله الحاضرة مباشرة…

ولكن نظرة كهذه تتعارض مع نظترية التطوّر التى يتفق عليها معظم العلماء المعاصرين والتى أصبحت شبه مؤكدة بالإستناد إلى العديد من البراهين…

وهنا ينشأ تساؤل عند الكثيرين:

كيف يمكن التوفيق بين الوحى الإلهى ومعطيات العلم؟…

 

للجواب عن هذا السؤال الوجيه، ينبغى أن نتذكّر، بادئ ذى بدء:

أن الكتاب المقدس كتاب إيمان لا كتاب علم، همّه أن يكشف لنا علاقة الله بمخلوقاته، وبنوع خاص بالإنسان، لا أن يقدّم لنا وصفا علميا لتاريخ الكون…

لذا فعندما يصف سفر التكوين الخلق فى فصله الأول، فإن الوحى الألهى ينسكب فيه فى قوالب بشرية، هى التقاليد التى كانت شائعة فى المكان والزمان الذى ظهر فيه هذا الفصل…

ولا قيمة، إذً، لتلك القوالب بحد ذاتها…

إنما قيمتها فى المعانى الروحية التى تتجلّى من خلالها…

تلك المعانى التى تلخص بأن الكائنات كلها تستمد من الله الواحد وجودها وترتيبها…

هذا ما فهمه آباء الكنيسة اليونانيون خمسة عشرة قرنا قبل ظهور النقد الكتابى الحديث…

ففسروا رواية الخلق فى سفر التكوين تفسيرًا رمزيًا أكثر منه حرفيًا…

 

نستنتج مما سبق أن إيماننا بالخلق ليس رهنًا بالقالب الحضارى الذى سكب فيه الإعلان الإلهى عن الخلق فى سفر التكوين…

وأنه يمكننا أن نعبّر عنه بالقوالب الفكرية التى يتميّز بها عصرنا ومن جملتها نظرية التطوّر…

هذا ما سنحاول أن نبيّنه، مذكّرين أولاً باختصار بمراحل التطوّر كما يصفها العلم الحديث، ثم متعرضين لما يقتضيه واقع التطوّر من تعليل أخير على ضوء العقل والإيمان…

 

* مراحل التطوّر:

لقد أثبت العلم الحديث أن التطوّر لم يشمل الكائنات الحية فحسب…

إنما هو ملازم لتاريخ الكون برمته…

فالكون الذى ننتمى إليه كون متطوّر…

وقد بدأ تطوّره على مستوى الطبيعة الجامدة حتى أدى على ظهور الحياة التى تطوّرت بدورها حتى أبرزت ذلك الحيوان المفكر، الإنسان…

 

أ – تطوّر المادة:

إن النظرية المرجحة اليوم بين العلماء تقول بأن الكون، فى حالته الحاضرة، قد بدأ منذ مدة تتراوح بين العشرة مليارات والخمسة عشر مليارًا من السنين…

وأنه كان فى البداية مؤلفا من سحب من ذرات الهيدروجين ( وهى أبسط الذرات وأخفها ) تسبح فى الفضاء…

إنطلاقا من تلك السحب تكونت الكواكب…

ونشأت فيها بفعل الحرارة الهائلة تفاعلات نووية حوّلت ذرات الهيدروجين إلى ذرّات أثقل من الهيليوم، وهذه بدورها إلى ذرّات أثقل من الكربون، وهلم جرا…

هكتذا تكثفت المادة تدريجيًا بظهور ذرّات تجمع عددًا أكبر فأكبر من الجسيمات فى نظام شبيه بالنظام الشمسى تدور فيه الإلكترونات حول النواة المؤلفة من البروتونات والنيوترونات، إلى أن تكوّن، فى قلب الكواكب، الإثنا وتسعون نوعا من الذرات الموجودة فى الطبيعة…

 

ولمّا تكونت أرضن، منذ حوالى أربعة مليارات ونصف من السنين وانخفضت تدريجيًا درجة الحرارة فيها…

أمكن للذرّات أن تتفاعل لتتكوّن منها مجموعات أكثر كثافة، ألا وهى الجزيئات…

ولكن عملية تكثيف المادة لم تقف عند هذا الحد…

فمنذ ثلاثة مليارات من السنين على وجه التقريب، بدأت الجزيئات تتحوّل، بفعل الأشعة الكونية، إلى بنى تفوق الجزيئات العادية كثافة، ألا وهى الجزيئات العضوية التى تؤلف بين الجزيئات العادية فتجمعها فى وحدات ضخمة، معقدة الترتيب، كالسكريات والحوامض الأمينية والهيوليات PROTIDES، وغيرها…

 

**********

ب – قفزة الحياة:

تجمعت تلك الجزيئات العضوية فى مياه البحار الساخنة. وكان تجمعها هذا تمهيدًا لحث بالغ الأهمية، لا يزال الغموض يكتنف ظروفه إلى الآن، حدث منذ مليارى عام على وجه التقريب، فغيّر وجه الكون، ألا وهو بروز الخلية الأولى…

إن حركة التكثيف المنظم، التى رأيناها تدفع المادة منذ نشأته، بلغت هنا درجة فائقة..

فالخلية الحيّة تؤلف بين جزيئات عديدة ضخمة من الهيوليات والشحميات والسكريات والفيتامينات وغيره، فى وحتدة متماسكة مركزة أروع تركيز، يتناسق فيها حوالى مليار من الجزيئات…

ولكن الأمر المدهش هو خاصة فى كون هذا التعقيد الفائق قد أدّى إلى ظهور نمط جديد من الوجود، يختلف نوعيًا بشكل جذرى عن الجوامد، ألا وهو الحياة…

فالخلية الحية تتمتع بميزات جديدة بالكلية:

فهى تحوّل إلى موادها الذاتية المواد التى تستمدها من الخارج، وتجدد باستمرار العناصر التى تتألف منها مع المحافظة على بنيته، وتنمو من الداخل، وتصلّح ذاتها إذا عطبت، وتتكيّف مع البيئة، وتتكاثر منتجة كائنات جديدة شبيهة بها…

تلك هى قفزة الحياة…

 

**********

ج – تطوّر الحياة:

 

من ذلك العالم، الصغير فى حجمه، الهائل فى تعقيده وتركيزه، انطلقت الحياة لترقى سلّما طويلة كان الإنسان قمتها…

وفى ترقيها هذ، ابعت الحياة السير فى الطريق التى رأينا المادة تسلكه، ألا وهى طريق التعقيد المتزايد…

فبعد الكائنات الحية الأولى ذات الخلية الواحدة، ظهرت كائنات تؤلّف بين خلايا متعدّدة فى وحدة منسجمة تعمل فيها العناصر كلها لخدمة المجموع…

 

وقد ازداد التعقيد بشكل ملحوظ عندما أخذت مجموعات من الخلاي، ضمن الكائن الواحد، تتخصص للقيام بوظيفة معينة، فتكونت الأجهزة، وعمل بإنسجام وترابط لصالح الجسم ككل…

وكان لا بد من جهاز يربط تلك الوظائف من جهة، وبينها وبين العالم الخارجى من جهة أخرى، فبرز الجهاز العصبى وتطوّر تدريجيًا نحو تكثيف وتركيز متزايدين، مما أدى إلى نمو الدماغ كمركز أساسى للجهاز العصبى، وإلى سيطرته التدريجية على المراكز العصبية الأخرى…

وبتطوّر الجهاز العصبى على هذا المنوال نمت قدرة الكائنات الحية على التكيّف مع بيئته، وازدادت الغرائز إتقانًا وبرز الذكاء وتزايدت حدته إلى أن بلغت أوجها فى أعلى مراتب القردة، كالشمبانزى مثل، التى بلغ دماغها درجة ملحوظة من النمو…

 

ذلك الترقى فى سلّم الكائنات الحية كان يتم، كما بيّن داروين وأوضح العلم الحديث، بواسطة تبديلات كانت تحصل من وقت إلى آخر فى الميزات الوراثية التى تحملها الخلايا التناسلية، وهذا ما يسمّى ب ” التِغيارات الإحيائية” MUTATIONS، فتظهر عند الحيوان المنحدر من خلية من هذا النوع صفات جديدة…

وقد تخدم هذه الصفات فى الصراع من أجل البقاء، فيعمّّر وينقل صفاته الجديدة بالوراثة إلى نسله، فيثبت هذا فى الوجود ويتكاثر…

وقد تعيقه فى هذا الصراع، فيزول هو ونسله، وتزول معه صفاته ” الإصطفاء الطبيعى” Natural Selection

وهكذا بتراكم ” التِغيارات الإحيائية” نشأت شيئًا فشيئًا أنواع جديدة انتظمت فى هذا الخط التصاعدى الذى سبق وأوجزناه…

 

**********

د – قفزة الفكر:

 

إن عملية نمو الدماغ، التى أصبحت المحور الأساسى لحركة التعقيد المتزايد التى يتميّز بها التطوّر، بلغت ذروتها فى الإنسان الذى يتألف دماغه من حوالى أربعة عشر مليارًا من الخلايا ( أربعة أضعاف خلايا الشمبانزى تقريبًا )، مترابطة بعضها ببعض وبخلايا المراكز العصبية الدني، على  صورة شبكة إلكترونية هائلة التعقيد…

هكذا تأمنت الشروط اللازمة لقفزة لا تقل أهمية عن تلك التى حققتها الحياة، ألا وهى قفزة الفكر…

تلك القفزة التى تمت على مراحل منذ أكثر من حوالى مليون سنة، أوجدت نمطا جديدًا بالكلية من الوجود، وهو الوجود الإنسانى، وجود كائن يتميّز عن سائر الكائنات الحية بكونه، وحده، يعى ذاته، ويعى الكون كمتميّز عن ذاته، ولذا لم يعد كالحيوان، أسير أحاسيسه ودوافعه الغريزية، إنما أصبح كائنا ذا فكر وحرية، يُدْرك التطوّر ومكانه فيه ويأخذ على عاتقه مسئولية متابعته بوعيه وعمله الخلاق… 

 

**********

* التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:

 

إن العلم يثبت واقع التطوّر، كما أنه يوضّح العوامل التى تفسّر مراحله المختلفة…

لقد توصّل على اكتشاف العديد من تلك العوامل – وقد نوهنا ببعضها – وسيتوصّل بلا شك، بفضل جهود العلماء المتضافرة، إلى إلقاء المزيد من الأضواء على النقاط التى لا يزال يكتنفها الغموض، فتتوضّح اكثر فأكثر…

 

ولكن، إلى جانب التساؤلات التى يترتب على العلم أن يحيب عنه، فهناك تساؤلات من نوع آخر، لا تدخل فى نطاق العلم لأنها تُطرح من منظار يختلف عن منظاره…

فعندما يقول العلم بالتطوّر، يصف خطا تصاعديً، ويظهر كيف سلكت مادة الكون هذا الخط…

ولكنه لا يُبدى، وليس من شأنه كعلم أن يُبدى، لماذا كان هناك خط تصاعدى؟…

هكذا يبقى الباب مفتوحا أمام تساؤلين صميمين، ألا وهما:

ماهو التعليل الأخير للتطوّر؟…

هل للتطوّر مُبَرّر ومعنى؟…

 

أ – التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:

 

جواب البعض عن السؤال الأول هو:

أن هذا التسلسل التصاعدى مرجعه الصدفة وحدها…

فبالصدفة تجمعت ذرات المادة بتعقيد متزايد، وبالصدفة تألّفت الخلية الحيّة، وبالصدفة تركب الدماغ الإنسانى…

كل ذلك سلسلة صدف، تعاقب أرقام رابحة فى يانصيب كونى يسيّر دواليبه حظ أعمى…

 

ولكن تلك النظرة الفلسفية، التى يعود أصلها على فلاسفة إغريقيين قدامى ك ” ديموقريطوس”، لا تثبت أمام ما يكشفه العلم الحديث لنا عن مدى التعقيد والتنسيق الذى تتصف به خلية حيّة واحدة، لا بلّ جزئية واحدة من الجزيئات العضوية…

لذا نبذها معظم علماء اليوم، حتى من يدين منهم بالمذهب المادى…

فمثلاً نرى العالم البيولوجى السوفييتى الكبير ” أوبارين” يدحض محاولة تفسير ظهور خلية حية واحدة بفعل الصدفة بقوله:

{ إن هذا الإفتراض شبيه بموقف إمرئ يخلط أحرف طباعة تمثّل ثمانية وعشرين حرفا أبجديًا ويحرّكه، راجيًا أنها بداعى الصدفة سوف تجتمع لتؤلف هذه وتلك من القصائد التى نعرفها }…

 

فإذا كان ظهور خلية واحدة بداعى الصدفة أمرًا مستحيل، كما يؤكد علم يدين بالمادية، فكيف نفسّر بالأحرى، بمجرّد فعل الصدفة، تدرّج الحياة المتواصل نحو أشكال أرقى فأرقى…

إذا اعتبرنا أن هذا التدرج إنما هو تتابع صدف موفقة، فمن أين للصدفة هذا الاستمرار والترتيب فى فعلها؟…

فكأننا نقول أن تبديلات طرأت صدفة على نص مبادئ الهندسة التى وضعها أقليدوس، أثناء نسخه من قبل ناسخين متتابعين ينقل أحدهما عن الآخر، تعاقبت بشكل متناسق من نسخة إلى نسخة حتى أوجدت بالتوالى كل اختراعات البشرية فى علم الهندسة وأدّت فى النهاية إلى بروز نظرية أينشتاين…

هذا مع العلم بأن خلية واحدة من الخلايا إنما هى أكثر تعقيدًا من نظرية أينشتاين، لأن العلم البشرى، بكلّ جبروته الحالى، لم يتوصّل حتى الآن، إلى إدراك سرّ تركيب واحدة منها…

 

**********

ب – التطوّر لا يُعلّل بفعل ” الطبيعة”:

 

إذا كانت نظرية الصدفة لا تثبت أمام معطيات العلم الحديث، رغم محاولات ” جاك مونو” لإحيائها فى كتابه ” الصدفة واالضرورة”، فبماذا يمكن الإستعاضة عنها؟…

كثيرون ممن يدينون اليوم بالمذهب المادى، يقولون بأن التطوّر تفسره طبيعة المادة نفسها…

فبنظرهم كان لابدّ للمادة، بالنسبة لطبيعته، أن تنتظم وتتعقد أكثر فأكثر مجتازة بذلك كل مراحل التطوّر…

 

ولكن السؤال الذى لا تجيب هذه النظرية عنه هو:

ما هو سر انتظام المادة؟…

وما هو سر سيرها نحو إنتظام متزايد فى خط متواصل، مستمر؟…

من أين للمادة هذا الانتظام؟…

المادة مجموعة من جسيمات ومن طاقات، إنها كثرة وتعدّد…

فكيف يتاح لهذه الكثرة أن تتوحّد وتنتظم، وذلك بشكل متزايد، تصاعدى؟…

هل نقول أنها تنظم ذاتها؟…

ولكن هذا يفترض أن المادة ذات، شخص، يعلو على تعدّد عناصره ليوحّد وينسّق بينها…

هذا ما يضمره، من حيث لا يدرون، هؤلاء الذين يقولون أن ” المادة” و” الطبيعة” هى علة التطوّر الأخيرة…

إنهم بذلك يشخصون ” المادة” و” الطبيعة”، ينسبون إليهما كيانا خرافي، ذات طابع شخصى…

 

فلنأخذ مثلاً يوضّح ما نحن بصدده…

نحن نعلم أن جسم كل من الكائنات الحيّة يتكوّن إنطلاقا من خلية أولى…

لقد انكبّ علم الحياة الحديث على درس ذلك التحوّل الذى يجعل من البلوطة سنديانة ومن خلية إنسانية واحدة جسدًا إنسانيًا مؤلفا من حوالى ستين ألف مليار من الخلاي، منوعة وموزّعة على اجهزة وأعضاء متناسقة بشكل مذهل…

وقد أوضح العلماء التفاعلات الكيمائية العديدة المعقدة التى تؤدى تدريجيًا إلى هذا التحوّل، ولكنهم يقولون أن تلك التفاعلات موجّهة، مبرمجة، بفعل ” تصميم موجّه” كامن فى نواة الخلية الأولى، وعلى وجه التخصيص فى جزيئات ال D.N.A. بفضل تلك البرمجة تتناسق التفاعلات الكيمائية لتؤول على تكوين كائن حىّ يحمل الصفات التى يتميّز بها نوعه…

 

فبالقياس إلى ذلك نتساءل:

إذا كانت المادة قد سلكت، فى تاريخها الطويل، تلك المسيرة التصاعدية التى قادتها من سحب الهيدروجين الأولى إلى الدماغ الإنسانى، فقد تم ذلك بلا شك بتأثير عوامل فيزيائية وتفاعلات كيمائية عديدة، أوضحها العلم وسيوضحها أكثر فأكثر…

ولكن يبقى هذا السؤال:

ما هو سر انتظام تلك العوامل والتفاعلات فى خط تصاعدى؟…

ما هو سر ” برمجة” المادة فى مسيرتها المتواصلة نحو كائنات أكثر فأكثر تعقيدًا؟…

البرمجة التى بموجبها يتكوّن الكائن الحىّ والمرتسمة فى نواة خليته الأولى قد أتته بالوراثة من كائن حىّ من نوعه ( وكائنين ) وجد قبله…

فمن أين لمادة الكون برمجتها المذهلة؟…

إذا كانت المادة هى الكائن الوحيد، المكتفى بذاته…

فمن أين استمدّت تصميمها الموجّه؟…

هل نقول أنها برمجت ذاتها؟…

إننا عند ذاك، كما قلنا سابق، ننسب لتلك الكثرة من الجسيمات والطاقات، كيانا شخصيا…

إننا ننسب إليها فكرًا يفوق الفكر الإنسانى بما لا يقاس، لأنه لم ” يخترع” الحياة وحسب، تلك الحياة التى لم تستطع العبقرية البشرية وتقليدها إلى الآن، بل أوجد الفكر الإنسانى أيضا…

إننا خلافا لكلّ منطق…

ننسب لها القدرة على التحوّل، بحد ذاته، من الأقل إلى الأكثر، ناقلة ذاتها بذاتها من نظام إلى نظام أرقى وحسب، بل من صعيد وجود إلى صعيد وجود آخر مختلف عنه بالكلية، أى من مادة جامدة إلى مادة حيّة ثم إلى مادة مفكّرة…

وبعبارة أخرى نجعل من المادة شخصا إلهيًا يخلق ذاته باستمرار…

ولكن مادة مؤلهة كهذه لم تعد المادة التى يعرفها علماء الفزياء والكيمياء ويسخرونها لخدمة الإنسان…

تلك المجموعة الغاشمة من الجسيمات والطاقات التى يسميها العلم ” مادة”…

إنها صنم جديد أقيم عوض الله…

 

**********

ج – نظرة إيمانية إلى التطوّر

 

هذا النقد الموجز للمذاهب المادية فى تعليل التطور يمهد لنظرتنا الإيمانية إليه…

فالمؤمن لا يتعبّد لصدفة ومادة تنسب إليهما صفات الخالق…

ولكنه ينسب الفكر الخلاق الذى يتجلّى عمله فى تطوّر المادة إلى كائن متعالٍ عن المادة…

كائن يمكنه وحتده أن يوجّه تلك الكثرة من الجسيمات والقوى العمياء فى الخط التصاعدى الذى سارت بموجبه…

كائن يملك الحياة، كلّ الحياة…

ولذ، استطاع أن يبث الحياة فى الكون…

ويملك الفكر، كل الفكر…

ولذ، استطاع أن يشعله فى الأرض بظهور الإنسان…

إن ذلك الموقف الإيمانى، وإن كان، تحديدً، يفوق معطيات العقل والعلم، إلا أنه منسجم كليً، كما يتضح مما سبق، مع متطلبات المنطق ومع المفهوم العلمى للمادة…

 

ولكن فعل الله هذا فى المادة يجب أن يُفهم على حقيقته…

ليس هو، كما يتصوّر العديد من المؤمنين وغير المؤمنين، فعلاً يُضاف إلى نواميس الطبيعة ليكمل نقصها…

هذا التصوّر يتنكّر بآن واحد لتعالى الله ولحضوره فى صميم الكون…

لذ، فمن الخطا أن نتصوّر تصميما مضافا من الخارج إلى العناصر الطبيعية لتوجيهها وتقويم مسيرته، كما يوجّه السائق سيارته…

فالله يعمل، لا إلى جانب نواميس الكون، بل من خلاله، لأنها منه ومنه وحده تستمد، فى كل لحظة، وجودها وانتظامها…

بهذا المعنى، الخلق عملية مستمرة، كما أشار الرب بقوله:

[ أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ ] [ يوحنا 5: 17 ]…

والتطوّر هو المظهر الحسّى لاستمرار الخلق…

 

الله، فى الطبيعة، معلن ومحتجب بآن…

للعلم أن يفتش إلى ما لانهاية عن تفسير التطوّر…

إنه لن يكتشف الله كما أنه لن يصطدم به، لأنه، بموجب منظاره الخاص، لن يكتشف سوى النواميس الطبيعية التى يعمل الله من خلالها…

ولكن، كلما اتضح لن، بفضل الاكتشافات العلمية، الانتظام الرائع الذى يتجلّى فى مسيرة التطوّر المذهلة، كلما انكشف لن، من خلاله، حضور وفعل ذاك الذى يغمر مجده وبهاؤه الكائنات…

 

تلك النظرة الإيمانية هى أيضا التى تستطيع أن تكشف لنا إن للتطوّر مبررًا ومعنى…

فلو كان التطوّر وليد الصدفة وحده، لكان ظهور الكائنات كله، ومنها الإنسان، ظهورًا عبثيا ABSURDE ، على سبيل الاتفاق الأعمى، لا تبرير له ولا هدف…

وكذلك لو كان التطوّر وليد نواميس مادية غاشمة وحسب، ولكان مسيرة لا غاية له، قدرًا أعمى توجد بموجبه المادة زهرتها الفضلى، الفكر البشرى، وتسحقه، على التوالى، بموجب ” ضرورة فولاذية” أشار إليها أنجلز…

ولكن هل يعقل أن تكون تلك المسيرة المذهلة التى قادت الكون من ذرات الهيدروجين الأولى إلى الإنسان وفكره وحضارته، مسيرة لا هدف لها ولا مبرر؟…

إذ تكشف لنا أن ذاك الذى هو تعليل التطوّر الأخير يعطيه أيضا هدفه وغايته، وأن تلك الغاية هى أن تبرز من جسم الكون كائنات بوسعها أن تشترك فى حياة الله وفرحة الأبديين…

هذا ما حدسه فيلسوف شهير معاصر قاده تأمله العميق فى تطوّر الكون وفى تاريخ الإنسان إلى عتبة الإيمان، ” هنرى برجسون”، عندما قال:

{ إن الكون آلة لصنع الألهة }..

هذا ما يقودنا إلى الحديث عن خلق الإنسان…

 

**********

**** أسئلة :

1 إقرأ الإصحاح الأول من سفر التكوين، ماهى التساؤلات التى تطرحها رواية الخلق هذه على فكر معاصر؟ …

2 – ما هى معلوماتك عن التطوّر ومراحله وعوامله؟…

3 – هل المنظار العلمى كاف لتعليل التطوّر تعليلاً نهائي، صميميًأ؟…

4 – ما رأيك بالصدفة كتعليل أخير للتطوّر؟…

5 – هل يكفى، فى تعليل التطوّر، أن نعزوه إلى طبيعة المادة؟…

6 – ما هى النظرة الإيمانية إلى التطوّر؟ هل تتعارض مع النظرة العلمية؟…

7 – ما هو معنى التطوّر فى هذا المنظار الإيمانى؟…

 

* ملحق:

 

1 – فى كتابه الرائع ” كيف تطرح اليوم قضية وجود الله؟” يستعرض ” كلود تريمونتان” أستاذ فلسفة العلوم فى جامعة السوربون، المذاهب المادية فى تعليل التطوّر، ويفنّدها بقوة ووضوح، ومما يقوله:

{ إذا … قلت أن المادة تنظم ذاته، فإننى أجعل من المادة فاعلاً لفعل نظم. المادة، والحالة هذه، لا ينظمها آخر: إنها تنظم ذاتها…

{ ولكن فلنتساءل أولاً: ما هى المادة؟ إنها تعدّد عناصر، ذرات، حبات طاقة…

{ القول بأن المادة تنظم ذاته، بإمكانياتها الذاتية، هو إستعارة شعرية جريئة. ولكن ما وراء هذه الإستعارة؟ ليست المادة شخصا لتكون فاعلاً لفعل يُصرّف مع ضمير الفاعل.

{ ليست واحدًا من الأشخاص لتكون قادرة على تنظيم ذاتها.

{ المادة تعدّد… فكيف لها أن تنظم ذاتها؟ لكى يكون هذا الاكتفاء، هذا التنظيم الذاتى ممكن، يفترض فى المادة أن تكون ذاتً، أن يكون بإمكانها أن تعلو على ذلك التعدّد الذى منه تتكوّن، لكى تنظم ذاتها. لكى يتم دمج هذا التعدّد الذى منه تتكون، لكى تنظم ذاتها. لكى يتم دمج هذا التعدّد من العناصر فى تأليف يُفترض وجود قدرة تفوق تعدّد العناصر هذ، يفترض وجود شئ غير هذا التعدّد…

{ … المادة لا تكفى بحد ذاتها لتعليل إنتظامها الذاتى …

وبعد أن يذكر المؤلف رأى ماركس بأن الكائنات فى الطبيعة تنشئ ذاته، يعلّق على هذا الرأى بقوله:

{ هذا بالضبط ما يحتاج إلى إثبات. ما يحتاج إلى إثبات، هو أن العبارة نفسها لها معنى. لأننا إذا نسبْنا إلى المادة القدرة على تنظيم ذاتها بصورة جزيئات، ثم جزيئات ضخمة، ثم أجسام أحادية الخلية، ثم أجسام متعدّدة الخلايا أكثر فأكثر تعقيدً، فهذا يعنى أننا نسبْنا إلى المادة ذكاء وعبقرية يفوقان كل ذكاء الإنسانية المفكّرة، طالما أنن، بعلمن، لم نزل بعيدين عن إدراك كيف تمّ، وكيف لا يزال يتمّ فى هذه اللحظة بعينه، تنظيم المادة الذى يكوّن الأجسام الحية والمفكرة…

{ ولكننى أتساءل مرة أخرى: ماذا يعنى فكر المادة؟ المادة كثرة، إنها مجموعة. ما هو إذًا ذلك الفكر الذى تتحلّى به جمهرة من الذرّات وحبات الطاقة…. عبثا أتامل وأدرس الذرات والجسيمات التى تتحدّث عنها الفزياء الحديثة. إننى لا أتوصّل إلى رؤية ما يسمح لى بأن أنسب إليها فكرًا قادرًا على الإشراف على تنظيمها. لكى تنتظم مجموعة من العناصر، ينبغى أن يوجد مبدأ واحد يعلو على تعدّد العناصر هذا ويجمعه فى وحدة مؤلفة فى تنظيم مركز. ولكننى لا أرى، فى المادة التى تحدثنا عنها الفزياء الحديثة. أى شئ يسمح لى بأن أنسب إلى الذرات شخصية خفية وقدرات كهذه }…

 

2 – إن أحد مشاهير اللاهوتيين الكاثوليك المعاصرين، ألا وهو الأب شونانبرج الهولندى، يوضح مضمون عقيدة الخلق، إذ يقول فى كتابه” عالم الله فى صيرورة”:

{ الله لم يخلق وحسب، بل إنه مستمر بلا إنقطاع فى الخلق. إذا كان قد ارتاح فى اليوم السابع، فراحته أيضا هى، حسب كلمة يسوع، عمل مستمر: [ أَبِى يَعْمَل حَتّى اَلآَنْ ] [ يوحنا 5: 17 ]. إن الفصل الأول من سفر التكوين يعطينا رواية أخاذة عن عمل الله ” فى البدء”. ولكن نصوصا أخرى تظهر لنا الله عاملاً دون إنقطاع. هذا هو شأن المزمور 104 والفصول 38 إلى 40 من سفر أيوب. طالما العالم يدوم، فهو محمول بكلمة قدرته. كل كائن وكل عمل فى الكون، طالما هما موجودان، مسببان منه. ليس الله مهندسًا متقاعدً، إنه ذاك الذى منه وفيه نحيا ونتحرّك ونوجد ( أعمال الرسل 17: 28 ).

{ … عندما أشار الله إلى أعماله فى الطبيعة، مريدًا أن يبرّر أمام أيوب عمل عنايته، فإنه ألحّ على الأعمال الحاضرة بقدر ما ألحّ على العمل الذى قام به ” فى البدء”. لذا فنحن لسنا بمضطرين بأن نأخذ هذه العبارة المستمدة من تكوين 1:1 بمعناها الحصرى. إنها تعنى أن عمل الله الخلاق يشكل أساس كلّ شئ، وليس أن هذا العمل قد توقف }…

{ إن الخلق يجعل بالحقيقة بين الله والمخلوقات علاقة عمودية تبقى على كل العلاقات الأفقية القائمة فى داخل الكون، و بالأحرى تشملها وتعطيها بأن توجد. الله يخلق عالمًا يتطوّر، إن عمله الخلاق لا ينحصر فى بداية العالم بل يمتد حتى ملء إكتماله: الله يحقق فى كل لحظة هذا الكون ككون متطوّر}…

{ الله عامل أبدًا. إنه بالضبط من يعطى للعالم بشكل دائم حقيقته، حقيقة فى نمو متواصل }…

 


 

2 – خلق الإنسان

يروى لنا الكتاب المقدس عملية خلق الإنسان فى الفصلين الأول والثانى من سفر التكوين…

هذا النص يحوى حقائق عقائدية مغلّقة فى صور رمزية، وشعرية، وإذا تمعنّا فى النص يمكننا إبراز المعانى الآتية:

 

* إرتباط الإنسان بالطبيعة المادية:

يقول لنا الكتاب المقدّس أن الله أوجد الإنسان من تراب…

وهذا ما تشير إليه كلمة ” آدم” ومعناها: المأخوذ من ” أداما” أى الأرض…

فالإنسان مرتبط إذًا بكيانه بتلك الطبيعة المادية التى هى أيضا خليقة الله…

وبالفعل نرى أن جسم الإنسان مكّون من العناصر نفسها التى تتكوّن منها الطبيعة المادية، فالمواد الكيمائية الرئيسية العشر التى يتألف منها جسده وأهمها الكربون والهيدروجين والأكسيجين والأزوت هى من مقومات الكون المادى، ذلك لأن الإنسان خرج من هذا الكون بفعل الله…

أمّا كيفية هذا الخروج فيعبّر عنها الكتاب المقدّس بصورة رمزية شعرية…

إذ يقول بأن الله جبل طينا ونفخ فيه نسمة حياة…

فالله يشبه إذًا هان فخارى يجبل وينفخ، مع أننا نعلم من الكتاب المقدّس نفسه أن الله روح لا يدان له إذً، ور فمّ…

لذا لا يمك،ننا أن ناخذ النصّ الكتابى هذا بمعناه الحرفى بلّ أن ندرك المعنى العقائدى الكامن وراء هذه الصور الشعرية…

ألا وهو ان الله هو علة بروز الإنسان من جسم هذا الكون…

كما أنه علة بروز الكون نفسه إلى حيّز الوجود…

 

ولا يصف لنا الكتاب المقدّس كيفية بروز الإنسان من جسم الكون وصفا علميًا لأنه ليس كتاب علم ( فالله أعطى الإنسان العقل ليبنى به العلم ) بلّ كتاب عقيدة دينية…

ولكن هذه العقيدة لا تصطدم مع معطيات العلم…

فالعلم يعتقد فى أيامنا أن الإنسان وليد تطوّر طويل برزت فيه الحياة إنطلاقا من المادة الجامدة رغم البون الشاسع والهائل بينهم، ثم إجتازت خلال نحو مليارين من السنين شوطا طويلاً إرتقت فيه، من أبسط الأشكال إلى أسماها تركيبا وإتقانًا حتى بلغت أوجها فى الإنسان…

هذه المعطيات العلمية لا تتعارض مع إيماننا…

ففى النظرية القديمة التى بموجبها خرج الإنسان مباشرة من الطبيعة المادية وفى النظرية الحديثة التى بموجبها لا يخرج الإنسان من الكون إلا من خلال تطوّر طويل، يبقى الله فى نظر المؤمن علة وجود الإنسان…

لا شئ يمنع أن يكون الله قد استخدم التطور وسيلة لإبراز الإنسان من الطبيعة المادية…

والمؤمن يرى فى التطوّر البديع الذى يقول به العلم الحديث مظهرًا من مظاهر حكمة الله أصل التطوّر وموجهه وغايته…

 

يروى لنا الكتاب المقدّس أن الله لم يخلق الإنسان إلا بعد أن خلق وأوجد الكائنات الجامدة والحية كلّها…

فكان خلق الإنسان آخر أعمال الخليقة وكان الأرض كلها هُيّأت لوجود الإنسان…

وتقول نظرية التطوّر الحديثة بأن الإنسان هو قمة التطوّر…

هنا يلتقى العلم الحديث بالنظرة الكتابية إلى الإنسان كتتويج الطبيعة وقمّتها…

ويُعطى الكتاب شرحا لمكانة الإنسان الرفيعة هذه إذ يقول بأن الله خلقه على صورته ومثاله…

 

* الإنسان على صورة الله ومثاله:

 

يقول لنا الكتاب المقدّس:

[ نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا ‏] [ تكوين 1: 26 ]…

هذا يعنى أن الله قد خصّ الإنسان وحده بميزة لم يُنعم بها على آية من المخلوقات الأخرى…

وهى أنه جعل شبها بين ذلك المخلوق وبين الخالق…

فجعل فى الإنسان عقلاً وإرادة وحرية وإبداعا وحبًا كلها صفات شبيهة بالصفات الموجودة فيه…

 

هكذا يظهر لنا أن هذا الإنسان هو، من ناحية، جزء من هذه الطبيعة التى أخذ منه، وهو من ناحية أخرى، متسامٍ بما لا يقاس على هذه الطبيعة لأنه يحوى فى ذاته صورة الله خالق الطبيعة الجامدة والحية:

[ وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ اَلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ‏اَلسَّمَاءِ وَعَلَى اَلْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ اَلأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ اَلدَّبَّابَاتِ اَلَّتِي تَدِبُّ عَلَى اَلأَرْضِ‏ ] [ تكوين 1 : 26 ]…

فسلطة الإنسان على الكائنات مرتبطة إذًا كما يظهر من هذا النصّ بكونه على صورة الله الخالق…

وبعبارة أخرى، إذا كان الإنسان – وهو جزء من الطبيعة – قادرًا على إدراك أسرارها وتسخير قواها لخدمته، فإنما يعود ذلك إلى صورة الله الكامنة فيه…

وقد كان على الإنسان أن يمارس سلطته بالعمل الذى هو، على صورة م، تكميل للخلق لأنه يجعل الطبيعة أكثر ترتيبصا وجمالاً وإنتاجا:

[‏ وَأَخَذَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا‏…] [ تكوين 2: 15 ]…

 

* تصميم الله فى اتحاد الرجل والمرأة:

علاقة الجنسين يرسمها الكتاب المقدّس بشكل شعرى، فيروى لنا أنه لم يكن لآدم بين المخلوقات شبيه:

[  وَقَالَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ: لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ‏ ] [ تكوين 2: 18 ]…

لذلك ألقى عليه سباتا عميقا وأخذ ضلعا من أضلاعه وكوّن منه المرأة الأولى التى دعيت حوّاء ( أى أم الحياة )…

وأتى بها إلى آدم، فقال آدم:

[‏ هَذِهِ اَلآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى اِمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ اِمْرِءٍ ‏أُخِذَتْ ] [ تكوين 2 : 23 ]…

ويضيف الكتاب المقدّس:

[ لِذَلِكَ يَتْرُكُ اَلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً ] [ تكوين 2: 24 ]…

ومن هنا تتضح النظرة الكتابية إلى علاقة الجنسين التى يمكن تلخيصها فيما يلى:

 

أ – الجنسان متعادلان ومكملان أحدهما للآخر:

إنهما متعادلان فى الطبيعة إذ يقول آدم أن المرأة عظم من عظامه ولحم من لحمه…

أى أنها من طبيعته…

ولكنهما مكملان أحدهما للآخر إذ يصّور لنا الكتاب ذلك رمزيا بقوله إنهما جزءان من جسد واحد مشيرًا إلى أن أحدهما لا يكتمل دون الآخر…

فميل كلّ من الجنسين إلى الآخر كإلى مكمله إنما هو إذًا من إرادة الله…

 

**********

ب – إتحاد الجنسين يتم بالزواج الذى هو صلة عميقة وإرتباط نهائى:

ويرسم لنا الكتاب المقدّس أيضا تصميم الله فى اتحاد الجنسين…

فيقول لنا أن كلاً من الرجل والمرأة يكتملان باتحادهما معا فى الزواج الذى به :

[ إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اِثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِد ] [ متى 19: 6 ]…

وعبارة ” جسدًا واحدًا” تعنى بلغة الكتاب ” كيانا إنسانيا واحدًا”

وهذا يعنى أولاً أن الزواج حسب مقاصد الله رباط عميق يجمع شخصين جسدًا وروحصا فيؤلّف منهما كيانا واحدًا…

كما أنه يعنى أن الاتحاد الزوجى نهائى لا ينفصم لأن ” الجسد الواحد” لا يمكنه أن يتجزّا فيما بعد…

لذلك عندما علّم الرب يسوع عن الزواج استشهد بهذا النصّ الكتابى وأضاف إليه:

[ فَالَّذِي جَمَعَهُ اَللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ ] [ متى 19: 6 ]…

 

هكذا فالله الذى قد أوجد الحب بين الرجل والمرأة قد ” وضع لميل القلب رباط لا ينفك” كما تقول طقوس سرّ الزواج…

هذا ” الرباط الذى لا ينفك” يفترضه الحب الحقيقى لأن الشهوة تطلب الاستمتاع بالآخر إلى أن تملّ منه…

أمّا الحب الأصيل فيتوق إلى عطاء متبادل نهائى…

الشهوة تطلب التمتع العابر يجسد الآخر…

أمّا الحب الحقيقى فيرغب فى اتحاد الشخصين فى كيان واحد…

الحب الحقيقى المكرّس بالزواج حسب إرادة الله لا يلغى الشهوة ولكنه يلطفها ويهذبها بالحنان وإنعطاف القلب، ويسخر قوتها لبناء اتحاد متين بين الزوجين كما أن صناعة الإنسان تستخدم قوة المياه الغاشمة المدمرة لتوليد الكهرباء ومنفعة البشر…

 

**********

* أسئلة:

إقرأ سفر التكوين: الإصحاحين الأول والثانى…

1 – إلى ماذا تشير كلمة الكتاب بأن الله خلق آدم من تراب؟…

2 – هل تصطدم نظرية التطوّر الحديثة مع إيماننا بأن الله علة وجود الإنسان؟…

3 – يقول لنا الكتاب المقدس أن الله خلق الإنسان بعد أن خلق سائر الكائنات الجامدة والحية. وتقول نظرية التطورأن الإنسان هو النقطة التى وصل إليها التطور فى آخر مراحله. كيف تظهر لنا إذً، خلال هاتين النظرتين، مكانة الإنسان فى الخليقة؟…

4 – كيف يفسّر الكتاب المقدس هذ المكانة؟…

5 – ماذا يعنى قول الكتاب أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله؟…

6 – ها أعطى الله الإنسان سلطانا على الطبيعة؟…

7 – ما هى العلاقة بين صورة الله فى الإنسان وبين السلطان الذى مُنحه على الطبيعة؟…

8 – كيف يُظهر الكتاب المقدس نوعية العلاقات بين الجنسين؟…

كيف يظهر انهما متعادلان فى الطبيعة” [ أنظر تكوين 2: 23 ]…

كيف يظهر أنهما مكملان أحدهما للآخر؟…

كيف يظهر أن اتحادهما يجب أن يكون صلة عميقة وإرتباطا نهائيًا؟ [ أنظر تكوين 2: 24، متى 19: 6 ]…

كيف يميّز هذا الارتباط النهائى وهذه الصلة العميقة الحب عن الشهوة؟…

هل يلغى الحب الحقيقى الشهوة أم أنه يلطفها ويوجهها؟…

  


 

3 – مقاصد الله نحو الإنسان

* غاية خلق الإنسان:

 

حياة الله فرح دائم لا حدّ له…

ولكن ” الله محبّة” ولذلك شاء أن يوجد كائنات يقيم معها علاقة حب فيشركها بحياته وفرحه…

فأوجد هكذا البشر ليكونوا أحباء له متمتعين بخيراته، مساهمين فى سعادته…

هذا هو مجد الله، أن يحيا الإنسان ويسعد: ” مجد الله هو حياة الإنسان” كما يقول القدّيس ” إيروناوس” ( وهو أحد آباء الكنيسة عاش فى القرن الثانى وكان أسقفا على مدينة ليون حيث استشهد )…

* تصميم الله الخاص بالإنسان:

 

يخبرنا الكتاب المقدّس أن الله وضع آدم وحواء فى حديقة جميلة كانا يتمتعان فيها يثمار شهية…

وهذا يرمز إلى أن الله أعّد للإنسان سعادة قصوى هى إشتراك فى سعادته تعالى…

أمّا مصدرهذه السعادة فهو اتحاد الإنسان مع الله…

هذا الاتحاد الذى يعبّر عنه الكتاب المقدّس بالألفة التى يظهرها بين الله وآدم إذ يروى لنا أن الله أتى بالحيوانات لآدم حتى يسميها بأسمائها:

[ وَجَبَلَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ مِنَ اَلأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ اَلْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ اَلسَّمَاءِ فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ ‏لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اِسْمُهَا  ] [ تكوين 2: 19 ]…

وأنه أتاه بإمرأة لتكون لرفيقة له :

[‏ وَبَنَى اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ اَلضِّلْعَ اَلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ اِمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ ‏] [ تكوين 2: 22 ]…إلخ….

 

وقد كان هذا الاتحاد بالله حريًا أن يمتع الإنسان بالخيرات التالية:

 

أ – التنعم بتمام القوى النفسية:

 

التنعّم بتمام القوى النفسية من عقل نيّر وإرادة قوية توّاقة إلى الخير ونيّة طاهرة ومحبة دون أنانية…

 

**********

ب – الخلود:

 

لم يكن الإنسان خالدًا بطبيعته ولكن إتحاده بالله كان حريًا بأن يهبه الخلود يإشراكه فى خلود الله نفسه…

لذلك قال الكتاب أن الله جعل :

[ شَجَرَةَ اَلْحَيَاةِ فِي وَسَطِ اَلْجَنَّةِ ‏]ٍ [ تكوين 2: 9 ]…

حتى إذا أكل الإنسان منها [ َيَحْيَا إِلَى اَلأَبَدِ ] [ تكوين 3: 22 ]…

وهذا يعنى رمزيا أن الخلود نعمة وهبها الله للإنسان وأن هذه النعمة كانت مرتبطة بسكنى الإنسان فى جنّة عدن أى فى كنف الله، فى الاتحاد مع الله…

 

**********

ج – السيادة على الطبيعة:

 

وقد كانت الطبيعة مهيأة لتخضع للإنسان بالنظر للصورة الإلهية الكامنة فيه، فلا تثور عليه ولا تضره ولا تسبب له مشقات ونكبات…

هذا مانرى أثرًا له فى سيرة بعض الرهبان القديسين الذين كانت تخضع لهم الحيوانات المفترسة لأن الصورة الإلهية كانت قد تجددت فى نفوسهم…

وهذا ما يرينا الإنجيل إيّاه فى شخص يسوع الذى كان يحمل فى إنسانيته الصورة الإلهية كاملة، فيقول الإنجيلى مرقس:

[ وَكَانَ هُنَاكَ فِي اَلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً … وَكَانَ مَعَ اَلْوُحُوشِ… ] [ مرقس 1: 13 ]…    

 

**********

د – الإنسان كاهن الكون:

ومقابل خضوع الطبيعة هذا للإنسان، كان على الإنسان أن يكون كاهن الكون…

ذلك أن الإنسان بطبيعته صورة مصغرة عن الكون، ففيه تلتقى عناصر المادة ووظائف الحياة وغرائزها بصورة الله التى تطبعها وتسمو بها…

وهكذ، فالإنسان بطبيعته نقطة لقاء بين الله والكون ولذا كان عليه أن يكوّن صلة بينهما:

فالله بواسطته يكمّل عمل الخلق فى الطبيعة كما رأينا سابقا…

والطبيعة بدورها تسبّح الله من خلاله…

لأن كل تمجيد يرفعه الإنسان لله بالقول والعمل إنما يرفعه باسم هذا الكون الذى هو صورة مصغرة عنه…

وكان الطبيعة قد وجدت فى الإنسان عقلاً تسبّح به خالقها…

هكذ، كان على الإنسان أن يدير الخليقة باسم الله وأن يرفع إلى الله تسبيح الطبيعة…

هذا هو الدور الذى رسمه الله له ككاهن للكون لأن الكاهن هو تحديدًا ذلك الكائن الذى هو صلة بين الخالق والمخلوق… 

 

**********

* دور حرية الإنسان:

 

هذا التصميم الذى رسمته المحبّة الإلهية لإسعاد الإنسان، لم يشأ الله أن يفرضه عليه…

ذلك لأن الله خلق الإنسان حرًا على صورته، وبهذه الحرية تقوم كرامة الإنسان…

لو كان الله فرض تصميمه على الإنسان فرضا كما فرض الغرائز على الحيوانات والنواميس الطبيعية على المادة، لكان الإنسان آلة دقيقة، بديعة، متقنة وما كان إنسان، أى كائنا على صورة الله متميّزًا بتلك الصورة عن الطبيعة كلّها…

 

لقد احترم الله حرية الإنسان لأنها شرط كرامته…

ولأن المحبّة الحقة تحرم حرية المحبوب والله هو المحبّة المطلقة التى تتضاءل أمامها كلّ محبة بشرية…

الحبّ لا يُفرض فرضا…

وإلا لم يعد حبا بلّ عبودية والله لم يرد عبيدًا بل أبناء…

الحبّ يقدَّم، والكائن الذى يقدَِم إليه يقبله و يرفضه…

هكذا عرض الله على الإنسان حبّه وانتظر منه الجواب…

فكان على الإنسان أن يجيب بملء إختياره على الحبّ بالحبّ والرفض…

 

هذه مغامرة الحبّ الكبرى أن الله جعل نفسه نوعا ما مقيّدًا بالإنسان، جعل تحقيق تصميمه رهن حرية الإنسان، رضى بأن يكون نجاح وفشل هذا التصميم الإلهى متوقف، إلى حدّ م، على موقف الإنسان…

 

لاهوت الله يتجلّى لنا فى هذا الاحترام الحبّى المذهل لحرية الإنسان…

فى هذا التخلّى المذهل عن سلطته المطلقة على الإنسان مخلوقه…

لذلك كتب الكاتب الهندى طاغور: ” إننى أعبد الله لأنه يترك لى حرية إنكار وجوده”…

أى أن لاهوته يتجلّى لى فى هذا الاحترام المذهل لحريتى…

 

كان على الإنسان إذًا أن يتخذ موقفا من الله…

أن يقول لله نعم ولا…

لقد خلق الإنسان مشابها لله ولكن كان عليه أن يحقق هذا الشبه بجهد متواصل وتحرك مستمر نحو الله…

كما أن الطفل يحقق بنموه صورة الرجل الكامنة فيه…

كان متوقفا عليه أن ينمّى بلا انقطاع صورة الله فيه…

وأن يحاول تعطيلها وإزالتها من كيانه…

تلك هى تجربة الحرية التى عنها نشأت مأساة الإنسان…

**** ملحق:

” شارل باجى” كاتب فرنسى اهتدى من الإلحاد إلى الإيمان المسيحى وقتل سنة 1914 على إحدى جبهات الحرب العالمية الأولى بعد أن خلّف أثرًا شعريًا خادًا نقتطف منه المقطع التالى الذى يعطى فيه الشاعر الكلام لله متحدثا عن حرية الإنسان:

{ لأننى أنا حر، يقول الله، وقد خَلَقت الإنسان على صورتى ومثالى..

هذا هو سرّ، هذه هى قيمة…

كلّ حرّية…

إن حرّية هذا المخلوق لهى إنعكاس فى العالم…

لحرية الخالق. لذلك نعلق عليها أهمية خاصة…

إن خلاصًا غير حرّ، غير صادر عن رجل حر ليست له قيمة فى عينى، فأى طائل له؟…

أى معنى له؟…

أيّة أهمية تكون لخلاص كهذا؟…

غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة مستعبدة، كيف تريدون أن تهمنى؟ هل يحب أحد أن يكون محبوبًا من عبيد؟…

إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن قدرتى وحسب، فقدرتى ليست بحاجة إلى هؤلاء العبيد، إنها معروفة كفاية، معلوم كفاية أننى الكلّى الاقتدار…

قدرتى تسطع كفاية فى كل مادة وفى كل حدث…

قدرتى تسطع كفاية فى رمال البحر ونجوم السماء…

لا إعتراض عليه، إنها معروفة، إنها تسطع كفاية فى الخليقة الجامدة…

ولكن فى خليقتى الحية، يقول الله، أردت أفضل من ذلك، أردت أكثر من ذلك…

أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأننى أردت تلك الحرية…

خلقت تلك الحرية عينها…

من عرف نفسه مرة واحدة محبوبًا بحرية، لا يوجد فيما بعد الخضوع طعمًا…

من عرف نفسه محبوبًا من أناس أحرار، لا يجد فيما بعد معنى لسجدات العبيد…

……

خضوع العبيد كلهم لا يساوى نظرة جميلة واحدة لرجل حرّ…

والأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسى وأننى أهب كل شئ مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حرّ…

مقابل طاعة جميلة واحدة وحب جميل واحد وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حرّ…

فى سبيل هذه الحرية، فى سبيل هذه المجانية ضحيت بكلّ شئ يقول الله، فى سبيل ميلى بأن يحبنى رجال أحرار…

من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكلّ شئ…

من أجل أن أخلق هذه الحرية، هذه المجانية…

من أجل أن أطلق هذه الحرية وهذه المجانية }…

  


 

4 – السقوط

قلّنا فيما سبق أنه كان من الطبيعى على الإنسان أن يشترك فى الحوار الذى ابتدأه الله معه عندما خلقه على صورته ومثاله تعالى…

هذا الحوار كان ضروريًا حتى تتأصّل صورة الله فى الإنسان وتجعل منه أيقونة تشع منها الحضرة الإلهية التى تضفى على الخليقة دفء المحبة…

لذا كان يحتاج هذا المخلوق الجديد عيشًا متواصلاً فى محبة الله حتى يتلقن منه كيفية القيام بمهمته السامية ألا وهى أن يكون وكيل الله على هذه الأرض ناقلاً إرادته تعالى فى كلّ مجالات الحياة ممدًا فى الزمان والمكان بزرة الفردوس التى صنعتها يد الله…

 

وأهمية معاشرة الإنسان لله تظهر لنا جليًا من خلال خبرة نعيشها يوميًا…

كلّنا يعلم أن المولود الجديد يشبه والديه ولكنه ليس مثلهم وبعبارة أخرى إنه على صورتهما ولكنه لا يماثلهما بعد الكلية…

على الأبوين أن يحتضناه ويربّياه ويدخلاه يوما بعد يوم فى سرّ الكيان الإنسانى حتى يصبح يوما ما هو أيضا مثلهما يفكّر وينطق وينتج ويعمل فى بنيان عالم أفضل لأخوته…

أمّا الولد فعليه أن ينصاع إلى تعاليم الوالدين المحبّة إذ ان إنسانيتنا لا تُكتسب بادئ ذى بدء بالقراءة والتحليل الذهنى ولكن بمعاشرة أناس آخرين…

 

وحقيقة ما أوردناه تظهر ساطعة فى المثل الآتى:

أولاد صغار تاهوا فى مجاهل إحدى الغابات وعاشوا فيها فى صحبة الحيوانات ومعاشرتها…

هؤلاء الأولاد نجدهم بعد مدّة يكتسبون عادات الحيوانات التى يعايشون، فيصوّتون كما تصوّت ويسيرون على شاكلتها حتى أنه يمكنك تعريفهم بأنهم حيوانات فى أثواب بشر وهم بشر بدون إنسانية…

هذه الإنسانية المفقودة لا يستعيدها هؤلاء الصغار إلا بعد معاشرة طويلة للبشر وتدريب طويل وشاق فى جو ” إنسانى”…

 

هكذا – وبقدر ما ينجح التشبيه بين شؤون المخلوقات والأمور الإلهية – علّمنا آباء الكنيسة القديسون أن الإنسان خلق على صورة الله ولكن كان عليه أن يتتلمذ فى حضرة الله حتى يتمثل به إذ أن معاشرة البارى تعالى اليومية فقط قادرة أن تجعل من الإنسان كائنًا إلهيًا…

غير أن هذا يعنى، كما قلنا أعلاه، أن ينصاع الإنسان إلى أقوال الله المربية بحيث يتعلّم منه تعالى أن الخير الأعظم هو الله نفسه كما نقرأ فى المزامير ولدى الأنبياء وأن الشر الحقيقى هو غيابه عن شئون الإنسان…

 

هذه الحقيقة العميقة يصوّرها لنا الكتاب المقدّس بشكل رمزى – كما جرت العادة فى تلك العصور من تاريخ الإنسان – فى قوله أن الله طلب من الإنسان ألا يأكل من ثمار شجرة معرفة الخير والشر…

فكان قصد الله إدخال الإنسان تدريجيًا فى سرّ الألوهة وذلك من خلال تربيته اليومية على أصول الحياة الفردوسية…

وكأى تدريب آخر تتطلّب التربية الإلهية معاشرة متواصلة وتفترض طاعة…

 

أمّا الإنسان فقد فضّل الإستغناء عن محبّة الله وإحتضانه له…

أراد أن يغتصب الألوهة إغتصابًا معتقدًا أنّ معرفة الخير والشر هى التى تجعله إله، بيد أن الألوهة تؤمّن له معرفة الخير والشر…

أراد أن يتخلّص مما كان يعتقده وطاة الله عليه…

لم يفقه الإنسان أنّ سرّ الحياة الحقيقية هو فى الكلمة الإلهية على حدّ قول الرب يسوع:

[ قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ ] [ يوحنا 17: 17 ]…

و[ وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ  ] [ يوحنا 8 : 32 ]…

 

وكانت الكارثة…

انقطع الإنسان بإرادته عن جوار الله وتاه فى جو لا يناسب أصله…

فأصبح منساقا إلى نواميس غريبة عنه…

وكما أن الولد التائه فى الأدغال بين الحيوانات يعتقد أن دنياه التى ترعرع فيها هى دنياه الأصلية…

هكذا اعتقد الإنسان على مرّ الأيام أن جوّه الجديد هو الأصيل، فإعتاد عليه وأصبح قطعة منه…

هكذا أصبح الإنسان يعتقد أن الخطيئة عصر أساسى فى حياته…

وترعرعت الأجيال السالفة فى هذا الجوّ المضطرب المتسمم وتنشقت عبيره ثم ما لبثت أن نفثت سمومها فى من تلاها…

 

صلتنا بخطيئة الأنسان الأول ليست إذًا صلة وراثة كالتى تتعلّق بشكل الأنف ولون الشعر ولكن صلة جو يترعرع فيه الإنسان ويتغربل كيانه وتبنى ذاته…

فمنذ نشأتنا فى جو الخطيئة هذا ونحن خطاة…

وهذا يعبّر عنه بأن الموت أصبح مهيمنًا فى حياتنا يعدها يوما بعد يوم، وإذا ماحاولنا التغلّب عليه بإبعاده عنّ و إبتعادنا عنه، جابهنا فى ثياب الضجر والمرض…

هذا ما عبّر عنه الرسول بولس فى قوله:

[ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اِجْتَازَ اَلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ اَلنَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ اَلْجَمِيعُ ] [ رومية 5 : 12 ]…

خطيئة الإنسان الأول وضعت الإنسانية فى حلقة مفرّغة…

إذ بغياب الله عن جوّنا الذى اخترن، أصبح للموت سلطانا فى حياتنا…

وعدم قدرة الإنسان بدون الله على التخلّص من هذا الكابوس يجعله ييأس ويعود إلى مزيد من التلطخ فى الخطيئة…

وكالعصفور الذى لا مفرّ له من قفصه يعوّد نفسه على العيش فيه مقنعا ذاته بجمال قضبانه الحديدية…

وكالمغلوب الهزيل الذى يقبل أولاً مجبرًا ثم يقتنع بلطف المستعبد…

هكذا يحول الإنسان إقناع نفسه بحلاوة الخطيئة تحت ضغط حتمية الموت الذى ولدته…

ويُجبر نفسه على التناسى إلى أن ينسى أم المشكلة الوحيدة هى إرادته فى أن يغيب الله عن عالمه…

 

* أسئلة:

إقرأ الفصل الثالث من سفر التكوين ومثل الابن الضال [ لوقا 15: 11 – 32 ]…

1 – كيف كانت تجربة الإنسان نتيجة لحريته؟…

2 – من هو الكائن الذى أذكى هذه التجربة فى الإنسان؟ ولماذا؟…

3 – كيف يتضح من الكتاب المقدس أن الحية المذكورة فى الفصل الثالث من سفر التكوين تشير إلى هذا الكائن؟ [ أنظر حكمة سليمان 2: 24، يوحنا 8 : 44، رؤيا 12: 9 ]…

4 – ما هى نوعية خطيئة الإنسان الأول؟…  كيف تدحض الرأى الشائع الذى يقول به عامة الناس أن تلك الخطيئة كانت زواج آدم وحواء؟.. [ راجع تكوين 1: 27، 28]… ألا يُظهر نصّ الكتاب نوعية هذه الخطيئة؟ [ أنظر تكوين 3: 1 – 5 ]…

5 – ألا تلقى قصة الابن الشاطر ( الابن الضال ) ضوءًا على نوعية هذه الخطيئة؟ ألم يكن الابن الشاطر عائشًا فى بحبوحة وتنعم فى كنف محبة أبيه، فلماذا شاء الانفصال عنه إذًا؟…

  


 

5 – نتائج السقوط

رفض الإنسان لله أوصله إلى حالة غريبة عن أصله…

بإبتعاده عن الله أبيه، لم يعد الإنسان يميّز فى البشر الآخرين أخوة له أبناء للآب الواحد…

إذ أن الأخوّة تُحدّد بالنسبة إلى البنوة تجاه الآب الواحد…

وقد تصدّعت أيض، صلة الإنسان بالطبيعة من حوله إذ أنه لم يعد يرى فيها مذياعا لمجد الله ومخبرًا لأعمال يديه، بل وسيلة لإرواء غليل أنانيته…

هذه مأساة الإنسان التى نشأت عن غياب الله عنه وإذا شئنا أن نلخّص الماساة هذه بكلمة يمكننا أن نقول أنها مأساة التفكك…

وحدة الإنسان مع الله، أى اتحاده به، كانت أساسًا لوحدته مع ذاته، ولوحدته مع الآخر، ولوحدته مع الكون…

فلمّا فصم الإنسان وحدته مع الله تصدّعت وحدته مع ذاته ووحدته مع الغير ووحدته مع الكون وساد التفكّك فى تلك المجالات الثلاثة:

 

أ – تصدعت وحدة الإنسان مع ذاته:

 

بإنفصال الإنسان عن الله حصل تفكّك فى شخصه أى أن الإنسجام بطُل فى كيانه:

 فالأهواء ثارت على العقل عوض أن تكون خاضعة له، موجهة منه، لذلك أظلم عقل الإنسان إذ أصبح فى كثير من الأحيان مسخرًا لا للسعى إلى الحقيقة بلّ لخدمة الشهوات. هكذ، انتشرت الآراء والمعتقدات الباطلة بين البشر وأخذ الإنسان ينظر إلى الأشياء لا كما هى بل كما تصوِّرها له أهواؤه. وأصبح وهو الكائن العاقل يؤلّه المال والقوة والجاه والنفوذ ويتعبّد لأناس مثا=له من زعماء وغيرهم وأصبح يسخّر العلم نفسه للدمار…

 

 كذلك ثارت الغرائز على الإرادة التى كانت وظيفتها فى الأساس أن تسيّر هذه الغرايز وفقا لصالح الإنسان الحقيقى. فأصبحت هذه الغرايز تشدّ الإنسان إليها خلافا لحاجاته الأساسية ( فالسكّير مثلاً يسعى إلى إرضاء شهوته دون أن يقيم وزنا لصحته وكرامته ومستقبله وحياته العائلية )، فضعفت الإرادة وأصبحت لا تقاوم الشر إلا بصعوبة ولا تُردع إلا بجهد جموح الشهوات…

 

 كذلك طرأ التفكّك على علاقة الإنسان بجسده، فأصبح للجسد إستقلاله وأخذ يحاول فرض شهواته على الإنسان وكأنه غريب عنه. وهذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس بقوله عن آدم وحواء:

[ فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ ‏] [ تكوين 3 : 7 ]…

وهذا يعنى أنهما بدءا يحسّان بجسدهما وكأنه كائن مستقلّ فيهما يطالب بإشباع شهواته بينهما كان فيما مضى مع الشخص كلّه فى حركة واحدة إلى الله. هكذا أصبحت الشهوة مستقلّة عن الحب عوض أن تكون مسخّرة له…

 

 ومن نتائج التفكّك فى الكيان الإنسانى الأمراض التى أصبح الإنسان عرضة لها والتى هى إختلال فى نظام الجسم البشرى، وأخيرًا الموت الذى هو إنحلال لكيان الإنسان. لقد كانت نعمة الله تكتنف الإنسان وتحفظه من الأمراض والموت، أمّا وقد رفض هذه النعمة وتعرّى منها فلم يعد من شئ يحفظه من الإنحلال الذى تؤول إليه طبيعه إذا تُركت وشأنها. هذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس بقوله أن آدم أُبعد عن شجرة الحياة التى  كانت تجعله خالدًا:

[ وَقَالَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ: هُوَذَا اَلإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً اَلْخَيْرَ وَاَلشَّرَّ. وَاَلآنَ لَعَلَّهُ ‏يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ اَلْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى اَلأَبَدِ ‏] [ تكوين 3 : 22 ]…

أى أنه فقد نعمة الخلود بابتعاده عن الله مصدرها. وبهذا المعنى قال الله لآدم:

[ بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى اَلأَرْضِ اَلَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ ‏تَعُودُ ‏] [ تكوين 3: 19 ]…   

 

**********

ب – تصدعت الوحدة بين الإنسان والغير :

 

ولكن هذا التفكّك الذى ساد فى كيان الإنسان الشخصى تعدّاه إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان…

ذلك أن الإنسان بإنفصاله عن الله انفصل أيضا عن أخيه الإنسان…

فالله وحده يوحّد عميقا بين البشر…

ولذ، فالخطيئة بأبعادها الإنسان عن الله تبعده عن قريبه…

هذا التفكّك بدأ فورًا بعد السقوط عندما سأل الله آدم عن مخالفته فأجابه:

[ الْمَرْأَةُ اَلَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ اًلشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ‏ ] [ تكوين 3 : 12 ]…

وهكذا ألقى المسئولية على إمراته فاصلاً مصيره عن مصيره، بينما كانا قد خُلقا ” ليكونا جسدًا واحدًا” أى كيانًا واحدًا…

هكذا بالخطيئة تسرّب الإنقسام إلى البشرية…

فأصبحت الأنانية تفصل حتى بين الإنسان وأقرب الناس إليه، وتشوّه الحب على أنواعه بإرادة التسلّط على الآخر وامتلاكه كأنه مجرّد شئ ومتعة دون مراعاة لحرّيته وكرامته ومصلحته وسعادته…

وقاد ذلك إلى تنافر بين الأخ وأخيه، وبين الأب وابنه، وبين الزوج وزوجته…

ولذا يروى لنا الكاب المقدّس كيف أن السقوط تلاه قتل قايين لأخيه هابيل…

وانفجرت الأحقاد بين البشر وحسد بعضهم بعضً، وتجبّر بعضهم على بعض، واستعبد بعضهم بعضً، وتطاحنوا فى حروب أهلية وخارجية…

 

**********

ج – تصدعت الوحدة بين الإنسان والطبيعة :

 

أخيرًا كان من عواقب السقوط أن بطل هذا الانسجام الذى خلقه وأعدّه الله بين الإنسان والطبيعة…

هذه الطبيعة التى كانت معدّة لتخضع للإنسان الحامل فى ذاته صورة الخالق، تمرّدت عليه حين تشوّهت صورة الله فيه…

[ وَقَالَ لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ إِمْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ ‏مِنْهَا مَلْعُونَةٌ اَلأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ ‏وَتَأْكُلُ عُشْبَ اَلْحَقْلِ‏ ] [ تكوين 3: 17، 18 ]…

وهكذا لم يعد الإنسان فى مأمن من حتمية نواميس الكون بلّ صار إلى حدّ بعيد ضحية هذه النواميس، فأصبحت مصدر متاعب وكوارث ونكبات للإنسان وأخذت الحيوانات تؤذيه والجراثيم تفتك به…

 

**********

* أسئلة:

إقرأ الفصل الثالث من سفر التكوين…

1 – كيف يظهر انفصال الإنسان عن الله [ تكوين 3: 8 ]…

2 – ألا يشبه إنفصال الإنسان عن الله إنفصال غصن عن شجرته ؟ كيف ذلك؟ وما هى النتائج المنتظرة لإنفصال كهذا؟…

3 – هل بقى الإنسان محافظًا على موهبة الخلود بعد سقطته؟ [ تكوين 3: 19، 22 ]…

4 – كيف ظهر التفكك بين الإنسان وجسده بعد السقوط؟ [ تكوين 3 : 7 ]…

5 – ألم يكن طبيعيًا أن توجد الخطيئة تفككًا بين الإنسان والإنسان؟ لماذا؟ كيف يظهر ذلك فى تكوين 3: 12 و4: 8، 9 ؟ وكيف يظهر فى علاقات البشر بعضهم ببعض وحتى أقرب الناس إليهم؟…

6 – ألم يكن من الطبيعى أن توجد الخطيئة تصدعًا فى الوحدة التى أعدها الله بين الإنسان والطبيعة؟ لماذا؟ كيف يظهر هذا التصدع فى تكوين 3 : 17، 18؟ وما هى نتائجه بالنسبة للإنسان؟…

 


 

6 – صورة الله فى الإنسان بعد الخطيئة

ولكن السؤال القائم فى كل هذا هو:

كيف يعرف الإنسان أن الحالة التى هو عليها الآن ليست وضعه الأصيل؟…

كيف يستطيع المرء أن يقدر مدى سقوطه بدون معرفة ما كان عليه قبل السقوط؟…

للإجابة عن هذا السؤال سنعود إلى المثل الذى اتخذناه منطلقا لنا فى بدء هذا الفصل…

فالولد الذى عاش بين الحيوانات منذ طفولته لم يفقه الكارثة التى ألمّت به إلا عندما إلتقى أخوة له فى الإنسانية وفهم أن صلته الأصلية هى مع البشر وليس مع الحيوانات…

هذا يعنى أن معرفته الحقيقية لا تنتج عن مقارنة بين حالته الحاضرة وفردوس مفقود وليد تخيلاته، ولكنها نتيجة لقائه مع أناس يحملون له فى كيانهم صورة عن ذلك الفردوس إذ أن الإنسانية التى أضاعها جوّ معين وليست كلمات مقولة وأحرف مسطورة…

 

هكذا نحن لم نفهم معنى الخطيئة إلا بعدما تعرّفنا على أخينا الكبير كما يسميه الرسول بولس:

[ … لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ اِبْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ ] رومية 8: 29 ]…

فلقاؤنا مع هذا الأخ الأكبر، يسوع المسيح، الذى حافظ على صورة الله فيه أيقظنا على الحقيقة مذكّرًا إيّانا بأن الإنسانية الحقة تكمن فى صلتنا الوثيقة بالله…

إذًا مرور يسوع الناصرى فى بلادنا منذ ما يقارب الألفى عام طبع فى أذهان وقلوب البشر وجه رجل يشبهنا ولكننا لا نماثله إذ أن الجو الذى كان يتنشقه لم يكن من هذا العالم بالرغم من حضوره فيه

فى كل هذا ما يبعث إلى التفاؤل…

فبالرغم من جوّنا المتسمم الفتاك كان بوسعنا أن نتعرّف إلى يسوع وأن نعرف أنه فى نهاية المطاف يحمل فى شخصه عالمنا الأصيل…

وإذا ان هذا مستطاعا فلأن صورة الله التى فيه نادت صورة تشبهها فينا…

هذا يعنى أنه كما الولد الضائع فى الأدغال يحمل فى خلاياه بالرغم من حيوانيته سمات جذور الإنسانية، هكذا نحن ما زلنا فى أحقر أوضاعنا نحمل صورة الله فى كيانن، إنما نحن فقد أبطلناها عن العمل يحصرها فى زاوية عمة…

ولكن كما أن الله قد أشعّ النور من الظلام هكذا ابنه فى لقائه معنا أطلق الصورة الخفية فينا من الظلمة التى ألجأناها إليها إلى مكانها الأصيل فى قلبنا وذهننا…

 

غير أن لقاءنا مع يسوع علّمنا أيضا شيئا آخر مهما للغاية وهو أن تحقيق صورة الله كاملة فينا يكمن فى إتضاعنا المستمر إذ أن الله متضع أصلاً…

هذا ما يقوله لنا الرسول بولس فى كلماته الجميلة:

[ فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا اَلْفِكْرُ اَلَّذِي فِي اَلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً:

الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ.

لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ.

وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ ] [ فيليبى 2: 5 – 8 ]…

هذا هو سرّ التجسّد الذى فيه تمّ لنا لقاء أفضل من الذى كان يوم الخلق…

 

* أسئلة:

1 – كيف يمكننا القول أن الخطيئة شوّهت صورة الله فى الإنسان؟ لقد كانت هذه الصورة تظهر فى الإنسان بعقله وإرادته وميله إلى الصلاح واستعداده للعطاء وخلوده وسيادته على الكون فكيف تشوه كل ذلك فى الإنسان؟…

2 – هل اُمحت صورة الله فى الإنسان أم بقيت فيه؟ ألا يختبر كل منا فى ذاته إزدواجية بين العظمة والحقارة؟

[ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ اَلإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ اَلْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ.

لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ اَلصَّالِحَ اَلَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ اَلشَّرَّ اَلَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.

فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ اَلْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ ] [ رومية 7: 18 – 20 ]..

كيف يمكننا أن نفسر هذه الإزدواجية فى ضوء تعليم الله؟…

3 – هل بطلت محبة الله للإنسان بعد سقوطه؟

كيف تجلّت هذه المحبة [ وَصَنَعَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ لآدَمَ وَاِمْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا ] [ تكوين 3: 21 ]؟

لقد ترك الإنسان وحده خارج الجنة لأن حريته هكذا شاءت ولكن ألم يكن الله مزمعا أن يفتقده؟ ما هى الصورة الفائقة للعقل التى اتخذها ها الإفتقاد؟…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية- الخالق

نشر بواسطة: mechristian في أوت 10, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثاني: الإيمان بالله الخالق

  

تيد الإيمان:

  

الإيمان يختلف عن المعرفة العقلية البحتة:

أ – لأن الله لا يحويه العقل

ب – لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان:

ج – لأن الإيمان اعتراف بالوجود الشخصى لله:

   

الله يكشف ذاته لنا فيجعل الإيمان ممكنًا:

  

أسئلة:

2 – الله يكشف نفسه لنا:

  

الله يكشف ذاته لنا من خلال الخليقة:

أ – إرتباط كل ما فى الكون بأسباب:

ب – نظام الكون:

  

الجسم الإنسانى:

  

غرائز الحيوانات:

ج – عطش الإنسان المطلق:

   

الله يكشف ذاته لنا بالوحى الإلهى:

   

أسئلة:

   

ملحق (1)

   

ملحق(2)

3 – الإيمان والحياة:

   

الإستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله:

   

الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة:

   

أسئلة:

4 – الإيمان والعلم:

   

هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟:

أ – لأن العلم والإيمان يعملان على صعيدين مختلفين:

ب – لأن معظم بناة العلم الحديث كانوا مؤمنين:

ج – لأن الاختراعات الحديثة لا تنفى سلطة الله:

   

أسئلة:

   

ملحق (1)

   

ملحق (2)


 

الفصل الثانى

الإيمان بالله الخالق

” أؤمن بإله واحد..”

1 فى الإيمان

* تحديد الإيمان:

 

عندما يتحدث الناس عما يؤمنون به، فكثيرًا ما يقصدون أفكارًا اعتنقوه ومبادئ تبنّوه ومعتقدات انتموا إليها…

لذا فالسؤال المطروح غالبًا هو:

بماذا تؤمن؟…

أمّا الإيمان بمعناه المسيحى الأصيل، فليس، فى الأساس، تصديقًا لأفكار واعتناقًا لمبادئ، إنما ارتباط صميمى بشخص حىّ، هو الله…

فى منظارٍ كهذ، لم يعد السؤال اللائق هو:

بماذا تؤمن؟…

بلّ، بمن تؤمن؟…

ليس الإيمان، فى الأساس، تصديق أمور عن الله…

بل، الانتماء إلى الله، كإلى مصدر كياننا ومرتكزه ومرجعه…

إنه إدراك حىّ، كيانى، لوجود الله، لا كما تدرك حقيقة رياضية وطبيعية وتاريخية…

بل، كما يُدرك وجود كائن نحن مرتبطون به فى الصميم، ومنه نستمد وجودنا فى كل لحظة، وإليه تصبو، فى آخر المطاف، كل أمانينا…

حتى إذا أدركنا وجود هذا الكائن، ألفنا ويائن، جعلنا ثقتنا به وألقينا عليه رجاؤنا…

عبارة ” آمن”، فى العربية، قريبة من ” أمن”…

آمن به تعنى أمن له…

أن نؤمن بالله يعنى أن نأمن له، أن نثق به، أن نجعل منه معتمدنا ونسلم إليه ذواتنا مطمئنين إليه أعمق اطمئنان…

 

* الإيمان يختلف عن المعرفة العقلية البحتة:

 

الإيمان معرفة لله…

وهذه المعرفة، ككل معرفة، تفترض مساهمة العقل…

ولكن الإيمان لا يرد إلى المعرفة العقلية…

الله لا يُعرف بالعقل المجرّد كما تُعرف حقائق الرياضيات ونواميس الطبيعة…

شأن الله فى ذلك شأن حقائق بالغة الأهمية فى وجود الإنسان، حقائق قد يُكرّس لها المرء حياته ويموت فى سبيلها ولكنه لا يستطيع أن يقدّم عنها براهين منطقية قاطعة…

فمن أدرك روعة الموسيقى وسمو التضحية، من اعتنق مبدأ العدالة والحرية والإخاء بين البشر، من وثق بصديقه إلى أبعد حدّ، من أدرك أن محبوبه شخصٌ فريد، وإن كان هناك من هو أجمل وأذكى منه، كل هؤلاء مقتنعون بصواب مواقفهم وقد يحاولون تعليلها عقليًا لإقناع الآخرين به، ولكنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون تقديم البرهان العقلى القاطع عن صحتها وأن لا سبيل لهم لتثبيتها على طريقة 2+2=4، وأن من لم يختبر بنفسه ما اختبروه هم غير قادر على مشاركتهم قناعتهم ولو قدّموا له أفضل ما لديهم من براهين…

ولكن ما هو صحيح بشأن تلك الحقائق الإنسانية صحيح بشكل أخص فيما يتعلق بالله:

 

أ – لأن الله لا يحويه العقل:

 

يقول الكتاب:

[ اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ . اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ] [ يوحنا 1: 18 ]…

والمقصود بذلك ليس أن الله لا يُدرك بالحواس وحسب، بلّ أنه لا يُدرك بالعقل أيضا ولا يمكن أن يصبح بداهة عقلية على طريقة حقائق الرياضيات…

 

هذا أمر طبيعى إذا تذكّرنا أن الله هو الكائن اللامحدود…

فكيف للعقل المحدود أن يُدركه؟…

ذلك أنه لو أدركه لاستوعبه وحواه وامتلكه…

ولكن أنّى للمحدود أن يسع غير المحدود…

أنّى لنقطة الماء أن تستوعب البحر؟…

كيف للعقل، الذى هو من الكون، والذى من الكون يستمد أفكاره وعلى نموذج أشياء الكون يبنى تصوراته، كيف لهذا العقل أن يدرك من هو متعالٍ على الكون؟…

 

ثم أنّى للعقل أن يحوى الله ويمتلكه، طالما الله هو مصدر العقل نفسه، هو قاعدته وأساسه؟…

مفاهيم العقل البشرى أبدًا محصورة….

لذ، فتاريخ الفكر البشرى كله، على كل الأصعدة، من علمى وفلسفى واجتماعى وغير ذلك، إنما هو تاريخ محاولة مستمرّة يقوم بها العقل البشرى لتخطّى محدودية تصوراته نحو حقيقة أغنى وأكمل…

إنه بذلك التخطّى المستمر لمكاسبه ومواقفه يشير إلى الكائن اللامحدود الذى منه يستمد انطلاقته اللامتناهية…

ولكن كيف لى، وهو الذى لا يملك أبدًا سوى حقائق جزئية، أن يحوى ذلك المطلق الذى يدفعه بلا هوادة إلى تجاوز حقائقه الجزئية كلها وأن لا يقف عند حد فى حركته التى لا قرار لها؟…

 

الله لا يُدركه العقل، لا لأنه مبهم، غامض بحد ذاته…

بلّ على العكس، لأنه الحقيقة الساطعة التى تفوق ملؤها طاقة العقل على الاستيعاب…

فكما أن العين عاجزة عن الشخوص إلى الشمس، لأن نور الشمس يبهره، هكذا العقل عاجز عن إدراك الله…

هذا ما عبّر عنه الكتاب بقوله:

[ اَلَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ اَلْمَوْتِ، سَاكِناً فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، اَلَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ اَلنَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، اَلَّذِي لَهُ اَلْكَرَامَةُ وَاَلْقُدْرَةُ اَلأَبَدِيَّةُ. آمِينَ ] [ 1 تيموثاوس 6: 16 ]…

كما أن العين، وهى لا تستطيع أن تحدّق إلى قرص الشمس، تشاهد انعكاساتها على الكائنات، هكذا العقل لا يُدرك الله إنما يستطيع أن يهتدى إليه – كما سوف نرى – إنطلاقا من آثاره فى الكون، لكن دون أن يُشكّل هذا الإهتداء عملية من نوع البرهان الرياضى والعلمى، إذ أن ذلك يتنافى، كما رأين، مع طبيعة الله…

 

تلك هى المفارقة التى عبّر عنها المفكّر الشهير ” باسكال”:

{ لا شئ أكثر عقلانية من اعتراف العقل بعجزه عن إدراك الله. ذلك أن العقل، لو استطاع إدراك الله، لارتفع إلى مستوى الله، كما يشير مدلول كلمة ” أدرك”. ولكن، لو كان ذلك ممكن، لما كان الله إلها بلّ كائنا فى مستوى العقل. لا يمكن أن يكون الله إلها إلا إذا كان فائقا كلّ إدراك }…

**********

 

 

ب – لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان:

 

لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان، شأن البداهات الحسّية والعقلية، بلّ تتطلّب منه تقبّلاً وانفتاحا…

ومن جهة أخرى، إذا تأمّلنا فى علاقة الإنسان بالحقيقة، نرى أن الحقائق التى تفرِض ذواتها على حواس الإنسان وعقله قليلة نسبيا…

فأكثر الحقائق لا تكتشف إلا بجهد، وبالتالى يتطلّب اكتسابه، لا رؤية العقل وحسب، بلّ مجهود الإرادة واستعداد النفس لتقبّل حقيقة قد تصدم الأفكار المألوفة وقد تجرح الكبرياء وقد تتصدّى لهذ و ذاك من الأهواء…

هذا صحيح حتى بالنسبة للحقائق العلمية…

فقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من النظريات التى طوّرَت العلم ودفعته شوطا بعيدًا إلى الأمام، كنظرية ” كوبرنيك” فى الفلك، ونظرية لافوازيبه فى الكيمياء، و….، حوربت بشدّة من قبل الأوساط العلمية المعاصرة له، وذلك لأسباب لا تمت إلى العلم بصلة، كتمسّك العلماء بعاداتهم فى التفكير وتهرّبهم من الإعتراف بأن معلوماتهم كانت خاطئة وناقصة، وما شابه ذلك من دوافع نفسية كانت تتخذ العلم ذريعة لها مع أنها غريبة عنه تماما…

هكذا كان هؤلاء العلماء يقاومون عباقرة عصرهم معتقدين أنهم بذلك يدافعون عن العلم الصحيح ضد مزيفيه، فيما كانو، من حيث لا يدرون، يدافعون عن عاداتهم وكرامتهم التى كانت تحول دون رؤيتهم للحقيقة الكامنة فى النظريات التى كانوا يناهضونها…

فالحقيقة العلمية ذاتها لا تنكشف إلا لذلك الذى يعترف بتواضع أن معرفته ناقصة ومعرّضة للخط، وأن طريقته فى التفكير، أيًا كان رسوخها فيه، قابلة للنقض وإعادة النظر…

فإذا كانت الاستعدادات الشخصية تلعب هذا الدور كلّه فى رؤية الحقائق العلمية نفسه، فكم بالحرىّ يكون دورها بالنسبة لحقائق أكثر مساسًا بالشخص الإنسانى وبسلوكه، مثلاً بالنسبة للحقائق الخلقية…

كيف السبيل مثلاً لإقناع إنسان غارق فى الأنانية بسمو التضحية فى سبيل الآخرين؟…

وكيف يمكن لإنسان تسكره غطرسة طبقية وعنصرية أن يؤمن بمبدأ الإخاء بين البشر؟…

وكيف يستطيع إنسان بنى حياته على الاحتيال أن يعترف بقيمة الصدق؟…

إن خبرة مريرة تعلمنا كلّ يوم بأن الإنسان كثيرًا ما يفلسف أهواءه ويبنى لنفسه عقيدة تبرّر انحرافات سلوكه…

 

هكذا فيقدر ما تمس حقيقة ما كيان الإنسان وليس مجرّد عقله…

بقدر ذلك يتأثر قبوله ورفضها باستعدادات الإنسان الكيانية، بموافقة الشخصية العميقة…

ولكن أيّة حقيقة تمس كيان الإنسان كحقيقة وجود الله؟ إنها تعنى الإنسان فى أعماق شخصيته، إذ عليها يترتب، فى آخر المطاف، تحديد رؤيته لذاته ولمصيره، لمعنى حياته وموته، ورؤيته للآخرين ولعلاقته بهم، ونظرته إلى الكون وإلى مركزه فيه…

وجود الله يعنى أنه لا يسعنى أن أكتفى بذاتى ولا بهذا المجتمع البشرى الذى أنتمى إليه ولا بهذا الكون الذى استمد منه عناصر أفكارى ومقومات حياتى…

وجود الله يعنى أن ذاتى والمجتمع والكون، وكل ذلك ليس مُغَلّقًا على ذاته، مكتفيًا بذاته، له غايته فى ذاته، إنما أصله ومرجعه، ألفه وياؤه، ما يقيمه فى الوجود ويرسم له غايته ويعطيه معناه، هو كائن متعالٍ عنه وحاضر فى صميمه بآن، ألا وهو الله…

وجود الله يعنى أنه باطل أن يتعبّد الإنسان لأفكاره وميوله ومشاريعه، فردية كانت وجماعية، لأنه يبقى عند ذاك أسير الفراغ والضياع، وأنه، بالتالى، إذا شاء أن يحقق ذاته، وجب عليه أن يتخذ من الله لا من ذاته محورًا لوجوده كلّه…

ولكنه يصعب على الإنسان ان يتخلّى عن محورية ذاته…

يقول لنا فرويد أن الدافع النفسى العميق الذى حمل البشر على مقاومة نظرية ” كوبرنيك” هو كوْن هذه النظرية نقضت الاعتقاد بأن الأرض ( وبالتالى البشر ) هى مركز الكون، وجعلت منها نقطة فى الفضاء اللامتناهى…

وبالتالى طعنت الكبرياء البشرى فى الصميم…

الإيمان بالله يتطلّب انسلاخا أعظم من هذا بما لا يقاس، لأنه يعنى التخلّى لا عن مركزية مكانية وحسب، بلّ عن مركزية كيانية، وهذا أعمق بكثير…

من لم يكن مستعدًا للتخلّى عن محورية ذاته، من لم يكن مستعدًا لمجازفة تخطى الذات وتخطى المجتمع والكون اللذين تجد فيهما الذات استقرارها وطمأنينته، هذا لا يمكنه أن يعرف الله حقيقة، ولو اعترف لفظيًا…

الإنسان المعتدّ بنفسه، النشوان بأفكاره وانجازاته ومعلوماته وممتلكاته، فردية وجماعية، هذا لا يستطيع أن يؤمن حقيقة بالله، كما ورد فى إنجيل يوحنا:

[ كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْداً بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ ] [ يوحنا 5: 44 ]…

من تعبّد لأهوائه رفض الله، بالفعل إن لم يكن بالكلام، لئلا يضطر إلى الاعتراف بشره، كما ورد أيضا فى الإنجيل نفسه:

[ وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.

لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ.

وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ  ] [ يوحنا 3: 19 – 21 ]…

 

**********

ج – لأن الإيمان اعتراف بالوجود الشخصى لله:

 

أخيرًا يختلف الإيمان عن المعرفة العقلية البحتة، لأن الله موضوعه ليس فكرة ومعادلة رياضية ومبدأ خلقيً وناموسًا فائق، إنما هو شخص…

الإيمان بالله أساسًا اعتراف بشخص واتصال به، وذلك ما يتعدّى مجرّد عملية عقلية، لأنه يتطلّب موقفا شخصيً، موقف انفتاح وتقبّل…

إذا كنت منهمكا بذاتى، فالبشر الآخرون حولى يكونون كأنهم غير موجودين بالنسبة إلىّ…

ذلك أننى لا أرى فيهم سوى تلك الصفات التى تمكّننى من تصنيفهم وفق مصالحى وحاجاتى:

فهذا طيب المعشر، وذاك ثقيل الظلّ، هذا صادق فى معاملاته وذاك كذّاب، ملتوٍ، ….. وهلم جرا…

أمّا وجودهم الشخصى الفريد، وجودهم بالنسبة لهم، لا بالنسبة لى ولمشاريعى، وجودهم كما يعيشونه من الداخل، ماذا تعنى بالنسبة لهم خصالهم وعيوبهم وما تعَبّر عنه مما يصبون إليه ومما يعانون منه، كل ذلك يبقى غرِيبًا عَنّى، وكأنه غَيْر موجود بالنسبة إلىّ…

شخص الآخر لا يصبح حاضرًا حقيقة فى ذهنى إلا إذا قبلت بأن أتخطى انهماكى بذاتى لأصبح حاضرًا لهذا الآخر، منفتحا إليه…

عند ذاك أصبح بالحقيقة مدركا لهذا الوجود الفريد ومتصلاً به بآن…

عند ذاك تقوم بينى وبينه علاقة حقة أخرج بها من ذاتى لألاقيه كما هو ولأشارك وجوده كما يحياه هو…

 

لكن ما هو ضرورى بالنسبة لعلاقتى بشخص إنسانى آخر، ضرورى بصورة أخص بالنسبة لعلاقتى بالله…

فإذا كان تخطى انهماكى بذاتى أساسى لأكتشف حقيقة وجود الآخر البشرى، فكم بالحرى يصبح هذا التخطّى ضروريًا لأكتشف وجود من هو آخر بالكلية، من يفوق بما لا يقاس أفكارى وتصوّراتى ومشاعرى ورغائبى…

فإذا كنت منهمكا بذاتى، وآمالى وأهوائى، كيف يمكننى أن أتحسس وجود ذاك الذى يعلو على أفكارى ورغائبى كما تعلو السماء عن الأرض على حدّ تعبير أشعياء النبى؟…

عند ذاك فقد لا أدرك وجود الله، وأعترف بهذا الوجود لفظيا دون أن يكون لهذا الاعتراف أى معنى لحياتى، وقد أرى فى الله مجرّد صورة لما أتمنّاه وأرهبه، أى أننى أكوّن لنفسى أصناما أقيمها عوض الله ( مثلاً صورة إله ” وظيفته” أن يضمن صحّتى ونجاحى وسعادتى ويوفق أمورى ويعطينى الغلبة على أعدائى …) …

أمّا إذا كان لدى من الانفتاح ما يمكّننى من التطلّع على خارج حدود ذاتى، عند ذاك يسعنى أن أدرك وجود ذلك الآخر بالكلية الذى هو مصدر وجودى ومرجعه…

عند ذاك يُمْكِننى أن أتصل به وأشاركه وجوده وأدرك أنه، وهو المتعالى عنى كل التعالى، أقرب إلىّ من ذاتى، لأنى به، وبه وحده أجد ذاتى على حقيقتها وأحقق معنى وجودى…

 

تخطى الذات للاتصال بالإنسان الآخر، تخطى الذات للاتصال بالله:

ليس هناك مجرّد تشابه بين هاتين العمليتين، إنما يوجد إرتباط وثيق بينهما…

فبقدر ما انفتح إلى الآخر البشرى، أصبح أكثر استعدادًا للاتصال بالله…

لذا ربط الرسول يوحنا بين محبة الله ( أى الاتصال الصميمى بالله، الذى لا إيمان حقيقى بدونه ) وبين محبة البشر أخواتن، قائلاً:

[ فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ: { أَنَا أُحِبُّ اللهَ ! } وَلكِنَّهُ يُبْغِضُ أَخاً لَهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ، لأَنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي يَرَاهُ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ قَطُّ ؟ ] [ 1 يوحنا 4: 20 ]…

ولذا تدعونا خدمة القداس الإلهى أن نحب بعضنا بعضا لنستطيع الاعتراف بالله الثالوث: ” واجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نقبل بعضنا بعضًا بقبلة مقدسة. لكى ننا بغير وقوع فى دينونة من موهبتك غير المائتة السمائية بالمسيح يسوع ربنا هذا الذى من قبله المجد والكرامة والعزة والسجود تليق بك معه ومع الروح القدس المحيى المساوى لك . الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور، آمين”…

 

* الله يكشف ذاته لنا فيجعل الإيمان ممكنًا:

إذا كان الله، موضوع الإيمان، يفوق، كما رأين، كل فكر وتصوّر وشعور ورغبة، فهذا يعنى أنه لا يمكننى أن أكتشفه من تلقاء ذاتى…

ولكن الله يحبنى…

ولذا أراد ان يكشف ذاته لى…

ذلك أن المحبة تدفع المحبّ أن يكشف ذاته للمحبوب…

حسب قول الرب:

[ الَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي وَأَنَا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي ] [ يوحنا 14: 21 ]…

 

لو لم يأخذ الله مبادرة كشف ذاته للإنسان…

لما كان الإيمان ممكنًا…

ولكنه آخذ ابدًا هذه المبادرة…

إنه يخاطب الإنسان، مظهرًا له ذاته…

وداعيًا إيّاه إلى مشاركته حياته…

وذلك بالوسائل التالية:

1 – من خلال آثاره فى الخليقة وفى قلب الإنسان…

2 – بالوحى الإلهى وتاريخ الخلاص الذى بلغ ذروته بتجسّد ابن الله…

 

تلك هى الطرق التى يسلكها الله ليأتى إلىّ ويقرع على باب نفسى…

حتى إذا سمعت صوته وفتحت له قلبى ( والقلب فى لغة الكتاب هو مركز الشخصية، يلتقى فيه العقل والشعور والإرادة )…

إختبرته بأعماق كيانى حضورًا شخصيا يملأنى ويملأ الكون قاطبة…

حضورًا يفوق كلّ تصوراتى ورغائبى ولكنه ينير العقل ويستقطب الشعور…

حضورًا لا أمتلكه ولكننى به ومنه وله أحيا…

هذا هو الإيمان فى آخر المطاف…

 

* أسئلة:

1 – هل الإيمان مجرّد تصديق أفكار عن الله، أم هو أبعد وأعمق من هذا؟…

2 – هل يُعقل أن يدرك العقل المحدود الله اللامحدود؟ ماذا يقول الكتاب المقدس بهذا الصدد؟ [ راجع يوحنا 1: 18و 1 تيموثاوس 6: 16 ]…

3 – هل هناك حقائق لا تفرض ذاتها على الإنسان فرضً، بل تتطلب منه انفتاحًا وتقبلاً لها؟ أذكر بعض هذه الحقائق. لماذا يصح ذلك، بنوع خاص، بالنسبة لحقيقة الله؟…

4 – ماذا يقول الإنجيل عن المواقف الشخصية التى تحول دون الإيمان بالله؟ [ راجع يوحنا 3: 19 – 21 ويوحنا 5: 44 ]…

5 – هل الاعتراف بوجود الشخص الآخر والاتصال به عملية عقلية بحتة، أم أنهما يتطلبان اتجاها إلى الآخر وتخطيًا للذات؟ كيف يصحّ ذلك، بنوع خاص، بالنسبة للإيمان بالله؟…

6 – هل من علاقة بين الانفتاح للبشر والاتصال بالله؟ [ 1 يوحنا 4: 20 ]…

7 – إذا كان الله يفوق كل فكر وتصوّر، فكيف أستطيع أن أؤمن به؟…

8 – ما الذى يدفعنى إلى كشف ذاتى لإنسان آخر؟ لماذا وكيف يظهر الله ذاته لنا؟…

 


 

2 – الله يكشف نفسه لنا

* الله يكشف ذاته لنا من خلال الخليقة:

 

لقد كتب الرسول بولس:

[ إِذْ مَعْرِفَةُ اَلْلَّهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اَلْلَّهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ . لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ اَلْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ اَلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ اَلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْر ] [ رومية 1: 19، 20 ]…

فالخليفة كلها تحمل أثر الله كما أن التمثال يحمل أثر النحات الذى صنعه…

إنها كتاب نقرأ بين سطوره عظمة الله وحكمته وجماله…

إنها تهجئة لله تحدثنا عنه وتشير إليه…

لهذا أنشدت المزامير:

[ اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اَللهِ وَاَلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ ] [ مزمور 19: 1 ]…

فلنستعرض بعض آثار الله فى الكون وفى الإنسان…

 

أ – إرتباط كل ما فى الكون بأسباب:

 

كل ما فى هذا الكون مرتبط بأسباب  أوجدته…

إذً، لا شئ فى هذا الكون موجود بحد ذاته، إذ لولا الأسباب التى أوجدته لما وُجد…

لا شئ، إذً، فى الكون موجود بالضرورة، أو، كما تقول الفلسفة، واجب الوجود…

كل ما فى الكون ممكن الوجود، لا يوجد إلا بفعل آخر…

ولكن ما يصح فى جزيئات الكون يصح أيضا فى الكون ككلّ…

ذلك أنه لا يُعقل أن يكون كل عنصر من عناصر الكون ممكن الوجود، أما مجموعة العناصر فواجبة الوجود…

الكون إذًا ممكن الوجود لأنه مجموعة عناصر كلها ممكنة الوجود…

وإذا كان ممكن الوجود، فمعناه أنه ليس موجود بحد ذاته، بلّ بفعل آخر…

إذً، يستدعى الكون سببا خارجا عنه…

وهذا السبب الخارج عن الكون ندعوه الله…

ولنأخذ الآن مثلاً يوضح ما قلناه:

إذا أخذنا حيوانا وتساءلنا:

لماذا هذا الحيوان حىّ؟، وما سبب إستمراره فى الوجود؟…

رأينا أن لذلك أسبابًا متعددة منها المواد الغذائية التى تحويها الأطعمة. ولكن إذا تساءلنا من أين تأتى تلك المواد الغذائية التى هى سبب إستمرار الحيوان فى الوجود رأينا أن لها بدورها أسبابًا. فمثلاً المواد السكرية، وهى التى تحرّك جسم الحيوان وتولد النشاط فيه، لا يمكن أن تأتى فى النهاية إلا من النباتات…

وهنا نتابع تساؤلنا فنفتش عن سبب وجود هذه المواد السكرية فى النباتات، فيتضح لنا أنها تتكوّن من اتحاد الكربون بالمواد الكيماوية التى تمتصها النباتات من الأرض بواسطة الجذور…

وهنا نتساءل، ما هو سبب وجود الكربون فى النباتات؟…

فيجيب العلم أنه من تحليل الحامض الكربونى وثانى أكسيد الكربون الموجود فى الهواء…

ولكن ما هى علة هذا التحليل؟…

إنه يتم بفعل مادة الكلوروفيل الموجودة فى النباتات…

ولكن ما هو سبب فاعلية الكلوروفيل على ثانى أكسيد الكربون؟…

هنا يظهر البحث العلمى أن فاعلية الكلوروفيل ناتجة عن الطاقة التى تستمدها من الشمس…

فنتساءل: ما هى علة الطاقة الشمسية هذه؟…

فتجيبنا إحدى النظريات العلمية أنها ناتجة عن تفكيك ذرات الهيدروجين فى الشمس…

وهنا لابدّ للعقل أن يتساءل عن السبب الذى يحدث هذا التفكيك وهذا السبب يستدعى بدوره سببًا آخرًا .. وهلم جرا…

 

وهكذا حيثما انتقلنا فى هذا الكون نجد سلاسل مرتبطة حلقاتها إرتباطا متينا…

وكأن الكون آلة مركبة من دواليب كثيرة يحرّك أحدها الآخر…

فكل من هذه الدواليب يستمد حركته من دولاب آخر…

غاية العلم أن يكتشف دوما أسبابا جديدة أى دواليب جديدة وهكذا يفسّر لنا الكون ولكن تفسيره ليس بنهائى…

لأن السؤال النهائى ليس هو ما هى الدواليب وما هو عددها ولكن ما هو سبب حركة الآلة كلها…

ذلك لأنه مهما كثر عدد الدواليب، وحتى لو افترضنا أن هذا العدد غير متناهٍ، فهذا لا يمنع أن تكون حركة الآلة مستمدة فى النهاية من محرّك أول…

فإذا ألغينا هذا المحرّك الأول توقفت الآلة حتما لأن الدواليب، مهما تعددت، تصبح بدونه عاجزة عن نقل أيّة حركة…

 

هذا المصدر الأول الذى تستمد منه كل الأسباب فاعليته، كما تستمد الدواليب كلها حركتها من المحرك الأول، هو الله…

وكما أن الآلة تستمد باستمرار وفى كلّ لحظة حركة دواليبها من المحرك الأول، هكذا ليس صحيحا أن الكون استمدّ وجوده فى لحظة معينة من الله ثم أصبح موجودًا بذاته، ولكنه لا يقوم إلا على الله، أن وجوده مستمد فى كلّ لحظة ممن هو وحده واجب الوجود…

ب – نظام الكون:

 

فى الكون نظام وترتيب يبدوان لنا إذا تأملنا مثلاً الفلك والجسم الإنسانى وغرائز الحيوانات. يشير هذا النظام إلى وجود حكمة فائقة تتجلّى فى الكون وتسيّره…

فالنظام الشمسى مثل، المكون من الشمس ومن السيارات التى تدور حوله، يسير بموجب قواعد رياضية دقيقة بينها الفلكى الشهير “كيبلر”…

هذه النواميس لها من الدقة والثبات ما يخول علماء الفلك أن يعينوا بالتدقيق الزمن الذى سوف يحدث فيه خسوف وذلك قبل حصوله بألف سنة…

 

الجسم الإنسانى:

ولنأخذ مثلاً وهو تكوين الجنين…

المعلوم أن الجنين لا يبدأ إنسانا صغير الحجم ليس عليه إلا أن ينمو ليصبح ذا حجم كبير…

إنما الجنين يتكون إنطلاقا من خلية واحدة، نتجت من اتحاد رأس الحيوان المنوى الذكرى والبويضة الأنثوية عند إخراقها فى وقت معيّن وفى مكان محدد وهو الثلث الخارجى من قناة فالوب، بعد أن يقطع الحيوان المنوى رحلة طويلة من المهبل إلى عنق الرحم، ثم التجويف الرحمى منطلقا فى اتجاه قناة فالوب …

الجسم الإنسانى بتعدد أعضائه وأجهزته يخرج من تلك الخلية الواحدة التى لا أعضاء فيها ولا أجهزة إلا فى الكود الجينى الذى تحمله الكروسومات الموجودة فى نواة هذه الخلية التى يطلق عليها ” الزيجوت”…

وعند تكاثر الخلية وانقسامه، ينتج خلايا عديدة متخصصة لتؤلف كل فئة منها جهازًا من أجهزة الجسم…

ويرافق هذا التخصيص تنسيق بديع بين الأجهزة حتى تؤلف جسمًا متماسكًا منسجم الأجزاء، متماثلة فى جميع الجنس البشرى، وكان العملية كلها موجهة بموجب تصميم رائع…

 

غرائز الحيوانات:

غرائز الحيوانات مدهشة خاصة إذا نظرنا إلى الحشرات ورأينا عند تلك الكائنات البدائية تصرفات محكمة الدقة تفوق ذكاءها بما لا يقاس…

فالنحل يصنع الشمع من إفرازات غدده فى شكل هندسى ذو حسابات دقيقة ليتسنى إستغلال المجال المتاح على أكمل وجه وفى تنسيق بديع…

وكذلك التنظيم المبدع لحياة النمل وسائر الحشرات…

 

هذا النظام الذى يبدو فى مختلف مظاهر الكونه، كيف نفسره؟…

أنقول أنه من المادة؟…

ولكن المادة – كما يدرسها العلماء – هى مجموعة ذرات وطاقات…

فالسؤال هو:

ما الذى يُوجِد فى تلك المجموعة نظاما؟…

ما الذى يجعل منها كونا مرتبا ذلك الترتيب المنطقى الذى لولاه لما استطاع العقل أن يفهم الكون وأن يبنى علما؟…

البيت مؤلف من حجارة، ولكن المهم هو:

ما الذى رصف الحجارة على شكل بيت؟…

الكتاب مؤلف من حروف، ولكن المهم هو:

ما الذى رتب الحروف لتؤدى معانى رواية وبحث؟…

إننا فى رصف الحجارة نرى فكر المهندس، وفى ترتيب الحروف نرى فكر المؤلف…

كذلك فى ترتيب الكون نرى فكرًا جبارًا لا قياس بينه وبين الأفكار البشرية…

لذا قال العتالم الكبير ” أينشتاين”:

{ إن كل عالم رصين هو فى حالة ذهول وانخطاف أمام إنسجام نواميس الطبيعة الذى فيه يتجلّى عقل فائق بهذا المقدار حتى أن كل أفكار البشر الماهرة وترتيبها ليست، إذا قورنت وقيست به، سوى إنعكاس تافه بالكلية…} [ أينشتاين: كيف أرى الكون ]…

هذا الفكر الجبار هو فكر الله…

 

ج – عطش الإنسان المطلق:

 

ولكن أثر الله يبدو أيضا فى إعماق القلب البشرى…

إنه يتجلّى مثل، فىعطش الإنسان على المطلق…

 

يمكن أن يُعرّف الإنسان بأنه ” حيوان قلق”…

هذه ميزة أساسية يختلف بها عن سائر الكائنات الحية…

فللحيوان رغبات غريزية محدودة، سهلة الإرضاء، لذلك ليس فى حياته مشاكل…

أما الإنسان فكلما حاول إشباع رغباته اشتدت وقويت فيه هذه الرغبات، وكأن هناك شيئا فى أعماق كيانه يحرّكه ويعذبه ويوجهه ويدفعه دون هوادة…

فى الإنسان تباين دائم، تفاوت مستمر بين ما يرغبه وما يملكه، بين إرادته ومقدرته، بين ما يريد أن يكون وما هو عليه…

لذلك يندفع دون هوادة لإزالة هذا التباين ولكنه لا يتوصّل أبدًا إلى هذه الغاية…

فكلما حاول أن يقترب من مرغوبه، ابتعد هذا عنه موقظا فى نفسه الخيبة والحسرة…

هذا ما يبدو فى الخبرة اليومية وعلى كل الأصعدة…

نكتفى بذكر البعض منها:

1 – فالإنسان الساعى إلى مال ومجد لا يكتفى بما حصل عليه. إنه كلما بلغ مأربه يطمع بالمزيد. لذ، لا يعرف قلبه راحة وإستقرارًا ” عين الإنسان لا تشبع” كما يقول المثل السائر…

2 – ولنأخذ السعى إلى الجمال. أمام منظر طبيعى بديع و قطعة أدبية رائعة و…، يشعر الإنسان، إلى جانب نشوته، بشئ من الحزن، ويزداد هذا الحزن بنسبة ما يكون جمال هذا المنظر وهذا الإنتاج الفنى الأخاذ. كيف يفسّر هذا الحزن؟. ذلك أن الجمال الذى أدركناه أيقظ فينا حنينا لا قدرة لنا على إطفائه ومن هنا نشأ الألم. وما هو صحيح بالنسبة إلى التمتع بالجمال ينطبق أكثر على الفنان الذى ينتجه. فكم من الأدباء والفنانين الخلاقين أفضوا إلينا بالمرارة التى كانوا يشعرون بها عندما كانوا يبدعون تحفة فنية رائعة. عندما تخرج تلك التحفة الرائعة حق، من أيديهم، كان الألم يحز فى نفوسهم لشعورهم بالتفاوت بين ما كانوا يحلمون به وما استطاعوا أن يحققوه…

3 – ولننتقل الآن إلى خبرة الحب. فالحب، كما هو معلوم، ينزع إلى تأليه المحبوب. ألا يسمّى المحبّ الحبيب ” معبود”؟ إنه إذًا يطلق علبه قيمة لا متناهية وينتظر منه سعادة مطلقة. ولكنه يمنى بالخيبة، فالمحبوب، مهما سمت صفاته، بشر وليس إله، لذا لا يمكنه أن يقدم لمحبّه السعادة الفردوسية التى يحلم بها. لذا دعا الشاعر الفرنسى ” كلوديل” المرأة المحبوب ” وعدًا لا يمكن أن يُبَرّ به”. وحتى إذا لم يؤله المحبوب، فالحب يسعى إلى شركة بين الحبيبين تامة وخالدة، ولكنه يصطدم بالسأم الذى تولده العادة وبالأنانية والموت…

 

مجمل الكلام أن للإنسان المحدود أمانى لا محدودة…

ولذلك يعيش فى توتّر دائم…

ولكن ما هو سرّ هذا التفاوت الصارخ؟…

من أين للإنسان هذا السعى إلى اللامتناهى والمطلق فيما لا تقدم له خبرته سوى ما هو محدود ونسبى؟…

التفسير الوحيد المرضى لتلك الظاهرة الغريبة هو أن الإنسان المحدود يحمل فى ذاته صورة كائن لا محدود…

ويكون هكذا سعيه إلى المطلق تعبيرًا عن حنين تلك الصورة إلى أصلها…

وتكون خيبته المتكرّرة ناتجة عن كونه يخطئ المرمى فيفتش عن المطلق واللامتناهى بين المخلوقات فيما لا يستطيع سوى الله أن يروى عطش قلبه…

فكما أن المد يفترض وجود القمر الذى يجتذب إليه مياه البحر، ولو كان القمر مختفيًا وراء السحب، كذلك مدّ النفوس فى سعيها المتواصل إلى المطلق يستقطبه الله ولو احتجب الله عن نظرنا وإدراكنا:

{ يا رب لقد خلقتنا متجهين إليك ولذلك لن تجد قلوبنا راحة إلا إذا استقرّت فيك } [ أوغسطين المغبوط ]…

* الله يكشف ذاته لنا بالوحى الإلهى:

 

لكن الله شاء أن يكشف لنا ذاته بشكل أوضح وأكمل من تهجئة الخليقة له. لذلك شاء أن يحدّثنا عن ذاته:

 

1 – بواسطة حوادث الخلاص: التى ترويها لنا الكتب المقدسة الموحاة منه والتى يظهر لنا فيها كيف خلق الله الإنسان واعتنى به وكيف هيأ الله إفتداء الإنسان بتهيئته للشعب اليهودى وعنايته الخاصة به وترتيبه له وكيف تمم الخلاص أخيرًا بتجسّده والحوادث التى تبعته من بشارة وموت وقيامة وصعود إلى السماء وإرسال الروح القدس…

 

2 – بواسطة رجال إختارهم ليحدثوا الناس عنه: فكشف لهم ذاته لكى يُنبئوا الناس عنه وعن حبه وإرادته، ولذا دعوا أنبياء، ليس فقط لأنهم تنباوا بما سوف يحدث وخاصة عن المخلّص المنتظر، ولكن خاصة لأنهم أنبأوا البشر بقوة وحرارة عن الله وما تنتظر محبته من الناس…

 

3 – وخاصة بواسطة الابن المتجسّد:

[ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،

كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ.

الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،

صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ ] [ عبرانيين 1: 1 – 4]..

أحبنا إلى حد أنه أراد أن يعيش بينن، كواحد من، وأن يجعل نفسه منظورًا وملموسًا منا فى الابن المتجسّد. وهكذا نلنا أعظم وأكمل إعلان عن الله لأن:

[ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلاِبْنَ إِلاَّ اَلآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلآبَ إِلاَّ اَلاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ اَلاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ ] [ متى 11: 27 ]…

والابن نفسه حدثنا عن الآب وعن نفسه وعن الروح وكشف لنا أن الله ثالوث وأدخلنا إلى سر حياة الثالوث…

 

4 – ومن خلال المسيح بواسطة الروح القدس فى الكنيسة: كل هذا الوحى الإلهى حفظ فى الكنيسة التى أسسها الرب يسوع المسيح لتنقل إلينا بأمانة ما أوحى الله به وتفسره حسب رأى الله بإلهام الروح القدس الساكن فيها لأن:

[ أَنْ مَنْ مِنَ اَلنَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ اَلإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ اَلإِنْسَانِ اَلَّذِي فِيهِ؟ هَكَذَا أَيْضاً أُمُورُ اَللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اَللهِ ] [ 1 كورونثوس 2: 11 ]…

 

* أسئلة:

1 – كيف يكشف لنا الله نفسه فى الطبيعة؟…

2 – كيف يقودنا إلى الله، إرتباط كل ما فى الكون بأسباب؟…

3 – هل تعرف مثلاً عن النظام الذى يسود الكون: مأخوذا من الفلك؟ مأخوذًا من الجسم الإنسانى؟ مأخوذا من غرائز الحيوانات؟…

4 – كيف يقودنا هذا النظام إلى الله؟…

5 – ها تعرف معن المثل الشعبى :” إن عين الإنسان لا تشبع”؟ هل هنالك أمثلة فى حياتك أنت وحياة الناس عامة تثبت حقيقة هذا المثل؟ إلى ماذا يشير هذا التفاوت بين محدودية الإنسان وأمانيه اللامحدودة؟…

6 – كيف يكشف الله لنا ذاته فى الكتاب المقدس؟ فى حوادث هذا الكتاب؟ فى أقوال الأنبياء؟ فى الرب يسوع؟ فى الكنيسة؟…

 

 

* ملحق (1)

حين يجد الإنسان نفسه على شفير الموت، قد يشعر، أكثر من أى وقت آخر، بمحدودية كيانه، وإن كيانه هذ، وبالتالى كيان جميع المخلوقات، إنما هو مستمد من آخر. فى تلك اللحظات التى يحسّ فيها الإنسان أن الوجود يفلت منه، قد يختير بقوة أن هذا الوجود، وكلّ وجود، ليس قائما بذاته، إنما هو قائم فقط بإرادة آخر. لذا فقد تكون هذه اللحظات مناسبة للتوجّه إلى الله ولتقوية الصلة به، وفيما يلى شهادتان على ذلك:

 

النص الأول وُجد فى إحدى ساحات القتال على جثة أحد الجنود، وقد كتبه فى ليلة معركة لقى فيها حتفه، وكان النص موقعا Pv.J.J.V.

{ إسمع يا إلهى، إننى لم أكلمك قط قبل الآن…

ولكننى اليوم أريد أن أقول لك: ” كيف حالك؟”…

لقد قيل لى أنك غير موجود…

وأنا عندئذ، كأبْلَه، صدّقت ذلك…

فى الليلة الماضية، من حفرة القنبلة التى كنت فيه، كنت أرى سماءك…

لذلك تحققت جيدًا أنهم كذبوا علىّ…

لو كلفت نفسى أن أرى كلّ ما صنعت…

لكنت فهمت أنه لا يمكن أن يُنكر وجودك…

 

أتساءل إن كنت تقبل أن تصافحنى…

على كلٍ أشعر أنك ستفهمنى…

إنه لمؤسف أن أكون قد أتيت إلى هذا المكان الجهنمى…

قبل أن يتيسّر لى الوقت الكافى لأعرف وجهك…

لعمرى، أفكّر أنه لم يبق لى شئ كثير أقوله…

لكننى سعيد لأننى صادفتك هذا المساء يا إلهى…

أعتقد أن الساعة ستأتى قريبا…

لكنى أخشى منذ شعرت أنك قريب بهذا المقدار…

 

ها هى الإشارة! يجب أن أذهب يا إلهى!…

إننى أحبك كثيرًا وأريد أن تعرف ذلك…

أنظر، سوف تحدث معركة هائلة…

 

ومن يدرى، يمكن أن آتى إليك فى هذه الليلة!…

رغم أن علاقاتى السابقة لم تكن حسنة…

أتساءل إن كنت ستنتظرنى على عتبة بابك…

أنظر إننى أبكى! غريب أن أزرف أنا دموعا!

آه، ليتنى تعرّفت إليك قبل الآن بكثير!…

 

آه، يجب أن أذهب الآن: الوداع…

إمر غريب! منذ أن تعرّفت إليك لم أعد أخاف الموت }…

* ملحق (2)

أما النص الثانى فهو مقطع من رسالة كتبها الكاتب الروسى الشهير ” بوريس باسترناك” مؤلف كتاب ” دكتور زيفاجو” والحاصل على جائزة نوبل، يصف فيها لأحد أصدقائه أول ليلة قضاها فى المستشفى إثر أزمة قلبية كادت تودى بحياته…

{ فى تلك الليلة التى كانت تبدو لى آخر لحظات حياتى، كنت أريد، بأكثر قوة مما مضى، أن أخاطب الله وأقول له: يا رب أشكرك لأنك جعلت حياتى وموتى على هذا المنوال، لأن صوتك جليل بهذا المقدار، لأنك جعلت منّى فنانا مبدعا تعلم فى مدرستك أنت، لأنك  هيأتنى طيلة حياتى لإستقبال هذه الليلة. لقد كنت سعيدًا إلى حد أننى بكيت }…

 


 

3 – الإيمان والحياة

* الإستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله:

 

كشف الله عن نفسه لى هو كشف شخص لشخص…

كشف شخص الله غير المحدود لشخصى المحدود…

وهذا الكشف لا يتم إلا فى لقاء حبى بين الله وبينى…

واللقاء يتطلّب أن يسعى الشخصان أحدهما إلى الآخر…

الله يسعى دوما إلىّ لأنه يحبّنى…

ولكنه لا يكرهنى على أن أسعى إليه لأنه يحترم حرّيتى…

وكما أن الإنسان إذا أغلق قلبه دون إنسان آخر، لا يستطيع أن يفهمه ولا يحسّ حقيقة بوجوده…

هكذا بالحرىّ الإنسان الذى يعظم نفسه ويكتفى بذاته، ولا يمكنه أن يعرف الله…

 

إذً، لا يكتفى أن يفتش الإنسان بعقله عن الله ليجده…

إنما يطلب منه أن يكون قلبه مستعدًا للقاء الله…

يقول الرب يسوع:

[ طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ ] [ متى 5: 8 ]…

والنقى القلب هو الذى لا غش فيه، أى الإنسان المستقيم، المخلص، الذى يسعى إلى الحقيقة بكل جوارحه والمستعد إلى إقتبال الحقيقة ولو كانت تخالف كبرياءه وأهواءه…

هذا الإنسان مستعد قلبه للقاء الله…

 

كثيرون يعتقدون بأنهم يعرفون الله لأنهم يردّدون كلمات عنه…

ليست هذه سوى معرفة سطحية لا قيمة لها…

المعرفة الحقيقية لله لا تتم إلا فى لقاء حبى يكشف فيه الله ذاته لى…

معرفة الله فى الإنجيل تعنى محبّة الله…

أعرف الله معناه أحبه…

لأن معرفة الله لا تتم خارج محبة الله:

[ الَّذِي يُحِبُّنِي وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي وَأَنَا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي ] [ يوحنا 14: 21 ]…

لذلك يقول آباء الكنيسة أن اللاهوتى هو الذى يصلّى…

إذًا أعلى شهادة فى اللاهوت لا تكفى وحدها لمعرفة الله…

المسيحى البسيط الذى يصلّى حقيقة أى يناجى الله ويرفع إليه روحه يعرف الله أكثر من لاهوتى كبير لا يصلّى بل يكتفى برصف كلام بديع عن الله…

لذا كتب القديس ” غريغوريوس النزينزى” :

{ الحديث عن الله العظيم، ولكن الأفضل أن نطهّر ذواتنا لله }…

 

* الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة:

 

كما أن معرفة الله لا تتم إلا بالإتصال الحياتى به…

هكذا الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة…

لا يُعتبر مؤمنًا ذاك الذى يعترف بوجود الله ولكنه يتصرّف كأن الله غير موجود…

المؤمن ليس ذلك الذى ينادى بفكر الله…

إنما هو الذى يقبل الله إلها له، أى محورًا لكيانه كلّه وموجها ومسيّرًا لحياته…

بهذا المعنى يقول الله عن الذين سوف يقبلونه:

[ سَأَكُونَ لَهُم إِلَها ] [ حزقيال 11: 20 ]…

إنه موضوعيًا إلههم منذ الأزل، شاؤوا أم أبو، إنما يصبح حياتيا إلهم عندما يسلّمون إليه حياتهم كلها…

إبراهيم اعتبر أبا المؤمنين ليس لأنه اعتقد بالإله الواحد وسط شعب وثنى وحسب، بلّ لأنه أسلم حياته لله…

فقبل أن يتخلّى عن أهله وعشيرته وبيئته ومصالحه وعوائده، وأن يخرج متجها إلى مكان مجهول أعدّه الله له…

 

جوهر الإيمان، إذً، أن يصبح الله إلهى،

 أى المرجع المطلق لكل أمورى وأن أطيعه ليس فقط فى تصرفاتى الخارجية بلّ وفى أفكارى ورغباتى…

 

هذا ما تعنيه كلمة ” أرثوذكسية”…

إنها تعنى فى آن واحد ” الاعتقاد المستقيم” و” التمجيد المستقيم”…

وبهذا تعلمنا أن الاعتقاد المستقيم لا يكتمل إلا بتمجيد مستقيم…

تمجيد الله بحياتنا كلها…

[ فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ وتَشْرَبُونَ و تَفْعَلُونَ شَيْئاً فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اَللهِ ] [ 1 كورونثوس 10: 31 ]…

[ فَمَجِّدُوا اَللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ اَلَّتِي هِيَ لِلَّهِ ] [1 كورونثوس 6: 20 ]…

بهذا المعنى أيضا يقول ” فيلاريتوس” مطران موسكو:

{ لن يكون دستور الإيمان لكم إلا إذا عشتموه }…

 

** أسئلة:

1 – ما هى الاستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله لنا؟ ( أنظر مثلاً متى 5: 8 )…

2 – هتل يكتمل الإيمان بدون الحياة؟ هل يعتبر مؤمنا ذاك الذى يعتقتد بالله ولكنه يعيش كأن الله غير موجود؟ هل اعتبر إبراهيم أبا للمؤمنين لأنه اعتقد بالله وحسب؟…

 


 

4 – الإيمان والعلم

* هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟:

 

هذا ما يدّعيه الكثيرون من دعاة الإلحاد…

ولكن هذا الاعتقاد خاطئ من الأساس…

 

أ – لأن العلم والإيمان يعملان على صعيدين مختلفين:

 

فالعلم يهتم بربط حوادث الكون بعضها ببعض ولكنه لا يبحث فى ما هو أبعد من ذلك، أى أصل الكون والإنسان ومصيرهما ومعنى وجودهما لأن ذلك خارج عن نطاقه…

فالعلم مثلاً يصف لنا تطوّر الحياة من أبسط الكائنات حتى الإنسان ولكنه لا يبحث فى أصل المادة التى تطوّرت وفى موجّه هذا التطوّر وفى غايته…

أمّا الإيمان فيعلمنا أن الله أوجد المادة ووجّه تطوّرها وإن غاية التطوّر إيجاد كائن على صورة الله، هو الإنسان، معدّ للإشتراك فى حياة الله نفسها…

فالعلم الذى ينادى بالتطوّر لايخالف بذلك الإيمان الذى يرى فى التطوّر خطة من خطط الله لا يخالف العلم…

 

ب – لأن معظم بناة العلم الحديث كانوا مؤمنين:

 

ولنذكر على سبيل المثال ” نيوتن” الذى كان يرفع قبعته إجلالاً كلما ذُكر اسم الله…

و” كيبلر” و” فاراداى” و” باستير” و” أمبير” الذى كان يردّد أمام صديقه ” أوزانام” :

{ ما أعظم الله }…

ولنذكر بين المعاصرين ” أدينجتون” و” ماكس بلانك” و” لويس لبرنس رنجيه” من أعظم علما الذرة…

ولنذكر أيضصا كاهنين يُعتبران من أقطاب العلم الحديث: ” الأب جورج لوميتر” صاحب نظترية مشهورة فى نشوء الكون هتى نظترية التمدد الكونى…

والأب ” بيار تيار دى شردان” من أعظم العلماء والمفكرين المعاصرين وهو متخصص فى علم التطوّر نادى فى مؤلفاته بأن التطوّر لا يُفهم إلا إذا اعتبرنا الله ألفه وياؤه…

كل هؤلاء كان علمهم مدعاة لتغذية إيمانهم بالله لأنهم تطلّعوا بالعلم على عجائب الكون فرأوا فيها يد الله:

[ مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ  يَا رَبُّ! كُلّهَا بِحكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنَةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ ‏] [ مزمور 104: 24 ]…

 

ج – لأن الاختراعات الحديثة لا تنفى سلطة الله:

 

لأن الإختراعات البشرية الحديثة وسيطرة البشر المتزايدة على الطبيعة لا تنفى  كما يدّعى البعض سلطة الله…

إنما هى بالأحرى إشارة إلى هذه السلطة…

ذلك لأن ما يخوّل الإنسان – وهو جزء من الطبيعة – أن يُدرك مكنونات الطبيعة ويسيطر على طاقاتها بهذا المقدار العجيب، هو كون الله قد خلقه على صورته وجعله مشاركا له إلى حد ما فى سلطته على الكون:

[ وَبَارَكَهُمُ اَللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاَكْثُرُوا وَاِمْلأُوا اَلأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ ‏اَلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ اَلسَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى اَلأَرْضِ ‏] [ تكوين 1: 28 ]…

فسلطة الإنسان على الكون مستمدّة من سلطة الله…

لذ، يجب أن تقوده ليس إلى الإنقتاح والتبجح بلّ إلى التسبيح والشكر لمن وهبه إيّاها حبًا…

هذا ما تفعله الكنيسة فى كلّ قتداس إلهى عندما ترفع إلى الله كذبيحة شكر الخبز والخمر اللذين يمثلان ليس فقط الطبيعة ولكن الصناعة البشرية كلّها التى بواسطتها تمكن الإنسان من إخراج النبات من الأرض وتحويل القمح والعنب إلى خبز وخمر…

فيقبل الآب كل ذلك محولاً إياه إلى جسد ودم ابنه…

 

*** أسئلة:

هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟ هل صحيح أن صعود الإنسان إلى القمر وإرساله صواريخ إلى الفضاء يناقضان سلطة الله؟ أليست سلطة الإنسان على الكون مستمدة بالأحرى من سلطة الله؟ ( أنظر تكوين 1 : 28 )…

 

** ملحق (1)

شهادة إثنين من بناة العلم الحديث:

{ شاهدت الله فى أعماله وفى نواميس الطبيعة التى تثبت أن هناك حكمة وقوة مستقلين عن المادة } [ نيوتن، فلكى ورياضى إنجليزى يُعتبر من أعظم العلماء الذين برزوا فى تاريخ العلم ]…

 

{ أيها الخالق. أباركك لأنك سمحت لى أن أعجب بأعمالك. لقد أتممت رسالة حياتى بالعقل الذى أنت وهبتنيه. أذعت للعالم مجد أعمالك. فإذا كنت بأعمالى التى كان يجب أن تتجه نحوك طلبت مجد الناس فاعف عنّى لصلاحك وحنوك. أيتها الانسجامات السماوية باركى الرب. يا نفسى باركى الرب } [ كيلبر – فلكى ورياضى ألمانى – لقب بمشترع السماء ]…

 

*** ملحق (2)

شهادة رئيس الأساقفة لوقا الروسى الأرثوذكسى وهو الأستاذ والجراح الشهير الدكتور ” فوينويا سنتسكى” حامل جائزة ستالين فى الجراحة والمذكور فى الموسوعة الطبية السوفياتية الكبرى …

وفيما يلى مقطع من خطاب ألقاه سنة 1957 فى ذكرى ميلاده الثمانين:

{ … إنما أريد أن أحدثكم عن جلائل أعمال الله التى ظهرت فى حياتى. وقد علمت أن كثيرين يتساءلون كيف… بعد أن أدركت شهرة العلماء، استطعت الانصراف إلى التبشير بإنجيل المسيح. إن من يفكّر على هذا النحو يرتكب خطأ كبيرً، فهو يفترض أنه لا يمكن التوفيق بين العلم والدين. ومن كان على هذا الرأى، فهو فى ضلال مبين. فإن شواهد تاريخ العلوم تدلنا على أن عباقرة العلماء أمثال جاليلي، ونيوتن، وكوبرنيك الذى أحدث انقلابًا فى المفاهيم الفلكية باعتباره الشمس لا الأرض مركزًا للنظام الشمسى، كان راهبًا ألمانيً، ومانديل الذى اكتشف قوانين الوراثة وأسس علم الوراثة الحديث كان راهبًا تشيكوسلوفاكيًا… كانوا متدينين تدينا عميقا. كما أنى أعرف أن بين أساتذة الجامعات من معاصرينا كثيرون ممن يؤمنون، فالبعض منهم يسألوننى البركة }…

 

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

مدخل إلى العقيدة المسيحية -الإيمان

نشر بواسطة: mechristian في أوت 10, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الأول: فى دستور الإيمان

الفصل الأول: فى دستور الإيمان.

دستور الإيمان النيقاوى القسطنطينى:

Vأولاً: تلاوة دستور الإيمان جزء لا يتجزأ من القداس الإلهى:

ثانيًا: دستور الإيمان يؤكد وحدة الكنيسة:

ثالثاً: وحدتنا فى الإيمان ملتصقة بالمحبة:

رابعًا: الالتزام الشخصى ” أؤمن”:

 


 

الفصل الأول

 فى دستور الإيمان

دستور الإيمان النيقاوى القسطنطينى:

الإيمان: با لحقيقة أؤمن.

الله الآب: بإله واحد، الله الآب، ضابط الكلّ.

الخلق: خالق السماء والأرض، ما يرى وما لا يرى،

يسوع المسيح: وبرب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور

من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، واحد مع الآب فى الجوهر،  الذى به كان كل

شئ، الذى من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من  السماء،

التجسد: وتجسّد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنّس،

الفداء: وصُلِب عنّا على عهد بيلاطس البنطى، وتألّم، وقُبر، وقام من بين الأموات فى اليوم الثالث كما فى الكتب، وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين الآب،

الدينونة: وأيضًا يأتى فى مجده ليدين الأحياء والأموات، الذى ليس لملكه إنقضاء،

الروح القدس: نعم أؤمن بالروح القدس، الرب المحيى، المنبثق من الآب قبل كل الدهور،

الثالوث القدوس: نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق فى الأنبياء،

الكنيسة: وبكنيسة واحدة، مقدسة، جامعة، رسولية،

المعمودية: واعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا

القيامة: وأنتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتى.

 

هذا الدستور ( القانون ) للإيمان وُضع على مراحل حسب ظهور الهرطقات واضطرار الكنيسة للدفاع عن إيمانها…

وقد سُمّى بالنيقاوى القسطنطينى لأن قسما منه وُضع فى المجمع المسكونى الأول الذى انعقد السنة ال 325 فى نيقية…

ثم اُكمل فى المجمع المسكونى الثانى الذى انعقد السنة ال 381 فى القسطنطينية…

 

منذ العهد الرسولى تضمنت العبادة المسيحية الاعتراف العلنى ببعض عناصر مقومات الإيمان وخاصة عند الاستعداد لسرّ المعمودية وإقامته…

 

وفى شرقنا المسيحى دخل دستور الإيمان النيقاوى القسطنطينى خدمة القداس الإلهى كجزء رئيسى منه فى القرن الرابع، وتصدّر الكلام الجوهرى…

 

يُستهل دستور الإيمان بكلمة ” أؤمن” وليس ” نؤمن” ليظهر للشعب المسيحى قيمة الالتزام الشخصى لكل عضو فى الكنيسة…

لذلك يجب أن لا نتلو دستور الإيمان تلاوة هامشية وأن نوكل ذلك إلى أى كان دون اشتراكنا الفعلى بذلك إذ المطلوب من كل مؤمن قبل اشتراكه فى تناول القدسات أن يتبنّى إيمان الكنيسة وأن يلتزمه شخصيًا…

” أؤمن” هذا يعنى أنّى أنا فلان الحاضر فى هذه الكنيسة أؤمن أى أتبنى لا بشفتى فقط ولكن بكل كيانى هذه الكلمات التى وضعها آباء الكنيسة وسكبوا فيها الحقيقة المعلن عنه، جاعلينها بعملهم هذا فى متناول كل عقل مستنير بالإيمان بيسوع…

 

ولقد قال المطران ” فيلاريتوس”، مطران موسكو فى القرن الماضى، فى هذا الصدد:

” ما دام إيمانكم محفوظا فى الكتاب المقدس وفى دستور الإيمان فهو مِلْكٌ لله وأنبيائه ورسله وآباء الكنيسة، إنه ليس لكم ولن تبدؤوا فى اكتسابه إلا عندما يتملك على أفكاركم وذاكرتكم …”…

 

ومن أجل الوصول إلى حالة كهذه علينا أن نسعى جهدنا لفهم الحقائق المُعبّر عنها فى دستور الإيمان ونسمح لها بالتغلغل فينا فتؤثر الكلمات التى نرددها ونسمعها فى القداس الإلهى فينا عميقا وتحولنا إلى أعضاء راشدين واعين لكنيسة المسيح…

 

وهذا ما هدفنا إليه فى الكتاب الذى بين أيديكم…

 

ولكن لا بدّ قبل الغوص فى ثنايا الكتاب من إبداء بعض الملاحظات التى نعتبرها هامة لفهم صحيح للعقائد المسيحية ولدستور الإيمان:

أولاً: تلاوة دستور الإيمان جزء لا يتجزأ من القداس الإلهى:

إن تلاوة دستور الإيمان جزء لا يتجزأ من القداس الإلهى…

هى تعبير عن قبول الجماعة للكلمة الإلهية وإعلان إيمانها بهذه الكلمة التى سمعوها عبر الرسالة والإنجيل فى القسم الأول من القداس ( قداس الموعوظين )…

وهى كذلك تأكيد لإرادة الجماعة فى أن تصبح جسدًا واحدًا بتناولها الكلمة الإلهية فى سرّ الشكر…

إذن، فتلاوة قانون الإيمان عمل ليتورجى، نشيد من أناشيد التسبيح فى الحياة الطقسية…

 

العقدة والتسبيح مشدودان إلى بعضهما بعُرى لا تنفصم:

” من يصلى فهو لاهوتى، واللاهوتى هو الذى يصلّى” قال الآباء قديما…

إذًا لا يمكننا أن نتعرّف على الحقيقة الكامنة فى عقيدة ما بالتحليل العقلانى الصرف – فالعقل لا يمكنه أن يحصر الألوهة وأسرارها…

ولكن يمكننا ذلك بالتسبيح والتأمّل…

بالرجاء الكلّى فى رحمة الله وهو يكشف لنا حينئذ ذاته ويساعدنا على فهم سرّ محبّته…

يقول أحد الآباء:

” ليس المهم أن نتكلّم عن الله وعن حقيقة الله، بلّ المهم الأهم هو أن ندع ذواتنا تتطهّر بالله فتمتلئ منه ومن حقيقته”…

 

اللاهوتى الحق، فى المفهوم الشرقى، هو القديس، لأن القديس قد حقق شركته مع الله…

 

السعى إلى الله أساس الدين المسيحى…

ودراسة دستور الإيمان ليست دراسة ميتافيزيقية، بل هى سعى صامت محبّ ودؤوب يعبق بالتسبيح…

سعى إلى الحقيقة المعلنة من الله والمُعَبّر عنها بالمسيح يسوع ابنه والمحيية لنا فى الكنيسة بروحه القدوس…

    ثانيًا: دستور الإيمان يؤكد وحدة الكنيسة:

 

دستور الإيمان يؤكد أن وحدة الكنيسة هى، فى الأساس، وحدة فى الإيمان…

والجماعة التى يشدّها إيمان واحد إنما تعبّر عن إيمانها جماعيًا مما يؤدى إلى صون وحدتها وإعلانها للملء…

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤمنين فى القرون الثلاثة الأولى لم يكونوا فى حاجة إلى التعبير عن إيمانهم بواسطة دساتير للإيمان…

ولكن دفعهم إلى ذلك ظهور الهرطقات…

 

يقول هيلاريوس فى القرن الرابع:

” إن شر الهراطقة والمجدّفين يدفعنا إلى القول بالمحرّمات، كأن نتسلّق القمم التى لا تُطال ونتكلّم فى أمور لا يُنطق بها ونلجا إلى تفاسير ممنوعة. كان علينا الاكتفاء بأن نتمم بالإيمان وحده ما أمرنا به السيد: أن نسجد للآب ونكرم الابن معه وأن نمتلئ من الروح القدس. ويا للأسف فنحن الآن مضطرون لوصف الأسرار الفائقة الوصف. أن خطيئة الآخرين تسقطنا نحن فى هذه الخطيئة: أن نُعَرّض الأسرار إلى متناقضات ” قصور” لغة البشر، بينما هى وجدت لنخدمها فى سكون قلوبنا”…

 

هذا يعنى أن تشويه الهراطقة للحقيقة المسلّمة إلى الرسل فرض على الكنيسة وضع معتقداتها فى قوالب بشرية مع إدراكها تمام الإدراك أن الكلمات عاجزة كل العجز عن إحتواء الحقيقة كلها والتعبير عنها كليا…

 

هذا الوضع جعل العقائد المسيحية تحوى – حسب الظاهر – تناقضات لا حصرلها…

فمثلاً نقول بأن الله واحد وإنه فى الوقت ذاته مثلث الأقانيم…

ونعترف بأن الله لا يُدنى منه وندعو فى الآن ذاته إلى حياة الشركة مع الله…

ونٌقرّ بأن المسيح إله وإنسان فى آن…

ونقول عن الكنيسة أنها منظورة وغير منظورة كذلك إلخ…

 

كل هذه التناقضات – ظاهريًا – تعبّر مجتمعة عن الحقيقة…

لكن الجمع بينها لا يتم على المستوى العقلى بلّ على مستوى الخبرة الروحية…

وهذا هو معنى السر فى المسيحية…

إنه ليس نظرية صعبة الفهم والادراك، ولكنه حياة نحن مدعوون لاختبارها فى جماعة المؤمنين الواحدة، أعنى بها الكنيسة…

وكلما ازداد اختبارنا لحياة الكنيسة وجدناها أكثر وأعمق…

     ثالثًا: وحدتنا فى الإيمان ملتصقة بالمحبة:

وحدتنا فى الإيمان ملتصقة بالمحبة وملازمة لها…

وهذه الوحدة تؤهلنا للوصول إلى وحدة الحياة الحقة فى اشتراكنا بالمسيح فى سرّ الشكر…

وهذا واضح فى القداس الإلهى إذ ياتى دستور الإيمان مباشرة بعد دعوة الكاهن جميع المؤمنين لممارسة المحبة قائلاً:

” لنحب بعضنا بعضً، لكى بقلب واحد، نعترف مقرين بآب وابن وروح قدس ثالوثًا متساوى الجوهر وغير منفصل”…

وهذا يعنى أن جماعة المسيحيين المتحدة بالمحبّة على صورة الثالوث القدوس هى وحدها مؤهلة ومدعوة لإعلان الإيمان الواحد…

 

المحبة الحقيقية توأمان لا ينفصلان…

لا حقيقة معاشة دون المحبّة وخارجها…

ولا محبّه حقة خارج الحقيقة…

     رابعًا: الالتزام الشخصى ” أؤمن”:

 

أخيرً، يذكرنا الالتزام الشخصى المنوه عنه فى كلمة ” أؤمن” بدعوة دستور الإيمان لنا إلى الالتصاق بهذا التدبير الإلهى الذى يسرد أحداثه وإلى تغيير ذواتنا لكى نصبح سفراء للمسيح وشهودًا له فى هذا العالم…

 

وبذلك تصبح الكنيسة الجامعة خادمة للعالم الحاضر كما كان سيدها…

وهذا جلىّ فى تسلسل القداس الإلهى:

v     وحدتنا فى المحبة تؤهلنا لأن نعبّر عن إيماننا الواحد..

v     تعبيرنا عن إيماننا الواحتد يؤهلنا للاشتراك فى الكأس الواحدة…

v     اشتراكنا فى الكأس الواحدة وسكنى المسيح فى قلوبنا يؤهلنا للتفتيش عن المسيح وخدمته فى كل مواضه سكنه، أى أيضًا فى الإنسان الآخر وفى العالم، مؤكدين بذلك أن سرّ الشكر لا يكتمل فعله فينا إلا إذا أوصلنا إلى المناولة فى ” سرّ القريب” كما يقول القديس بوحنا ذهبى الفم…

Posted in عقيدة مسيحية | Leave a Comment »