عودة الشرق الأوسط للمسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ يَهْوِه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

Archive for the ‘إسلاميات عامة’ Category

الرق في الاسلام – كامل النجار

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 12, 2007

 

منذ أمد بعيد في التاريخ والرق معروفٌ لدى كافة الشعوب وفي كل القارات. وكان المصدر الرئيسي للرق هو الحروب التي لا بد ان يكون فيها هازم ومهزوم. والمهزوم كان مصيره ان يُستعبد ويصير اليد العاملة في الحقل او الرعي ان كان رجلاً، او خادماً بالبيت، خاصة اذا كان أمرأة. وبعض النسوة المملوكات اصبحن اداة للمتعة الجنسية للمالك. ومع تقدم الانسان ونشوء الدول والجيوش التي تدافع عن هذه الدول، ازداد الطلب لامتلاك العبيد للقيام بكافة الاعمال التي كان يقوم بها الرجال الاحرار قبل انضمامهم للجيش وانشغالهم بالحروب. وكانت الامبراطورية الرومانية خير مثلٍ لما نقول، فعندما اتسعت رقعة الامبراطورية وشملت معظم اجزاء العالم المعروف في تلك الايام وانتشر الجيش الروماني في تلك البلاد، قل عدد الرجال الباقين في روما، مما اضطر الدولة للاعتماد علي العبيد للقيام بكافة الاعمال.

  حتى الجيش الروماني نفسه كان اعتماده علي العبيد كبيراً اذ احتاجهم في سفن الاسطول الحربي التي كانت تعتمد في حركتها على المجاديف اذا لم تكن الريح كافية لدفعها. ومع اكتشاف اميريكا وانتشار زراعة القطن بها احتاج الرجل الابيض لعدد كبير من الايدي العاملة لزراعة وحصد القطن، فغزا تجارهم السواحل الافريقية لاصطياد الافارقة وبيعهم في اميريكا واوربا كعبيد.

 والجزيرة العربية بحكم قرب شواطيها من افريقيا جلب تجارها العبيد من تلك القارة ومن اجزاء اخري من العالم. فكان مثلاً لبني مخزوم الاثرياء جملة جواري يونانيات، كما كان للعباس عم النبي جوار يونانيات كذلك. واُشير الى وجود جواري فارسيات، وكان هذا الرقيق الابيض ذكوراً واناثاً من جنسيات متعددة، منهم من كان من اصل رومي، ومنهم من كان من عنصر اوربي، ومنهم من كان من اهل العراق مثل نينوى وعين التمر، ومنهم من كان من بلاد الشام او من اقباط مصر [1]. وقد كانت هناك بمكة كذلك جالية كبيرة من العبيد عُرفوا ب” الاحابيش“. وبينهم عدد كبير من النصارى استوردوا للخدمة وللقيام بالاعمال اللازمة لاثرياء مكة.[2]

 وعند ظهور الاسلام كانت كل الاسر المعروفة في مكة تملك عبيداً. وقد رأينا ان اول من آمن بمحمد كانوا خمسة أعبدٍ وخديجة وابو بكر.  والرسول نفسه كان له عدة عبيد وإماء، ذُكر منهم: أسامة بن زيد بن حارثة، وأمه وكان اسمها بركة، كانت حاضنة رسول الله في صغره، ومنهم  ابو رافع القبطي ومنهم أيمن بن عبيد بن زيد الحبشي ومنهم ثوبان بن يُجدد ويُقال له ابو عبد الكريم ومنهم حنين وهو جد ابراهيم بن عبد الله بن حنين، ومنهم رافع او ابو رافع ويقال له ابو البهي، ومنهم رباح الاسود ومنهم رويفع ومنهم زيد بن حارثة الكلبي ومنهم زيد ابو يسار، ومنهم سفينة ابو عبد الرحمن وهذا لقب اعطاه إياه الرسول، ومنهم سلمان الفارسي ومنهم شُقران الحبشي ومنهم  ضُميرة بن أبي ضُميرة الحميري ومنهم عُبيد مولى النبي ومنهم فضالة ومنهم قفيز وكركرة وكيسان ومابور القبطي الخصي ومنهم مدعم وكان اسود من مولدي حسمي بارض الشام ومنهم مهران أو طهمان وميمون ونافع ونُفيع وواقد وهشام مولي النبي ويسار ويقال انه الذي قتله العرنيون ومثلوا به، ومنهم ابو الحمراء وابو سلمى راعي النبي وابو ضميرة وابو عسيب وابو كبشة الانماري وابو مويهبة. وكان له عدد كبير من الاماء.

 وبعد الهجرة الى المدينة وابتداء الغزوات زاد عدد الاماء والعبيد الذين اُسروا في المعارك. وفي أيام الدولة الاموية عندما امتدت اطراف الدولة الاسلامية الى افريقيا والاندلس واوربا، رجعت الجيوش العربية بكميات هائلة من الجواري والعبيد، ويقال انه بعد فتح اسبانيا رجع بعض الجنود ومعهم خمسة وعشرون ألف فتاة اسبانية هديةً للخليفة الاموي.

ورغم ان الاسلام حاول تشجيع المسلمين على اعتاق عبيدهم بجعله تحرير رقبة مكان الكفارة عن عدة معاصي، فمثلاً في الآية 92 من سورة النساء نجد: ” وما كان لمؤمن ان يقتل مؤمناً الا خطأً ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبة مؤمنة“. وفي سورة المائدة، الآية 89: ” لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته اطعام عشرة مساكين من اوسط ما تطعمون اهليكم او كسوتهم او تحرير رقبة“. وسورة المجادلة، الآية الثالثة تقول: ” والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل ان يتماسا“. الا انه في نفس الوقت شجعهم على امتلاك عدد متزايد من العبيد والاماء بجعل الجهاد في سبيل الله فريضة على كل مسلم قادر على حمل السلاح. وكما ذكرنا سابقاً فان الحروب التي خاضها المسلمون لنشر الاسلام جلبت لهم عدداً من العبيد والاماء يفوق عدد الذين اعتقوا.

 ومعاملة الاسلام  للعبيد في النواحي الشرعية لا تساويهم باخوانهم واخواتهم المسلمين الاحرار رغم ان الاحاديث النبوية تقول: ” لا فرق بين عربي وعجمي الا بالتقوى” وكذلك ” المسلمون سواسية كاسنان المشط”. فنجد اختلافاً بيناً في القصاص. ففي الآية 178 من سورة البقرة نجد: ” يايها الذين آمنوا كُتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى“. فحياة العبد لا تساوي حياة الحر، فلو قتل حرٌ عبداً لا يُقتل الحر بالعبد، ولكن يُقتل العبد اذا قتل حراً. أما الاماء فلا تساوي الواحدة منهن، حتى المسلمة، الا نصف الحرة حتى في العقاب. فالمرأة الحرة كلها عورة ولا يجوز ان تكشف اي جزء من جسمها غير وجهها ويديها، اما الامة فعورتها من سرتها الى ركبتيها، ولذا يجوز لها ان تكشف صدرها ان ارادت. والأمة اذا طُلقت او مات زوجها فعدتها نصف عدة الحرة. والأمة او العبد لا يتزوجوا الا بإذن سيدهم. وألأمة اذا كانت متزوجة وباعها سيدها، تُعتبر طالقةً من زوجها وليس له الحق في الاعتراض.

 والآية 25 من سورة النساء تخبرنا عن الاماء: ” فاذا أُحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب“. وعليه اذا زنت ألأمة لا تُرجم حتى وان كانت متزوجة بل تُجلد خمسين جلدةً، ويُقاس عليهن العبيد كما يقول تفسير الجلالين[3]. وأما نكاح الاماء فمباح للسيد متى ما شاء واي عدد من الاماء شاء. ومن لم يستطع من المسلمين نكاح المحصنات المؤمنات لعدم مقدرته مادياً فلينكح أمةً بإذن اهلها، ولكن هذا غير مستحب لان اولاده منها يكونون ملكاً لسيدها.

 والعرب عامةً كانوا يعتبرون العبيد اقل منهم شأناً، فقد روى النسائي عن أنس قال: لما جاء نعي النجاشي ملك الحبشة، قال الرسول (ص) : ” صلوا عليه”، قالوا: يا رسول الله، نصلي على عبدٍ حبشي؟[4] رغم ان النجاشي آواهم واطعمهم لما كانوا مستضعفين بمكة،  وهاجروا اليه ليحميهم من قريش ولم يقولوا وقتها انه عبد حبشي. وفي حديث للنبي انه قال: ” أطيعوا أولو ألامر فيكم ولو كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة “.  “ولو” اصلاً حرف امتناعٍ لأمتناع، وهذا يعني انه أمتنع ان يكون ولي الأمر فيكم لكونه عبدٌ حبشيٌ رأسه كالزبيبة. والحديث يعني انه حتى لو صار ولي الامر فيكم احقر شخص بينكم، وهو العبد الحبشي، اطيعوه.

 وقد يفهم الانسان ان المجتمعات التي تحكمها القوانين الوضعية قد اباحت الرق في فترة من تاريخها، لكن كل هذه البلاد قد حرمت الرق في القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن الاسلام دين سماوي من عند الله، الذي خلق كل الناس من آدم وحواء وجعلهم متساوين، والخليفة عمر بن الخطاب قال: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احراراً، فكيف يبيح دين سماوي الرق؟ وفي اعتقادي ان التشجيع على اعتاق رقبةٍ مؤمنة لا يتساوى مع تحريم الرق، وكان يجب على الاسلام ان يحّرم الرق بالنص. والجدير بالذكر ان الدول العربية لا تحرم الرق في دساتيرها وان كانت لا تمارسه، وإن كان لا يزال ممارساً في موريتانيا والسودان، لان الرق مسموح به في الاسلام.

 والجدير بالذكر أنه وفقاً للأنباء المتسربة من موريتانيا مؤخراً يبدو أن البلد يعاني حالياً من صراع داخلي بسبب مؤسسة الرق والمحاولات الجارية لإلغائها. يبدو كذلك أن القطاع الحديث و”المتغرب” (اللجنة الوطنية للخلاص الوطني) هو الذي اتخذ القرار بإلغاء العبودية، مما يشكل قطعاً مع الموروث الثقافي الإسلامي، وإن القطاع التراثي العضوي في المجتمع هو الذي يقاوم هذا الإجراء التحديثي ويطالب الحكومة بدفع التعويضات لسادة العبيد (وليس للعبيد طبعاً) والعبد الذي يهرب من سيده يعاد إليه قسراً إستناداً إلى فتوى إسلامية رسمية ملزمة. (أنظر السفير اللبنانية في 7/7/1980)

وفي القرن التاسع عشر عندما ابتدأ الانجليز يضغطون على البلاد التي كانت تمارس الرق ليحملوهم على تحريمه، كتب سلطان المغرب: ” تجارة الرقيق أمر اتفقت عليه جميع المذاهب والامم من زمن ابينا آدم حتى اليوم. وانا لا اعتقد ان هناك اي أمة او مذهب حرمها، وحتى مجرد ان يفكر شخص ان تجارة الرقيق غير أخلاقية، فأمر عجيب. ولا يحتاج احد ان يسأل هذا السؤال لان الاجابة عليه باينة للعالي والواطي ولا تحتاج لتبيان اكثر مما يحتاج ضوء الشمس لتبيان“[5]

—————————–

1) المشرق: السنة الخامسة والثلاثون، 1937 ص 88 وما بعدها

2) تاريخ العرب قبل الاسلام، المجلد الخامس ص 202 (مصدر سابق)

3) تفسير الجلالين، ص 82

4) نفس المصدر ص 114

5) Bernard Lewis, Race and Slavery in the Middle East ( Oxford University  Press), p 108

Posted in إسلاميات عامة, الارهاب الإسلامي | Leave a Comment »

الثالوث في الإسلام ( اسكندر جديد) -بتصرف

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 11, 2007

لعل الخلاف الأكبر في الحوار بين المسيحيّة والإسلام :

هو الخلاف القائم على اعتقاد المسيحيين بألوهية المسيح ,الأمر الذي يحسبه الإسلام كفراً. وقد اعترض عليه بعدة آيات من القرآن،أبرزها أربع ,وردت في سورة المائدة ,وآية خامسة في سورة النساء :

1– لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ا بْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ا بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً – المائدة 5 :17 – .

2– لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ا بْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ا عْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِا للَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ – المائدة5 :72 – .

3– لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ – المائدة 5 :73 – .

4– وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ا تَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ – المائدة 5 :116 – .

5– يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ا بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ فَا~مِنُوا بِا للَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ا نْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِا للَّهِ وَكِيلاً – النساء 4 :171 – .

ومن يتأمل هذه الآيات في ضوء تفاسير علماء الإسلام يلاحظ أن هذه النصوص تحارب تعليماً يحمل معنى الإشراك بالله وتعدّد الآلهة وعبادة البشر. ولكن المسيحيّة لا تعلّم بالإشراك ولا بتعدّد الآلهة ولا بعبادة البشر ,بدليل قول المسيح

: لِلرَّبِّ إِلهكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ – متى 4 :10 – .

لعل من يقرأ المائدة 5 :116 يتصور أن المسيحيين يؤلهون مريم العذراء

,وهذا غير صحيح. والواقع أن السؤال الموجَّه إلى المسيح هنا ,نشأ من وجود أهل بدعة عند ظهور الإسلام.

هم أناس وثنيون حاولوا الالتصاق بالكنيسة ,فنادوا ببدعة مفادها أن مريم العذراء إلهة. ويقول المؤرّخون إنهم استعاضوا بها عن الزهرة التي كانوا يعبدونها قبلاً. وقد أطلقوا على أنفسهم اسم المريميين

وأشار اليهم العلاّمة أحمد المقريزي في كتابه القول الإبريزي صفحة 26.

وذكرهم ابن حَزْم في كتابه الملل والاهواء والنحل صفحة 48.

ولكن هذه البدعة بعيدة كل البُعد عن المسيحيّة. وليس هناك مسيحي واحد يؤمن بها. وقد انبرى العلماء المسيحيون وقتها لمقاومة هذه الضلالة بكل الحجج الكتابية والعقلية ,ولم ينته القرن السابع حتى كانت قد تلاشت.

وكذلك المسيحيّة لا تعلّم بأن المسيح إله من دون الله ,بل تؤمن بأن الآب والابن إله واحد ,بلا تعدّد ولا افتراق. وقد أكّد المسيح ذلك بقوله : أَنَا وَالْآبُ وَاحِدٌ,,, أَنِّي فِي الْآبِ وَالْآبَ فِيَّ – يوحنا 10 :30 ,14 :11 – .

أما قول القرآن : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة والذي يستند عليه أعداء المسيحيّة :

فقد قيلت بطائفة المرقونيين الذين لفظتهم الكنيسة وحرمت أتباعهم ,لأنهم علَّموا بتثليث باطل ,ونادوا بثلاثة آلهة وهم :

أ – عادل, أنزل التوارة

– ب – صالح : نسخ التوراة

– ج – شرير ,وهو إبليس

كما أن الإسلام في نصوصه هذه ,حارب طائفتي المانوية والديصانية اللتين تقولان بإلهين أحدهما للخير وهو جوهر النور ,والثاني للشر وهو جوهر الظلمة.

إذاً فالإسلام لم يحارب عقيدة الثالوث المسيحيّة الصحيحة ,كما يتوهم البعض. ولهذا لا أعتبر أن آيات القرآن المقاومة لتعدد الألهة كانت موجَّهة ضد المسيحيّة.

وحين نتتبع هذا الموضوع في الكتب الإسلامية ,نرى أن علماء المسلمين بحثوا في عقيدة الثالوث

وهذه هي تعليقاتهم على قول القرآن : ولا تقولوا ثلاثة – النساء 4 :171 – .

1– تفسير الزمخشري: يقولون: هو جوهر واحد, ثلاثة أقانيم.

إن صحت الحكاية عنهم أنهم يقولون : هو جوهر واحد ,ثلاثة أقانيم : أقنوم الآب وأقنوم الابن وأقنوم روح القدس ,وأنهم يريدون بأقنوم الآب الذات وبأقنوم الابن العلم وبأقنوم روح القدس الحياة فتقديره – الله ثلاثة – . وإلاَّ فتقديره – الآلهة ثلاثة – . والذي يدل عليه القرآن التصريح منهم بأن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة وأن المسيح ولدُ الله من مريم. ألا ترى إلى قوله : أأنت قلت للناس : اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ! وحكاية الله أوثق من حكاية غيره .

وقد علَّق كاتب مسيحي حكيم على تفسير الزمخشري بقوله : نعم ,إن حكاية الله أوثق من حكاية غيره. لكن القرآن حكى في تلك الآية لتفسير الثلاثة مقالة بعض النصارى من جهال العرب في تثليثهم الكافر الذي كفَّرته المسيحيّة قبل القرآن. فجاء الزمخشري وجعل من ذلك التثليث المنحرف تثليث المسيحيّة ظلماً وعدواناً ,مع أنه ينقل التثليث المسيحي الصحيح بتعبيره الصريح : الله ثلاثة : جوهر واحد ,ثلاثة أقانيم . ولماذا يشك في صحة قولهم الذي يورده عنهم ,وينسب اليهم قولاً كافراً هم منه براء؟ انه يفتري على القرآن وعلى المسيحية إذ يقول : وحكاية الله أوثق من حكاية غيره .

2– تفسير البيضاوي: الله ثلاثة أقانيم: الآب والابن وروح القدس.

ولا تقولوا : ثلاثة! أي الآلهة ثلاثة : الله والمسيح وأمه. ويشهد عليه قوله : أأنت قلت للناس : اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟أو الله ثلاثة إن صحَّ انهم يقولون : الله ثلاثة أقانيم ,الآب والابن وروح القدس ,ويريدون بالآب الذات وبالابن العلم وبروح القدس الحياة .

والمسيحيون يسألون البيضاوي وأمثاله : لماذا هذا الشك من مقالتهم التي بها يجهرون؟ ولماذا الافتراء عليهم بنسبة مقالة كافرة من بعض جهال الجاهلية ,الى المسيحيّة جمعاء ,وهي منها براء؟

فالبيضاوي ينقل أيضاً صيغة التثليث الصحيح ولا يكفِّرها ,بل يكذب عليها مثل غيره ,اعتماداً على ظاهر القرآن في ما لا يعني المسيحيّة بشيء.

3– تفسير الرازي: صفات ثلاث فهذا لا يمكن انكاره.

الرازي مفسّر متكلّم. وهو يتعرّض لصيغة التثليث المسيحي ويطبق عليها تكفير القرآن للثلاثة ,لتفسيره الخاطيء :

قوله – ثلاثة – خبر مبتدأ محذوف. ثم اختلفوا في تعيين ذلك المبتدأ على وجوه :

الأول : ما ذكرناه ,أي ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة. المعنى لا تقولوا : إن الله سبحانه هو واحد بالجوهر ,ثلاثة بالأقانيم. واعلم أن مذهب النصارى مجهول جداً ,والذي يتحصل منه أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاث. إلاَّ أنهم سمُّوها صفات ,وهي في الحقيقة ذوات قائمة بأنفسها. فلهذا المعنى قال : ولا تقولوا : ثلاثة. انتهوا . فأما إن حملنا الثلاثة على أنهم يُثبتون صفات ثلاث فهذا لا يمكن إنكاره. وكيف لا نقول ذلك ,ونحن نقول : هو الله الملك القدوس السلام العالِم الحي القادر المريد . ونفهم من كل واحد من هذه الألفاظ غير ما نفهمه من اللفظ الآخر. ولا معنى لتعدد الصفات إلاَّ ذلك. فلو كان القول بتعدّد الصفات كفر ,لزم ردّ جميع القرآن ,ولزوم ردّ العقل ,من حيث نعلم بالضرورة أن المفهوم من كونه تعالى عالماً ,غير المفهوم من كونه حياً.

الثاني : آلهتنا ثلاثة ,كما قال الزجّاج مستشهداً بآية المائدة – 5 :116 – .

الثالث : قال الفرّاء : هم ثلاثة كقوله : سيقولون : ثلاثة . وذلك لأن ذكر عيسى ومريم مع الله بهذه العبارة يوهم كونهما إلهين .

ويعلق الكاتب المسيحي الحكيم ,الذي اقتبسنا منه بقوله : ونحن لا يعنينا التفسير اللغوي للمبتدأ المحذوف. إنما يهمنا تفسير الرازي لمقالة المسيحيين في التثليث. فهو يرد الأقانيم الثلاثة لأنها في الحقيقة ذوات قائمة بأنفسها .

وهذا هو غلطه في فهم العقيدة المسيحيّة. فليست الأقانيم الثلاثة في الله ذوات قائمة بأنفسها ,انما ذوات قائمة في

جوهر الله الفرد .

والتثليث المسيحي هو كما وصفه الرازي : أنهم أثبتوا ذاتاً موصوفة بصفات ثلاث .

والمسيحيون يسمون هذه الصفات الإلهية الثلاث : الأبوة والبنوّة والروحانية في الله أقانيم لتمييزها عن سائر صفات الله. فتلك الأقانيم الثلاثة هي صلات ذاتية كيانية لا محض صفاتية وهي قائمة في الجوهر الإلهي الفرد. لذلك نردّ على الرازي قوله : فأما إن حملنا الثلاثة ويجب أن نحملها على أنهم يثبتون صفات ثلاث ,فهذا لا يمكن إنكاره… فلو كان القول بتعدد الصفات كفر ,لزم رد جميع القرآن ,ولزم رد العقل .

فالمسيحيون يثبتون في الله ذاتاً موصوفة بصلات ذاتية كيانية ثلاث ,يسمّونها الآب والكلمة والروح.

هذا هو التثليث المسيحي الصحيح الذي لمحه الرازي وابتعد عنه لعقدة في نفسه.

وهذا ما يثبته المسيحيون من صلات ذاتية ,أو صفات كيانية ,في الله. فمن أنكرها لزمه ردّ القرآن ,ولزمه رد العقل ,لأن هذا التثليث الصحيح من صميم التوحيد.

4– تفسير الغزالي: وهو ينصف المسيحيّة في عقيدتها التثليثية. قال حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه الرد الجميل ص 43 , يحلّل التثليث المسيحي : يعتقدون أن ذات الباري واحدة. ولها اعتبارات :

1فإن اعتُبرت مقيَّدة بصفة لا يتوقف وجودها على تقدم وجود صفة قبلها كالوجود, فذلك المسمَّى عندهم بأقنوم الآب. وان اعتُبرت موصوفة بصفة يتوقفوجودها على تقدم وجود صفة قبلها ,كالعلم فإن الذات يتوقف اتّصافها بالعِلم على اتّصافها بالوجود فذلك المسمَّى عندهم بأقنوم الابن أو الكلمة. وان اعتُبرت بقيد كون ذاتها معقولة لها ,فذلك المسمَّى عندهم بأقنوم روح القدس.

فيقوم اذن من الآب معنى الوجود ,ومن الكلمة أو الابن معنى العلم ,ومن روح القدس كون ذات الباري معقولة له. هذا حاصل هذا الاصطلاح فتكون ذات الإله واحدة في الموضوع ,موصوفة بكل أقنوم من هذه الأقانيم.

2ومنهم من يقول: ان الذات, إن اعتُبرت من حيث هي ذات, لا باعتبار صفة البتة, فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن العقل المجرد, وهو المسمَّى عندهم بأقنوم الآب. وان اعتُبرت من حيث هي عاقلة لذاتها ,فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن معنى العاقل ,وهو المسمى بأقنوم الابن أو الكلمة. وإن اعتُبرت بقيد كون ذاتها معقولة لها ,فهذا الاعتبار عندهم عبارة عن معنى المعقول ,وهو المسمى بأقنوم روح القدس.

فعلى هذا الاصطلاح يكون العقل عبارة عن ذات الله فقط ,والآب مرادفاً له ,والعاقل عبارة عن ذاته بقيد كونها عاقلة لذاتها ,والابن أو الكلمة مرادف له ,والمعقول عن الإله عبارة عن الإله الذي ذاته معقولة له ,وروح القدس مرادف له.

هذا اعتقادهم في الأقانيم : وإذا صحَّت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ ,ولا في اصطلاح المتكلمين .

ويعلّق الكاتب الحكيم على أقوال الغزالي فيقول :

فالغزالي يشهد للمسيحيين بالتوحيد. ويشهد لهم بصحة اصطلاحهم في تفسير التثليث في التوحيد ,بناءً على الاعتبارين اللذين ساقهما عنهم : الأول على اعتبار الأقانيم في الله صفات ذاتية ,في الذات الإلهية الواحدة ,والثاني على اعتبار الأقانيم في الله أفعالاً ذاتية في الذات الإلهية الواحدة.

والقول الصحيح الذي يجمع الأفعال الذاتية والصفات الذاتية ,في الله الواحد الأحد ,

كونها صلات كيانية بين الله الآب وكلمته وروحه ,في الجوهر الإلهي الفرد .

وقد أنصف الغزالي التثليث المسيحي في هذا الحكم : إذا صحت المعاني فلا مشاحة في الألفاظ ,ولا في اصطلاح المتكلمين . والمعاني قد صحَّت ,بحسب التنزيل الإنجيلي ,والكلام المسيحي الذي يفصّله.

مطابقة الأشعرية للمسيحيّة

الأشعرية هي مذهب أهل السنّة والجماعة في الإسلام. ومقالتها في مشكل الذات والصفات في الله ,هي أصحّ تعبير لحقيقة الأقانيم الثلاثة في الله.

كانت الصفاتية تقول : صفات الله هي غير ذاته ,مما يقود إلى القول بقديمين. فجاءت المعتزلة تقول : صفات الله هي عين ذاته مما يقود إلى التعطيل في الله. وقامت الأشعرية تقول بمنزلة بين المنزلتين : الصفات في الله ليست هي عين الذات ,ولا هي غيرها ,إنما هي في منزلة بين المنزلتين . وكيف يكون ذلك؟ هذا سر الله في ذاته. وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً – الإسراء 17 :85 – .

والتعبير الأشعري ,وهو قول الإسلام في الذات والصفات ,أصحّ تعبير للتثليث المسيحي : إن الأقانيم الثلاثة في الله الواحد الأحد صفات ذاتية ,بل صلات كيانية ليست هي عين الذات ولا هي غيرها ,انما هي في منزلة بين المنزلتين .

وإذا قيل : كيف يكون ذلك؟ أُجيب بما قاله الإمام مالك في الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى – طه 20 :5 – . قال : الاستواء غير مجهول ,والكيف غير معقول ,والسؤال عنه بدعة .

فإذا كان السؤال عن تعبير قرآني مجازي بدعة ,فكم بالحري السؤال عن صلات الله الأقنومية في ذاته؟ لذلك يكفر من يحوّل الكلام في الذات والأقانيم إلى عملية حسابية ,فيقول : كيف يكون الواحد ثلاثة؟ كلا ليس الواحد ثلاثة ,على اعتبار واحد ,وعلى صعيد واحد ,انما الله واحد في ذاته مثلث في صفاته ,أو صلاته الذاتية أي أقانيمه الثلاثة. وليس في هذا ما يتعارض مع النقل الكريم ,ولا مع العقل السليم.

هذا هو التثليث الصحيح ,في التوحيد الخالص.

وهذا التثليث الإنجيلي في التوحيد الكتابي ليس بالتثليث المنحرف الكافر الذي يكفّره القرآن بمقالته في الثلاثة ,وصيغها الأربعة ,وقد كفرتها المسيحيّة من قبله.

لذلك فتكفير التثليث المسيحي باسم التوحيد القرآني ,هو افتراء على التوحيد وعلى القرآن ,وجهل بالإنجيل والعقيدة المسيحيّنة.

ان التثليث المسيحي في التوحيد الخالص هو تفسير مُنزَل لحياة الحي القيوم في ذاته الصمدانية ,فلا خلاف على الاطلاق بين التوحيد القرآني والتثليث الإنجيلي ,في التوحيد الكتابي المتواتر في التوراة والإنجيل والقرآن.

 

لا يختلف المسلمون على ألوهية الآب … ولكن

تعليق على أحد صفات الله (فاطر السموات والأرض – فكرة من موقع الأخ فادي) (الأنعام 14 ، يوسف 101، ابراهيم 10، فاطر 1، الزمر 46، الشورى 11)

الطبري:

 ويعني بقوله:”فاطر السماوات والأرض” ، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما، كالذي:-

13111 – حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما”فاطر السماوات والأرض“، حتى أتاني أعرابيّان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه:”أنا فَطَرتها”، يقول: أنا ابتدأتها.

ابن كثير:

قال سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما [لصاحبه] : (1) أنا فطرتها، أنا بدأتها

كون ابن عباس (العربي القرشي) لا يدرك معنى فاطر … أشارة صريحة إلى أنها من الكلمات الأعجمية التي عربتها ألسنة العرب من الاستعمال ، ومن المعروف والمشهور القلب بين الفاء والباء بين اللغات  القديمة (وعلى الأخص بين السامية والحامية) على غرار تحول أسم (پارس) القديم الى ( فارس) الحالي. أو كما أبّا العربية ومقابلها أفاّ في القبطية واليونانية Ava

بالمثل من الممكن أن تكون فاطر أصلها اللغوي باتر Pater بمعني أب والمشتق منها علم الآبئيات Patrology

والله كأب هو بداية أو مبتدأ الخلق من العدم … وهو ما توضحه كلمة فاطر الدخيلة على العربية … لأن فَطَرَ العربية تعني الشق والانشقاق لا الابتداء والخلق

فيكون فاطر السموات والأرض ، أي الآب … أو Pater

————————

وماذا عن المسيح والروح القدس ؟؟؟

يتابع اسكندر جديد

عمانوئيل : الله معنا

في سنة 905 هـ عُقد في الأزهر اجتماع ضمَّ الشيخ بدر الدين العلائي الحنفي ,والشيخ زكريا ,والشيخ برهان الدين بن أبي شريف ,والشيخ ابراهيم المواهبي الشاذلي ,وجماعة. وصنَّف الشيخ ابراهيم رسالة هذا نصها :

بُحث في الاجتماع موضوع معيّة الله معنا .

فقال الشيخ بدر الدين العلائي والشيخ زكريا والشيخ برهان : بل هو معنا بأسمائه وصفاته لا بذاته .

فقال الشيخ ابراهيم : بل هو معنا بذاته وصفاته .

فسألوه : ما الدليل على ذلك؟ .

فأجاب : قوله في القرآن والله معكم ومعلوم أن الله علم على الذات. فيجب اعتقاد المعيّة الذاتية ذوقاً وعقلاً ,لثبوتها نقلاً وعقلاً .

فقالوا له : أوضح لنا ذلك .

فقال : حقيقة المعيّة مصاحبة شيء لآخر ,سواء واجبين كذات الله تعالى مع صفاته ,أو جائزين كالإنسان مع مثله. أو واجباً وجائزاً ,وهو معيّة الله تعالى لخَلقه بذاته وصفاته ,المفهومة من قوله في القرآن والله معكم . ومن نحو إن الله مع المحسنين و إن الله مع الصابرين . وذلك لما قدمناه من أن مدلول الاسم الكريم الله إنما هو الذات اللازمة لها الصفات المتعيّنة ,لتعلقها بجميع الممكنات…

وقد قال العلّامة الغزنوي في شرح عقائد النسفي ,إن قول المعتزلة وجمهور النجارية : إن الحق تعالى بكل مكان بعلمه وقدرته وتدبيره ,دون ذاته ,باطل. لأنه لا يلزم أن من علم مكاناً أن يكون في ذلك بالعِلم فقط ,إلا إن كانت صفاته تنفكّ عن ذاته ,كما هو صفة علم الخلق لا علم الحق .

 فسألوه : فهل وافقك أحد غير الغزنوي في ذلك؟

فقال : نعم ,ذكر شيخ الإسلام ابن اللبان في قوله : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ – سورة الواقعة 56 :85 – إن في هذه الآية دليلاً على أقربيّته تعالى من عبده قرباً حقيقياً ,كما يليق بذاته لتعاليه عن المكان. إذ لو كان المراد بقربه تعالى من عبده ,قربه بالعلم أو بالقدرة أو بالتدبير ,مثلاً لقال ولكن لا تعلمون ونحوه. فلما قال : ولكن لا تبصرون دلَّ على أن المراد به القُرب الحقيقي المدرك بالبصر ,لو كشف الله عن بصرنا. فإن من المعلوم أن البصر لا يتعلق لإدراكه بالصفات المعنوية ,وإنما يتعلق بالحقائق المرئية.

قال وكذلك القول في قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ – ق 50 :16 – هو يدل أيضاً على ما قلناه ,لأن أفعل من قرب يدل على الاشتراك في اسم القرب ,وإن اختلف الكيف ,ولا اشتراك بين قرب الصفات وحبل الوريد ,لأن قرب الصفات معنوي ,وقرب حبل الوريد حسي ,ففي نسبة أقربيته تعالى إلى الإنسان من حبل الوريد ,الذي هو حقيقي ,دليل على أن قربه تعالى حقيقي ,أي بالذات اللازم لها الصفات .

وقال الشيخ ابراهيم : وبما قررناه لكم انتفى أن يكون المراد قربه تعالى منا بصفاته دون ذاته. وان الحق الصريح هو قربه منا بالذات أيضاً ,إذ الصفات لا تعقل مجردة عن الذات المتعالي كما مرَّ .

فقال له العلائي : فما قولكم في قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ – سورة الحديد 57 :4 – فإنه يوهم ان الله تعالى في مكان؟ فقال الشيخ ابراهيم : لا يلزم من ذلك في حقه تعالى المكان ,لأن أين في الآية انما أُطلقت لإفادة معيّة الله تعالى للمخاطَبين في الأين اللازم لهم ,لا له تعالى كما قدمنا ,فهو مع صاحب أين بلا أين .

فدخل عليهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد المغربي الشاذلي ,شيخ الجلال السيوطي.

فقال : ما جمعكم هنا؟ فذكروا له المسألة .

فقال : تريدون علم هذا الأمر ذوقاً أو سماعاً ؟

أجابوا : سماعاً .

فقال : معيّة الله أزلية ,ليس لها ابتداء. وكانت الأشياء كلها ثابتة في علمه أزلاً يقيناً بلا بداية ,لأنها متعلقة به تعلُّقاً يستحيل عليه العدم ,لاستحالة وجود علمه الواجب وجوده بغير معلوم ,واستحالة طريان تعلقه بها لما يلزم عليه من حدوث علمه تعالى بعد أن لم يكن. وكما أن معيته تعالى أزلية ,كذلك هي أبدية ,ليس لها انتهاء. فهو تعالى معها ,بعد حدوثها من العدم عيناً .

 فأدهش الحاضرين بما قاله ,فقال لهم : اعتمدوا ما قررته لكم في المعيّة واعتمدوه ,ودعوا ما ينافيه ,تكونوا منزِّهين لمولاكم حق التنزيه ,ومخلصين لعقولكم من شبهات التشبيه. وإن أراد أحدكم أن يعرف هذه المسألة ذوقاً ,فليسلّم قيادَه لي ,أخرجه عن وظائفه وثيابه وماله وأولاده ,وأدخله الخلوة ,وأمنعه النوم وأكل الشهوات ,وأنا أضمن له وصوله إلى علم هذه المسألة ذوقاً وكشفاً .

قال الشيخ ابراهيم : فما تجرأ أحد أن يدخل معه في ذلك العهد . ثم قام الشيخ زكريا والشيخ برهان والجماعة فقبّلوا يده وانصرفوا.

إنّ أقوال هؤلاء العلماء الأفاضل عن معيّة الله توضح ان حقيقة المعيَّة هي مصاحبة شيء لآخر ,سواء كانا واجبين كذات الله مع صفاته ,أو جائزين كوجود الإنسان مع مثله ,أو واجباً وجائزاً ,وهو معية الله تعالى لخلقه بذاته وصفاته المفهومة من قول القرآن والله معكم أو من قول الكتاب المقدس : هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ا بْناً ,وَيَدْعُونَ ا سْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ – الَّذِي تَفْسِيرُهُ : اَللّهُ مَعَنَا – – متى 1 :23 – . أو من قول المسيح : أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الْأَيَّامِ إلى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ – متى 28 :20 – .

وإذ تقرر ذلك أقول : إن حلول اللاهوت في الناسوت جائز. فليس كمعية الواجب للجائز. بل هو أسمى بما لا يُقاس. وإنما أوردت المعية لتوضيح هذه المسألة ,أو تقريبها لعقولنا. فإن الاسلام يعترف بمعية الله لخلقه بذاته وصفاته ,وهو أمر فوق عقل البشر. إذاً كيف يرفض عامة المسلمين اعتقاد المسيحيين بتجسد الكلمة؟

———————

المسيح في القرآن

بالرغم من أن الإسلام يحسب عبادة المسيح غلواً في الدين ,فإن القرآن يضفي على المسيح صفات وكرامات تجعله فوق البشر. وهذه الميزات تنبع من سيرته ,ومن رسالته ,ومن شخصيته الفائقة. وحين نقارن بين هذه الميزات التي ذكرها القرآن للرسل والأنبياء نرى أنه لم يُعط أحداً منهم ,حتى محمداً شيئاً من ميزات المسيح.

1- الحبل والولادة العجيبان : جاء في القرآن : وَا ذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ ا نْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً فَا تَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِا لرَّحْمَانِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً فَحَمَلَتْهُ فَا نْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً – مريم 19 :16-23 – .

جاء في كتاب التفسير الكبير للإمام الرازي ,انه كان لمريم في منزل زوج أختها زكريا محراب على حدة تسكنه. وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها ,فتمنَّت على الله أن تجد خلوة في الجبل ,فانفرج السقف لها. فخرجت إلى المغارة فجلست في المشرفة وراء الجبل. ولما جلست في ذلك أرسل الله إليها الروح.

واختلف المفسرون في هذا الروح. فقال الأكثرون إنه جبريل عليه السلام. وقال أبو مسلم إنه الروح الذي تصور في بطنها بشراً. والأول أقرب ,لأن جبريل عليه السلام يُسمَّى روحاً ,وإنما تمثَّل لها في صورة إنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه.

لما علم جبريل خوفها ,قال لها : أنا رسول ربك ليزول عنها الخوف جئت لأهب لك غلاماً زكياً ,أي طاهراً. فتعجبت مما بشرها به لأنها عرفت بالعادة أن الولادة لا تكون إلا من رجل. فقالت أنَّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟ فأجابها جبريل : كذلك قال ربك هو عليّ هين.

وقال القرآن : وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ – التحريم 66 :12 – .

قال الإمام الرازي : اختلفوا في النافخ فقال البعض : كان النفخ من الله تعالى ,لقوله : فنفخنا فيه من روحنا وظاهر أن النافخ هو الله تعالى. وقال آخرون هو جبريل عليه السلام ,لأن الظاهر من قول جبريل لأهب لك .

 ثم اختلفوا في كيفية ذلك النفخ على عدة أقوال :

– الأول – قول وهب إنه نفخ في جيبها حتى وصلت إلى الرحم.

– الثاني – في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

– الثالث – قول السدي أخذ بكمها فنفخ في جنب درعها فدخلت النفخة صدرها فحملت. فجاءتها أختها امرأة زكريا تزورها فالتزمتها. فلما التزمتها علمت أنها حبلى وذكرت مريم حالها ,فقالت امرأة زكريا : إني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى : مصدقاً بكلمة من الله .

– الرابع – ان النفخة كانت في فيها فوصلت إلى بطنها في الحال .

وقال : اختلفوا في مدة حملها على وجوه :

الأول – قول ابن عباس إنها كانت تسعة أشهر ,كما في سائر النساء بدليل أن الله تعالى ذكر مدائحها في هذا الموضوع. فلو كانت عادتها في مدة حملها بخلاف النساء لكان ذلك أَوْلى بالذكر.

الثاني – إنها كانت ثمانية أشهر ,ولم يعش مولود وُضع لثمانية أشهر إلا عيسى ابن مريم.

الثالث – وهو قول عطاء وأبي العالية والضحاك ,سبعة أشهر.

الرابع – انها كانت ستة أشهر.

الخامس – ثلاث ساعات ,حملته في ساعة ,وصُوِّر في ساعة ,ووضعته في ساعة.

السادس – وهو قول ابن عباس أيضاً ,كانت مدة الحمل ساعة واحدة.

ويمكن الاستدلال عليه من وجهين :

الأول – قوله تعالى : فحملته فانتبذت به ,فأجاءها المخاض ,فناداها من تحتها والفاء للتعقيب ,فدلَّت هذه الفاءات على أن كل واحد من هذه الأحوال حصل عقيب الآخر من غير فصل ,وذلك يوجب كون مدة الحمل ساعة واحدة.

الثاني – ان الله تعالى قال في وصفه : إن مثَل عيسى عند الله كمثَل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فثبت ان عيسى كما قال الله تعالى له : كن فيكون هذا مما لا يتصور فيه مدة الحمل ,وإنما تعقل تلك المدة في حق من يتولد من النطفة – التفسير الكبير جزء 21 ص 197-202 – .

وعلق البيضاوي على ولادة المسيح المعجزية ,فقال : تلك ميزة تفرَّد بها المسيح على العالمين والمرسَلين. لأنه وُلد من دون أن تضمه الأصلاب والأرحام الطوامس .

وعلَّق الفخر الرازي على الموضوع بقوله :

– أ – لأهب لك غلاماً زكياً قال : الزكي يفيد أموراً ثلاثة :

– الأول – أنه الطاهر من الذنوب.

– الثاني – أنه ينمو على التزكية ,لأنه يُقال فيمن لا ذنب له زكي.

 – الثالث – النزاهة والطهارة.

 

– ب – العبارة لنجعله آية للناس ورحمة أي لنجعل ولادته آية للناس ,إذ وُلد من غير ذكر. ورحمة منا ,أي يرحم عبادنا بإظهار هذه الآيات ,حتى تكون دلائل صدقه أبهر ,ويكون قبول قوله أقرب .

وعلق الإمام أبو جعفر الطبري على قوله : غلاماً زكياً فقال : الغلام الزكي هو الطاهر من الذنوب. وكذلك تقول العرب : غلام زاك وزكي وعال وعلي .

2- كونه مباركاً : نقرأ في سورة مريم عن لسان المسيح : وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ – مريم 19 :31 – .

قال الإمام أبو جعفر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن سفيان : أن تفسير جعلني مباركاً هو جعلني معلّماً للخير .

وقال السيوطي : وجعلني مباركاً أين ما كنت أي نفَّاعاً للناس .

3- كونه مؤيداً بالروح القدس : وَآتَيْنَا عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ – البقرة 2 :87 و253 – .

قال ابن عباس : ان روح القدس ,هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى وقال أبو مسلم : ان روح القدس الذي أُيِّدَ به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى .

ونقرأ في النساء 4 :171 : إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ا بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ وَرَوُحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِا للَّهِ وَرُسُلِهِ .

وخلاصة هذه الآيات أن الله أعطى عيسى في ذاته روحاً ,وأن هذا الروح يؤيّده في شخصيته.

4- رفعته عند وفاته : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا – آل عمران 3 :55 – .

قال الإمام الرازي : لتفسير هذه الآية عدة وجوه منها : – الوجه الأول – المراد بالرفعة ,إني رافعك إلى محل كرامتي. وجعل ذلك رفعاً إليه للتضخيم والتعظيم. ومثلها قوله إني ذاهب إلى ربي – هذه العبارة مستعارة من الإنجيل – . – الوجه الثاني – في التأويل أن يكون قوله ورافعك إليَّ معناه أنه يرفعه إلى مكان لا يملك أحد الحكم عليه فيه. لأن في الأرض قد يتولى الخلق أنواع الأحكام ,أما في السموات فلا حاكم في الحقيقة وفي الظاهر إلا الله .

5- عصمته في رسالته كما في سيرته : يتوهم البعض أن العصمة في الرسالة تقترن حتماً بالعصمة في السيرة. ولكن نصوص القرآن تنقض هذا الوهم. إذ نقرأ في سوره الكثير من النصوص التي تفيد أن أنبياء أخطأوا ,قبل الرسالة وبعدها. أما المسيح في القرآن ,فسيرته معصومة كرسالته ,فقد شُهد له أنه زكي. قال الإمام البيضاوي في تفسير كلمة زكي : إن عيسى كان مترقياً من سن إلى سن .

6- تفرُّد رسالته بالبينات : فكما انفردت رسالته عن الرسالات جميعاً بتأييد الروح القدس ,هكذا انفردت أيضاً بالبيّنات وباستجماعها ,كما لم تجتمع لغيره ,إذ نقرأ في البقرة 2 :253 : وقد آتينا عيسى البيّنات والبيّنات هي العجائب.

قال الإمام البيضاوي : لقد خصَّه الله بالتعيين وجعل معجزاته سبب تفضيله على الرسل ,لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره .

 

7- تفرّد المسيح في اليوم الآخر

يتفرد المسيح كما صوَّره القرآن في حمله وولادته وطفولته ومعجزاته وموته ورفعه على سائر الأنبياء والمرسلين. بل أن القرآن خصَّه بأخريات لم تُنسَب لنبي قط حتى قال القرآن فيه وإنه لَعِلْمٌ للساعة أي أن نزوله إلى الدنيا مرة أخرى نذير بقيام الساعة. يقول الجلالان : وإنه عيسى لعِلْمٌ للساعة تُعلم بنزوله . وقال البيضاوي : وانه لَعلمٌ للساعة لأن حدوثها ونزوله من أشراط الساعة. يُعلم به دُنوُّها. وقريء لَعَلَمٌ وهو العلامة . وقال الزمخشري : وانه لعلم للساعة أي شرط من أشرطها تُعلم به .

كذلك نقرأ في كتب الصحاح المعتمدة أمثال البخاري ومسلم أبواباً خصَّصت عشرات الأحاديث الموصولة السند عن نزول المسيح ابن مريم ,وأعطته مكانة لم تُعْط لنبي من الأنبياء.

روي عن محمد : يكون عيسى عليه السلام في أمتي حكماً عدلاً وإماماً مقسطاً .

وروي عنه أيضاً : ليُدْركن المسيح ابن مريم رجالاً من أمتي مثلكم أو خيراً منكم .

وفي الحديث أيضاً : ينزل عيسى ابن مريم فيتزوج ويُولد له ولد ويمكث خمساً وأربعين سنة ويدفن معي في قبري ,فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر !!

وروي أيضاً في الحديث الصحيح : الأنبياء إخوة. أمهاتهم شتى ودينهم واحد. وأنا أوْلى الناس بعيسى ابن مريم ,لأنه لم يكن بيني وبينه نبي. فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ,كأن رأسه تقطر ولم يصبه بلل !!.

إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن.. لماذ خصَّ الإسلام المسيح بهذه المكانة التي ميَّزته عن سائر أنبياء القرآن؟ وما هي الحكمة التي يراها المسلمون في نزول المسيح في ذلك الوقت دون غيره من المرسلين أولي العزم؟!

أجاب على هذا السؤال الإمام القرطبي في كتابه التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة . يقول في ص 764 : يحتمل أن المسيح قد وجد في الإنجيل فضل أمة محمد – ص – ,فدعا الله عزَّ وجلّ أن يجعله من أمة محمد – ص – فاستجاب الله تعالى دعاءه ورفعه إلى السماء إلى أن ينزله آخر الزمان مجدداً لما درس من دين الإسلام ,فوافق خروج الدجال فقتله !!!

ويحتمل أن يكون إنزاله مدة لدنو أجله ,لا لقتال الدجّال لأنه لا ينبغي لمخلوق من التراب أن يموت في السماء لكن أمره يجري على ما قال الله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى – طه 20 :55 – فينزله الله تعالى ليقبره في الأرض مدة يراه فيها من يقرب منه ويسرع به من نأي عنه ,ثم يقبضه فيتولى المؤمنون أمره ويصلّون عليه ويُدفن حيث دُفن الأنبياء !!

ويحتمل أن يكون ذلك لأن اليهود همَّت بقتله وصلبه وجرى أمرهم معه على ما بيّنه الله تعالى في كتابه وهم أبداً يدَّعون أنهم قتلوه وينسبونه في السحر وغيره إلى ما كان الله يراه ونزَّهه منه. ولا يزالون في ضلالهم هذا حتى تقترب الساعة ,فيظهر الدجال وهو أسحر السحرة ويبايعه اليهود ,فيكونون يومئذ جنده ,معتقدين أنهم ينتقمون به من المسلمين. فإذا صار أمرهم إلى هذا أنزله الله الذي عندهم انهم قد قتلوه .

وهذه كلها احتمالات قدّمها الإمام القرطبي ,وهي رصيد جديد من الأقوال الظنية ,والاجتهادات الفردية التي لا سند لها سوى النصوص المبهمة من القرآن والسنّة التي تناولت حياة المسيح.

 

8- انه الشفيع المقرَّب :

 حين نتأمل في الزُّمر 39 :44 ,نرى أن القرآن يحصر الشفاعة بالله وحده إذ يقول : لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً . ومع ذلك ,فإن أحد نصوص القرآن يلمح إلى كون الشفاعة أيضاً من امتيازات المسيح ,فيقول : إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ا سْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ا بْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ – آل عمران 3 :45 – .

قال الجلالان في تفسير هذه الآية : وجيهاً في الدنيا بالنبوة ,وفي الآخرة بالشفاعة والدرجات العُلى ,ومن المقرَّبين عند الله .

وأخرج الإمام الطبري عن ابن حميد ,عن سلمة ,عن ابن اسحاق ,عن محمد بن جعفر ,قال : وجيهاً في الدنيا ,أي ذو وجاهة ومنزلة عند الله في الدنيا وفي الآخرة. و من المقربين يعني أنه ممن يقربه يوم القيامة ,فيُسكنه في جواره ويُدنيه منه .

وقال الإمام الرازي : وجيهاً في الدنيا بسبب أنه يُستجاب دعاؤه ,ويحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص. ووجيه في الآخرة انه يجعله شفيع أمته. أما قوله ومن المقربين ففيه وجوه :

– الأول – أنه تعالى جعل ذلك بالمدح العظيم للملائكة فألحقه بمثل منزلتهم ودرجتهم في هذه الصفة.

– الثاني – أن هذا الوصف كالتنبيه على أنه سيُرفع إلى السماء وتصاحبه الملائكة .

——————————-

معجزات المسيح في القرآن

1- الخَلْق : جاء في المائدة 5 :110 : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي .

قال ابن العربي في تفسير هذه الآية : لقد خصّ الله عيسى بكونه روحاً وأضاف النفخ في خلقه من الطين. ولم يضف نفخاً في إعطاء الحياة لغير عيسى ,بل لنفسه تعالى .

2-النطق عند الولادة : حين ولدت مريم ابنها تناولها قومها بالتأنيب ظناً بأنها حبلت به سفاحاً فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً – مريم 19 :29 ,30 – .

قال الإمام الرازي : إن زكريا أتى مريم عند مناظرة اليهود إياها ,فقال لعيسى : اِنطق بحجتك إن كنت أُمرت بها ,فقال عيسى : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً .

3- إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص: يقول القرآن بلسان المسيح : وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ – آل عمران 3 :49 – . ومن المعروف أن الأكمه هو من وُلد أعمى ,والبرص هو المرض الخطير المعروف ,والمرضان من الأدواء التي يتعذر شفاؤها على البشر.

قال وهب بن منبّه : بينما كان عيسى يلعب مع الصبيان إذ وثب غلام على صبي فوكزه برجله فقتله ,فألقاه بين يدي عيسى وهو ملطخ بالدم. فطلع الناس عليه ,فاتهموه به. فأخذوه وانطلقوا به إلى قاضي مصر. فقالوا هذا قتل. فسأله القاضي ,فقال عيسى : لا. لا أدري من قتله ,وما أنا بصاحبه. فأرادوا أن يبطشوا بعيسى ,فقال لهم : ائتوني بالغلام ,فقالوا ماذا تريد؟ قال أسأله من قتله؟ فقالوا : كيف يكلمك وهو ميت؟ فأخذوه وأتوا به إلى الغلام القتيل ,فأقبل عيسى على الدعاء فأحياه الله .

وعن الكلبي أنه قال : كان عيسى عليه السلام يحيي الأموات ب : يا حي يا قيوم . وأحيا عاذر – يقصد لعازر – وكان صديقاً له. ودعا سام بن نوح من قبره ,فخرج حياً. ومر على ابن ميت لعجوز ,فدعا الله فنزل عن سريره ورجع إلى أهله وولد له .

4- العِلم بالغيب : قال القرآن بلسان المسيح : وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ – آل عمران 3 :49 – .

روى السُّدي أن عيسى كان يلعب مع الصبيان ثم يخبرهم بأفعال آبائهم وأمهاتهم. وكان يخبر الصبي : أن أمك قد خبأت لك كذا. فيرجع الصبي إلى أهله يبكي إلى أن يأخذ ذلك الشيء. ثم قالوا لصبيانهم : لا تلعبوا مع هذا الساحر. وجمعوهم في بيت ,فجاء عيسى يطلبهم. فقالوا له : ليسوا في البيت. فقال : فمن في هذا البيت؟ قالوا : خنازير. قال عيسى : كذلك يكونون . فإذا هم خنازير.

5- إنزال المائدة من السماء : جاء في المائدة 5 :112-114 : إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ ا تَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ا بْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَاِئدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَّوَلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَا رْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .

لقد اختلف الأئمة في صفة نزول المائدة وكيفيتها وما كان عليها ,فروى قتادة عن جابر عن ياسر بن عمار عن محمد أنه قال : أُنزلت المائدة عليها خبز ولحم. وذلك أنهم سألوا عيسى طعاماً يأكلون منه ولا ينفد. فقال لهم إني فاعل ذلك ,وانها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا. فإن فعلتم ذلك عُذِّبتم. فما مضى يومهم حتى خانوا وخبّأوا ,فرُفعت المائدة ومُسخوا قردة وخنازير .

وقال ابن عباس : قال عيسى لبني اسرائيل : صوموا ثلاثين يوماً ,ثم سَلُوا الله ما شئتم فيعطيكموه. فصاموا ثلاثين يوماً. فلما فرغوا قالوا : يا عيسى ,اننا صمنا فجُعنا ,فادْعُ الله أن ينزّل مائدة من السماء. فلبس عيسى المسوح وافترش الرماد ,ثم دعا الله فأقبلت الملائكة بمائدة ,يحملون عليها سبعة أرغفة وسبعة أحْوات ووضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم

———————————

الروح القدس في القرآن

حين ندرس آيات القرآن ,نرى أن عدداً منها يتكلم عن الروح القدس وعن عمله في تأييد المسيح. وكان يمكن أن يتلاقى الفكر الإسلامي عن الروح المبارك مع الفكر المسيحي لولا ذهاب أكثرية علماء الإسلام في تفاسيرهم إلى القول إن الروح القدس هو الملاك جبريل. في ما يلي بعض آيات القرآن التي جاء فيها ذكر الروح المبارك.

1- وَآتَيْنَا عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ – البقرة2 :253 – .

قال الحسن في تفسير الآية : القدس هو الله تعالى ,وروحه جبريل عليه السلام ,ومعنى القول ,أعنَّاه بجبريل في أول أمره ,وفي وسطه وفي آخره. أما أول الأمر فلقوله : فنفخنا فيه من روحنا. وأما في وسطه ,فإن جبريل عليه السلام علّمه العلوم وحفظه من الأعداء. وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ,ورفعه إلى السماء .

وقال ابن عباس : ان روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى .

وقال أبو مسلم : إن روح القدس الذي أُيِّد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه ,وأبانه عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى .

2- وَآتَيْنَا عِيسَى ا بْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ – البقرة 2 :87 – .

قال الإمام الرازي : اختلفوا في الروح على وجوه ,أحدها أنه جبريل عليه السلام. وإنما سُمِّي بذلك لوجوه :

– الأول – أن المراد من روح القدس ,الروح المقدس. كما يقال حاتم الجود ورجل صدق. فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلوّ مرتبته عند الله تعالى.

– الثاني – سُمّي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح ,فإنه المتولي لإنزال الوحي إلى الأنبياء ,والمكلّفون بذلك يحيون في دينهم.

– الثالث – انه الغالب عليه الروحانية كذلك سائر الملائكة. غير أن روحانيته أكمل وأتم.

– الرابع – سُمّي جبريل عليه السلام روحاً ,لأنه ما ضمّته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات.

– الخامس – المراد بروح القدس الإنجيل ,كما قال القرآن روحاً من أمرنا .

– السادس – انه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى. فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيماً له وتشريفاً ,كما يُقال لبيت الله وناقة الله – عن الربيع – .

وأعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الإنجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز ,لأن الروح هو الريح المترددة في مخارق الإنسان ومنافذه. ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك ,إلا أنه سُمِّي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه. من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم ,والإنجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها. والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض. إلا أن المشابهة بين مُسمَّى الروح وبين جبريل أتمّ لوجوه : – احدها – لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نوارني لطيف ,فكانت المشابهة أتمّ ,فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أَوْلى. – وثانيها – ان هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه. – وثالثها – ان قوله تعالى : وأيّدناه بروح القدس يعني قّويناه ,والمراد من هذه التقوية الإعانة. وإسناد الإعانة إلى جبريل حقيقة. وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز ,فكان ذلك أَوْلى. – ورابعها – وهو ان اختصاص عيسى بجبريل من أحد وجوه الاختصاص ,بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء مثل ذلك ,لأنه هو الذي بشر مريم بولادتها ,وإنما وُلد عيسى من نفخة جبريل ,وهو الذي ربّاه في جميع الأحوال ,وكان يسير معه حيث سار ,وكان معه حين صعد إلى السماء – التفسير الكبير ج 3 ص 177،178 – .

3- رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ – غافر 40 :15 – .

يقول الإمام الرازي : اختلف العلماء في المراد بهذا الروح. والصحيح أن المراد هو الوحي. وحاصل الكلام فيه أن حياة الأرواح بالمعارف الإلهية والجلايا القدسية. فإذا كان الوحي سبباً لحصول هذه الأرواح ,سُمّي بالروح ,فإن الروح سبب لحصول هذه الحياة الروحانية.

وأعلم أن أشرف الأحوال الظاهرة في روحانيات هذا العالم ظهور آثار الوحي ,والوحي إنما يتم في أربعة أركان :

– فأولها – الرسل وهو الله سبحانه وتعالى. فلهذا أضاف إلقاء الوحي إلى نفسه فقال يلقي الروح .

– والركن الثاني – الإرسال والوحي وهو الذي سمّاه بالروح.

– والركن الثالث – أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يمكن أن يكون إلا بواسطة الملائكة ,وهو المشار إليه في هذه الآية بقوله : من أمره . فالركن الروحاني يُسمَّى أمراً. قال تعالى : وأوحى في كل سماء أمرها .

– والركن الرابع – الأنبياء الذين يلقي الله الوحي وهو المشار اليه بقوله من يشاء من عباده .

– والركن الخامس – تعيين الغرض والمقصود الأصلي من إلقاء الوحي إليهم ,وذلك هو أن الأنبياء عليهم السلام يصرفون الخلق عن عالم الدنيا إلى عالم الآخرة ,ويحملونهم على الإعراض عن هذه الجسمانيات والإقبال على الروحانيات ,وإليه الإشارة بقوله : لينذر يوم التلاق فهذا ترتيب عجيب يدل على هذه الإشارات العالية من علوم المكاشفات الإلهية – التفسير الكبير ج 27 ص 44-45 – .

4- أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ – المجادلة 58 :22 – .

قال أهل التفسير : في تفسير هذه العبارات قولان :

– الأول – قال ابن عباس : نصرهم على عددهم ,وسَمّى تلك النصرة روحاً لأن بها يحيي أمرهم .

– الثاني – قال السدي : الضمير في قوله منه عائد إلى الإيمان ,والمعنى انه أيدهم بروح من الإيمان .

5- مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ – المعارج 70 :3 و4 – .

قال أهل التفسير : اعلم ان عادة الله تعالى في القرآن أنه متى ذكر الملائكة في معرض التهويل والتخويف أفرد الروح بعدهم ,كما في قوله : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً . وهذا يقتضي أن الروح أعظم من الملائكة قدراً.

وقال بعض المكاشفين : ان الروح نور عظيم ,هو أقرب الأنوار إلى جلال الله ومنه تتشعّب أرواح سائر الملائكة. والبشر في آخر درجات منازل الأرواح ,بين الطرفين مراتب الأرواح الملكية ومدارج منازل الأرواح القدسية ,ولا يعلم كميتها إلا الله. وأما ظاهر المتكلمين فهو أن الروح هو جبريل عليه السلام – التفسير الكبير ج 30 ص 122 – .

6- يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفّاً – النبأ 78 :38 – .

اختلفوا في الروح في هذه الآية. فعن ابن مسعود أنه ملك أعظم من السموات والجبال.

وعن ابن عباس : هو ملك أعظم من الملائكة خلقاً.

وعن مجاهد : خلق على صورة بني آدم.

وعن الضحّاك والشعبي : هو جبريل عليه السلام.

ومن هذه كلها ترى أن تعبير الروح القدس من متشابه القرآن.

1) فقد يعني الملاك جبريل كما في قوله : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ – النحل 16 :102 – . قُلْ مَنْ كَانَ عَدُّواً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهُِ – البقرة 2 :97 – .

2) وقد يعني روح القدس الذي أيَّد المسيح في شخصيته أو دعوته ومعجزاته وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيدناه بروح القدس . يقول الجلالان : الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار وغيرهما يرون فيه ليس فقط الروح المؤيد له في دعوته ومعجزاته ,بل الروح المؤيد له في شخصيته. ولم يكن مستقلاً عن ذاته : روح عيسى ,ووصفها به لطهارته من مسّ الشيطان ,أو لكرامته على الله تعالى ,أو لأنه لم تضمَّه الأصلاب ولا الأرحام الطوامس ,أو الإنجيل ,أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى – البيضاوي في تفسيره للبقرة 87 – . فروح القدس الذي أيَّد به الله المسيح هو الاسم الأعظم . والاسم دليل الذات ,والفعل برهان الذات ,فإحياء الموتى ,والمقدرة على الخلق هما من خصائص الذات الإلهية والاسم الأعظم. فروح القدس المحيي إما هو روح عيسى ,وإما هو الاسم الأعظم ذات في الله غير الله ,والمسيح كلمة الله ,فهو مما استأثر بعلمه .

3) فروح القدس الروح على الإطلاق هو روح من الله ,في الله ,يتمتع معه بالاسم الأعظم. وهذا هو تعليم الإنجيل أيضاً.

وتأييد الله للمسيح به ,لا يفارقه ساعة يسير معه حيث سار دليل على صلة خاصة ذاتية بين روح القدس والله ,وبين روح القدس والمسيح كلمة الله ,وتلك هي صورة التثليث المسيحي تتجلى لنا من تعابير القرآن نفسها.

الله والكلمة والروح

 

– فالقرآن إذاً ,مع تكفيره لتثليث منحرف بتعابيره في الثلاثة يشير إلى تثليث صحيح : الله والكلمة والروح. ولكي نزيد الأمر وضوحاً عن حقيقة العلاقة بين المسيح وروح القدس ,أو بالأحرى بين الأقانيم الثلاثة كما أشار إليها القرآن. نقول إن الواقع القرآني هو أن في شخصية المسيح ازدواجية ,فبحسب ظاهر القرآن ان المسيح عيسى ابن مريم هو بشر أي عبد لا ربّ ,ومع ذلك أيضاً فهو بنص القرآن القاطع روح الله وروح الله في أدنى معانيه يعني أنه ملاك : فهل يكون المسيح بشراً وملاكاً معاً؟ أي ملاكاً متأنِّساً؟ هذا حرف القرآن ومنطوقه!

على كل حالٍ فالمسيح بشر ,وأسمى من البشر معاً. وهذا برهان قاطع على الازدواجية القرآنية في شخصية المسيح.

انظر إلى التعبير القرآني لهذه العلاقة كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهو تعبير فريد خاص بالمسيح وحده ,لا مثيل له في القرآن كله. فقوله : روح منه يدل على المصدرية كما فسره البيضاوي : أي صدر منه. وهذا الصدور يفسّره الاسم الثاني المرادف له : كلمته .

ان المسيح روح من الله يصدر منه صدور الكلمة من الذات الناطقة.

وهذا القيد والتخصيص يميّز المسيح روحاً منه تعالى بالصدور عن كل روح من الله بالخلق والإبداع.

ويؤيد معنى المصدرية في روح منه تأييد المسيح بروح القدس في قوله : وأيدناه بروح القدس .

فإذا اعتبرنا أيدناه بروح القدس انها روح المسيح الشريفة العالية القدسية – كما قال الرازي في تفسيره – التي تؤيد المسيح في ذاته وشخصيته ,كان المسيح روح الله القدس ,فهو اسمى من مخلوق.

وإذا اعتبرنا أيدناه بروح القدس أنها روح القدس الذات القائمة بنفسها والتي تؤيد المسيح في سيرته ورسالته ,كان المسيح أيضاً أسمى من مخلوق.

وفي كلا الحالين تأييد المسيح بروح القدس يرفعه فوق المخلوق.

قال الإمام أحمد بن حنبل : من قال إن روح القدس مخلوق فقد قال بدعة أو ضلالة !!

وإضافة لما سبق ,ففي قوله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه يمتاز التعبير عن سائر التعابير القرآنية ويحدد ذات المسيح أنها روح منه تعالى ,أي صادرة منه ,لا على طريق الخلق ,بل على طريق الصدور. كما يدل عليه ترادف الإسمين كلمته وروح منه . فهو روح منه تعالى يصدر منه صدور الكلمة من الذات الناطقة في حديثها النفسي ,وإذ لا حدوث في الله ,فكلمته في ذاته غير محدثة أو روح منه غير محدث.

Posted in لاهوت دفاعي -عام, إسلاميات عامة | Leave a Comment »

مفهوم القتال في العهد القديم ومقارنة مع القتال في الإسلام -1-

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 11, 2007

الكاتب: عبد المسيح (بتصرف)

الأخوة و الأصدقاء الأعزاء

كثيرا ما يكثر الحديث عن الحرب و مفهومها في العهد القديم من قبل أصدقائنا المسلمين و هل هذا يتعارض و يتناقض مع دعوة المحبة و السلام التي اتى بها السيد المسيح في العهد الجديد و يستشهدون ببعض النصوص الخاصة بالشعب العبراني في العهد القديم و علاقته بالقبائل الوثنية التي كانت موجودة في أرض الميعاد كذريعة للطعن في الكتاب المقدس و مصداقيته , لذلك رأيت أن نبحث في تلك النصوص لنرى ظروفها و ملابساتها
ثم في النهاية نرى النصوص التي تبيح القتال في الاسلام و الفوارق بين مفهوم القتال في العهد القديم و مبرراته و مفهوم القتال في الاسلام و مبرراته .

الحالة الأولى

حزقيال 9 : 4 و قال له الرب اعبر في وسط المدينة في وسط اورشليم و سم سمة على جباه الرجال الذين يئنون و يتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة في وسطها
9: 5
 و قال لاولئك في سمعي اعبروا في المدينة وراءه و اضربوا لا تشفق اعينكم و لا تعفوا
9: 6
 الشيخ و الشاب و العذراء و الطفل و النساء اقتلوا للهلاك و لا تقربوا من انسان عليه السمة و ابتدئوا من مقدسي فابتداوا بالرجال الشيوخ الذين امام البيت

————————————————
للأسف أن ما يفعله البعض أنه ينقل هذا الإدعاء دون حتى أن يكلف نفسه عناء قراءة كامل النص من سفر حزقيال و ما يشير أليه و للأسف يهلل من وراءه البعض دون أن يعرفوا ما يشير أليه النص و ما معناه .

عندما نقتبس عبارة من الكتاب المقدس يجب أن ندرسها في إطار النص التي جاءت فيه و فيه إطار الإصحاح الخاص بها و الأعظم من ذلك دراستها في سياق الكتاب ككل .

أولا سفر حزقيال بمنتهى البساطة موجه لليهود و ليس للشعوب الوثنية و الويلات المذكورة فيه عبارة عن ( رؤيا ) أظهرها الله لحزقيال النبي لما سوف يسمح الله بحدوثه للشعب اليهودي بسبب الرجاسات و عبادة الأوثان التي انتشرت في وسطهم في تلك الفترة بعد أن تأثروا بتلك العبادات من بعض الأمم المحيطة بهم لذلك نجد العبارة التالية في الآية التي أقتبسها :

و قال له الرب اعبر في وسط المدينة في وسط أورشليم و سم سمة على جباه الرجال الذين يئنون و يتنهدون على كل الرجاسات المصنوعة في وسطها

أي أن تلك الرجاسات التي كرهها الرب كانت في أورشليم عاصمة اليهود الروحية و مقر الهيكل .

عموما للتوضيح نرجع لسفر حزقيال الأصحاح الثامن و نراجع الآتي :

حزقيال 8 : 1وَكَانَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ فِي الشَّهْرِ السَّادِسِ فِي الْخَامِسِ مِنَ الشَّهْرِ, وَأَنَا جَالِسٌ فِي بَيْتِي وَمَشَايِخُ يَهُوذَا جَالِسُونَ أَمَامِي, أَنَّ يَدَ السَّيِّدِ الرَّبِّ وَقَعَتْ عَلَيَّ هُنَاكَ. 2فَنَظَرْتُ وَإِذَا شَبَهٌ كَمَنْظَرِ نَارٍ, مِنْ مَنْظَرِ حَقَوَيْهِ إِلَى تَحْتُ نَارٌ, وَمِنْ حَقَوَيْهِ إِلَى فَوْقُ كَمَنْظَرِ لَمَعَانٍ كَشَبَهِ النُّحَاسِ اللاَّمِعِ. 3وَمَدَّ شَبَهَ يَدٍ وَأَخَذَنِي بِنَاصِيَةِ رَأْسِي, وَرَفَعَنِي رُوحٌ بَيْنَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ, وَأَتَى بِي فِي رُؤَى اللَّهِ إِلَى أُورُشَلِيمَ إِلَى مَدْخَلِ الْبَابِ الدَّاخِلِيِّ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشِّمَالِ حَيْثُ مَجْلِسُ تِمْثَالِ الْغَيْرَةِ, الْمُهَيِّجِ الْغَيْرَةِ. 4وَإِذَا مَجْدُ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ هُنَاكَ مِثْلُ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي الْبُقْعَةِ. 5ثُمَّ قَالَ لِي: يَا ابْنَ آدَمَ, ارْفَعْ عَيْنَيْكَ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ». فَرَفَعْتُ عَيْنَيَّ نَحْوَ طَرِيقِ الشِّمَالِ وَإِذَا مِنْ شِمَالِيِّ بَابِ الْمَذْبَحِ تِمْثَالُ الْغَيْرَةِ هَذَا فِي الْمَدْخَلِ. 6وَقَالَ لِي: يَا ابْنَ آدَمَ, هَلْ رَأَيْتَ مَا هُمْ عَامِلُونَ؟ الرَّجَاسَاتِ الْعَظِيمَةَ الَّتِي بَيْتُ إِسْرَائِيلَ عَامِلُهَا هُنَا لإِبْعَادِي عَنْ مَقْدِسِي. وَبَعْدُ تَعُودُ تَنْظُرُ رَجَاسَاتٍ أَعْظَمَ». 7ثُمَّ جَاءَ بِي إِلَى بَابِ الدَّارِ فَنَظَرْتُ وَإِذَا ثَقْبٌ فِي الْحَائِطِ. 8ثُمَّ قَالَ لِي: يَا ابْنَ آدَمَ, انْقُبْ فِي الْحَائِطِ». فَنَقَبْتُ فِي الْحَائِطِ, فَإِذَا بَابٌ. 9وَقَالَ لِي: ادْخُلْ وَانْظُرِ الرَّجَاسَاتِ الشِّرِّيرَةَ الَّتِي هُمْ عَامِلُوهَا هُنَا». 10فَدَخَلْتُ وَنَظَرْتُ وَإِذَا كُلُّ شَكْلِ دَبَّابَاتٍ وَحَيَوَانٍ نَجِسٍ, وَكُلُّ أَصْنَامِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ, مَرْسُومَةٌ عَلَى الْحَائِطِ عَلَى دَائِرِهِ. 11وَوَاقِفٌ قُدَّامَهَا سَبْعُونَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ, وَيَازَنْيَا بْنُ شَافَانَ قَائِمٌ فِي وَسَطِهِمْ, وَكُلُّ وَاحِدٍ مِجْمَرَتُهُ فِي يَدِهِ وَعِطْرُ عَنَانِ الْبَخُورِ صَاعِدٌ. 12ثُمَّ قَالَ لِي: أَرَأَيْتَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا تَفْعَلُهُ شُيُوخُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي الظَّلاَمِ, كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَخَادِعِ تَصَاوِيرِهِ لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الرَّبُّ لاَ يَرَانَا! الرَّبُّ قَدْ تَرَكَ الأَرْضَ

فكما نرى يشرح النبي حزقيال كيف أن الله أخذه في رؤيا روحية ووضح له ما يحدث من شيوخ إسرائيل في أورشليم من رجاسات أغضبت الله عليهم بشدة , ثم أراه الله بعد هذا بالتفصيل ما يحدث في أورشليم من عبادة للأوثان و خطايا و كيف أنصرف شعب أورشليم عن طريق الله .

بعد هذا أوضح الرب لحزقيال النبي أن هناك البعض من شعب أورشليم ترفض هذا الابتعاد عن طريق الله .

ثم نجد بعد ذلك في نهاية الإصحاح الثامن الآيات التالية :

حزقيال 8 : 17وَقَالَ لِي: أَرَأَيْتَ يَا ابْنَ آدَمَ؟ أَقَلِيلٌ لِبَيْتِ يَهُوذَا عَمَلُ الرَّجَاسَاتِ الَّتِي عَمِلُوهَا هُنَا؟ لأَنَّهُمْ قَدْ مَلأُوا الأَرْضَ ظُلْماً وَيَعُودُونَ لإِغَاظَتِي, وَهَا هُمْ يُقَرِّبُونَ الْغُصْنَ إِلَى أَنْفِهِمْ. 18فَأَنَا أَيْضاً أُعَامِلُ بِـالْغَضَبِ. لاَ تُشْفِقُ عَيْنِي وَلاَ أَعْفُو. وَإِنْ صَرَخُوا فِي أُذُنَيَّ بِصَوْتٍ عَالٍ لاَ أَسْمَعُهُمْ .

 

و أوضح الله لحزقيال كيف انه سيترك أورشليم تسقط في يد أعداءها الذين سيفتكون بها و برجالها و نساءها و أطفالها و سيحمي الله فقط الذين لم ينساقوا وراء هذه العبادات الوثنية و ذلك بأن يضع سمة على جباههم و هو ما نراه بعد ذلك في إصحاح 9 .

حزقيال 9 : 1وَصَرَخَ فِي سَمْعِي بِصَوْتٍ عَالٍ: قَرِّبْ وُكَلاَءَ الْمَدِينَةِ, كُلَّ وَاحِدٍ وَعُدَّتَهُ الْمُهْلِكَةَ بِيَدِهِ». 2وَإِذَا بِسِتَّةِ رِجَالٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ الْبَابِ الأَعْلَى الَّذِي هُوَ مِنْ جِهَةِ الشِّمَالِ, وَكُلُّ وَاحِدٍ عُدَّتُهُ السَّاحِقَةُ بِيَدِهِ, وَفِي وَسَطِهِمْ رَجُلٌ لاَبِسٌ الْكَتَّانَ, وَعَلَى جَانِبِهِ دَوَاةُ كَـاتِبٍ. فَدَخَلُوا وَوَقَفُوا جَانِبَ مَذْبَحِ النُّحَاسِ. 3وَمَجْدُ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ صَعِدَ عَنِ الْكَرُوبِ الَّذِي كَـانَ عَلَيْهِ إِلَى عَتَبَةِ الْبَيْتِ. فَدَعَا الرَّبُّ الرَّجُلَ اللاَّبِسَ الْكَتَّانِ الَّذِي دَوَاةُ الْكَـاتِبِ عَلَى جَانِبِهِ, 4وَقَالَ لَهُ: اعْبُرْ فِي وَسَطِ الْمَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ, وَسِمْ سِمَةً عَلَى جِبَاهِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَئِنُّونَ وَيَتَنَهَّدُونَ عَلَى كُلِّ الرَّجَاسَاتِ الْمَصْنُوعَةِ فِي وَسَطِهَا». 5وَقَالَ لأُولَئِكَ فِي سَمْعِي: اعْبُرُوا فِي الْمَدِينَةِ وَرَاءَهُ وَاضْرِبُوا. لاَ تُشْفِقْ أَعْيُنُكُمْ وَلاَ تَعْفُوا. 6اَلشَّيْخَ وَالشَّابَّ وَالْعَذْرَاءَ وَالطِّفْلَ وَالنِّسَاءَ. اقْتُلُوا لِلْهَلاَكِ. وَلاَ تَقْرُبُوا مِنْ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ السِّمَةُ, وَابْتَدِئُوا مِنْ مَقْدِسِي». فَـابْتَدَأُوا بِـالرِّجَالِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَمَامَ الْبَيْتِ. 7وَقَالَ لَهُمْ: نَجِّسُوا الْبَيْتَ, وَامْلأُوا الدُّورَ قَتْلَى. اخْرُجُوا». فَخَرَجُوا وَقَتَلُوا فِي الْمَدِينَةِ. 8وَكَانَ بَيْنَمَا هُمْ يَقْتُلُونَ وَأُبْقِيتُ أَنَا, أَنِّي خَرَرْتُ عَلَى وَجْهِي وَصَرَخْتُ: اآهِ يَا سَيِّدُ الرَّبُّ! هَلْ أَنْتَ مُهْلِكٌ بَقِيَّةَ إِسْرَائِيلَ كُلَّهَا بِصَبِّ رِجْزِكَ عَلَى أُورُشَلِيمَ؟» 9فَقَالَ لِي: إِنَّ إِثْمَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَيَهُوذَا عَظِيمٌ جِدّاً جِدّاً, وَقَدِ امْتَلأَتِ الأَرْضُ دِمَاءً, وَامْتَلأَتِ الْمَدِينَةُ جَنَفاً. لأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الرَّبُّ قَدْ تَرَكَ الأَرْضَ, وَالرَّبُّ لاَ يَرَى. 10وَأَنَا أَيْضاً عَيْنِي لاَ تُشْفِقُ وَلاَ أَعْفُو. أَجْلِبُ طَرِيقَهُمْ عَلَى رُؤُوسِهِمْ».

 

فكما نرى من الأصحاح 9 أذا قرأناه بفهم و ليس كما يفعل من ينقلون بدون وعي آيات مبتورة ناقصة نرى أن الذي دونه النبي حزقيال عبارة عن ( رؤيا ) لما سوف يحدث لبعض شيوخ أورشليم و شعبها الذي فسد و ضل وراء الأوثان التي هي مكرهة للرب و كيف ان الله سيترك أورشليم تسقط في يد اعداءها بسبب الرجاسات و القتل التي ارتكبها اليهود و شيوخهم في تلك المدينة و أنه سيحمي فقط الذين رفضوا تلك الأعمال .

و تأكيدا لتلك الرؤيا وجه الرب تحذيره لخمسة و عشرون شيخا من قيادات شعب أسرائيل الذين ضلوا الشعب و اعملوا القتل في معارضيهم كما نرى ذلك في رؤيا أخرى في أصحاح 11 من نفس السفر .

حزقيال 11 : 1ثُمَّ رَفَعَنِي رُوحٌ وَأَتَى بِي إِلَى بَابِ بَيْتِ الرَّبِّ الشَّرْقِيِّ الْمُتَّجِهِ نَحْوَ الشَّرْقِ, وَإِذَا عِنْدَ مَدْخَلِ الْبَابِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلاً, وَرَأَيْتُ بَيْنَهُمْ يَازَنْيَا بْنَ عَزُورَ, وَفَلَطْيَا بْنَ بَنَايَا رَئِيسَيِ الشَّعْبِ. 2فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ آدَمَ, هَؤُلاَءِ هُمُ الرِّجَالُ الْمُفَكِّرُونَ بِـالإِثْمِ, الْمُشِيرُونَ مَشُورَةً رَدِيئَةً فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. 3اَلْقَائِلُونَ: مَا هُوَ قَرِيبٌ بِنَاءُ الْبُيُوتِ! هِيَ الْقِدْرُ وَنَحْنُ اللَّحْمُ! 4لأَجْلِ ذَلِكَ تَنَبَّأْ عَلَيْهِمْ. تَنَبَّأْ يَا ابْنَ آدَمَ. 5وَحَلَّ عَلَيَّ رُوحُ الرَّبِّ وَقَالَ لِي: قُلْ هَكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَكَذَا قُلْتُمْ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ, وَمَا يَخْطُرُ بِبَالِكُمْ قَدْ عَلِمْتُهُ. 6قَدْ كَثَّرْتُمْ قَتْلاَكُمْ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَمَلأْتُمْ أَزِقَّتَهَا بِـالْقَتْلَى. 7لِذَلِكَ هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: قَتْلاَكُمُ الَّذِينَ طَرَحْتُمُوهُمْ فِي وَسَطِهَا هُمُ اللَّحْمُ وَهِيَ الْقِدْرُ. وَإِيَّاكُمْ أُخْرِجُ مِنْ وَسَطِهَا. 8قَدْ فَزِعْتُمْ مِنَ السَّيْفِ, فَـالسَّيْفُ أَجْلِبُهُ عَلَيْكُمْ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. 9وَأُخْرِجُكُمْ مِنْ وَسَطِهَا وَأُسَلِّمُكُمْ إِلَى أَيْدِي الْغُرَبَاءِ, وَأُجْرِي فِيكُمْ أَحْكَـاماً. 10بِـالسَّيْفِ تَسْقُطُونَ. فِي تُخُمِ إِسْرَائِيلَ أَقْضِي عَلَيْكُمْ فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ. 11هَذِهِ لاَ تَكُونُ لَكُمْ قِدْراً وَلاَ أَنْتُمْ تَكُونُونَ اللَّحْمَ فِي وَسَطِهَا. فِي تُخُمِ إِسْرَائِيلَ أَقْضِي عَلَيْكُمْ 12فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي لَمْ تَسْلُكُوا فِي فَرَائِضِهِ وَلَمْ تَعْمَلُوا بِأَحْكَـامِهِ, بَلْ عَمِلْتُمْ حَسَبَ أَحْكَـامِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلَكُمْ .

 

و لمزيد من التوضيح أنصح بقراءة باقي السفر لأن به العديد من النبؤات و التحذيرات للشعب المتمرد .

الغريب أن البعض يتهم اليهود بتحريف الكتاب المقدس و أنهم يستغلون نصوصه لمهاجمة أعدائهم كالنص السابق الذي ينقله البعض بدون وعي , رغم أن النص و العقوبة التي فيه موجهة بالأساس الي اليهود و ليس الى باقي الشعوب .

————————————

الحالة الثانية

سفر العدد 31 : 1 و كلم الرب موسى قائلا

31: 2 انتقم نقمة لبني اسرائيل من المديانيين ثم تضم الى قومك

31: 3 فكلم موسى الشعب قائلا جردوا منكم رجالا للجند فيكونوا على مديان ليجعلوا نقمة الرب على مديان

31: 4 الفا واحدا من كل سبط من جميع اسباط اسرائيل ترسلون للحرب ……

———————————

كالعادة نقول للكل يجب أن تقرأوا الكتاب المقدس بطريقة شاملة و لا نأتي بالنصوص مبتورة لكي نفهم ما هو المقصود من وراء الآيات , و هذا النص الذي يوضح أمر الله للشعب اليهودي بقتال المديانيين دون ان يقرأ ما قبلها أو كامل الأصحاح ليعرف ما حدث فيه , أذا رجعنا لسفر العدد الأصحاح 22 نجد الآتي :

العدد 22 : 1وَارْتَحَل بَنُو إِسْرَائِيل وَنَزَلُوا فِي عَرَبَاتِ مُوآبَ مِنْ عَبْرِ أُرْدُنِّ أَرِيحَا. 2وَلمَّا رَأَى بَالاقُ بْنُ صِفُّورَ جَمِيعَ مَا فَعَل إِسْرَائِيلُ بِالأَمُورِيِّينَ 3فَزَِعَ مُوآبُ مِنَ الشَّعْبِ جِدّاً لأَنَّهُ كَثِيرٌ وَضَجَِرَ مُوآبُ مِنْ قِبَل بَنِي إِسْرَائِيل. 4فَقَال مُوآبُ لِشُيُوخِ مِدْيَانَ: «الآنَ يَلحَسُ الجُمْهُورُ كُل مَا حَوْلنَا كَمَا يَلحَسُ الثَّوْرُ خُضْرَةَ الحَقْلِ». وَكَانَ بَالاقُ بْنُ صِفُّورَ مَلِكاً لِمُوآبَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. 5 فَأَرْسَل رُسُلاً إِلى بَلعَامَ بْنِ بَعُورَ إِلى فَتُورَ التِي عَلى النَّهْرِ فِي أَرْضِ بَنِي شَعْبِهِ لِيَدْعُوَهُ قَائِلاً: «هُوَذَا شَعْبٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ. هُوَذَا قَدْ غَشَّى وَجْهَ الأَرْضِ وَهُوَ مُقِيمٌ مُقَابَِلِي. 6فَالآنَ تَعَال وَالعَنْ لِي هَذَا الشَّعْبَ لأَنَّهُ أَعْظَمُ مِنِّي. لعَلهُ يُمْكِنُنَا أَنْ نَكْسِرَهُ فَأَطْرُدَهُ مِنَ الأَرْضِ. لأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّ الذِي تُبَارِكُهُ مُبَارَكٌ وَالذِي تَلعَنُهُ مَلعُونٌ». 7فَانْطَلقَ شُيُوخُ مُوآبَ وَشُيُوخُ مِدْيَانَ وَحُلوَانُ العِرَافَةِ فِي أَيْدِيهِمْ وَأَتُوا إِلى بَلعَامَ وَكَلمُوهُ بِكَلامِ بَالاقَ. 8فَقَال لهُمْ: «بِيتُوا هُنَا الليْلةَ فَأَرُدَّ عَليْكُمْ جَوَاباً كَمَا يُكَلِّمُنِي الرَّبُّ». فَمَكَثَ رُؤَسَاءُ مُوآبَ عِنْدَ بَلعَامَ

 

غضب بالاق ملك موآب من الشعب اليهودي بعد ان أوقع تأديب الرب على الأموريين فقرر أن يكيد المكيدة للشعب اليهودي كي يتسنى له طرده و أغضاب الرب عليه فأرسل شيوخ مديان و شيوخ موآب و العرافة الى بلعام الشيخ ليـلعن الشعب و كما سنرى في الأصحاحات التالية ظهر الله لبلعام و طلب منه عدم الرجوع مع شيوخ مديان و موآب فأرسل بالاق له مرة ثانية فأمره الله بأن يذهب معهم و لكن لا يفعل شئ الا الذي يقوله له الله .

ذهب بلعام مع شيوخ مديان الى بالاق و بدلا من أن يـلعن الشعب العبراني كما طلب منه بالاق بارك الشعب كما أمره الله و قال بلعام لبالاق أنه لا يستطيع أن يتصرف من نفسه و انما وفقا لما امره به الله .

العدد 25 : 1وَأَقَامَ إِسْرَائِيلُ فِي شِطِّيمَ وَابْتَدَأَ الشَّعْبُ يَزْنُونَ مَعَ بَنَاتِ مُوآبَ. 2فَدَعَوْنَ الشَّعْبَ إِلى ذَبَائِحِ آلِهَتِهِنَّ فَأَكَل الشَّعْبُ وَسَجَدُوا لِآلِهَتِهِنَّ. 3وَتَعَلقَ إِسْرَائِيلُ بِبَعْلِ فَغُورَ. فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلى إِسْرَائِيل.

– بعد هذا رأي المديانيين ان الوسيلة الوحيدة لأغضاب الله على الشعب العبراني هو أن يجروه الى الزنا و الى العبادات الوثنية فيحمى غضب الرب عليهم و هو ما حدث فعلا و نراه في الآتي :

 

و نتيجة لهذه الأفعال و الزنا الذي انتشر ، أنتشر الوباء في الشعب العبراني و مات منهم العديدين نتيجة لتلك المكيدة من المديانيين و طلب الله من النبي موسى توقيع عقوبة الأعدام على الرؤساء الذين عبدوا بعل فغور و نتيجة لذلك توقف الوباء الذي حصد أرواح أربعة و عشرين ألفا .

العدد 25 : 9وَكَانَ الذِينَ مَاتُوا بِالوَبَإِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلفاً .

و لهذا طلب الرب من موسى أن ينتقم من المديانيين لأن عين بعين و سن بسن في القتل و لأن سافك دم الأنسان بيد الأنسان يسفك دمه كما تقول الشريعة و لأن المديانيين تسببوا في زناهم و عبادتهم لبعل فغور بضلال الشعب العبراني و أنتشار الوباء فيه مما تسبب في وفاة الآلاف السابق ذكرها .

لهذا نجد الآتي في الأصحاح 25

العدد 25 : 1 6ثُمَّ قَال الرَّبُّ لِمُوسَى: 17«ضَايِقُوا المِدْيَانِيِّينَ وَاضْرِبُوهُمْ 18لأَنَّهُمْ ضَايَقُوكُمْ بِمَكَايِدِهِمِ التِي كَادُوكُمْ بِهَا فِي أَمْرِ فَغُورَ وَأَمْرِ كُزْبِي أُخْتِهِمْ بِنْتِ رَئِيسٍ لِمِدْيَانَ التِي قُتِلتْ يَوْمَ الوَبَإِ بِسَبَبِ فَغُورَ».

 

لقد وقع الله العقوبة على المديانيين كنتيجة للمكيدة و الضلال التي فعلوها بعبادة بعل فغور و تسببهم نتيجة لذلك بالوباء .

و مع هذا طلب الله الأبقاء على أطفال المديانيين و كان عددهم في حدود 32 ألف من ما هم دون الخمسة عشر عاما فكبروا و تربوا بين الشعب العبراني فقد طلب الله الأبقاء على العذارى و الأطفال و بأخذ أن متوسط سن الزواج في القديم كان أربعة عشر عاما أذا فيكون العذارى المقصود بهم من هم أقل من تلك السن أي مادون الخامسة عشر .

لأن الله يعلم جيدا أن هؤلاء الأطفال سيشبون بطريقة لا تغضبه أذا أبتعدوا عن رجاسات أهلهم .

————————————-

حالات أخرى (3)

تثنية 7 : 1 «مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى الأَرْضِ التِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِليْهَا لِتَمْتَلِكَهَا وَطَرَدَ شُعُوباً كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الحِثِّيِّينَ وَالجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالكَنْعَانِيِّينَ وَالفِرِزِّيِّينَ وَالحِوِّيِّينَ وَاليَبُوسِيِّينَ سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ 2وَدَفَعَهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ وَضَرَبْتَهُمْ فَإِنَّكَ تُحَرِّمُهُمْ. لا تَقْطَعْ لهُمْ عَهْداً وَلا تُشْفِقْ عَليْهِمْ 3 وَلا تُصَاهِرْهُمْ. ابْنَتَكَ لا تُعْطِ لاِبْنِهِ وَابْنَتَهُ لا تَأْخُذْ لاِبْنِكَ. 4لأَنَّهُ يَرُدُّ ابْنَكَ مِنْ وَرَائِي فَيَعْبُدُ آلِهَةً أُخْرَى فَيَحْمَى غَضَبُ الرَّبِّ عَليْكُمْ وَيُهْلِكُكُمْ سَرِيعاً. 5وَلكِنْ هَكَذَا تَفْعَلُونَ بِهِمْ: تَهْدِمُونَ مَذَابِحَهُمْ وَتُكَسِّرُونَ أَنْصَابَهُمْ وَتُقَطِّعُونَ سَوَارِيَهُمْ وَتُحْرِقُونَ تَمَاثِيلهُمْ بِالنَّارِ. 6لأَنَّكَ أَنْتَ شَعْبٌ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ إِلهِكَ. إِيَّاكَ قَدِ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَكُونَ لهُ شَعْباً أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ الذِينَ عَلى وَجْهِ الأَرْضِ 7ليْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ التَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. 8بَل مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ وَحِفْظِهِ القَسَمَ الذِي أَقْسَمَ لآِبَائِكُمْ أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ العُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ. 9فَاعْلمْ أَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ هُوَ اللهُ الإِلهُ الأَمِينُ الحَافِظُ العَهْدَ وَالإِحْسَانَ لِلذِينَ يُحِبُّونَهُ وَيَحْفَظُونَ وَصَايَاهُ إِلى أَلفِ جِيلٍ 10وَالمُجَازِي الذِينَ يُبْغِضُونَهُ بِوُجُوهِهِمْ لِيُهْلِكَهُمْ. لا يُمْهِلُ مَنْ يُبْغِضُهُ. بِوَجْهِهِ يُجَازِيهِ. 11فَاحْفَظِ الوَصَايَا وَالفَرَائِضَ وَالأَحْكَامَ التِي أَنَا أُوصِيكَ اليَوْمَ لِتَعْمَلهَا.

———–

تثنية 7 : 16وَتَأْكُلُ كُل الشُّعُوبِ الذِينَ الرَّبُّ إِلهُكَ يَدْفَعُ إِليْكَ. لا تُشْفِقْ عَيْنَاكَ عَليْهِمْ وَلا تَعْبُدْ آلِهَتَهُمْ لأَنَّ ذَلِكَ شَرَكٌ لكَ. 17إِنْ قُلتَ فِي قَلبِكَ: هَؤُلاءِ الشُّعُوبُ أَكْثَرُ مِنِّي. كَيْفَ أَقْدِرُ أَنْ أَطْرُدَهُمْ؟ 18فَلا تَخَفْ مِنْهُمُ. اذْكُرْ مَا فَعَلهُ الرَّبُّ إِلهُكَ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ المِصْرِيِّينَ. 19التَّجَارِبَ العَظِيمَةَ التِي أَبْصَرَتْهَا عَيْنَاكَ وَالآيَاتِ وَالعَجَائِبَ وَاليَدَ الشَّدِيدَةَ وَالذِّرَاعَ الرَّفِيعَةَ التِي بِهَا أَخْرَجَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. هَكَذَا يَفْعَلُ الرَّبُّ إِلهُكَ بِجَمِيعِ الشُّعُوبِ التِي أَنْتَ خَائِفٌ مِنْ وَجْهِهَا. 20«وَالزَّنَابِيرُ أَيْضاً يُرْسِلُهَا الرَّبُّ إِلهُكَ عَليْهِمْ حَتَّى يَفْنَى البَاقُونَ وَالمُخْتَفُونَ مِنْ أَمَامِكَ. 21لا تَرْهَبْ وُجُوهَهُمْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلَهَكَ فِي وَسَطِكَ إِلَهٌ عَظِيمٌ وَمَخُوفٌ. 22وَلكِنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ يَطْرُدُ هَؤُلاءِ الشُّعُوبَ مِنْ أَمَامِكَ قَلِيلاً قَلِيلاً. لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُفْنِيَهُمْ سَرِيعاً لِئَلا تَكْثُرَ عَليْكَ وُحُوشُ البَرِّيَّةِ. 23وَيَدْفَعُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ أَمَامَكَ وَيُوقِعُ بِهِمِ اضْطِرَاباً عَظِيماً حَتَّى يَفْنُوا. 24وَيَدْفَعُ مُلُوكَهُمْ إِلى يَدِكَ فَتَمْحُو اسْمَهُمْ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. لا يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ حَتَّى تُفْنِيَهُمْ. 25وَتَمَاثِيل آلِهَتِهِمْ تُحْرِقُونَ بِالنَّارِ. لا تَشْتَهِ فِضَّةً وَلا ذَهَباً مِمَّا عَليْهَا لِتَأْخُذَ لكَ لِئَلا تُصَادَ بِهِ لأَنَّهُ رِجْسٌ عِنْدَ الرَّبِّ إِلهِكَ. 26وَلا تُدْخِل رِجْساً إِلى بَيْتِكَ لِئَلا تَكُونَ مُحَرَّماً مِثْلهُ. تَسْتَقْبِحُهُ وَتَكْرَهُهُ لأَنَّهُ مُحَرَّمٌ».

———–

قَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ وَهَبَكُمُ الْمَدِينَةَ. وَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ وَكُلَّ مَا فِيهَا مُحَرَّماً لِلرَّبِّ، . . . . أَمَّا كُلُّ غَنَائِمِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَآنِيَةِ النُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ، فَتُخَصَّصُ لِلرَّبِّ وَتُحْفَظُ فِى خِزَانَتِهِ. فَهَتَفَ الشَّعْبُ، وَنَفَخَ الْكَهَنَةُ فِي الأَبْوَاقِ. وَكَانَ هُتَافُ الشَّعْبِ لَدَى سَمَاعِهِمْ صَوْتَ نَفْخِ الأَبْوَاقِ عَظِيماً، فَانْهَارَ السُّورُ فِي مَوْضِعِهِ. فَانْدَفَعَ الشَّعْبُ نَحْوَ الْمَدِينَةِ كُلٌّ إِلَى وِجْهَتِهِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا. وَدَمَّرُوا الْمَدِينَةَ وَقَضَوْا بِحَدِّ السَّيْفِ عَلَى كُلِّ مَنْ فِيهَا مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَأَطْفَالٍ وَشُيُوخٍ حَتَّى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْحَمِيرِ.

 ——————————————

النصوص المختلفة من سفر التثنية و من سفر يشوع تتكلم عن شعوب و قبائل معينة وثنية كانت تسكن في الأرض التى وعد الله بسكناها لشعبه في العهد القديم (ليست تشريع وليست عامة تجاه العالم كله)

و التص الأخير يوضح دخول الشعب العبراني لأريحا و تدميرها و شعب اريحا كان من الشعوب الوثنية التي أغضبت الله بعبادة الوثان و الزنا و الذبائح البشرية فكان حكم الله عليهم تماما كما حكم من قبل على سدوم و عمورة و كما فعل أيام الطوفان و لكن وقع الله عليهم العقوبة هذه المرة عن طريق شعبه لكي تعلم هذه الشعوب المتمردة قوة بأس الله . (اختلاف الوسيلة والعقوبة واحدة)

لقد عاقب الله هذه الشعوب لعبادتهم الوثنية و حرم الأختلاط بهم حتى لا يفتنوا الشعب اليهودي عن عبادة الله كما حدث مع سليمان النبي عندما زاغ عن عبادة الله بسبب تعدد زوجاته من الأمم .

لم يكن شعب الله بقيادة الانبياء المختارين يساومون اي من الشعوب ( اما في التهود او الموت ) لان هذا كان حكم الله النهائي على شعوب تمردت على الله . (ليس من أجل نشر الدين)

لأن الله ليس عنده محاباة فقد وقع عقوبات شديدة على شعب إسرائيل نفسه عندما حاد عن طريقه و أبتعد عن عبادته فسمح بهزيمته شر هزيمة أمام الفلسطينيين الذين أخذوا تابوت العهد منهم و نرى هذا في سفر صمويل الأول كما أنه سمح بسبي الشعب اليهودي مرتان أيام البابليين و أيام الآشوريين و ذلك عندما زاغوا وراء العبادة الوثنية . (ليست موجهة حكرا إلى الشعوب الوثنية بل حتى عندما أخطا الشعب اليهودي نال عقوبته)

الله لم يقل لهم أنكم أعلى من جميع الشعوب إلى مدى الأيام بل جعل ذلك شرط حفظ عهده فقط و عندما ابتعدوا عنه وقع عنهم عقوبات أشد .

و نرى ذلك في نفس سفر يشوع في الأصحاح رقم 7 و انصح بقرائته .

أيضا أمر الله بحفظ العهد للأمم التي لم تغضب الرب بشدة كما فعلت تلك القبائل السابق ذكرها و نرى هذا في الآتي :

سفر صموئيل الثاني 21 : “وكان جوع في ايام داود ثلاث سنين سنة بعد سنة فطلب داود وجه الرب.فقال الرب هو لاجل شاول ولاجل بيت الدماء لانه قتل الجبعونيين

أذا راجعنا هذا النص نكتشف ان هناك عقابا حل على اليهود لانهم لم يلتزموا بعهدا اقاموه مع الجبعونيين ويمكنك قراءة قصتهم في سفر يشوع الاصحاح التاسع ، وسوف نكتشف ان الله عادل سواء مع اليهود او الأمم ، بانه يوقع عقابه على شعبه اذا ما خالف عهدا اقامه مع الجبعونيين .

الحالة الرابعة

من سفر صمويل الأول 15 : 1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكاً عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هَكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً, طِفْلاً وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً».

 

—————————————-

أولا عند خروج بني أسرائيل من مصر و كانوا وحدهم في الصحاري قام العماليق بدون مبرر بالهجوم عليهم لمحاولة أبادتهم و يظهر هذا في سفر الخروج

خروج 17 : 8وَأَتَى عَمَالِيقُ وَحَارَبَ إِسْرَائِيلَ فِي رَفِيدِيمَ. 9فَقَالَ مُوسَى لِيَشُوعَ: «انْتَخِبْ لَنَا رِجَالاً وَاخْرُجْ حَارِبْ عَمَالِيقَ. وَغَداً أَقِفُ أَنَا عَلَى رَأْسِ التَّلَّةِ وَعَصَا اللهِ فِي يَدِي». 10فَفَعَلَ يَشُوعُ كَمَا قَالَ لَهُ مُوسَى لِيُحَارِبَ عَمَالِيقَ. وَأَمَّا مُوسَى وَهَارُونُ وَحُورُ فَصَعِدُوا عَلَى رَأْسِ التَّلَّةِ. 11وَكَانَ إِذَا رَفَعَ مُوسَى يَدَهُ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَغْلِبُ وَإِذَا خَفَضَ يَدَهُ أَنَّ عَمَالِيقَ يَغْلِبُ.

 و أذا رجعنا لسفر التكوين نعرف أن هؤلاء العماليق كانوا يسكنون في الصحراء قرب قادش كما هو مدون في تكوين 14 و قد أرتحلوا مسافة كبيرة لا لشئ سوى الفتك ببني أسرائيل بعد أن علموا بخروجهم من مصر .

ثم صبر الله عليهم مدة من ثلاثة لأربعة قرون أستمروا فيها في الأعتداء على الشعب العبراني محاولين القضاء عليه و يظهر هذا أيضا في سفر القضاة فقد أتحد العماليق مع عجلون ملك موآب

قضاة 3 : 13 13فَجَمَعَ إِلَيْهِ بَنِي عَمُّونَ وَعَمَالِيقَ, وَسَارَ وَضَرَبَ إِسْرَائِيلَ وَامْتَلَكُوا مَدِينَةَ النَّخْلِ. 14فَعَبَدَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِجْلُونَ مَلِكَ مُوآبَ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً. 15وَصَرَخَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ, فَأَقَامَ لَهُمُ الرَّبُّ مُخَلِّصاً إِهُودَ بْنَ جِيرَا الْبِنْيَامِينِيَّ, رَجُلاً أَعْسَرَ. فَأَرْسَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِيَدِهِ هَدِيَّةً لِعِجْلُونَ مَلِكِ مُوآبَ.

 و لهذا طلب الرب من صمويل النيبي محاربتهم و الدليل هو الآتي :

صمويل الأول 15 : 1وَقَالَ صَمُوئِيلُ لِشَاوُلَ: «إِيَّايَ أَرْسَلَ الرَّبُّ لِمَسْحِكَ مَلِكاً عَلَى شَعْبِهِ إِسْرَائِيلَ. وَالآنَ فَاسْمَعْ صَوْتَ كَلاَمِ الرَّبِّ. 2هَكَذَا يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ: إِنِّي قَدِ افْتَقَدْتُ مَا عَمِلَ عَمَالِيقُ بِإِسْرَائِيلَ حِينَ وَقَفَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ صُعُودِهِ مِنْ مِصْرَ. 3فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً, طِفْلاً وَرَضِيعاً, بَقَراً وَغَنَماً, جَمَلاً وَحِمَاراً».

المفروض أن من يقرأ الآيات يدرسها من بدايتها و ليس من نهايتها و أن يتابع الأحداث من أولها

لقد بدأ العماليق بالاعتداء على الشعب العبراني و أرادوا أبادته منذ بداية خروجهم من أرض مصر و لكن الله أعطاهم مدة من ثلاثة لأربعة قرون للتوبة فلم يرتدعوا بل على العكس شنوا حرب أخرى بالتعاون مع عجلون ملك موآب ثم استمروا في شن الغارات على الشعب العبراني فكان قضاء الرب عليهم بعد أربعة قرون بعد أن يأس من إصلاحهم .

———————–

الحالة الخامسة

تُجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها . بالسيف يسقطون . تحطم أطفالهم ، والحوامل تشق

———————–

الحقيقة يستخدم البعض تلك الآيات من سفر هوشع و لا يعرف لا معناها و لا ماتشير أليه

الله دائما في العهد الكتاب المقدس يعبر عن العلاقة بينه و بين شعبه بعلاقة الرجل و امرأته و عندما يضل الشعب وراء الآلهة الوثنية الأخرى كان يقول الكتاب المقدس دائما هذا التعبير زنى الشعب وراء آلهة غريبة و النص الذي يعرضه البعض يشير الى عقاب السامرة التي كانت في مملكة يهوذا و أبناؤها و أطفالها المشار أليها هنا هم نتائج خطاياهم و عباداتهم و لا يفهم منها المعنى الحرفي للكلام كما يظن البعض

المعنى المقصود من وراء الآية ليس المعنى الحرفي و أنما المقصود به نهاية العبادة الوثنية التي أنتشرت في السامرة و أولادها التي هي الخطية فالكتاب يقول :

يعقوب 1 : 15 ثم الشهوة اذا حبلت تلد خطية والخطية اذا كملت تنتج موتا

 سفر هوشع يتكلم كله بهذه اللغة الرمزية السابق شرحها و نجده في الآتي :

هوشع 2 : 1 «قُولُوا لإِخْوَتِكُمْ «عَمِّي» وَلأَخَوَاتِكُمْ «رُحَامَةَ». 2حَاكِمُوا أُمَّكُمْ حَاكِمُوا لأَنَّهَا لَيْسَتِ امْرَأَتِي وَأَنَا لَسْتُ رَجُلَهَا لِتَعْزِلَ زِنَاهَا عَنْ وَجْهِهَا وَفِسْقَهَا مِنْ بَيْنِ ثَدْيَيْهَا 3لِئَلاَّ أُجَرِّدَهَا عُرْيَانَةً وَأَوْقِفَهَا كَيَوْمِ وِلاَدَتِهَا وَأَجْعَلَهَا كَقَفْرٍ وَأُصَيِّرَهَا كَأَرْضٍ يَابِسَةٍ وَأُمِيتَهَا بِـالْعَطَشِ. 4وَلاَ أَرْحَمُ أَوْلاَدَهَا لأَنَّهُمْ أَوْلاَدُ زِنًى. 5«لأَنَّ أُمَّهُمْ قَدْ زَنَتِ. الَّتِي حَبِلَتْ بِهِمْ صَنَعَتْ خِزْياً. لأَنَّهَا قَالَتْ: أَذْهَبُ وَرَاءَ مُحِبِّيَّ الَّذِينَ يُعْطُونَ خُبْزِي وَمَائِي صُوفِي وَكَتَّانِي زَيْتِي وَأَشْرِبَتِي. 6لِذَلِكَ هَئَنَذَا أُسَيِّجُ طَرِيقَكِ بِـالشَّوْكِ وَأَبْنِي حَائِطَهَا حَتَّى لاَ تَجِدَ مَسَالِكَهَا. 7فَتَتْبَعُ مُحِبِّيهَا وَلاَ تُدْرِكُهُمْ وَتُفَتِّشُ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَجِدُهُمْ. فَتَقُولُ: أَذْهَبُ وَأَرْجِعُ إِلَى رَجُلِي الأَوَّّلِ لأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَانَ خَيْرٌ لِي مِنَ الآن .

الأم هنا مقصود بها الشعب اليهودي الذي خان الرب .

9«هَلاَكُكَ يَا إِسْرَائِيلُ أَنَّكَ عَلَيَّ عَلَى عَوْنِكَ. 10فَأَيْنَ هُوَ مَلِكُكَ حَتَّى يُخَلِّصَكَ فِي جَمِيعِ مُدُنِكَ؟ وَقُضَاتُكَ حَيْثُ قُلْتَ: أَعْطِنِي مَلِكاً وَرُؤَسَاءَ؟ 11أَنَا أَعْطَيْتُكَ مَلِكاً بِغَضَبِي وَأَخَذْتُهُ بِسَخَطِي. 12«إِثْمُ أَفْرَايِمَ مَصْرُورٌ. خَطِيَّتُهُ مَكْنُوزَةٌ. 13مَخَاضُ الْوَالِدَةِ يَأْتِي عَلَيْهِ. هُوَ ابْنٌ غَيْرُ حَكِيمٍ إِذْ لَمْ يَقِفْ فِي الْوَقْتِ فِي مَوْلِدِ الْبَنِينَ .

للمزيد حول هذه الشبهة راجع رد البابلي

http://ibrahim-al-copti.blogspot.com/2007/07/blog-post_09.html

—————————————-

الحالة السادسة

من سفر أشعياء : ((وتحطم أطفالهم أمام عيونهم وتنهب بيوتهم وتفضح نساؤهم ))

 —————————————

للمرة الألف نعيد و نكرر لمن لا يفهم عندما نعرض نصا أو آية يجب أن نقرأها في الأصحاح الذي أتت فيه لكي نفهم معناها و ما تشير أليه

و ليس بطريقة القص و اللصق كالجهلاء

أشعياء 13 : 1وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ بَابِلَ رَآهُ إِشَعْيَاءُ بْنُ آمُوصَ: 2«أَقِيمُوا رَايَةً عَلَى جَبَلٍ أَقْرَعَ. ارْفَعُوا صَوْتاً إِلَيْهِمْ. أَشِيرُوا بِالْيَدِ لِيَدْخُلُوا أَبْوَابَ الْعُتَاةِ. 3أَنَا أَوْصَيْتُ مُقَدَّسِيَّ وَدَعَوْتُ أَبْطَالِي لأَجْلِ غَضَبِي مُفْتَخِرِي عَظَمَتِي». 4صَوْتُ جُمْهُورٍ عَلَى الْجِبَالِ شِبْهَ قَوْمٍ كَثِيرِينَ. صَوْتُ ضَجِيجِ مَمَالِكِ أُمَمٍ مُجْتَمِعَةٍ. رَبُّ الْجُنُودِ يَعْرِضُ جَيْشَ الْحَرْبِ. 5يَأْتُونَ مِنْ أَرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنْ أَقْصَى السَّمَاوَاتِ. الرَّبُّ وَأَدَوَاتُ سَخَطِهِ لِيُخْرِبَ كُلَّ الأَرْضِ6وَلْوِلُوا لأَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ قَرِيبٌ قَادِمٌ كَخَرَابٍ مِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. 7لِذَلِكَ تَرْتَخِي كُلُّ الأَيَادِي وَيَذُوبُ كُلُّ قَلْبِ إِنْسَانٍ 8فَيَرْتَاعُونَ. تَأْخُذُهُمْ أَوْجَاعٌ وَمَخَاضٌ. يَتَلَوُّونَ كَوَالِدَةٍ. يَبْهَتُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ لَهِيبٍ. 9 هُوَذَا يَوْمُ الرَّبِّ قَادِمٌ قَاسِياً بِسَخَطٍ وَحُمُوِّ غَضَبٍ لِيَجْعَلَ الأَرْضَ خَرَاباً وَيُبِيدَ مِنْهَا خُطَاتَهَا. 10فَإِنَّ نُجُومَ السَّمَاوَاتِ وَجَبَابِرَتَهَا لاَ تُبْرِزُ نُورَهَا. تُظْلِمُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَالْقَمَرُ لاَ يَلْمَعُ بِضُوئِهِ. 11وَأُعَاقِبُ الْمَسْكُونَةَ عَلَى شَرِّهَا وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى إِثْمِهِمْ وَأُبَطِّلُ تَعَظُّمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَأَضَعُ تَجَبُّرَ الْعُتَاةِ. 12وَأَجْعَلُ الرَّجُلَ أَعَزَّ مِنَ الذَّهَبِ الإِبْرِيزِ وَالإِنْسَانَ أَعَزَّ مِنْ ذَهَبِ أُوفِيرَ. 13لِذَلِكَ أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ وَتَتَزَعْزَعُ الأَرْضُ مِنْ مَكَانِهَا فِي سَخَطِ رَبِّ الْجُنُودِ وَفِي يَوْمِ حُمُوِّ غَضَبِهِ. 14وَيَكُونُونَ كَظَبْيٍ طَرِيدٍ وَكَغَنَمٍ بِلاَ مَنْ يَجْمَعُهَا. يَلْتَفِتُونَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى شَعْبِهِ وَيَهْرُبُونَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى أَرْضِهِ. 15كُلُّ مَنْ وُجِدَ يُطْعَنُ وَكُلُّ مَنِ انْحَاشَ يَسْقُطُ بِالسَّيْفِ. 16وَتُحَطَّمُ أَطْفَالُهُمْ أَمَامَ عُيُونِهِمْ وَتُنْهَبُ بُيُوتُهُمْ وَتُفْضَحُ نِسَاؤُهُمْ. 17هَئَنَذَا أُهَيِّجُ عَلَيْهِمِ الْمَادِيِّينَ الَّذِينَ لاَ يَعْتَدُّونَ بِالْفِضَّةِ وَلاَ يُسَرُّونَ بِالذَّهَبِ 18فَتُحَطِّمُ الْقِسِيُّ الْفِتْيَانَ ولاَ يَرْحَمُونَ ثَمَرَةَ الْبَطْنِ. لاَ تُشْفِقُ عُيُونُهُمْ عَلَى الأَوْلاَدِ. 19وَتَصِيرُ بَابِلُ بَهَاءُ الْمَمَالِكِ وَزِينَةُ فَخْرِ الْكِلْدَانِيِّينَ كَتَقْلِيبِ اللَّهِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ. 20لاَ تُعْمَرُ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ تُسْكَنُ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ وَلاَ يُخَيِّمُ هُنَاكَ أَعْرَابِيٌّ وَلاَ يُرْبِضُ هُنَاكَ رُعَاةٌ. 21بَلْ تَرْبُضُ هُنَاكَ وُحُوشُ الْقَفْرِ وَيَمْلَأُ الْبُومُ بُيُوتَهُمْ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ بَنَاتُ النَّعَامِ وَتَرْقُصُ هُنَاكَ مَعْزُ الْوَحْشِ 22وَتَصِيحُ بَنَاتُ آوَى فِي قُصُورِهِمْ وَالذِّئَابُ فِي هَيَاكِلِ التَّنَعُّمِ وَوَقْتُهَا قَرِيبُ الْمَجِيءِ وَأَيَّامُهَا لاَ تَطُولُ.

هذا الأصحاح يتحدث النبى  (نبوة = وحي) عن الخراب الحرفى الذى سيحدث لبابل بمحاصرتها وسقوطها على أيدى مملكة مادى وفارس والتى سوف تدمر قصورها وسوف يكون خرابها تاماً بحيث لن تقوم مرة ثانية وهذا حدث بالفعل فقد دمرت بابل ولم يعد لها ذكر إلى يومنا هذا وما هى الأن إلا مجموعة من الخرائب يبحث عنها علماء الآثار.

و ما تزال بابل القديمة خربة حتى الآن و تقع على ما أظن حوالي 50 كم جنوب العاصمة بغداد .

الذين خربوا بابل هم مملكة مادي و فارس و لا علاقة للشعب اليهودي بذلك يدعي البعض .

———————————

تعليق : من ابراهيم القبطي

نجد في حروب العهد القديم

1) لم تكن بهدف نشر الدين اليهودي (لا يمكن الحكم على الضمائر من جهة الايمان أو عدمه بقوة السيف ، واليهودية لم ولن تكون ديانة تبشيرية أو دعوية)

2) لم تكن شريعة أو سنَّة (اليهود لم يحاربوا على سنة موسى أو يشوع أو داوود) كلها كانت حروب موجهة تجاة شعوب معينة ولم يجعلها اليهود نبراسا أو سنة أو شريعة لقتال العالم أجمع (محددة زمانيا بالحدث نفسه)

3) لم تكن موجهة للعالم كله بل تجاه شعوب معينة (محددة مكانيا وجغرافيا)

4) لم تكن دائما موجهة للشعوب الوثنية : بل وبعدل الإله كانت توجهة ضد من يخطئ ، والأمثلة كثيرة على عقوبات إلهية موجهة للشعب اليهودي نفسه على أيدى شعوب وثنية لأنهم كسروا العهد مع الرب

5) دائما وكانت لها أسبابها ، ومنحت الكثير من الفرص لهذه الشعوب بالتوبة : كمثل شعب عماليق الذي صبر عليه الرب أكثر من ثلاث قرون قبل أن يأمر بإفنائه

وهذا أوضح في قصة يونان مع شعب نينوى في سفر يونان الاصحاح الثالث والذي لم يعاقب فيه الرب الشعب التائب

ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً:

«قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا».

فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلَّهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.

 فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَنَادَى: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً تَنْقَلِبُ نِينَوَى».

فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللَّهِ وَنَادُوا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحاً مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ.

وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ.

وَنُودِيَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئاً. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً.

وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ وَيَصْرُخُوا إِلَى اللَّهِ بِشِدَّةٍ وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ

لَعَلَّ اللَّهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجِعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ».

فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ نَدِمَ اللَّهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ فَلَمْ يَصْنَعْهُ.

6) كل حرب في العهد القديم كان حكم الرب فيها مختلفا ، فمرة يأمر بالابقاء على الشعب ، ومرة يأمر بإفنائه ، ومرة ينتقي من يبقى ، ومرة يحرم حتى البهائم …

ومن هذا يمكن استنتاج أن كل شعب أمام الرب كان حالة خاصة تختلف فيها قابلية الإصلاح أو التوبة من عدمه … وبهذا أختلفت الأوامر الإلهية في كل حالة

7) كل هذه الحروب والعقوبات (الغير تشريعية) هي جزء من العهد القديم يشرح معاملات الرب مع الإنسان (يهودي أو وثني) … عندما يخطئ دون توبة ومحاولات إصلاح كثيرة

مع اليهودي كانت العقوبات أشد لأنه أقام عهدا مع الرب ، فكانت خطيئته أعظم

مع الوثني لم تكن العقوبات لأنه كسر عهدا مع الرب (لأنه لم يكن هناك عهد من الأساس) بل كان عقوبات على جرائم محددة بعينها سواء جرائم أخلاقية (مثل الزنا والفجور وتقديم ذبائح بشرية) أو جرائم ضد الشعب اليهودي (مثل عماليق)

8) يهوه في العهد القديم لم يكن يحب الحرب والدم ، فهي حروب آلمت قلب الرب المحب ، ولكنها عادلة في تنفيذها العقوبة ، لأنه قدوس .

مثال ما قاله الرب لداوود

وَقَالَ دَاوُدُ لِسُلَيْمَانَ: «يَا ابْنِي, قَدْ كَانَ فِي قَلْبِي أَنْ أَبْنِيَ بَيْتاً لاِسْمِ الرَّبِّ إِلَهِي.   فَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: قَدْ سَفَكْتَ دَماً كَثِيراً وَعَمِلْتَ حُرُوباً عَظِيمَةً, فَلاَ تَبْنِي بَيْتاً لاِسْمِي لأَنَّكَ سَفَكْتَ دِمَاءً كَثِيرَةً عَلَى الأَرْضِ أَمَامِي. (1أخبار 22: 8)

————————-

عبد المسيح

مع بعض الإضافات من ابراهيم القبطي

يتبع بالجزء الثاني عن الحروب الجهادية في الإسلام

Posted in لاهوت دفاعي -عام, إسلاميات عامة | 2 تعليقان »

قبسٌ من الرّب أطفاه السياسي محمد … كامل السعدون

نشر بواسطة: mechristian في جويلية 5, 2007

لعبت هاشمَ بالملك فلا خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزلْ

لقد أقتبس محمد من الرّب قبساً فأطفأه السياسي في محمد وأحاله إلى لعنةٍ نعاني منها اليوم كما عانت منها أممٌ وشعوبٌ عديدة منذ انطلاق الدعوة حتى يوم الله هذا .

الرّب … الأزلي الخالدُ الموجودُ أبداً … البسيط غاية البساطة …الحبيب كلّ الحب ، أحاله محمد إلى بضاعةٍ سياسيةٍ سلطويةٍ دفعت الأجيال ولا زالت استحقاقاتها وأُجبرت أممٌ وشعوبٌ عديدةٌ أخرى على الدفع ، دماً ودمعاً ومالاً و…خراب …!

لم يكن قبس الحقيقة الذي أقتبسه محمد ، أكبر من هذا الذي أقتبسه بن عربي أو الحلاج أو بوذا أو لاوتسي أو يسوع أو …الدالاي لاما ، ولكن محمد فعل ما لم يجرؤ هؤلاء وغيرهم على فعله …. أحاله إلى أيديولوجيا متناقضة ساذجة مضطربة عدوانية عنصرية دموية ضيقة الأفق تفتقد للرحابة و تناقض العقل والمنطق…!

أي متأملٍ في يومنا هذا ( والتأمل الخالص هو الخروج من سجن العقل إلى الفضاء الكوني اللامحدود الذي تسبح فيه الأرواح بحريةٍ لتتواصل مع الروح العليا ، روح الرّب الواحد ) يمكنه أن ينال من قبس الحقيقة ذات المقدار الذي ناله محمد ، بل أكثر ، لكن أي متأملَ يجرؤ على التصدي للهم السياسي المادي الدنيوي ، الذي تصدى له محمد ، فيحيل نور الحقيقة إلى شرعٍ مضطربٍ عنصريٍ وتاريخٍ زائفٍ متناقض ونسقٍ أيديولوجي مستلبٍ لحقوق الآخرين وحرياتهم …؟

لقد أبدعَ محمد كتاباً جامعاً شاملاً هزيلاً غاية الهزل حافل بجميل الكلام والكثير من اللغو في القصّ وبأسماء وحكايات غريبة ومتناقضة ، لم تثبت الكشوف العلمية صحةَ أيٍ منها ، وإذ تحاول أن تجد قبساً روحانياً في الكتاب على سعته فإنك تعود فارغ اليدين ، إذ لا روحانية في الكتاب على الإطلاق …!

أساطير العهد القديم أعاد محمد قصّها بأسماء جديدة تناسب اللغة العربية وذائقة القبائل العربية ، أما الجزء الأكبر في الكتاب فكان مشغولاً بمتاعب محمد وأسرته ونسائه مع قريش وقبائل العرب الأخرى وجلّها تعنى بالدفاع عنه وعن نسائه وأصحابه .

لم يكن العرب في واقع الحال من السذاجة في أن يتقبلوا ما جاء به محمد بسهولة ، لا مطلقاً … بل قاوموه ووضعوا أمام عينيه أسئلةٍ

محرجة تعذر عليه الإجابة في الكثير منها ، ولكن قريش وبحكم ذكائها التجاري ، وبحكم إطلاع تجّارها على حجم التطور الجاري خارج حدود جزيرة العرب ( مصر والعراق وبلاد الشام وفارس ) ، وجدت في الدين الجديد باب استثمار كبيرٍ قادم ، لو أنها هادنت محمد وأظهرت له الدعم والولاء ولو زيفاً …!

وكان لقريش ما أرادت ، فبعد أن شرعت بسحق القبائل المنافسة أو طيها تحت العباءة الإسلامية ، تزعمت جيوش الفتح الإسلامي لتنال النصيب الأكبر من الغنائم والأسواق التجارية .

انتصرت العقيدة الإسلامية بحكم قوة التصورات الذي خلقها محمد في أذهان أتباعه ، وجلّ تلك التصورات دنيويةٌ ماديةٌ .

كان الرجل مقنعاً للغاية ، لأنه كان ذاته مؤمنٌ غاية الأيمان بهذا الذي يقوله ويعيد تصويره بمهارةٍ فنّيةٍ رائعة .

كان خصب الخيال ، ملهماً ذكياً بارعاً في القول وفي الحلم و…يعرف جيداً ما يريد ….وما يريده الآخرون …!

وماذا يريد الآخرون …؟

ماذا يريد العبد الأسود الذليل الذي لا أمل له ولا مستقبل ؟

ماذا يريد البدوي … الصحراوي …راعي الإبل ؟

بل وماذا يريد شيخ القبيلة … الزعيم القبلي الذي لم يبارح صحراءه ، ولا يعلم ماذا وراء حدود هذه الصحراء ؟

القيمة …المال … الجنس …. الخلود …!

حسناً …. لكم ما تشاءون إن خرجتم معنا … لكم الأهمية والقيمة والمال والنساء والسلطة و… الخلود بعد الموت …!

المال … خذوا كل ما تغنمون من الآخرين واقتسموه بينكم ، ومن لا يخرج ليس له في الغنائم نصيب …!

الجنس … لكم بنات ونساء وأمهات… أعدائكم (…بل وحتى سلاطينهم) … أزواجاً وجواري …!

ثم …لكم أوطانهم وضياعهم وأراضيهم وبيوتهم حلالٌ وحقٌ لن ينازعه فيكم أحد …!

ماذا يريد الناس أكثر من هذا ، وهم يعيشون الحروب والغزو الدائم بينهم منذ الأزل دون أن يحصل تراكمٌ حقيقيٌ في الثروة والمال والمتعة ونمط العيش ؟

وماذا يرادُ منهم مقابل هذا ؟

لا شيء أكثر من أن يؤمنوا أو يدّعوا الإيمان ويكفّوا عن الاقتتال بينهم ليتفرغوا لقتل آخرين من غير جنسهم أو يطّوعوهم لقناعاتهم ويستلبوا بالحسنى قلوبهم وعقولهم فيوفروا دمائهم ويقللوا حجم الكراهية وبالتالي يمكن أن يكون الاستثمار أبعد شأواً من الغزوات القبلية السابقة …مضافاً إلى أن أولئك الآخرين أكثر ثراءٍ وبسطةٍ في العيش ونسائهم أجمل وأرقّ حاشيةٍ وأكثر تحضراً .

حسناً … والخلود يا محمد …؟

نريد خلوداً وإقامةٍ أبديةٍ في بسطةٍ ورخاء من العيش ولذّات لا تنفذ …!

ولكم هذا … أجاب محمد …!

ولكم هذا ، وما هي إلا إنتقالةٌ سريعةٌ من هذا البعد الفيزيقي الثقيل الجرم إلى بعدٍ سماويٍ شفاف تنعمون فيه بصحبة خير الصحاب وأجمل النساء والغلمان …!

هناك تلتقون بمن فقدتم وترون جميلات العصور وحكماء الدهور منذ الأزل ، هناك تنعمون بما لا رأت عينٌ ولا سمعت أذن ، من نعمٍ يعجز اللسان عن وصفها …!

أنهارٌ من الخمر والعسل واللبن … !

ونساءٌ فائقات الجمال من كل شكلٍ ولون ، وولدان …آياتٌ في الحسن بديعات …!

ما هي إلا شهقةُ الموت ، وإذ بكم في العالم الآخر ، شريطة أن تموتوا على هذا الطريق الذي انتهجناه في نشر دعوتنا وإقصاء دعوات الآخرين …. كلّ الآخرين …!

مالٌ وجنسٌ وخمرٌ وخلودٌ وغلمان …!

ماذا يريد الناس أكثر من هذا …؟

لو لم يكن للدعوة المحمدية ما كان لها من منظومةٍ قيميةٍ مصاحبة لا يشك أحدٌ بجمالها وجودتها وضرورتها للنجاح ، كالصدق والأمانة وعفة اللسان وحرمة دم المسلم وماله وعرضه ، لكانت قبائل المسلمين كقبائل الهون التي دمرّت الإمبراطورية الرومانية أو كقبائل التتر الذين استباحوا الشرق فدمروا حضارته وأفسدوا في الأرض أيما إفساد ، والذين أتطفأ وهج غزواتهم بعد حينٍ ولم ينجحوا في أن يحسنوا استثمار ما ملكوا إلا بعد أن اعتنقوا ديانات ضحاياهم …!

المنظومة الأخلاقية ، سلاحٌ حيويٌ سحريٌ ، ييسر عبور الصحارى والبحور المفضية إلى أسوار قلوب الآخرين قبل أسوار مدنهم …وامتلاك نبضات القلوب وخطرات الفكر قبل الوصول إلى الجيوب والدكاكين وقصور الملوك …!

وهي عدّة المقاتل وزوادته التي تغذيه بالمعنى في الاستمرار في هذا الدرب المفضي إلى الموت أو المجد ..!

أنها ضروريةٌ للغاية في عبور أنفاق الملل والإحباط والشك والجبن والتردد واللا معنى …!

المنظومة الإيمانية في الإسلام ( والأخلاق من ضمن مفرداتها ) تضع كامل حياة الفرد ( أي فردّ ) ضمن مخططٍ أيديولوجي واحدٍ سالف التخطيط بسيط المفردات ( المتطلبات ) ، يماثل إلى حدٍ كبيرٍ دائرة محكمة الإغلاق ( أو هكذا يبدو للسذج من الناس ) ، يبدأ بأن تؤمن ( أو تتظاهر بالإيمان ) وتنفذ كامل حزمة الإيمان أو البعض منها ثم تموت لتذهب إلى الآخرة فتخلد في الجنّة لتكمل نواقص الدنيا وتتنعم بكل ما فاتك أو تواصل التنعم بما لم يفتك وما لم تفرط فيه على حساب متطلبات الآخرة .

ونجح الإسلام في أن يعطي الناس إحساساً بالهوية والقيمة والمعنى كما وأشبعهم مادياً وبالذات قادة الجند وزعماء القبائل والجيش .

مدى مصداقية كل هذا الذي منحه الإسلام لأتباعه ، تجلى زيفه وضحالته وتهافته بعد سنوات قليلة من ظهور الدعوة ، وقبل وفاة محمد ذاته إذ أقتتل الأنصار والمهاجرين على من سيرث الملك ، وما هي إلا بضع سنينٍ أخرى وإذ بالحياة تنتصر على دعوات الموت ، وإذ بالسياسة تنتصر بشكل مطبقٍ مطلق على الجانب الديني الأخروي للإسلام ، وما عاد من الأيديولوجيا إلى طقوسٍ تمارس بأقل قدرٍ من الإيمان وأكبر قدرٍ من الاضطرار والخوف …والشك !

الأسلاف الذين تدفقوا عابرين الصحارى والفيافي جهة بيزنطة ومصر وفارس والعراق وفي عيونهم تتلألأ وجوه الجواري الأصفهانيات والقبطيات والرومانيات وأحلام الملك والثروة وضياعٌ فسيحةٌ على الفرات أو النيل ، أولئك أنتابهم الخمول والخور والملل والبطر بعد حينٍ ، إذ شبعوا مما ملكوا ، ولم يتخلف من الإسلام بعد بضع قرونٍ إلا أمةٍ جبانةٍ مثقلةٍ بالخوف والذلّ والمهانة …!

الخوف الذي زرعه محمد في أتباعه من الفشل في تحقيق شروط إرضاء الرب ، تحول عبر الوراثة والتلقين المتواصل إلى كابوسٍ يخنق الأنفاس ويسحق العقول والضمائر …!

القيم الجاهلية التي عززها محمد بنصوصه القرآنية ثم توالى التابعين جيلاً إثر جيلٍ بأغنائها بالإضافات ، عززت من انفصال المسلمين عن بقية بشر الله ، بل وعززت الانفصال الداخلي في ذات الأمة الإسلامية بين الرجل والمرأة ، بل وعززت انفصال المرء ذاته عن ذاته ، فالمرء لكي يصلح إيمانه لا بد له من أن يتبع شروط الأيمان الصالح التي خطها السلف الصالح وبالتالي عليه أن يتنكر لعقله وروحه وضميره الذاتي وينحاز لضمير محمد وعقل عثمان وروح الأسلاف الصالحين ، لكي ينجح في العبور من برزخ المادة الكريه الثقيل إلى فضاء الجنة الجميل .

المدهش أن الإسلام عاش لأكثر من ألف عامٍ ، لا هو بالحي فينمو ويتنفس ويتكاثر ويزدهر وتزدهر من خلاله الأمم التي تتبعه ، ولا هو بالميت فيدفن ويترحم عليه …!

لماذا ظل يحتضر كل هذا الدهر دون أن يموت … أو أن يتطوع عقلٌ لامعٌ ليطلق عليه رصاصة الرحمة …!

بل لماذا لم يتسنى له من ينقذه من احتضاره أو على الأقل يحرر قبس الرّب الحبيس كفّه ثم يدعه يموت …لماذا ؟

حسناً …. إشكالية الإسلام ، والتي تجعله مغايرٌ لكثيرٍ من الأيديولوجيات الإصلاحية ( السياسية والقيمية ) ، هو إنه جعل الإيمان إلزامياً وربطه بثنائية العقاب والثواب .

أنت ملزمٌ كمسلم ولو بالوراثة في أن تؤمن أو تدعي الإيمان بكامل الحزمة الإيمانية ، فإن لم تفعل فأنت كافرٌ مرتدٌّ ودمك حلالٌ ، ولأي صعلوكٍ الحق في سفك دمك …!

هنا … بين أن تموت وأن تبقى حياً حتى يغيض لك الرّب ميتةٌ طبيعية ، عليك أن تحافظ على مظاهر الإيمان وأولها أن تصون لسانك وتغلق على عقلك بالضبة والمفتاح .

وهذا ما فعلته الأجيال جيلاً إثر جيل منذ أكثر من ألف عام ، وعلى هذا عاشت وماتت عقولٌ وعقولٌ عظيمة كان من الممكن أن ترتقي بأممها مراقي العزّ والمجد لولا إلزامية صون اللسان والحجر على شطحات الفكر من أن تنطلق بحرية .

الإيمان الملزم لم يكن سمة الإسلام وحده ، فقد كانت المسيحية أيضاً ولبضع قرونٍ خلت تلزم الناس بالإيمان أو ادعائه ، ولكن الفرق بين الكنيسة المسيحية والجامع الإسلامي هو أن الكنيسة لم تكن تنطلق من قولٍ فصلٍ ليسوع بإلزامية التدين أو إظهار التدين ، لا … أبداً …!

يسوع لم يفترض أن لديه رسالةٌ إلزامية للبشر بضرورة التعبد والدعوة .

يسوع قال لهم حين أرادوا تنصيبه ملكاً عليهم ( مملكتي ليست بينكم ولكنها هناك … في سماء الرّب ) .

يسوع لم يكن داعية سياسي أو ديني يلزم الناس على إتباعه وتحقيق حلمه في مملكةٍ عريضةٍ يتهجد الناس فيها باسم الله ليل نهار ويحاربون باسم الله… ليل نهار …!

يسوع … لم يسلم خده الأيسر حسب لمن صفع خدّه الأيمن ، بل أسلم جسده وروحه لأعواد الصلب الرومانية دون أن ينتحب أو يبكي أو يعترض أو … يرفع سيفاً …!

أما محمد فقد كان مقاتلاً …كان لديه عدة حربٍ ( سيفٌ ودرعٌ وجوادٌ ) ، وكان يتقدم الصفوف أحياناً ويضع الخطط ويرسم التحالفات ، ويقاتل ويفاوض ويقتل ، ويبعث بمن يغتال له الخصوم ( من المرتدين والمتنبئين ) وهم على أسرّتهم وبين بنيهم وأهليهم …!

محمد دافع عن قناعاته بقوة وبكل السبل ، وربط تلك القناعات بحلم إقامة الدولة الإسلامية العريضة ، والزم الناس بالولاء الذي يكافئ صاحبه عزّاً في الدنيا وفي الآخرة .

محمد وضع شروط إقامة الدولة الشمولية ، إذ ألزم الحاكم بضبط عقول وقلوب المحكومين وألسنتهم ضمن النسق المعرفي الضيق الذي أوجده …!

بل ولم يكتفي بهذا بل أغلق على الناس باب الإبداع والاجتهاد للخروج من النفق المعرفي الساذج الذي أوجده ، فقال لهم ( ما نصّه بلغة عصرنا ) لا تنتظروا أحداً بعدي فأنا آخر من أتاكم من الرّب وتلك آخر الرسالات الربانية ، أما ما سلف من رسالاتٍ فهي ما عادت صالحةٌ بوجود رسالتي وبالتالي فيجب على أولئك التابعين لتلك الرسالات أن يجددوا معارفهم وقناعاتهم بأتباع الجديد الذي جئت به والذي هو مكملٌ للقديم الذي لديهم ، هذا إذا لم يشاءوا ( أولئك التابعين للأديان الأخرى ) أن يعيشون في مملكتي بغمٍ وكربٍ وذلّ ، إذ …ما لدي وحدي هو الصالح من يومي هذا وإلى أبد الآبدين .

هذا بعض ما تركه محمد لأسلافه وللناس كافة .

الأتباع تمسكوا بقشرة النهج المحمدي لأنها الضمانة لاستمرار النعم المادية من عبيدٍ وجواري وغلمان وملك وسلطةْ ، والثمن الذي ضل يُدفع ، كان من بعض ما تملك النفس البشرية المراوغة دفعه ، إدعاء الإيمان والتظاهر به .

المدهش أيضاً في الإسلام أن المدعين به هم الوفر حظاً في النعمى من الصادقين فيه ، رغم قلتهم وكثرة الآخرين .

المدعين كانوا الأوفر حظاً في الثراء والنساء والسلطة والعمر المديد ، أما الصادقين فكانوا الأذلّة المنبوذين …!

لماذا …؟

وتلك سمت كل الأيديولوجيات الشمولية الجبرية ، لأنها تفسح للنفاق باباً واسعاً إذ ليس من قدرةٍ مخابراتيةٍ يمكن أن تستبطن وتستجلي خفايا القلوب هذا أولاً ، وثانياً لأن من يتصدى للجانب الدنيوي الخالص من الدين هم أولئك المفرطون في الحسية ولا يتم الإفراط في الحسية إلا على حساب الروحانية .

مضافاً إلى أن الروحانية في الإسلام تكاد تكون شاحبةٍ هزيلةٍ أصلاً ، إذ إن محمد ذاته قد فرقّ بين نهجه ونهج من سبقوه من أديان بالقول ( لا رهبانية في الإسلام ) بمعنى أن العزلة والوحدة والتأمل الخالص والتقشف ليست من صفات الإسلام وإن اعتمدت أحياناً فلغرض إغراء الناس بأن هناك روحانية في هذا الدين .

ولهذا نجد أن جلّ المتصوفة الإسلاميين الصادقين على افتراق كبيرٍ مع رجال الشرع ويسمون أنفسهم أهل الحقيقة لا أهل الشرع ، بل إن جلّهم كانوا يتعبدون بطرقهم الخاصة ويقولون أن ما هو فرضٌ على أهل الشرع ليس بفرضٍ عليهم .

ما نراه في يومنا هذا مما تبقى من الإسلام ، لا يسرّ إلا القلّة من الجهلة والغوغائيين والمحبطين نفسياً وجنسيا .

إننا في أشد حالات التناقض والإحتراب مع أنفسنا والحياة والعالم من حولنا وحقائق العلم ومسلماته التي لا تقبل الجدل أو الشك .

نحن ضائعون خائبون معزولون مضطربون ، لا نعرف ما نفعل بهذا الموروث الثقافي الكسيح الذي لدينا والعاجز عن أن يفسح لنا فسحة تواصل مع الخارج ومع الحياة .

ما مصيرنا في هذا العالم ، وما مصير هذا العالم الجميل من حولنا بهذا الغليظ الثقيل الساذج العاجز الذي نرتديه ويرتدينا .

هذا الذي يثقل خطانا وأكتافنا ، فلا نحن قادرين على إصلاحه ليتحرك بعجلته الذاتية ، ولا نحن قادرين على التخلص منه لننطلق بخفةٍ وحرية .

أضن أننا وصلنا إلى مرحلة اللارجعة في الخيارات … أما أن نكون أو لا نكون …!

أما أن نعيش كبشر مثل كل بشر الله بلا قيود داخليةٍ نحملها حيث نذهب وإما أن نسحق بالكامل تحت وطأة أغلال محمد حتى نتحجر كالديناصورات .

لم يعد هناك هامشٌ للمناورة فالعولمة ستغزو الكون وجوامعنا وتكايانا ومقابر أشياخنا وقصور شيوخ قبائلنا ، لن تستطيع حتى أن تحمي نفسها من الغزو الحضاري المبارك القادم .

لقد عصفت العاصفة المباركة ، وأنطلق الطوفان هادراً ولن يستطيعون الظلاميون وقفه وأن قتلوا ألفاً أو ألفين أو مليون منّا … !

 

Posted in إسلاميات عامة | Leave a Comment »

تاريخ الإلحاد في الإسلام

نشر بواسطة: mechristian في جوان 25, 2007

1 – مدخل للدراسة والتحليل

حركات الإلحاد قديمة قدم البشرية نفسها، فعلى الرغم من أن الكثير يعتقدون أن الإيمان بوجود عالم الروح وما فوق الطبيعي هو صفة إنسانية تغوص في القدم إلى المجتمعات البشرية البدائية ويعتقدون أن الإلحاد من علامات العصر الحديث، إلا أن هذا المفهوم خاطئ تماما، ففي نفس الوقت الذي كانت فيه البشرية تحاول أن تستعيد العلاقة المفقودة مع الله، وضل البعض في فهم قوي الطبيعة بإحيائها واسقاط الصفات البشرية الطبيعية والفوق طبيعية عليها ونصبوها آلهه، وحاول آخرون اشباع المطلق والمثالي بالبحث عن الإله في صفات مجردة، كانت هناك حركات شبه متمردة، تعلن العصيان على قوي الآلهة وتتحدها.


لعل أول هذه الحركات المسجلة تاريخيا للإلحاد كانت في الهند بالتقريب 1000 قبل الميلاد (ق.م.)، حيث كانت أول علامات الشك في النص المكتوب “
Rig-Veda” : “من يعلم عن يقين؟ من يعلنها هنا؟ متى ولد ومتى تكون هذا الخلق؟ الآلهة خلقت بعد ميلاد هذا الكون. إذن من يستطيع أن يعلم من أين نشأ الكون؟ لا أحد يعلم كيف تكون الخلق ولا هل هو(الإله الأعظم) من صنع العالم أم لا . هو من يفحص الكون من السموات العليا، هو من يعلم، أو ربما هو لا يعلم.” ومن هذه الخطوات الأولى في الشك بدأ الإلحاد في الظهور.


وبعد ما يقرب من 500 عام أخري ( 500 ق.م.) ظهرت البوذية، والتي استوحت أفكارها من ال”
Rig-Veda” حيث حاول بوذا (563-483 ق.م.) أن ينقل الفكر من التركيز على الآلهه، والتي كان عددها قد جاوز الآلاف في الهندوسية، إلى التركيز على المعاناه الإنسانية والخلاص منها، فأرجع السبب إلى المعاناه إلى تعلق البشر ورغباتهم، وهي التي تخلق الألم عند عدم تحقق الرغبات، وللتخلص من المعاناه والألم، ينبغي التخلص من الرغبة، والهروب من عجلة القدر الثمانية، وبالتالي الوصول إلى النرفانا، أو اللاتعلق، أو اللارغبة. وفيها يتوحد الإنسان بالكون ويذوب فيه. ولا يخفى أن ذكر الآلهة لم يدخل ضمن البوذية على الإطلاق، وإنما هي فلسفة بشرية بحته، وعندما سئل بوذا عن وجود الله لم يجب، فالبوذية لا تختص بالآلهة بل بالمعانة البشرية وبالتالي لا تحمل أي اجابة عن الله، وهذا ما يصنف في العصر الحديث باللامعرفة أو اللاأدرية “agnosticism“، والموت في البوذية ما هو إلا عنصر في العجلة الثمانية، وكلما يترقي الإنسان في طريق النرفانا عندما يموت يولد من جديد في جسد مختلف أرقى، إلى أن يصل إلى النرفانا فيتخلص من العجلة وإعادة التجسد كلية ويبقى روحا علوية.
وفي نفس العصر تقريبا كانت الفلسفة اليونانية تصول في القارة الأوروبية، ففي حوالي عام 420 ق.م. ظهرت النزعة المادية في اليونان، وبدأ مبدأ الذرات كعنصر أوحد وأساسي للكون في الظهور على يد ديموقريطس “
Democritus“، والذي دفع بنظريته بعيدا، إلى حد أنه ألغى وجود الآلهة في عالم مادي بحت، ويقال أيضا أنه من المؤسسين لعلوم الفلسفة والرياضيات ونظرية المعرفة.


و بحلول القرن الرابع قبل الميلاد (341-270 ق.م.) ظهر في اليونان أبيقور “
Epicurus والذي يعتبر وبحق أول فيلسوف ملحد ظاهر، وهو الذي أنشأ ولأول مرة “مجادلة الشر” :
“هل الله يريد أن يمنع الشر ولكنه لا يستطيع؟ إذن فهو ليس كلي القدرة.
هل هو قادر على منع الشر ولكنه لا يريد ؟ إذن فهو خبيث وشرير النزعة.
هل هو قادر ويريد منع الشر؟ إذن من أين أتى الشر؟
هل هو غير قادر ولا يريد منع الشر؟ إذن لماذا نطلق عليه إله؟”

و هذا مما قاده بعد ذلك إلى تبني إلهين، أحدهما للخير والآخر للشر، ويقال أنه لم يؤمن في حياة بعد الموت. وربما كان هذا بداية الحركة الفكرية التي قادت ذرادشت في فارس إلى الخروج بديانة الصراع بين إلهين إله الخير “أهور-مزدا” وإله الشر “أهرمن”.
و نستطيع أن نقول أنه في أوائل ظهور المسيحية، بدأت النزعات الإلحادية والتعددية (تعدد الآلهة) إلى الاختباء لفترة من الزمن، ولعل الصراعات الدينية بين الطوائف المسيحية، ثم ظهور الإسلام كلاعب على المسرح العالمي وغزوه لمناطق الحضارات القديمة واحتلاله الكامل لفارس وشمال أفريقيا والعراق والشام وتهديده المستمر للأمبراطورية الرومانية الشرقية في القسطنطينية لم يدع أي مساحة من التطور الفكري أو الجدل . فالإلحاد بلا شك هو فكر من أفكار الأقليات، والأقليات لا تزدهر في عصور الحروب والقلاقل بل تختبئ.
ثم ظهرت الحروب الصليبية من أوائل القرن الـ11، واستمرت حوالي القرنين من الزمان في محاولة المسيحية الغربية أسترداد الأراضى المسيحية المقدسة التي أخذها الإسلام قبل ثلاثة قرون من الزمان. وهو نفس العصر الذي بدأ فيه الإلحاد أن يظهر في داخل الحضارة الإسلامية في بغداد بعيدا عن منطقة الصراع الإسلامي الصليبي على حدود الشام، وبدأت الثقافات التي غزاها الإسلام تؤثر في تطوره الفكري…

—————————————-

2 – العصر الإسلامي الأول

بدأ الإلحاد في العصر الإسلامي وللغرابة منذ نشأة الإسلام، فإذا اعتبرنا أن الشك هو نوع بدائي من الإلحاد، فأول الملحدين أو الشكاكين في الإسلام هو نبي الإسلام نفسه، فقد كان محمد في بداءة الوحي يشك فيما أنزل إليه “فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ” (يونس 94)، وقد إزداد العبء النفسي عليه بعد فتور الوحي عنه خاصة بعد وفاة ورقة بن نوفل القس، فكان يذهب إبى شواهق الجبال يريد أن يلقي بنفسه من فوقها

“..ثم لم ‏ ‏ينشب ‏ ‏ورقة ‏ ‏أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال” (صحيح البخاري : 6467).

 وعلى الرغم من أن النبوءة والشك لا يجتمعان فهذا كان حال محمد نبي الإسلام، ولم ينقذه من الشك إلا البرهان الوحيد الذي ذكرته كتب السيرة والحديث، وهو برهان أفخاذ خديجة زوجته وتأكيدها أن من يأتي محمد هو ملاك لا شيطان لأنه لا يستحي من فخذيها ولكنه يستحي من وجهها، وتلك هي القصة كما كتبتها المراجع الإسلامية:
قال ابن إسحاق : وحدثني إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير : “أنه حدث عن خديجة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال نعم . قالت فإذا جاءك فأخبرني به . فجاءه جبريل عليه السلام كما كان يصنع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخديجة يا خديجة هذا جبريل قد جاءني، قالت قم يا ابن عم فاجلس على فخذي اليسرى ; قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس عليها، قالت هل تراه ؟ قال نعم قالت فتحول فاجلس على فخذي اليمنى ; قالت فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس على فخذها اليمنى، فقالت هل تراه ؟ قال نعم . قالت فتحول فاجلس في حجري، قالت فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها . قالت هل تراه ؟ قال نعم قال فتحسرت وألقت خمارها ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها، ثم قالت له هل تراه ؟ قال لا، قالت يا ابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هذا بشيطان” (سيرة بن هشام ج1 : 238، 239)
وهكذا تحول محمد من الشك إلى اليقين، ومن بدايات الإلحاد إلى إيمان النبوة !!!!

***

و لعل من أهم الشخصيات التي أنكرت الدعوة والنبوة وإله الإسلام هو “عبد الله بن سعد أبي سرح” (توفى 659 م)، وكان من كتبة الوحي، وفيه تقول المغازي للواقدي ج2 : 855، 856 :
“وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فربما أملى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سميع عليم فيكتب عليم حكيم فيقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول كذلك الله ويقره . وافتتن وقال ما يدري محمد ما يقول إني لأكتب له ما شئت، هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد . وخرج هاربا من المدينة إلى مكة مرتدا، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح (أي فتح مكة)” والذي أنقذه هو عثمان بن عفان، أخاه في الرضاعة. وهنا نقف مرة أخرى أمام حقائق غريبة من التاريخ الإسلامي، فكاتب الوحي هو أقرب الناس إلى فم الرسول وقلبه، والمفروض أن يبتعد عن الشك أو إنكار العقيدة، ومرة أخرى يفاجئنا الإسلام باستثناءات مريبة !!

***

لا نستطيع أن ننكر أن الكثير من الشخصيات المرموقة والعوام تمردت أو ألحدت أو شكت في عهد الرسول، وإلا ماذا كانت الحاجة إلى شراء إيمان الناس بالأموال، كما في حالة المؤلفة قلوبهم (التوبة 60)، ومن التاريخ الإسلامي نستطيع أن نؤكد أن هناك الكثير من الذين تشككوا في الدعوة الإسلامية، فما أن توفي الرسول حتى أرتد الكثير من قبائل العرب، وكان على أبي بكر أن يجيش الجيوش ليحارب المرتدين (632م)، وبالتأكيد هناك من القبائل التي أرتدت فقط عن دفع الجزية، ولكن هناك في المقابل من أرتد عن الإسلام كلية، وهذه حادثة غير مسبوقة في تاريخ الأديان أن تجد هذا الإلحاد الجماعي، ومباشرة بعد أنتهاء الدعوة المحمدية (للمزيد إقرأ مختصر السيرة: ص173-176، البداية والنهاية لإبن كثير ج 6 : فصل في تصدي الصديق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة). وهناك قبائل بأكملها أنكرت الإسلام وبالتالي إله الإسلام، ومنها أهل اليمامة تحت قيادة مسيلمة الكذاب (مدعي النبوة)، وأهل البحرين بقيادة المنذر بن النعمان، وقال قائلهم: لوكان محمد نبيا ًما مات، وأهل مهرة بقيادة المصبح أحد بني محارب، وأهل عمان بقيادة ذو التاج لقيط بن مالك الأزدي، والذي إدعى النبوة أيضا.
***
وبعد فترة القلاقل التي عاشتها الأمبراطورية الإسلامية الوليدة، وما تبع حروب الردة من حروب داخلية على الحكم بين علي بن أبي طالب ومعاوية وظهور الشيعة والخوارج، حكم الأمويون الدولة الإسلامية بقبضة حديدية، وتوسعوا في الغزو، وهنا تلتفت الأنظار إلى إلحاد صريح لبعض الخلفاء الأمويين ومنهم :


1) يزيد بن معاوية (680-683 م) : ثاني الخلفاء الأمويين
هاجم جيش يزيد المدينة، حين رفض أهلها بيعته وقاتل أهلها قليلاً ثم انهزموا فيما سمى بموقعة ( الحرة ) عام 683 م فأصدر قائد الجيش أوامره باستباحة المدينة ثلاثة أيام قيل أنه قتل فيها أربعة آلاف وخمسمائة، وأنه قد فضت فيها بكارة ألف بكر، وقد كان ذلك كله بأمر يزيد إلى قائد جيشه (مسلم بن عقبة) :
ادع القوم ثلاثا فأن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليها فأبحها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال أو دابة أو سلاح أو طعام فهو للجند، فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس ).
ولم يكتف مسلم باستباحة المدينة بل طلب من أهلها أن يبايعوا يزيد على أنهم (عبيد) له، يفعل فيهم وفي أموالهم وفي أولادهم ما يشاء، ويرد عليه أحدهم كأنه يلقمه حجراً : (أبايع على كتاب الله وسنة رسوله) . ولا يعيد مسلم القول، بل يهوى بالسيف على رأس العابد الصادق. ويستقر الأمر في النهاية لمسلم، ويصل الخبر إلى يزيد، فيقول:
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
أما من هم أجداده غير بني أمية، فهو يتمنى لو كان أجداده من بني أمية، ممن هزمهم الرسول والمهاجرون والأنصار في بدر، أن يشهدوا ما فعلة بمدينة الرسول والصحابة والأنصار في موقعة الحرة، ويضيف ابن كثير بيتاً يقوله على لسان يزيد:
لعبت هاشم بالملك فلا ملك جاء ولا وحي نزل (البداية والنهاية-ابن كثير ج8، منقول عن كتاب الحقيقة الغائبة لفرج فودة).
فهو لا يؤمن بالرسالة ولا الرسول، ويعتقد أن اللعبة تدخل في إطار السياسة والملك ،لا الدين والوحي.
***
2) عبد الملك بن مروان(683-705 م) : ثالث الخلفاء الأمويين
حكم مدة تقترب من 22 عام، كان فيها مثالا لسياسي البارع، ولكنه يعترف أن القرآن والإسلام لا علاقة لهما بحكمه فقد “قال ابن أبي عائشة : أفضى الأمر إلى عبد الملك، والمصحف في حجره فأطبقه وقال : هذا آخر العهد بك” (تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 217) -من كتاب الحقيقة الغائبة.
***
3) الوليد بن يزيد (743-744 م) : الخليفة التاسع من خلفاء الأمويين
كان أبعد ما يكون عن الأخلاق، وتحكي كتب التاريخ الإسلامي أنه قرأ ذات يوم في المصحف “واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد” – فدعا بالمصحف فنصبه غرضاً للسهام وأقبل يرميه وهو يقول :
أتوعد كل جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربك يوم الحشر فقل يارب خرقني الوليد
وذكر محمد بن يزيد المبرد “النحوي” أن الوليد ألحد في شعر له ذكر فيه النبي وأن الوحي لم يأته عن ربه، ومن ذلك الشعر :
تلعب بالخلافة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب
فقل لله يمنعني طعامي وقل لله يمنعني شرابي
عن كتاب الحقيقة الغائبة – فرج فودة – فصل : قراءة جديدة في أوراق الأمويين.
وهو هنا يعيد ما أكده الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية ،و وينكر النبوة والرسالة الإسلامية
***
وفي هذه القراءات الثلاثة لخلفاء مسلمين، يتضح مدى تغلغل الشك والإلحاد واللايقينية بين حتى الخلفاء.
وفي الوقت نفسه نستطيع أن نستشف مما سبق ظهور مبكر غير مسبوق للإلحاد والشك في الإسلام منذ المؤسس الأول “محمد بن عبد الله”.

—————————————-


3 – العصر الإسلامي الوسيط

كما ذكرت في الجزئين الأول والثاني أن الإلحاد هو دين الأقلية، هنا أؤكد أن الإلحاد هو وليد البيئة والثقافة، وهذا ليس معناه أن البيئة هي العامل الأوحد، ولكنها من العوامل الفعالة. كنا قد توقفنا في المقالة السابقة عند الإلحاد الذي ظهر في فلاشات منذ عهد رسول الإسلام ومرورا بالخلافة الأموية. وهنا نكمل القصة في بدايات العصور الوسطى مع قيام الدولة العباسية.
أستمر حكم العباسيين من 750-1258 م، وهذا ما يقرب من 500 عام. لم يكن الحكم العباسي شاملا كل الامبراطورية الإسلامية، بل تميز بالتفكك واللامركزية، ففي بعض الفترات كانت الولايات الإسلامية تحت حكم أسر شبه مستقلة، كالحكم الفاطمي في مصر، وأمتداد الحكم الأموي في الأندلس، وبقي الخليفة العباسي مجرد رمز للخلافة بلا فاعلية، وهذا الجو اللامركزي خلق مساحة من حرية الحركة والفكر. وهذا بالتالي سمح بالتمرد علي القوانين والأصول الاسلامية بدرجة أكبر من العصور السابقة، وفي هذا الجو اللامركزي خرجت التيارات الإلحادية والشاكة، وأنتشر ما سمي على يد الإسلام السني فيما بعد بالذندقة والكفر.
والغريب أن الكثير من المسلمين في محاولة يائسة لإظهار دور الإسلام الحضاري وأثره في الفكر الغربي، يستشهدون بهذه الفترة التي كثرت فيها الترجمة عن الفلاسفة اليونانيين والهنود، ويدعون بأفضلية الإسلام على الحضارة الغربية بما أضافته من ذخائر وترجمات أستغلتها الحضارة الأروبية في بدايات عصر النهضة لتستعيد السبق من جديد. ولكن الجزء المفقود من الحقيقة أن كل الفلاسفة والشعراء والمترجمين في هذا العصر من الزنادقة والكفار والملاحدة، ولا يمكن إضافتهم إلى ما يسمى بالإسلام الحقيقي، وفيما يلي بعض من هؤلاء الفلاسفة وآرائهم، وبعض الشعراء وآرائهم من هذه الحقبة الغنية بالتمرد على صحيح الإسلام :
***
بشار بن برد (710-784 م) :
هو بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي بالولاء. أصله من طخارستان (غربي نهر جيحون)، ونسبته إلى امرأة من بني عقيل، قيل إنها أعتقته. نشأ في بني عقيل واختلف إلى الأعراب المخيمين ببادية البصرة فشب فصيح اللسان، صحيح البيان. ولد أكمه (أعمى)، على أنه كان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره، فيأتي بما لا يقدر عليه البصراء. هو أشعر المولدين وهو المتقدم فيهم. طرق كل باب من أبواب الشعر وبرع فيه، واشتهر شعره بالمجون والهجاء والغزل الرقيق. اتهم بالزندقة فأمر الخليفة المهدي بضربه، فمات تحت السياط ودفن بالبصرة. كان بشار شعوبياً زنديقاً. فهو القائل :
إبليسُ أفضلُ من أبيكم آدم     فتبينوا يا معشر الفجار
النارُ عنصـره وآدم طينة     والطين لا يسمو سمو النارِ
الأرضُ مظلمةٌ والنارُ مشرقةٌ     والنارُ معبودةٌ مذ كانت النار
و يقول أيضا ساخرا من الصلاة :
وإنني في الصلاة أحضرها     ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا
أقعدُ في الصلاة إذا ركعوا     وارفع الرأس إن هم سجدوا
ولستُ أدري إذا إمامهم     سلم كم كان ذلك العددُ
(المراجع: الأعلام 2/ 24. وفيات الأعيان 1/ 271، 420-428، 467. تاريخ بغداد 7/ 112. الأغاني 3/ 135، 6/ 242 نهاية الأرب 3/ 80. طبقات الشعراء ص/ 24.)
***
الجاحظ (767-868 م) :
هو عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي بالولاء، الشهير بالجاحظ. كبير أئمة الأدب. قضى الجاحظ أكثر عمره في البصرة وقصد بغداد بدعوة من المأمون وعينه في ديوان الرسائل وجعل له الصدارة فيه، وما انقضت ثلاثة أيام حتى استعفى من منصبه فأعفي، إلا أنه بقي مخلصا للمأمون. كان للجاحظ إنتاج وفير، وله من الكتب ما يزيد على المائتي كتاب، وهي كما قال ابن العميد: “تعلم العقل أولا والأدب ثانيا” وقد نشر منها: كتاب الحيوان وكتاب البيان والتبيين، وكتاب البخلاء، ومجموعة من الرسائل. أما كتاب الحيوان، فقد نشر في سبعة أجزاء، وفيه تناول الجاحظ وصف طبائع الحيوان، وفيه عرض لأطراف من العلوم وتجاربها وخصائصها، ووجه النظر إلى الطبيعة وتأكيد الثقة في حقائقها وبراهينها فسبق بذلك (بيكون
F-Bacon) واتبع في دراسته الشك المنهجي، فسبق بذلك (ديكارت R-Descartes). كان يؤمن أن القرآن حادث ومخلوق لأنه شئ من الأشياء، وكان يؤيده الخليفة المأمون، ومن مؤلفاته التي توضح ذلك “كتاب خلق القرآن”، وفي هذا أثار نقمة السنة من أهل الاسلام الذين نادوا بأن القرآن غير مخلوق، وهذا وضعه على قائمة الملاحدة والزنادقة.
(المراجع : وفيات الأعيان 3/ 470. شذرات الذهب 2/ 121. إعتاب الكتاب ص/ 154. تاريخ بغداد 12/ 112. تكملة الفهرست ص/ 3. معجم الأدباء6/ 56- 80. أمراء البيان ص/ 311- 487. الأعلام 5/ 239)
***
صالح بن عبد القدوس (توفى 777 م) :
صالح بن عبد القدوس بن عبد الله بن عبد القدوس من أهل البصرة، كان يجلس للوعظ ويقص الأخبار. غير أنه كان يزين الثنوية (دين الفرس القديم)، فلما اشتهر أمره استقدمه الخليفة المهدي، لكنه هرب إلى دمشق واستخفى بها زمناً فلما عرف المهدي مكانه، وجه إليه قريشاً الحنظلي فقبض عليه وجاء له إلى بغداد. فحاكمه المهدي ثم قتله سنة 777 م، وصلبه على جسر بغداد. هذه الأبيات، يتهكم فيها على النبي محمد وعلاقته بزوجاته :
غصب المسكينَ زوجتَهُ     فجرتْ عيناهُ من دُرَرهْ
ما قضى المسكينُ من وطرِ     لا ولا المعشارَ من وطرهْ
عذتُ بالله اللطيف بنا     أن يكونَ الجوْرُ من قَدَره
(المراجع: الأعلام 3/ 277. فوات الوفيات 1/ 391. تاريخ بغداد 9/ 303. وفيات الأعيان 2/ 492. معجم الأدباء 4/ 268 نهاية الأرب 3/ 82. طبقات الشعراء ص/160.)
***
الكندي (811-866 م) :
هو يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي. ينتهي نسبه إلى ملوك كندة، فهو عربي الأصل، ومن أجل ذلك لقبوه بفيلسوف العرب، واشتهر في بلاد الغرب باسم (الكندوس
al kindus). نال حظوة عند المأمون والمعتصم والواثق، وعلت منزلته عندهم، غير أنه لقي عنتا من المتوكل بسبب الأخذ بمذهب المعتزلة، فأمر المتوكل بضربه ومصادرة كتبه. اتهم بالزندقة وكان يدافع عن نفسه بأن أعداء الفلسفة جهلة وأغبياء وتجار دين.
(المراجع: طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ص/ 285- 293. طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ص/ 73)
***
الحلاج (858-922 م) :
هو الحسين بن منصور بن محمى، الملقب بالحلاج أبو مغيث، فيلسوف متصوف، بعض المؤرخين يعده من السهاد المتعبدين، وبعضهم يعده من الزنادقة الملحدين، كان جده محمى مجوسيا وأسلم. أصله من مدينة (البيضاء) بفارس، ونشأ بواسط وانتقل إلى البصرة. وكانت تروى عنه أمور تعد من الخوارق. يقول الذهبي في كتابه (العبر في خبر من غبر) : إن الحلاج صحب سهل التستري والجنيد وأبو الحسين النوري، وهم من أئمة الصوفية، ثم فتن فسافر إلى الهند وتعلم السحر، فحصل له حال شيطاني وهرب منه الحال الإيماني. كانت عقيدته الصوفية تقوم على (وحدة الوجود) أي أن الإنسان مندمج في ذات الله.
كان شاعرا مجيدا وقد عبر عن صوفيته وفلسفته بأشعار نظمها منها قوله في علاقته بالله :
أنـا مـن أهـوى ومـن أهـوى أنـا     نحـــن روحــان حللنــا بدنــا
فـــإذا أبصـــرتني أبصرتـــه     وإذا أبصرتـــــه أبصرتنـــــا
ويذكرون أن الحلاج سمي بهذا الاسم لأنه اطلع على ما في القلوب، وكان يخرج لب الكلام كما يخرج الحلاج لب القطن. ولما رفع أمره إلى الخليفة المقتدر أمر أبا الحسن علي بن أحمد الراسبي، ضامن خراج الأهواز، أن يأتيه به فقبض عليه مع غلام له وحمله إلى بغداد سنة 301هـ، فصلب على جذع شجرة، ثم سجن وظل مسجونا ثماني سنين، ثم عقد له مجلس من القضاة والفقهاء، فشهد عليه أناس بما يدينه بالزندقة والإلحاد فصدر الحكم بقتله وإحلال دمه، فسلم إلى (نازوك) صاحب الشرطة فضرب ألف سوط ثم قطعت أربعة أطرافه ثم حز رأسه وأحرقت جثته.
(المراجع : ابن الأثير 8/126، 129. الفهرست ص/269، 272. البداية والنهاية 11/132، 144. الحضارة الإسلامية في القرن الرابع عشر 2/46، 53. طبقات الصوفية ص/307. وفيات الأعيان 2/140)
***
الفارابي (870- 950 م) :
هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان، مدينته فاراب، وهي مدينة من بلاد الترك في أرض خراسان، يعرف في الغرب باسم
Alpharabius. غادر مسقط رأسه وذهب إلى العراق لمتابعة دراساته العليا، فدرس الفلسفة، والمنطق، والطب على يد الطبيب المسيحي يوحنا بن حيلان، كما درس العلوم اللسانية العربية والموسيقي. ومن العراق انتقل إلى مصر والشام، حيث التحق بقصر سيف الدولة في حلب واحتل مكانة بارزة بين العلماء، والأدباء، والفلاسفة. وحاول أن يثبت أن لا خلاف بين الفلسفة اليونانية وبين عقائد الشريعة الإسلامية، ولكنه فشل بالتأكيد حيث قال عنه الذهبي في سير الأعلام (15/416) أن له تصانيف مشهورة من ابتغى منها الهدى ضل وحار، ومنها تخرج ابن سينا. وقال عنه ابن عماد في شذرات الذهب (2/353) أنه أكثر العلماء كفر وزندقة، حتى أن الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال أكد أنه لا شك في كفره هو وان سينا، وكان الاتهام يشمل انكاره يوم القيامة وأن الأجساد تقوم، وأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، وأن العالم ليس محدث أو مخلوق وإنما هو ازلي الوجود كالله.
(المراجع : وفيات الأعيان 5/153. طبقات الأطباء ص/603، 609. البداية والنهاية 11/224. العبر 2/251. القفطي ص/182، 184. تراث الإسلام 3/231. الفهرست ص/368. تاريخ الفكر العربي ص / 352)
***
أبو العلاء المعري (979-1058) :
أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري، ولد في معرة النعمان بالشام، عندما بلغ الرابعة من عمره أصابه الجدري فأفقده عينيه، ولم يمنعه ذلك من أن يظهر في مؤلفاته هذا التنوع وتلك الدراية الواسعة بالعلوم التي قل أن نجد لها نظيراً عند غيره، عرف بأنه عالم متبحر وشاعر مطبوع متأثر بأسلوب المتنبي. ولم تظهر موهبته الفريدة إلا في كتبه المتأخرة التي كتبها بعد عودته إلى المعرة: “اللزوميات” و”رسالة الغفران، عندما بلغه وفاه أمه أثر فيه هذا الحادث تأثيراً بليغاً وشجعه على تنفيذ عزمه على اعتزال الناس. ويقال إنه عاش منذ ذلك الحين في كهف عود نفسه فيه على التقشف: لا يأكل لحم الحيوان بل ولا يتناول البيض واللبن، ومن هنا حصل على لقب “رهين المحبسين” : أي العمى والدار. من أشهر مؤلفاته “اللزوميات”، وقد خرج أبو العلاء في اللزوميات على قيود العقيدة التي كانت تقيد سلفه وسما بنفسه إلى مستوى أعلى. ولأبي العلاء مؤلف آخر مشهور هو “رسالة الغفران”، وهي رسالة كتبها بأسلوب منمق، وأهداها إلى رجل يدعى علي بن منصور الحلبي. وقد عرض المؤلف الشعراء الزنادقة الذين غفر لهم – ومن هنا اشتق اسم الرسالة – والذين رفعوا إلى الجنة، عده الكثيرون من معاصريه زنديقا، فليست هناك عقيدة إسلامية لم يسخر منها، وليس أمامنا إلا القول بأنه كان متشككاً قوي الشك، وكان أبو العلاء يؤمن بالتوحيد، بيد أن إلهه ليس إلا قدر غير مشخص، كما أنه لم يأخذ بنظرية الوحي الإلهي، فالدين عنده من صنع العقل الإنساني ونتيجة للتربية والعادة. وكان الشاعر دائماً يهاجم أولئك الذين يستغلون استعداد العامة لتصديق الخرافات بقصد اكتساب السلطة والمال. يقول في اللزوميات :
قــد تــرامت إلـى الفسـاد البرايـا     واســتوت فــي الضلالـة الأديـان
وأيضا يقول :
وإذا مــا ســألت أصحــاب ديـن     غــيروا بالقيــاس مــا رتبــوه
لا يدينـــون بـــالعقول ولكــن     بأبـــاطيل زخـــرف كذبـــوه
(المراجع : معجم الأدباء 1/162. وفيات الأعيان 0/113. الوافي بالوفيات 7/94. النجوم الزاهرة 5/61. البداية والنهاية 12/215. تاريخ بغداد 4 / 240)
***
ابن طفيل (توفى 1185 م) :
هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن طفيل القيسي الأندلسي. ولد بمدينة (وادي آش) قرب غرناطة. درس الفلسفة والطب في غرناطة. أعظم فلاسفة الأندلس ورياضيها وأطبائها. تولى منصب الوزارة ومنصب الطبيب الخاص للسلطان أبي يعقوب يوسف أمير الموحدين، وكانت له حظوة عظيمة عنده. وكان معاصرا لابن رشد وصديقا له. لم يصل إلينا من كتبه سوى قصة (حي بن يقظان) أو (أسرار الحكمة الإشراقية) وقد ترجم إلى عدة لغات أجنبية. كان من المعروف لجوئه إلى الرمز في عرض فلسفته، لأنه كان يعلم أن الدين الاسلامي قد منع الخوض في كثير من الموضوعات التي كان يعالجها، ومن أقواله في كتاب “حي بن يقظان” عن عوام المسلمين وأهل الفقة: “لا يزدادون بالجدل إلا اصرارا، وأما الحكمة فلا سبيل لهم إليها”
المراجع : الوافي بالوفيات 4/37 – المعجب ص/172 – المن بالإمامة ص/411 – قصة الحضارة الجزء الثاني من المجلد الرابع ص/369 – المغرب 2/85 – دائرة المعارف الإسلامية (ابن الطفيل).
***
ابن رشد (1126-1198 م) :
هو محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي. درس ابن رشد الفقه والأصول ودرس من علوم الأوائل الطب والرياضيات والفلسفة وتولى القضاء سنوات في إشبيلية ثم في قرطبة. وقد أراد ابن رشد أن يلقي في بيئة الأندلس قبسا من نور الفلسفة، فاصطدم بصخرة الجهل والتعصب الذميم. نشأ ابن رشد في ظل دولة الموحدين، وملكهم يومئذ أبو يوسف يعقوب المنصور بن عبد المؤمن، وبتأثير العامة أمر بإبعاده إلى (أليسانة) قرب غرناطة ثم نفي إلى بلاد المغرب ونكل به وأحرقت كتبه وتوفي في مراكش عن 75 عاما ونقلت جثته إلى قرطبة وبموته تفرق تلاميذه ومريدوه وأصدر المنصور يعقوب مرسوما بتحريم الاشتغال بالفلسفة. كان ابن رشد شديد الإعجاب بأرسطو فقد عني بفلسفته وتولى إيضاحها. لما كتب أبو حامد الغزالي كتابه (تهافت الفلاسفة) أراد به إبطال آراء الفلاسفة في الإلهيات وزعزعة ثقة الناس بهم، وقد أراد بذلك إثبات قصور العقل الإنساني في معرفة الحقيقة، في الأمور الإلهية، وأن يبين أن الوصول إلى الحق لا يكون بالحجج العقلية والاستدلالات الفلسفية، وإنما يكون بالكشف الإلهامي وبنور يقذفه الله في القلب، وكان لهذا الموقف العدائي للفلسفة أثره في ركودها في العالم الإسلامي، وقد تولى ابن رشد الرد عليه في كتابه (تهافت الفلاسفة) وبين ما في رأي الغزالي من سفسطة تقوم على الأقاويل الجدلية والخطابية. من أقواله ما يؤكد أنه إذا بحثت الفلسفة موضوعا وتوصلت إلى معرفته وكان متعارضا مع ما هو مذكور في الشريعة الاسلامية، فأنه يجب تأويل الشرع ليناسب المنطق والفلسفة. أي أنه فضل العقل على النقل والفلسفة على الشريعة.
المراجع: وفيات الأعيان 4/434 – نفح الطيب 3/16 – شذرات الذهب 4/320 – العبر 4/288 – كشف الظنون 1/213 – دائرة المعارف الإسلامية (ابن رشد) – طبقات الأطباء ص/530 – تاريخ الفكر الأندلسي ص/ 353.
***
من كل ما سبق من تراجم لشعراء وفلاسفة، يتضح أن تقريبا كل من كان حرا في تفكيره، كان في عرف الشريعة وصحيح الإسلام زنديقا ملحدا، ومن ناحية أخرى، كان العقيدة الاسلامية مصدرا لا ينتهي من الازعاج للعقل والفلسفة، وهذا ما دعا الكثير من الفلاسفة والشعراء الى مراجعة الايمانيات القرآنية والمحمدية، وكانت في الغالب المراجعة تنتهي بما ليس في صالح العقيدة. وكان المصير المحتوم في الكثير من الحالات هو النفي أو القتل، هذا إلى جانب مصادرة الكتب أو حرقها. فكان الاسلام وبحق يتعامل مع المختلفين بالطريقة الاسلامية. والمثير للغرابة أن الاسلام كشريعة يحكم عليهم بالكفر وبالتالي بالقتل، ولكن المسلم المعاصر لا يملك إلا أن يستشهد بأمثال هؤلاء لإثبات دور الحضارة الاسلامية في الحضارة العالمية، والسؤال الملح :
إذا فقد الاسلام هؤلاء الملاحدة وتنكر لهم، ماذا يبقى للمسلمين غير الجهاد والحروب والغزوات، والقتل والسحل والسلائب والأغنام ؟ وماذا يبقى للاسلام من أثر على الحضارة الانسانية سوى التدمير والقضاء على كل أخضر منذ عهد محمد بن عبد الله إلى عصرنا الحالي.

—————————————-

4 – تكملة العصر الاسلامي الوسيط

تكملة للمقال السابق، أستعرض المزيد من الشاكين والملحدين والزناقة من أعلام الاسلام، ومفخرة الحضارة الاسلامية. وفي الامثلة التالية يتراوح الإلحاد بين الشك والبحث عن يقين كما في حالة الغزالي، إلى الكفر الصريح بإله القرآن والرسالة المحمدية كما في الراوندي والتوحيدي، ومرة أخرى يتأكد لنا أن الإلحاد في هذه الحقبة كان من المواليد الشرعيين للعقيدة والفكر الفقهي الاسلامي، ويمكن أن نقول أن الإلحاد المعاصر للاسلام العباسي في كثير من صوره كان ردة فعل انسانية على تطرف إله الاسلام والعقيدة الاسلامية التي تحرم الانسان من أبسط حقوقه الفكرية، وتحشر الإله بين الانسان وأدق تفاصيل حياته، فتحكمه في تفاصيبل التحية والمعاشرة الزوجية والنوم والقيام والركوب والجلوس والأكل وحتى قضاء الحاجة، دون أي مساحة من القرار الانساني الحر. وفي هذا الجو الخانق لابد أن يتمرد الانسان ليحافظ على البقية الباقية من انسانيته.
ومن الشاكين والملاحدة :
ابن الراوندي (825-911 م) :
هو أحمد بن يحيى بن إسحاق, أبو الحسن, أو الحسين الراوندي, نسبة إلى (راوند) من قرى أصبهان. فيلسوف مجاهر بالإلحاد, له مناظرات ومجالس مع جماعة من علماء الكلام, وقد انفرد بمذاهب نقلوها عنه في كتبهم ومنها قوله بالحلول وتناسخ روح الإله في الأئمة. ومن أعلام المعتزلة في القرن الثالث الهجري، اذ أيد المعتزلة، ووضع لهم الكتاب تلو الكتاب للدفاع عن آرائهم الكلامية والفلسفية، ولكنه انفصل عنهم فيما بعد، فأخذ ينتقد آراءهم ومناهجهم ويرد عليهم، ومن أشهر كتبه التي الفها في الرد على المعتزلة كتاب ( فضيحة المعتزلة ).
يقول ابن العماد الحنبلي صاحب شذرات الذهب, أن أباه كان يهوديا فأظهر الإسلام, ويقول عنه ابن كثير أنه أحد مشاهير الزنادقة, طلبه السلطان فهرب ولجأ إلى ابن (لاوي) اليهودي بالأهواز, وصنف له في مدة إقامته عنده, كتابه الذي سماه (الدامغ للقرآن) أى الذي وصم به القرآن. يقول ابن حجر العسقلاني “ابن الراوندي, الزنديق الشهير, كان أولا من متكلمي المعتزلة, ثم تزندق واشتهر بالإلحاد” , ويقال إنه كان في غاية الذكاء. قال عنه أبو العلاء المعري في رسالة الغفران: سمعت من يخبر أن لابن الراوندي معاشر يخترصون له فضائل. من أهم واخطر الكتب التي ألفها ابن الراوندي ” الزمرد ” والذي تجاسر فيه ابن الراوندي على التشكيك في ركن الأركان في الاسلام وهو النبوة، ، وأنكر معجزات محمد، حيث سخر فيه في العقائد الاسلامية وأنكر المعجزات الحسية، ونقد فكرة اعجاز القرآن، وأكد على سمو العقل على النقل وبين أوجه تعارض الشريعة الاسلامية مع العقل.
ألف كتبا في الطعن على الشريعة منها (فضيحة المعتزلة) و(التاج) و(الزمردة) و(نعت الحكمة) و(قضيب الذهب) و(الدامغ). ولم يصلنا أي من كتبه للأسف وماذكر منها هو ما كتبه المشايخ في الرد عليه. مات الراوندي برحبة مالك بن طوق بين الرقة وبغداد, وقيل صلبه أحد السلاطين, وجاء في كتاب البداية والنهاية لابن كثير أنه مات عند ابن (لاوي) اليهودي وكان لجأ إليه. (لابد من دور لليهود في إلحاده !!!)
المراجع: البداية والنهاية 11/112. وفيات الأعيان 1/94. مروج الذهب 7/237. الملل والنحل 1/81 , 96. المنتظم 5/99. شذرات الذهب 2/235. رسالة الغفران ص/410 , 442. النجوم الزاهرة 3/175. العبر 2/116. تكملة الفهرست ص/4. دائرة المعارف الإسلامية: مادة (الراوندي). الطبري 6/147
***
ثابت بن قرة (836 -901 م) :
هو ثابت بن قرة بن مروان بن ثابت الحراني الصابئي. أبو الحسن. من أعلام الرياضة والطب والفلسفة, ولد في حران بلدة بين دجلة والفرات, ونشأ فيها ومارس الصيرفة في أول أمره, ثم انتقل إلى بغداد ودرس الفلسفة والرياضيات وعاد إلى حران فحدث بينه وبين الصابئة, أهل مذهبه, أشياء أنكروها عليه, فحرم عليه رئيسهم دخول الهيكل. فعاد إلى بغداد واتصل بمحمد بن موسى بن شاكر الخوارزمي, فأعجب بذكائه واستعداده العلمي الكبير, فقدمه إلى الخليفة المعتضد فأدخله في جملة المنجمين, ثم حظي عنده بمكانة عظيمة وأغدق عليه نعما كثيرة. كان يحسن السريانية واليونانية والعبرية. واشتهر بمؤلفاته القيمة في الطب, ولم يكن في زمانه من يماثله في هذه الصناعة. ألف كتبا عديدة ورسائل كثيرة في الطب والرياضيات والفلك, منها: اختصار المنطق, كتاب في حركة الأفلاك، كتاب في المخروط المكافئ، كتاب في الشكل الملقب بالقطاع، كتاب في قطع الاسطوانة، كتاب في العمل بالكرة، كتاب في قطوع الاسطوانة وبسيطها، كتاب في مساحة الأشكال وسائر البسط والأشكال المجسمة، كتاب في المسائل الهندسية، كتاب في المربع، كتاب في أن الخطين المستقيمين إذا خرجا على أقلّ من زاويتين قائمتين التقيا.
وبالطبع بما أنه صابئ فهو في عرف الاسلام كافر من عبدة النجوم والكواكب.
المراجع : طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ص/295. الأعلام 2/82. ابن خلكان 1/313
***
الرازي (محمد بن زكريا) (864-925 م) :
هو محمد بن زكريا الرازي. أبو بكر. أعظم أطباء الإسلام وأكثرهم ابتكارا, ومن أشهر فلاسفتهم. ويعتبره الغربيون طبيب الدولة الإسلامية الأول. من أهل الري ونسبته إليها. ولد وتعلم بها وسافر إلى بغداد بعد سن الثلاثين. أولع بالغناء والموسيقى في أول عمره, ونظم الشعر في صغره, ثم تخلى عن ذلك ونزع إلى الطب والفلسفة. وتولى تدبير مستشفى الري ثم رئاسة الأطباء في المستشفى العضدي ببغداد. يعرف الرازي عند الأوربيين باسم (
Razhes) وهو أول وأعظم علماء المدرسة الحديثة في الطب بلا مراء. نزح إلى بغداد وتلقى علومه على يد الطبيب المسيحي حنين بن إسحاق. وإلى جانب الطب عكف الرازي على دراسة الفلك والرياضيات وله في الموسيقى باع عظيم فكان من أوائل واضعي النظريات الموسيقية وكثيرا ما أشاد خلفاؤه الموسيقيين بنظرياته في الموسيقى. يضاف إلى ذلك أنه انصرف إلى دراسة الفلسفة وهو يعتقد أن النفس هي التي لها الشأن الأول فيما بينها وبين البدن من صلة, وأن ما يجري في النفس من خواطر ومشاعر ليبدو في ملامح الجسم الظاهرة, لذلك وجب على الطبيب ألا يقصر في دراسته على الجسم وحده بل لا بد له أن يكون طبيبا للروح. من أهم كتبه: كتاب الأسرار الذي نقله إلى اللاتينية (جيرار الكرموني G. Garmana) فأصبح مصدرا رئيسيا للكيمياء, وكتاب الطب المنصوري, ألفه باسم أمير الري منصور بن محمد بن إسحاق بن أحمد بن أسد الساماني, وكتاب الفصول في الطب, ومقالة في الحصى والكلى والمثانة, وكتاب تقسيم العلل, والمدخل إلى الطب, ومنافع الأغذية ودفع مضارها, وغير ذلك من المصنفات. أما رسائل الرازي فأشهرها كتاب الجدري والحصبة وتعد مفخرة من مفاخر التأليف الطبية, وقد نقلت إلى عدة لغات وأكسبت الرازي شهرة عظيمة, على أن أهم مؤلفات الرازي على الإطلاق كتابه (الحاوي في الطب( وهو يتضمن كل ما توصل إليه الطب السرياني والعربي من معرفة واكتشافات. وقد نقله إلى اللاتينية (فراج بن سالم الإسرائيلي) سنة 1279 م.
من جهة أخرى كان من زنادقة الاسلام الذين يؤمنون أن الله هو خالق الخير وابليس هو خالق الشر (المذهب المثنوي الفارسي القديم). وقيل بأزلية خمسة أشياء هم الله وابليس والزمن والخلاء (أي العدم) والهيولي (الروح). جمع بين مذاهب الصابئة والدهرية والفلاسفة والبراهمة الهنود، ووضع كتابا في ابطال النبوءة، ورسالة في ابطال القيامة واليوم الآخر. وقد أثار ذلك حفيظة الكثير من العلماء ضده حتى رموه بالكفر واتهموه في دينه.
المراجع : سير أعلام النبلاء (14/ 354، 355). عيون الأنباء في طبقات الأطباء : ابن أبي أصيبعة (2/ 343: 361). في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية (ص (90: 117). الوافي بالوفيات (3/ 75: 77).
***
المتنبي (915-965 م) :
هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد، الجعفي الكوفي الكندي. أبو الطيب. الشاعر الحكيم وأحد مفاخر العرب، له الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. يعده علماء الأدب أشعر الإسلاميين. ولد في الكوفة في حي (بني كندة) ولذلك يقال له (الكندي) و(الكوفي). كان المتنبي شاعرا من شعراء المعاني وفق بين الشعر والحكمة، وجعل أكثر عنايته بالمعنى يسكبه في بيت واحد مهما اتسع ويصوغه بأبدع الصياغة التي تأخذ بالألباب. أطلق الشعر من قيوده التي قيده بها أبو تمام. في الطريق إلى بغداد، عرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي -أحد رؤساء الأعراب- وقاتله طمعا بما كان معه من مال وقتله وقتل ابنه (المحسد) وغلامه (مُفْلِح) في موضع يقال له (الصافية) قرب (النعمانية) عند (دير العاقول) على نحو ميلين من الضواحي الغربية لبغداد بجوار (النهروان) .
وقيل إنه ادعى النبوة وفتن الناس بقوة سحره وبيانه. وإنما سمي المتنبي لأنه على ما قيل ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من بني كلب وغيرهم. فخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الإخشيدية فأسره وتفرق أصحابه وحبسه طويلا ثم استتابه وأطلقه وكان قد قرأ على البوادي كلاما ذكر أنه قرآن أنزل عليه، ومن ذلك: “والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، أن الكافر لفي أخطار، امض على سنتك، واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فإن اللّه قامع بك زيغ من ألحد في الدين وضل عن السبيل”. وكان إذا جلس في مجلس سيف الدولة وأخبروه عن هذا الكلام أنكره وجحده.
المراجع: يتيمة الدهر 1/139. تاريخ بغداد 4 / 102. مذكرات الأستاذ بدر الدين النعساني عن أبي الطيب. النجوم الزاهرة 3/340. شذرات الذهب 3/13. الأعلام 1/110. البداية والنهاية 11/256.
***
التوحيدي (توفى 1023 م) :
هو علي بن محمد بن العباس التوحيدي. أبو حيان. قيل إن أباه كان يبيع نوعا من التمر يسمى التوحيد، أو لعل هذه النسبة جاءته من أنه كان من المعتزلة من أهل العدل والتوحيد. فيلسوف، معتزلي متصوف. ولد في شيراز أو نيسابور وقضى معظم أيام حياته في بغداد وتلقى فيها العلوم على شيوخ العصر في الفقه والنحو المنطق واللغة. كتب أبو حيان التوحيدي كتبا كثيرة أشهرها : المقابسات، وهي مذكرات كان يكتبها بعد الجلسات التي كان يعقدها مع الأدباء والمفكرين والأعيان. كتاب (الإمتاع والمؤانسة) وهو أيضا مجموعة من الموضعات حدث بها أبا عبد الله الحسين بن أحمد بن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي، في مدى سبعا وثلاثين ليلة، ثم جمعها في كتاب، ومن تآليف التوحيدي رسالة في علم الكتابة، وكتاب (بصائر القدماء وسرائر الحكماء) وكتاب (الإشارات الإلهية والأنفاس الروحانية) ورسالة في أخبار الصوفية. وكتاب رياض العارفين ورسالة في الإمامة وكتاب (الهوامل والشوامل). وقد أحرق التوحيدي في آخر حياته، كتبه، فلما عذل في ذلك قال : إني فقدت ولدا محبا وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا منيبا، فشق علي أن أدعها لقوم يتلاعبون بها ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، وكيف أتركها لأناس جاورتهم عشرين سنة، فما صح لي من أحدهم وداد، ولا ظهر لي من إنسان منهم حفاظ، وقد اضطررت بينهم، بعد الشهرة والمعرفة، في أوقات كثيرة، إلى أكل الخضر في الصحراء، وإلى التكفف الفاضح عند الخاصة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة”.
وكان معتزليا على مذهب الجاحظ مع ميل إلى التصوف. وقد رمي بالزندقة وقال عنه ابن الجوزي : زنادقة الإسلام ثلاثة : ابن الراوندي والتوحيدي والمعري.
المراجع : معجم الأدباء 5/381. وفيات الأعيان 2/474 (في آخر ترجمة ابن العميد) الأعلام 5/144. دائرة المعارف الإسلامية : (التوحيدي). تاريخ الأدب العربي لفروخ 3/70، 73. أخبار الحكماء ص/185، 186.
***
ابن سينا(981-1037 م) :
هو الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا، هو ألمع اسم بعد الرازي في تاريخ الطب العربي. فقد كان الرازي يتفوق على ابن سينا في الطب، وكان ابن سينا يتفوق عليه في الفلسفة. وفي الواقع فقد تجلت في ابن سينا صفات الفيلسوف والطبيب والفقيه والشاعر. يعرف عند الغرب باسم (
Avicenne). ولد في (أفشنة) إحدى قرى بخارى، وكان أبوه من (بلخ) وانتقل إلى بخارى وتزوج من (أفشنة)، وكان يتعاطى في بخارى مهنة الصرافة. وفي بخارى تلقى ابنه الحسين العلم واستظهر منذ حداثة سنه القرآن الكريم وألم بعلوم الشريعة والدين، ثم أكب على دراسة الطبيعيات والرياضيات والمنطق وعلوم ما بعد الطبيعة، وأخذ فن الطب من طبيب مسيحي يدعى عيسى بن يحيى. استهوته الفلسفة فأكب على دراستها وعكف على علم ما بعد الطبيعة وطالع كتاب أرسطو فيه وأفاد من كتاب الفارابي في أغراض ما بعد الطبيعة الذي شرح فيه علم أرسطو، فانكشف لابن سينا ما كان مستغلقا عليه منه، وأقام مذهبا فلسفيا في الوحدانية يقترب إلى أقصى حد ممكن من تركيب يؤلف بين الإسلام وتعاليم أفلاطون وأرسطو. أشهر كتبه في الفلسفة (الشفاء) وقد قصد به شفاء النفس من عللها وأخطائها وعالج موضوع النفس بقدر ما عالج موضوع الجسم، وكتابه (النجاة) وهو مختصر كتابه (الشفاء)، وأشهر كتبه في الطب كتاب (القانون) وفيه خلاصة فكره الطبي، شاملا آثار الإغريق والعرب، وقد ترجم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر للميلاد وطبع ست عشرة مرة في القرن الخامس عشر، وكان مادة تعليم الطب في جامعات أوروبا حتى أواخر القرن السابع عشر.
كان يقول بنفس المبادئ التي نادى بها الفارابي من قبله بأن العالم قديم أزلي وغير مخلوق، وأن الله يعلم الكليات لا الجزئيات، ونفى أن الأجسام تقوم مع الأرواح في يوم القيامة. وقد كفره الغزالي في كتابه “المنقذ من الضلال”، وأكد نفس المكعلومات ابن كثير في البداية والنهاية (12/43). وقد أكد ابن عماد في شذرات الذهب (3/237) أن كتابه “الشفاء” اشتمل على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين. وشيخ الاسلام ابن تيمية أكد أنه كان من الاسماعيلية الباطينية الذين ليسوا من المسليمن أو اليهود أو النصارى.
المراجع : ابن الأثير 9/436. تاريخ الحكماء ص/52، 72. طبقات الأطباء ص/437، 459. النجوم الزاهرة 4/25. البداية والنهاية 12/42. الموسوعة الفلسفية المختصرة ص/12. تراث الإسلام 3/144. تراث العرب العلمي ص/165
***
عمر الخيام (1048 -1131 م) :
هو عمر بن إبراهيم الخيام, غياث الدين أبو الفتح. من أهل نيسابور مولدا ووفاة. شاعر فيلسوف, وعالم مشهور من علماء الرياضيات والفلك واللغة والفقه والتاريخ. صنف الكتب ونظم الشعر بالفارسية والعربية وترجع شهرته في الشرق والغرب إلى رباعياته. وتدور معظم رباعيات الخيام على الحب والخمرة, وبها يستدل في بلوغ مراميه بأسلوب رمزي. وفي رباعياته استخفاف ظاهر بالدنيا والآخرة وبالعقل والشريعة.
يقول في الجنة :
يقولــون حـور فـي الغـداة وجنـة
وثمــة أنهـار مـن الشـهد والخـمر
إذا اخــترت حـوراء هنـا ومدامـة
فمـا البـأس فـي ذا وهو عاقبة الأمر
و يقول مخاطبا الله :
إلهي قل لي من خلا من خطيئة
و كيف ترى عاش البريء من الذنب
إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله
فما الفرق بيني وبينك يا ربي؟
و يتساءل : لبست ثوب العمر ما استشارني ربي يوم خلقني؟
المراجع : ابن الأثير 1/98 – تاريخ حكماء الإسلام ص/119 – تراث فارس ص / 379 – جهار مقالة ص/155 – تاريخ الحكماء للقفطي ص/162 – تاريخ الأدب في إيران ص/304
***
الغزالي (1048-1111 م) :
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي, أبو حامد, حجة الإسلام, زين الدين, الطوسي (نسبة إلى مدينة طوس) – يعرف باسم (الغزالي) بتشديد الزاي لمن ينسبه إلى صناعة الغزل, ويقال له (الغزالي) بتخفيف الزاي لمن ينسبه إلى (غزالة) من قرى طوس. توفي والده وهو لا يزال صغير السن, فعهد به وبأخيه أحمد إلى صديق له من المتصوفة فرباهما على العبادة والعلم, فانقطعا إلى العلم. وانصرف إلى دراسة الفلسفة درسا عميقا, فطالع كتب الفارابي وابن سينا وألف كتابه (مقاصد الفلاسفة) , وفيه التزم البحث العلمي والحياد التام, ثم ألف بعده كتاب (تهافت الفلاسفة) وفيه أبدى شكوكه في قيمة العلم وبراهينه المنطقية, وقد بلغت شكوكه حدا جعلته يعتزل التدريس ويترك الأهل والولد ويزهد في المال. وصل الغزالي من دراساته الفلسفية إلى ما وصل إليه الفيلسوف الألماني (كانت
kant) فيما بعد, فقد رأى أن العقل ليس مستقلا بالإحاطة بجميع المطالب ولا كاشفا الغطاء عن جميع المعضلات, وأنه لابد من الرجوع إلى القلب فهو الذي يستطيع أن يدرك الحقائق الإلهية بالذوق والكشف, وذلك بعد تصفية النفس بالعبادات والرياضة الصوفية وهو بذلك حاول أن يخضع العلم والعقل للوحي والدين لكي يصل إلى الحقيقة العليا.
على الرغم من أنه من المدافعين عن الاسلام ضد الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، ألا المرء لا يستطيع أن ينكر أنه كان من أكبر الشاكين في عصره، ويتضح ذلك في كتابة المنقذ من الضلال، والذي شك فية في العقل والحواس والفكر والفلسفة، وكيف أنه فقد الأمل في الوصول إلى الحقيقة وكاد الشك أن يقتله. ومن نص كتابة يقول :
“فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس، حاولت لذلك علاجاً فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل. فأعضل هذا الداء، ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال، حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بـها على أمن ويقين ؛ ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف”، فكان ايمانه هو نوع من الاستسلام والغاء العقل، وهذا ما جعله يهاجم الفلسفة بضراوة في “تهافت الفلاسفة”، وقد رد عليه ابن رشد مؤكدا أهمية الفلسفة في كتاب “تهافت التهافت”، ولكن النصر كان للغزالي وتأييد العمة والفقهاء له، ووهو في عرف الكثير من المؤرخيين بداية عصر اللاعقلانية وانتصار الغيبيات والعقائد على الفلسفة والفكر. فالحل هو قذف النور في القلب كما يؤكد الغزالي !!!!
المراجع: وفيات الأعيان 4/612 – البداية والنهاية 12/173 – النجوم الزاهرة 5/203 – الوافي بالوفيات 1/274 – العبر 4/10. ابن الأثير 10/491 – كشف الظنون ص/2002  2008 – الأعلام 7/247.
***
ابن عربي (1165-1241 م) :
هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي, المرسي الأندلسي, محيي الدين أبو بكر, المعروف بابن عربي (من غير أداة التعريف, تمييزا له عن القاضي أبي بكر بن العربي). ولد ابن عربي في مدينة (مرسية) بالأندلس ولما شب انتقل إلى إشبيلية وفيها بدأ تعلمه, ثم انتقل إلى قرطبة وفيها درس علوم القرآن وعلومه والفقه والحديث ومال إلى المذهب الظاهري, مذهب ابن حزم. وفي قرطبة اتصل بعلمائها كأبي الوليد بن رشد وأبي القاسم بن بشكوال وغيرهما. اختلف الناس فيه فمنهم من عده من الأتقياء والأولياء ومنهم من جعله من الملحدين المارقين, ولعل رأي هؤلاء فيه ما جاء على لسانه من شطحات يدل ظاهرها على الانحراف عن الشريعة وعقيدة الإسلام. ومن أصحاب المذهب القائل “بأن الله والطبيعة شيء واحد وبأن الكون المادي والإنسان ليسا إلاّ مظاهر للذات الإلهية”. وقد صنف ابن عربي كتبا كثيرة قيل إنها تجاوزت أربعمائة الكتاب أهمها: الفتوحات المكية, وفصوص الحكمة ومفتاح السعادة, ومحاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار وغير ذلك. كتاب فصوص الحكمة ألفّه في دمشق قبل وفاته بـ 11 عاماً، قصد ابن عربي من خلال هذا العمل عرض حياة وتاريخ الأنبياء المذكورين في القرآن الكريم على ضوء عقيدته في التوحيد• وقد جاء عمله مطابقاً للكتاب المقدس. وفي هذه الكتب شرح مذهبه الذي يقوم على (وحدة الوجود) وهي امتزاج اللاهوت بالناسوت بما يشبه امتزاج الماء بالخمر بحيث لا يمكن فصلهما أو التمييز بينهما. وهي الفكرة التي تصورها الحلاج من قبل ونادى بها. وله في وحدة الوجود قوله :
فلولاه ولولانا لما كان الذي كانا
فإنا أعبد حقا وإن الله مولانا
وإنا عينه فاعلم إذا ما قلت إنسانا
فلا تعجب بإنسان فقد أعطاك برهانا
وينسب إليه قوله في وحدة الأديان :
لقـد كـنت قبـل اليـوم أنكر صاحبي إذا لـم يكـن دينـي إلـى دينـه داني
فقـد صـار قلبـي قـابلا كـل صورة فمــرعى لغــزلان وديـر لرهبـان
وبيــت لأوثــان وكعبــة طـائف وألــواح تــوراة ومصحـف قـرآن
أديــن بـدين الحـب أنـى توجـهت ركائبــه فــالحب دينـي وإيمـاني
المراجع : فوات الوفيات 2/478 – شذرات الذهب 5/190 – النجوم الزاهرة 6/339 – البداية والنهاية 13/156 – نفح الطيب 2/361 – العبر 5/158 – صبح الأعشى 2/446 – كشف الظنون ص/1586.
***
مما سبق يتأكد لنا أن الصراع بين الفلسفة والدين، وبين الفكر والتكفير، كانا من سمات هذه الحقبة الاسلامية. ومن السهل أن نستنتج أن معظم الحركات الإلحادية والشاكة في الاسلام لم تنكر وجود إله بقدر ما حاولت أن تجد بديلا له خارج المنظومة الإسلامية، بديلا أكثر رحمة وتسامح واقترابا من الانسانية، بديلا يخفف من وطأة الديكتاتورية الإلهية والشريعة النبوية، والسيف المسلول والجهاد. هو محاولة إنسانية لاستعادة الإنسانية.
وعلى الرغم من أن الإحاد ليس حكرا على دين معين، فلكل دين هراطقته وملحديه، والشاكين فيه، ولكنه ليس من الملزم أن يكون تقريبا كل رجال العلم والفلاسفة والفكر والأدب والمنطق والشعر من الشاكين الملحدين، وهذه هي تقريبا الحالة الاسلامية. فالاسلام كشريعة لا يتفق والفلسفة أو المنطق. فالعلوم الوحيدة التي كانت تنال الشرعية عند الأئمة والعامة على السواء هي العلوم الدينية من فقه وسنة وقرآنيات، علوم الأمر والنهي لا التفكير والجدل. إلى درجة وصل فيها شيخ الاسلام ابن تيمية إلى القول عن المنطق أن فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعة ما ضر كثيرا من الناس كما سد على كثير منهم طريق العلم وأوقعهم في أودية الضلال والجهل (مختصر كتاب نقض المنطق لإبن تيمية). ولعل الامام الشافعي أكثر من هاجم الفلسفة والمنطق فقال “ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطوطاليس”. فكانت المؤسسة الاسلامية ضد كل فلسفة أو منطق أو فكر أو شعور يعلو فوق صوت الجهاد.

وهذا ما أكد بأن الاسلام يحوي تركيبة متميزة مناهضه للتفكير تفوق غيره، وهذا يتوافق بالتأكيد مع إله الاسلام الذي يريد صناعة عبيد لآلة الحرب والجهاد. فمن تفكر قد تزندق، ومن تعبد وجاهد الكفار صار من أهل الجنة ومن أصحاب الحور والولدان !!!

Posted in إسلاميات عامة | Leave a Comment »

محاولات لتجميل قبيح الإسلام

نشر بواسطة: mechristian في جوان 25, 2007

لم يعد مخزن الأسرار والخطايا الإسلامية يستطيع الصمود مع مدخل الألفية الثالثة ، فقد ظل المسلمون منذ أيام نبيهم يراكمون خطاياهم ، ومع الوقت لم تحتمل الجدران فبدأت تتصدع ، وبدأت تراكمات ألف وأربعمائة عام من القهر و الألم تطل بوجهها القبيح ، وكلما حاول المسلمون سد أحد الصدوع ، انفجرت العشرات والمئات الأُخر ، و في محاولات يائسة يحاول مسلمو القرن الحادي والعشرين طلاء وجه الإسلام القبيح وترقيعه ليتجمل ، فظهر المسخ أكثر قبحا ، وعلى رأسه نبي أكثر بشاعة .

بدأ مخزن الإسرار في التصدع منذ عام 2001 ، حيث بدأ بعض مسيحيي الشرق في نقد الإسلام في غرف البالتوك ، و في نفس العام خرج علينا أحد فرسان الظلام الإسلامي – أسامة بن لادن- في غزوة محمدية أسقط فيها برجي التجارة على رؤوس ما يقرب من أربعة الآف شخص ، فلم تستطع جدران المخزن الإسلامي للخطايا أن تحتمل ، فبدأت في التشقق والتصدع .

والآن وبعد ما يقرب من خمس سنوات ، و المخزن مازال يلفظ الكثير من بين شقوقه ، والتي ماتزال تتسع لتكشف المزيد والمزيد ، فقد ظهر القمص زكريا بطرس على قناة الحياة فاتحا عهدا جديدا لنشر حقائق الإسلام على الملأ ، و استمر أقباط وسريان البالتوك والمنتديات في نشر المزيد من الفضائح ، فبدأت أشعة الحقيقة في التسلل داخل بيوت المسلمين و عقولهم .

الراصد للأحداث يدرك أن عملية الإزالة للقشرة السميكة التي تراكمت على عقول المسلمين عبر 14 قرن من الكذب والتعمية تجري على قدم وساق ، فقد بدأت الكثير من البرامج الفضائية في الإنضمام عن عمد أو عن غير عمد إلى المشاركة في هذا العمل الإنساني ، فعلى قناة الحياة نفسها ظهرت المزيد من البرامج التي تفضح الإسلام مثل برنامج “كشف القناع” (1) والذي ظهر حديثا ويقدمه أحد المتنصرين من المغرب ، وبرنامج “في الصميم” والذي يقدمه متنصر مصري يدعى أحمد مع الأب زكريا بطرس (2) ، وكذا حلقات البرنامج الجديد “حوار الحق” (3) ، وكلها تتشارك في أن أحد المتنصرين يقوم بتقديم الحلقات ، فيحمل رسالة خفية بمعنى قوي يقول : “كنت أعمى و الآن أبصر … أما آن لك الآن عزيزي المشاهد أن تبصر أنت أيضا”. وهي نفسها رسالة عبيد الله بن جحش التي مازالت تتردد عبر صدى التاريخ “فقحنا وصأصأتم” (4)

أما الفضائيات الغير دينية فتساهم بنصيبها في نشر الحقائق ، ومن أشهرها برنامج “هالة شو” على قناة روتانا الفضائية ، والذي بدأ بنقاش موضوع “رضاعة الكبير” على ثلاثة حلقات (5) ، و استمر بعدها في مناقشة المحظورات مثل “زواج المسيار” (6)، ثم تطرق إلى زواج المتعة وأنواع الزواج الأخرى في الإسلام مع الشيخ يوسف البدري (7) ، وفي وجود الكثير من النساء اللائي انهلن بالتساؤلات المحرجة و التعديلات الفقهية على الشيخ العجوز.

وعلى نفس المنوال ظهرت حلقات أخرى على قنوات فضائية مختلفة منها حلقة على قناة العربية فضحت فيها إحدى مناصرات حقوق المرأة ، غادة جمشير ، الممارسات المشينة لبعض الشيعة في دول الخليج وزواجهن بأطفال في مرحلة الرضاعة وممارسة الجنس معهن في هذه السن الصغيرة فيما يسمى بالمفاخذة طبقا للسنة (8)

كل هذه الفضائح الفضائية –باستثناء قناة الحياة- لم تكن إلا محاولات تجارية لجذب المزيد من المشاهدين ، ولكنها ساهمت ومازالت دون تعمد في الاقتراب مما كان محظورا الاقتراب منه من قبل . فتفعل باقترابها فعل المطارق على عقول المشاهدين في العالم العربي و الإسلامي . فهي تضع مرآة أمام المجتمع الإسلامي العربي ليشاهد قبح صورته ، ومدى التشويه الإنساني الذي أصابه على يد محمد والايديلوجية الإسلامية
******

أما على الجبهة الأخرى ، فماذا كانت ردة الفعل الإسلامية ؟
يمكن تلخيص ردود الفعل الإسلامية والتي يقودها بعض المشايخ بأموال البترودولار في أحد أربعة أنواع : الاستنكار أوالإنكار أوالكذب أوالتهديد بالقتل.

————————
1) الاستنكار في محاولات يائسة:
فنسمع مثلا عمرو أديب فى برنامج القاهرة اليوم يصرخ مستنكرا ومؤكدا بأن البالتوك كارثة ، ويعترف بأن الاثرياء العرب يدفعون المال للمشرفين المسلمين في البالتوك من أجل الدفاع عن الإسلام وستر عوراته (9) ، ولا يخفى أن الكثير من صيحات الاستهجان و الاستنكار والسباب والشتائم التي تملأ المواقع الإسلامية (10) ، هي صرخات من يعاني من ظلام القفص لفترة طويلة ، فيؤلمه نور الحقيقة بعد غياب.

————————
2) الإنكار بين القرآنيين و أهل السنة:
وهذا يتراوح بين انكار السنة أو انكار التاريخ الإسلامي ، أو انكار دموية محمد ، أو انكار كتب السيرة والمراجع الإسلامية ، والبعض يتعدى الانكار إلى محاولة إلباس محمد ثوب المسيح.

القرآنيون:
وهم من حاولوا إنكار كل السنة و الأحاديث بكاملها الصحيح والضعيف ، ويمثل هذه الحركة البعض مثل الأستاذ أحمد صبحي منصور (11) والشيخ نهرو عبد الصبور شاهين (12) ، والاستاذ عبد الفتاح عساكر ، والذي أكد أن أهل السنة لا يستطيعون الرد على مسيحيي البالتوك لأنهم يأتون بصحيح السنة كمرجع (13) ، جميعهم إذن يكتفون بالقرآن وكل ما هو خلاف القرآن فهو باطل ، ولكن هذا يعارضه الكثير من المشكلات

أولا: أن القرآن نفسه يدعو إلى اتباع السنة ، فمحمد يقرن نفسه بالله في قرآنه لأكثر من 54 مرة ، فعلى سبيل المثال
– يأمر بطاعة الله ورسوله
{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }النساء13
– ويرفض عصيان الله ورسوله
{وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ }النساء14

وطبقا للإسلام فكلام الله هو القرآن فمن أين يأتي المسلم بكلام الرسول ليطيعه سوى من السنة والأحاديث ، أم أن الطاعة للرسول تنتهي بموت الرسول ويصبح النص القرآني غير صالح لكل زمان ومكان ، فهو يأمر المؤمنين بما لا يمكن فعله في القرن الحادي و العشرين ، حيث لا نبي أو رسول ليطيعوه.

ثانيا: الكثير من الآيات القرآنية لا نفهم تفسيرها إلا من من كتب السنة و السيرة ، سواء لمعرفة أسباب النزول أومعاني الكلمات ، مما يجعل القرآن كتاب ناقص يلزمه تفاسير البشر وتوضيحاتهم ، فمثلا من يقرأ سورة “الكوثر”:
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{1} فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ{2} إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{3}
ماذا سيفهم من النص القرآني ؟ … لا شئ على الإطلاق ، فما هو الكوثر؟ ومن هو الأبتر؟ وهنا لابد من الرجوع للسنة والتفاسير المعتمدة لنفهم أن الكوثر هو نهر من أنهار الجنة وأن الابتر هو العاص بن وائل (14)

ثالثا: كيف ننكر أحاديث القتال والسحل والحرق والتي تسببت في قتل أجدادانا وآباءنا وأهلنا ؟ هل بجرة قلم من بعض المدافعين عن الإسلام ننكر لهم وللإسلام تاريخ أسود من الفتاوي بقتال أهل الذمة و استعبادهم ، فلو أنكرناها لصرخت الأحجار المخضبة بدماء الشهداء بدلا منا.

رابعا: محاولات تفسير القرآنيين المعاصرة للقرآن لا تعدوا أن تكون محاولات غير ملزمة لأي أحد حتى من المسلمين أنفسهم ، فهي لن تمنع المجاهدين عن الجهاد ، و القتلة باسم الإسلام عن القتل ، فكثرة المسلمين يثقون في فتاوى ابن تيمية عن فتاوى أحمد منصور أو عساكر أو نهرو أو غيرهم ، ففي النهاية هي محاولات تخديرية للخداع والتجميل و للدفاع عن الجاني وليس عن المجني عليه. بينما يظل القتلة الحقيقيون يرتعون ويعيثون فسادا في الأرض.

أهل السنة:
أما فرقة أهل السنة –والتي أسميها الفرقة الزئبقية- فقد أختارت الطريق الأصعب ، وهو محاولات إنكار البعض لا الكل والطعن في جزء لا عموم المصادر الإسلامية . وهم في هذا يتلاعبون بكتب التفاسير ويشككون في أي مصدر لا يوافق هواهم .

– فعندما تواجههم بحديث لا يرقى لهواهم ، يخرجون لك من بطون الكتب الإسلامية تشكيكا في ناقلي الحديث (السند) أو كاتب الحديث أو مصدر نقل الحديث . ويصبح الحديث بقدرة قادر ضعيفا أو منحولا أوموضوعا.

– وعندما تأتي لهم بحدث تاريخي أوحدث من كتب السيرة المحمدية ، يقولون لك أن التاريخ لا يحكم على الإسلام ، وأن كتب السيرة ليست كالأحاديث وغير موثقة السند أو مشكوكة المتن (المحتوى). فابن اسحاق مشكوك فيه والناقل عنه ابن هشام بالتالي غير موثوق فيه ، ويتبعهم الواقدي (كاتب كتاب المغازي) الكاذب ، وبالتالي لا يسعنا إلا ننكر أحداث السيرة والمغازي الدموية لمحمد ، وهنا تنهار كتب الإسلام المعتمدة الواحدة تلو الأخرى . وهي نفس الكتب التي يستعلمونها فيما بعد لشرح الدين .

– وإن أكتفيت بالقرآن وأتيت بأسباب النزول لآية أو تفسيرا لها من كتب الأولين ، شككوا في التفسيرات وكتب الأولين كما حاولوا ومازالوا باستماتة أن ينكروا نزول الأيات الشيطانية على محمد بدلا من الوحي (15) ، حتى أن الشيخ خالد الجندي نجم شيوخ الفضائيات في احدى حلقاته التليفزيونية أكد أن تفسير الطبري للقرآن ملئ بالإسرائيليات (16) ، دون أن نعلم كيف تسللت هذه الإسرائيليات و أين ومتى؟ وكيف نحكم عليها أنها من الإسرائيليات ؟ فلو كانت الإسرائيليات تعنى الإقتباس من التوراة و العهد القديم فالنص القرآني ملئ بالإسرائيليات . ولكن مع الوقت يكتشف المدقق أن الإسرائيليات هي كل ما لا يوافق هواهم ، أو مالا يستطيعون الرد عليه من فضائح .

– بل أن البعض من هذه الفرقة الزئبقية، إذا أتيت لهم بالنص القرآني سبب المشكلة دون تفسير ، عادوا لتأكيد أن السنة تفسر القرآن ، و أن التفسير الصحيح للنص هو من الأحاديث وأن بعض الأحاديث تنسخ نصوصا للقرآن ، فمثلا القرآن في صريح النص يبيح متعة النساء (17) ، ولكن السنة تتحرك في رقصات مترددة بين الإباحة والإلغاء ، فيبيحها الشيعة وينكرها السنة ، وهنا تقف الفرقة الزئبقية من أهل السنة منكرة نكاح المتعة المؤقت بأجر ، ولاغية للنص القرآني .

– وفي مواقف أخرى تأتي لهم بالأحاديث فيهربون إلى القرآن منكرين لصحة الحديث ، حتى و إن كان في صحيح البخاري أو صحيح مسلم ، فصحيح مسلم أكد على أن رضاعة الكبير كان من وصية محمد لسهلة بنت سهيل (18) . و أن بعض من القرآن مما يحوي آية رضاع الكبير قد أكله داجن (19) ، ولكن بعضهم ينكر هذه الأحاديث ، بل أن الداعية الإسلامي النجم عمرو خالد ينكر صحيح السنة بأن السيدات ناقصات عقل ودين (20) ، بأن يؤكد أن محمد كان يهزر مع النساء بعد صلاة العيد وأراد أن يداعبهم (21).

– فالقرآن في حكمهم هو الأساس ، ويظل المسلم في حيرة من أمره أينكر السنة أم يثبتها ، وهم هنا يختلفون عن القرآنيين ، فهم بحركات زئبقية يتعمدون أن يتلاعبوا بالقارئ و المستمع في متاهة كتب الشروح وشروح الشروح ، ولكن الحقيقة تختبئ بين ثنايا طريقتهم الزئبقية ، فهم ينكرون ما لا يستطيعون الرد عليه أيا كان المصدر، فإن كانت الآية القرآنية فالخطأ في التفسير فيلجأون للحديث ، وأن كان الحديث هو المشكلة فالحديث ضعيف من الاسرائيليات وليس حجة على القرآن فليجأون للقرآن . و إن كانت المشكلة من السيرة ، فكتب السيرة غير موثقة وليست حجة على نبي الإسلام .

وهذا لا يقودنا إلا إلى نظرية الشك التي تنهار فيها أعمدة الإسلام من أساسها ، فمن يحرّف السنة والسيرة ، يمكنه أن يحرّف القرآن ، ومن يتهم السيرة والسنة بالاسرائيليات ، فالقرآن ملئ بقصص التوارة و العهد القديم من الاسرائيليات ، والتاريخ شاهد على أن القرأن لم يسلم من التحريف بحرق المصاحف على يد عثمان بن عفان ، وأن القرآن فقد منه الكثير بموت الكتبة و الحفظة في المعارك (22) ، فعندما نشكك في نوايا ابن هشام وابن اسحاق و الواقدي ، والطبري وابن كثير والقرطبي ، والبخاري و مسلم ، فمن يبقى ؟ وهل تقوم للقرآن نفسه قائمة ؟ كيف ننكر أحاديث على لسان زيد بن ثابت أو عائشة أو عمر بن الخطاب و أبي بكر ، ثم نثق في تسجيلهم ومساهماتهم في جمع القرآن الذي بين يدي المسلم المعاصر؟ فمن يطعن منهم في السنة و التفاسير والأحاديث لا يعلم أنه يطعن في ناقلها وكاتبها ، وهم هم نفس الجيل من أوائل المسلمين ممن حسن أسلامهم ونقلوا القرآن من الصدور والجلود والرقاع … فكيف يشكك المسلمون في مصادرهم التي نقلت السنة وهي هي التي نقلت القرآن عبر 14 قرن ؟ فهل يثق في صدور الرجال وقلوبهم التي حملت القرآن ، ثم يعود فيشكك في أقلامهم التي كتبت أو تناقلت السنة ؟ إنها الدائرة المغلقة التي تطبق بفكيها على الإسلام.

قد يسارع بعض الزئبقيين بالاستنكار بأن القرآن حفظه الله أما السنة فلا ، لكنه مرة أخرى المنطق الدائري المغلوط ، فمن ينادي بالحفظ الإلهي للقرآن هو نفسه النص القرآني الذي تناقلته أفواه وأقلام المسلمين عبر العصور ، فمنطقيا لا يمكن أن تثبت عدم تغير نص بأن تستشهد من النص نفسه بأنه لم يحّرف … فمن الممكن أن يخرج علينا كاتب بكتاب تاريخ يؤكد في كتابه أن كل الأحداث التاريخية فيه صحيحة ، فهل هذا يمكن اعتباره دليلا على صدق الكتاب دون مراجعة محتواه ومقارنته بكتب تاريخ أخرى؟ لا أظن .

هذا المنطق المعوج هو ما يثير الشفقة ، فقد كانت العصور الغابرة أرحم لهم بالتأكيد حينما كان من الأسهل أن تحمي الإسلام بالسيف و قطع الرقاب. أما الالتجاء لأصول البحث المنطقي و الفكري فهم لا يملكون أدواته !!!

– أما آخر المحاولات المثيرة للسخرية و الضحك لأهل السنة ، فهي إنكار دموية الإسلام ، في محاولات إلباس الإسلام ثوب المسيح ، ليظهر محمد داعية للسلام والمحبة ، وليس رئيسا لعصابة من قطاع الطرق ، فيظهر الشيخ خالد الجندي مرة أخرى على الفضائيات ليدعو المسلمين إلى ابدال “بابا نويل” في أعياد الكريسماس بـ “بابا محمد” (23) ، ويخرج في حلقة أخرى ليؤكد أن شعار الإسلام في الفترة الحالية هو :”الإسلام محبة” (24) ، ولا أعلم من أين جاء بهذا اللفظ “محبة” هل من القرآن أم من السنة؟ أم هو يحاول احداث طفرة وراثية في مكونات الإسلامية الجينية . ثم يكتفى الشيخ المبجل بلفظة “الإسلام محبة” ويصمت صمت القبور في مواجهة تساؤلات القمص زكريا.

————————
3) الكذب من أجل نصرة الإسلام:
وهنا نواجه بعض المدافعين عن الإسلام الذين يستحلون الكذب من أجل نصرة الإسلام ، وكأنهم يؤكدون أن من الممكن الدفاع عن (الله =الحق) بالكذب، فهم يعتقدون بأنهم في معركة ، والكذب مستحل إسلاميا في المعارك فالحرب خدعة كما أكد الرسول فمثلا:

– حاول ومازال بعض المشرفين المسلمين في البالتوك أن يخدعوا المسلمين من المستمعين لهم و يلبسون مسلم ثياب المسيحى ليناظر في المسيحيات ، ويعلن اهتداءه إلى الحق الإسلامي ، في محاولة للرد على حركات التنصير المقلقة لعقولهم المسطحة (25).

– بل أنهم يكذبون في ترجمات القرآن للغات الأخرى ، وخاصة في النصوص التي تمس صميم اللاهوت الإسلامي ، فينكرون قدرة المسيح على الخلق في بعض الترجمات الإنجليزية :
ففعل الخلق المنسوب للمسيح في المائدة 110 وآل عمران 49 يجعلونه
to design أو to make أو to fashion a creation أو to determine بمعنى يصمم أو يصنع أو يعدّل ما هو مخلوق أصلا .
أما لله فهو
to create ، منكرين في الترجمة أشتراك المسيح مع الله في الخلق.(26). أليس ما يفعلونه هذا ما يقوله قرآنهم متهما أهل الكتاب بأنهم “يحرفون الكلم عن مواضعه” في (النساء 46، المائدة 13، 41) ؟ أليس هم من أوجعوا رؤوسنا بتحريف الكتب المقدسة التي جاءت قبلهم كالتوارة و الإنجيل؟ أليس هم من منعوا ترجمة القرآن لمدة 14 قرن من الزمان تحت زعم منع التحريف ؟
وعندما يُوَاجه المسلمون بهذه التحريفات للترجمات ومعانيها ، يتهربون بأنها معاني القرآن ، وليس القرآن نفسه مما يجعلنا نتساءل هل هي ترجمة للقرآن أم ترجمة لمعاني القرآن ، وهل يبرر هذا أن تحمل الترجمات نوعا من التدليس والكذب ؟
وإذا كانت ترجمة لمعاني القرآن ، وأن القرآن العربي غير قابل للترجمة ، فكيف يؤكدون في الوقت نفسه أن دعوة الإسلام عالمية ؟ وهل من المفترض لمن يريد الوصول إلى الله في الإسلام أن يتعلم العربية أولا ؟ وأن يصلي بالعربية فقط ؟
يبدو أن إله الإسلام عالمي الطموح ، يريد أن يحكم العالم كله ولكنه لا يفهم إلا العربية ، ولكنه الآن يسمح بالترجمة ، بل والتلاعب والتحريف في الترجمة !!!

-بل أن الكثير منهم يتعمدون الكذب واقتطاع الآيات من العهد القديم اليهودي ، دون الرجوع إلى تفسيرات يهودية أو مسيحية ، لاثبات ما في بطونهم من أكاذيب ، وتبرير عورات الإسلام ودمويته (27)

————————
4) التهديد بالقتل لمن يتجرأ على الإسلام:
أما آخر المحاولات اليائسة فهي التي يحاول بها بعض المسلمين الدفاع عن الإسلام بالسيف ، فتخرج الجماعات الإرهابية ، لتستحل أرواح ورقاب الكتاب والمفكرين كما فعلوا مع فرج فودة ، وكما حاولوا قتل نجيب محفوظ ومازلت محاولتهم مستمرة لتنال من الكثير (28) ، ولتحاول إغلاق المواقع كما حاولوا ومازالوا يحاولون ضد موقع الحوار المتمدن ، وهنا أشهد لهم بالاحتراف ، احتراف القتل بل والكره والدموية … ولكن هل من الممكن أن يمنع السيف الإسلامي انهيار مخزن الخطايا الإسلامي… لا أظن ، فقد ولي عهد القمع إلى غير رجعة ، وكل كاتب يقتلونه سوف يخرج من بذور دمائه ألف كاتب .

************
نحن نواجه جيلا من مسلمي القرن الحادي و العشرين ، جيل يحيا ضحية خدعة طويلة استمرت قرون ، جيل ورث العقيدة من الاجداد دونما اختيار و يخشى أن يكتشف أن أولئك الآباء و الأجداد ماتوا على باطل ، جيل تربي ألا يناقش وألا يجادل و إلا خرج عن الملة والدين ، وصار كافرا مرتدا ، فتعلم الصمت و الخضوع . هذا الجيل لم يتعلم التفكير ، وظل يتنعم في كسل عقلي تحت حماية سيف التكفير الإسلامي ، فاكتفى أن يسمع هجوم مشايخ المسلمين على الأديان الأخرى في سعادة وثقة ، و الآن تصدمه الحقائق المرة.

طالما فكرت في الفروق بين مسلمي العصور الغابرة الدمويين و مسلمي العصر الحالي المرتعدين من الحقيقة ، وتساءلت كيف كتب الأقدمون كل هذه الأحاديث و السنة دون أن يطرف لهم رمش ، أو تتصب لهم قطرة عرق من خجل أو حياء بينما يحاول المعاصرون اخفاء هذه الفظائع للدفاع عن الإسلام ، فكانت الإجابة المنطقية أن الأقدمين مارسوا بجاحة المنتصر حربيا ، والذي لا يهمه أن يذكر الحقيقة ، فهو قادر على إخراس المعترض بحد السيف ، أما المعاصرون لا يملكون هذه المزية . ولهذا لا تزال ردودهم دون المستوى المطلوب كما أكد الشيخ محمد سعيد نعماني في برنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة (29) ، وستظل كذلك لأنهم لا يملكون من الحقيقة ما يكفي للرد.

لقد سبب الإسلام الكثير من الألم ، فحتما مهما حاولوا لن يستطيعوا أن يخفوا خطاياه ، ولن تصمد محاولاتهم لتجميله وترقيع عورته ، فعصر الإعلام و الفضائيات والانترنت كفيل بأن يعلمنا بما ظل مستورا (لانه ليس خفي لا يظهر ولا مكتوم لا يعلم ويعلن) (لوقا 8: 17)
————————
الهوامش و المراجع:

1) للحصول على تسجيل الحلقات: http://www.alkenaa.com/
2) للحصول على تسجيل الحلقات: http://www.islam-christianity.net/islamchristianity/video/felsameem/felsameem.htm
3) للحصول على تسجيل الحلقات: http://www.islam-christianity.net/islamchristianity/video/hewaralhaq/hewaralhaq.htm
4) سيرة ابن هشام ج1 ص 223-224 : http://sirah.al-islam.com/display.asp?f=hes1237.htm
5) الحلقة الأولى: http://www.jesus-for-all.com/father_zakaria/reda3a_hala_sar7an_p1.wmv
الحلقة الثانية: http://www.jesus-for-all.com/father_zakaria/reda3a_hala_sar7an_p2.wmv
الحلقة الثالثة: http://www.jesus-for-all.com/father_zakaria/reda3a_hala_sar7an_p3.wmv
6) الحلقة الأولى: http://www.jesus-for-all.com/media/hala_zawag_mesyar_p1.wmv
الحلقة الثانية: http://www.jesus-for-all.com/media/hala_zawag_mesyar_p2.wmv
7) تسجيل الحلقة: http://www.free-christian-voice.com/ameg_files/hala30.wmv
8) تسجيل الحلقة: http://www.jesus-for-all.com/media/7oqooq_al_mar2a_alarabiya_tv.wmv
ويؤكدها الخبر على صفحة قناة العربية: http://www.alarabiya.net/Articles/2005/12/20/19654.htm
9) التسجيل الصوتي: http://www.free-christian-voice.com/ameg_files/3amradb.mp3
10) مقال للشيخ أبو إسلام أحمد ملئ بالسباب و الشتائم: http://www.baladynet.net/to_zeco_and_ghagar.htm
11) موقعه في الحوار المتمدن: http://www.rezgar.com/m.asp?i=627
12) مقالاته على الحوار المتمدن : http://www.rezgar.com/search/search.asp?action=save&U=1
13) http://www.free-christian-voice.com/ameg_files/rad3_3askr.mp3
14) * فمحمد يفسر الكوثر في صحيح البخاري و مسلم:
البخاري-التفسير- 4965 – حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْكَاهِلِىُّ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ عَنْ عَائِشَةَ – رضى الله عنها – قَالَ سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ) قَالَتْ نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ – صلى الله عليه وسلم – شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرٌّ مُجَوَّفٌ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ . رَوَاهُ زَكَرِيَّاءُ وَأَبُو الأَحْوَصِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ . تحفة 17795
مسلم-921 – وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ – وَاللَّفْظُ لَهُ – حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أُنْزِلَتْ عَلَىَّ آنِفًا سُورَةٌ ». فَقَرَأَ « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ) ». ثُمَّ قَالَ « أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ ». فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِى. فَيَقُولُ مَا تَدْرِى مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ ». زَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِى حَدِيثِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِى الْمَسْجِدِ. وَقَالَ « مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ ».
* ثم تخبرنا التفاسير عن معنى “إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ{3} ، عن أن الأبتر هو الاص بن وائل أبو عمرو بن العاص ، والذي كان يعاير محمد بعدم الإنجاب
فتفسير الجلالين يقول: إن (شانئك) أي مبغضك (هو الأبتر) المنقطع عن كل خير أو المنقطع العقب [الإنجاب] ، نزلت في العاص بن وائل سمى النبي صلى الله عليه وسلم أبتر عند موت ابنه القاسم ، ويؤكد هذا التفسير تفسير ابن كثير والطبري و القرطبي.

15) ففي النص القرآني: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } الحج52.
يجمع المفسرين أن أسباب النزول في أن الشيطان ألقى في وحي محمد على لسانه من غير علمه بعد (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى … ويجمع على هذا الطبري و ابن كثير و القرطبي و الجلالين … ولكن ينكرها الكثير من أهل السنة
16) تسجيل الحلقة: http://www.jesus-for-all.com/father_zakaria/khaled_isra2eleyat.wmv
وتأكيد الخبر على صفحات جريدة الأهرام العربي:
http://arabi.ahram.org.eg/arabi/Ahram/2002/11/30/HYAH3.HTM
17) {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً }النساء24
18) مسلم-باب الرضاع: 3673 – حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِى عُمَرَ قَالاَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَرَى فِى وَجْهِ أَبِى حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ – وَهُوَ حَلِيفُهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- « أَرْضِعِيهِ ». قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَالَ « قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ ». زَادَ عَمْرٌو فِى حَدِيثِهِ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِى رِوَايَةِ ابْنِ أَبِى عُمَرَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم.
19) * مسلم- 3670 – حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ.
* مسند أحمد- 27070- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِى أَبِى حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ لَقَدْ أُنْزِلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ وَرَضَعَاتُ الْكَبِيرِ عَشْراً فَكَانَتْ فِى وَرَقَةٍ تَحْتَ سَرِيرٍ فِى بَيْتِى فَلَمَّا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَشَاغَلْنَا بِأَمْرِهِ وَدَخَلَتْ دُوَيْبَةٌ لَنَا فَأَكَلَتْهَا. تحفة 17897 معتلى 12371
20) البخاري-باب الحيض 304 – حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زَيْدٌ – هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ – عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِى أَضْحًى – أَوْ فِطْرٍ – إِلَى الْمُصَلَّى ، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ، فَإِنِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ » . فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ » . قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا ، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ » . قُلْنَ بَلَى . قَالَ « فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا » . أيضا أحدايث 1462 ، 1951 ، 2658
21) التسجيل للحديث: http://www.free-christian-voice.com/ameg_files/3amr10.wmv
22) للمزيد عن جنع القرآن وفقدان الكثير منه : http://servant13.net/moshaf/asl.htm
23) تسجيل الحلقة: http://www.jesus-for-all.com/media/baba_mohamad.wmv
24) في الدقيقة 12 من الحلقة: http://www.jesus-for-all.com/media/amr_Khaled_comment_on_fz.wmv
25) التسجيل الصوتي لصفقة الكذب الإسلامي: http://www.free-christian-voice.com/ameg_files/elislam.mp3
26) { أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ }آل عمران49

YUSUFALI: ” that I make for you out of clay, as it were, the figure of a bird
PICKTHAL: I fashion for you out of clay the likeness of a bird,
SHAKIR: that I determine for you out of dust like the form of a bird,
http://www.usc.edu/dept/MSA/quran/003.qmt.html

{ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ }المائدة110…
YUSUFALI: thou makest out of clay, as it were, the figure of a bird,
PICKTHAL: and how thou didst shape of clay as it were the likeness of a bird SHAKIR: and when you determined out of clay a thing like the form of a bird
http://www.usc.edu/dept/MSA/quran/005.qmt.html

بينما يترجمون فعل الخلق لله في القرآن كالآتي:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }البقرة21
YUSUFALI: O ye people! Adore your Guardian-Lord, who created you and those who came before you, that ye may have the chance to learn righteousness;
PICKTHAL: O mankind! worship your Lord, Who hath created you and those before you, so that ye may ward off (evil).
SHAKIR: O men! serve your Lord Who created you and those before you so that you may guard (against evil).
http://www.usc.edu/dept/MSA/quran/002.qmt.html
27) من الأمثلة على هذا الكذب محاولاتهم اثبات دموية العهد القديم اليهودي ، كمبرر لدموية الإسلام المعاصرة ، فيقتطعون نصا مثل أشعياء 13: 16 (وتُحطم اطفالهم امام عيونهم وتُنهب بيوتهم وتُفضح نسائهم) ثم يصرخون أنظروا أنظروا قسوة اليهود و إله اليهود ، مع أن النص لا يشير إلى أمر إلهي بل هو نبوة من الرب على لسان أشعياء لما سيحدث ، فالفصل ال13 من أشعياء يبدأ بـ ” وحي من جهة بابل رآه اشعياء بن آموص” (أشعياء 13: 1) ، فأشعياء نبي يرى المستقبل و يتنبأ بما سيحدث ، ولا يحمل أمرا إلهيا- في هذا النص – لليهود ليخربوا ويقتلوا الشعوب الأخرى كما يوهمون القارئ.
وبالمثل يحاولون محاولات مستميتة في أثبات أن العهد القديم والجديد كلاهما تنبأ عن محمد رسولا ، على الرغم من اعترافهم في أماكن أخرى بتحريفهم ، فلا يستطيع القارئ المحايد أن يفهم منطقهم ، أهم يعترفون أم لا يعترفون بالإنجيل و التوراة ؟ فأن كانوا يعترفون بهما ، فلماذا ينكرون ما فيهما من نصوص ، وإن كانوا لا يتعرفون بهما ، لماذا يبحثون فيهما عما يثبت نبوة محمد ؟
28) أمثلة لمحاولات القمع و القتل والتكفير:
لوفاء سلطان: http://www.alarabiya.net/Articlep.aspx?S=21935
محاولات تطبيق حد الردة على وفاء القبطية التي أسلمت و أرتدت إلى المسيحية: http://www.elaph.com/AsdaElaph/2004/12/26995.htm
29) نص الحلقة من أرشيف قناة الجزيرة: http://www.aljazeera.net/Channel/archive/archive?ArchiveId=90263

Posted in إسلاميات عامة | Leave a Comment »

التلاعب بالعقول على هدي الرسول

نشر بواسطة: mechristian في جوان 25, 2007

التلاعب بالعقول على هدي الرسول


أكثر ما يميز أهل السنة والجماعة ، هو التلاعب بعقول الجماعة من المسلمين ، فكلما كشفنا عن أفعال أو أقوال تشين رسول العرب ، جل ما يفعلوه في أغلب الأحيان لقصر اليد وضعف الحيلة ، هو الاستنكار و التنكر من النصوص والأحاديث ، أو سيل من الشتائم واللعنات ، ولهذا أنطبق عليهم صفة الزئبقية والتحايل بلا منازع أقرأ باقي الموضوع »

Posted in Blogroll, Islam, فضائح إسلامية, قرآنيات, محمديات, إسلاميات, إسلاميات عامة, حديث, رد على أكاذيب إسلامية | 1 Comment »

الإرهاب الإسلامي في التاريخ [3-3] … غزو الشام

نشر بواسطة: mechristian في جوان 23, 2007

الإرهاب الإسلامي في التاريخ [3-3] … غزو الشام


بقلم ابراهيم القبطي

وكما انجلت الحقائق من كتب التاريخ الإسلامية عن مئات الآلاف بل والملايين من القتلى ما بين حروب الردة وغزو العراق *  ، لا تُستكمل كتابة فصول التراجيديا إلا بقطرات الدم الساقطة من أجساد أهل الشام ، ومعها رائحة الخوف والخضوع والصغار … والاستسلام .
ومن الجدير بالذكر أن قتلى العراق من غزوات المسلمين والتي تعدت المليون على أقل تقدير –كما ذكر في المقال السابق- وبأسلحة القرن السابع الميلادي البدائية ، تتفوق بنسبة 20 :1 على أعداد ضحايا العراقيين من الغزو الأمريكي بالأسلحة الحديثة والتي تقترب من 50 ألف فقط ، بل أن معظم أهل العراق الحديث سقط صريعا بفخاخ الجماعات الجهادية طبقا لأدق الإحصاءات (1)
ومرة أخرى نرى أساطير إسلامية لا تجد لها سند من التاريخ حول الرحمة و السلام ، فلا نجد إلا استسلاما لا سلاما ، واسترحاما لا رحمة
حقا الموت قد يكون أهون من الطغيان (2)  ، ولكن ماذا عن دين أحترف الكثير من أتباعه الموت والطغيان كلاهما ، ثم يسترون الخطايا بتلال من الأكاذيب ، فمن يقرأ صفحات مظلمة كهذه من التاريخ لابد وأن يتذكر قول فولتير ” إن من يقنعك بالترهات والأكاذيب ، يمكنه أن يقودك إلى ارتكاب أعمال القسوة والتوحش واللانسانية ” (3)
… ويبقى الضمير الإسلامي مخدرا ، لا يستشعر فظائع التاريخ التي أرتكبت على يد محمد واتباعه ، فلا نجد من يستنكره أو يعتذر عنه من أتباع نبي العرب ، بل نجد على العكس من يبرره دفاعا عن صنم محمد إله القرآن حتى وإن كذبا .

ويبدأ الفصل الثالث من الكومديا الإسلامية السوداء

أقرأ باقي الموضوع »

Posted in Church, Islam, فضائح إسلامية, قرآنيات, إسلاميات, إسلاميات عامة, الإرهاب الإسلامي, الارهاب الإسلامي, تاريخ, تاريخ كنيسة, تاريخ إسلامي, تاريخ الكنيسة, رد على أكاذيب إسلامية | 1 Comment »

عن القمص زكريا بطرس.. و التناقد الداخلي للإسلام

نشر بواسطة: mechristian في جوان 21, 2007

 عن القمص زكريا بطرس.. و التناقد الداخلي للإسلام

 

بقلم إبراهيم القبطي

من الواضح ان الأستاذ طلال شاكر يتكلم من وجهة نظر اسلامية (دفاعا عن الاسلام) ، و لكن تحت عباءة العلم و المنطق ، و هذا يتضح من استخدامه ضمائر الملكية في آخر مقالته “و هم يطبقون منطوق قراننا و آيته (لكم دينكم و لي دين)” ، و بالتأكيد هو من الاسلاميين الليبراليين ، الذين ينادون بفصل الدين عن الدولة.
طلال شاكر من حقه أن يكون ما يشاء أن يكون ، و هذا حقه الانساني الذي لا جدال فيه ، و لكن ليس من حقة أن يتجاهل أو يتعامى عن المنطق الذي يتعامل به القمص زكريا بطرس في نقد الاسلام. فقد إدعي الاستاذ طلال أن القمص زكريا يستخدم أدوات العلم و المنطق لتفكيك المنظومة الاسلامية ، و لكنه لا يستطيع أن يمارس نفس قوانين المنطق على الثقافة أو المنظومة المسيحية ، و في هذا هو كان يعني أدوات العلم الطبيعي التي تنكر ما وراء الطبيعة، و هذا ما لم يدعيه القمص زكريا، فتطبيق أدوات العلم الطبيعي ، و التي تفسر كل شئ في اطار القوانين الطبيعية، لا يكمن أن تثبت أو تنفي وجود الله أو الروح أو أي ظاهرة مما وراء الطبيعة .
و لست هنا في صدد الدفاع عن الظواهر الفوق طبيعية ، و لكنني هنا أوضح أن القمص زكريا ، و أنا متابع جيد لمعظم حلقاته في برنامج أسئلة عن الايمان بقناة الحياة، لم يدعي أو ينكر حق الاسلام في إدعاء الظواهر فوق الطبيعية ، و لكنه يحلل الاسلام من منطق التناقد الداخلي المنطقي. و هذا يعنى أنه لا يمكن للاسلام أن يدعي شيئين متناقضين في آن واحد،و هذا القانون المنطقي المعروف هو الوسيلة الوحيدة لنقد أي أيديولوجية إيمانية لا تخضع لقوانين المنطق الطبيعي، و الأمثلة على ذلك كثيرة. و هنا أسوق ثلاثة أمثلة للتناقضات الاساسية في المنظومة الاسلامية وهي تتعلق بالقرآن :
التناقض الاساسي الاول:
كيف يمكن أن يكون القرآن ” قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ” (البروج 21،22)، و مع ذلك يحتوي على كم هائل من الناسخ و المنسوخ ، ما نسخ حكمه فقط ، او تلاوته فقط ، أو كلاهما معا . و السؤال المنطقي هو ما هي النسخة المحفوظة في السموات؟ ، هل هي النسخة قبل النسخ أم بعد النسخ؟ ، أم كلاهما؟ . و ماذا عما أنساه الله للرسول “مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا” (البقرة 106)، هل ما هو في اللوح المحفوظ مما قبل أم بعد النسيان ، و ماذا عما فقد من القرآن ، و ما حرق من المصاحف على يد عثمان “راجع كتاب المصاحف للسجستاني” ، و ماذا عما أضيف من تشكيل أو نقاط لم تكن موجودة في القرائين القديمة.
التناقض الاساسي الثاني:
كيف يكون القرآن بلسان عربي مبين (النحل 103، الشعراء 195) و مع ذلك ملئ بالكلمات السريانية و الأعجمية و التي أبسطها كلمة “إنجيل” و التي تعني بالعربية بشارة أو بشرى ، ثم كيف يكون “مبين” و هو ملغز بحروف في فواتح السور مثل ألم ، ألمص، ألر.. إلى آخره من الحروف التي لا تحمل أي معنى للإبانة أو البيان، و التي احتار فيها المفسرون و لم يجدوا بدا من القول الضمني ان “المعنى في بطن الشاعر” و هو هنا إله الاسلام.
التناقض الاساسي الثالث:
كيف يمكن أن يكون القرآن هو الكلمة الحرفية لله ، و من ينظر إلى سورة الفاتحة يجد أن المتكلم بلا شك هو المؤمنون و ليس الله: “إهدنا الصرات المستقيم .. إياك نعبد و إياك نستعين” ، و الغريب أنه في بعض المواقف المشابهة كان الكاتب القرآني يتخلص من المشكلة بإضافة “و قل ..” قبل العبارة المنطوقة على لسان آخر، و لكن من الواضح أنه لم يسعفه الوقت أو العقل على إضافة “و قل ..” أو “قالوا…” قبل الكثير من الاجزاء في القرآن. و هنا تضع المنظومة الاسلامية نفسها في مأزق. فهي تدعي ، ان القرآن هو إملاء حرفي من الله إلى جبريل و منه إلى محمد ، ولذلك كان من المنطقي أن يكون المتكلم هو الله في كل القرآن، و هذا مع الاسف لا ينطبق على الكثير من آى القرآن.
من الامثلة القليلة التي سقتها يتضح أن التناقض الداخلي للمنظومة الاسلامية يجعل العقل قبل القلب يرفضها، و أنا هنا لم أذكر أي من الأدلة العلمية أو المنطق العلمي الطبيعي ، و أنما طبقت قانون عام من قوانين المنطق ، و التي تنطبق على الطبيعي و فوق الطبيعي . لابد من الا تتعارض المنظومة الايمانية مع أساسيات قواعد المنطق. كما لا يكمن أن يقول “س” من الناس أن كل كلامه كذب ، فهذا يعنى أن الحقيقة التي يقولها “من أن كل كلامه كذب هي ذاتها كاذبة” و هذا لا يستوي و المنطق.
كل هذا ولا نستطيع أن ننفي المشاكل الجسيمة الاخرى في المنظومة الاسلامية ، من تناقضات معلوماتية عن عدد أيام الخلق ، أو غروب الشمس في بئر من الطين (الكهف 86)، أو ما تضعه فكرة الناسخ و المنسوخ من عبء ثقيل على مبرري سماحة الاسلام و أنه دين التسامح و السلام. و الذين يستخدمون نفس الآية التي ذكرتها في آخر مقالتك “لكم دينكم و لي دين” و التي نسخت بآيات السيف مثل (التوبة 5، 29) ، و التي تنفي أي مساحة من التسامح أو قبول الآخر في الإسلام.
هذا أيضا ناهيك عن الأقوال الهلامية التي تشير إلى حقوق المرأة في الاسلام ، و هي في صحيح الحديث مساوية للحمار و الكلب (مسند أحمد : 20414، سنن بن ماجة: 942). و الكثير مما لا يكفي مقال واحد لذكره، من التناقضات الاخلاقية و التاريخية و خلافه.
و هذا يقودنا إلى ان القمص زكريا بطرس لم يهاجم الظواهر الإيمانية من وجهة نظر العلمية التجريبية الطبيعية و لكن من وجهة النظر المنطقية و التي تقيم المنظومة من داخلها بشرح التناقضات الداخلية، و هذا كما قلت ينطبق على الطبيعي و الخارق للطبيعة. بالتاكيد هنا الكثير من المعجزات و الاعمال الخارقة للسيد المسيح “الذي أؤمن به” ولا أختبئ وراء سواتر الحيادية العلمية و المنطقية كما فعلت سيادتكم. و هذه الظواهر الخارقة حدثت و مازالت تحدث على أيدي المؤمنين من المبشرين المسيحيين ، و لم يستطع العلم التجريبي أن يقترب منها أو يحللها لأنها و ببساطة خارج نطاق التجارب المعملية حتى يومنا هذا على الأقل. و أستطيع أن اؤكد أيضا أن المعجزة في المسيحية لم و لن تكون بهدف إثبات المسيحية أو إقناع الآخر، و لكنها بهدف إنقاذ الآخرمن ضيق أو مرض . و لذلك تستطيع أن تقول أنها معجزة مسببة أو هادفة و ليس من أجل استعراض العضلات. و لكنني أستطيع أن أؤكد لسيادتكم أن التناقض الداخلي لا وجود له في المنظومتين اليهودية و المسيحية كما هو ظاهر في الإسلام. و ارجو قبول اعتذاري إذا كان الكلام يمس عقيدة أو يجرح شعور، و لكن السيد المسيح قال :”تعرفون الحق و الحق يحرركم” و ليس أنبل من تحطم أصنام كاذبة لتحرر الآخر من قيود شيطانية.

Posted in Islam, فضائح إسلامية, قرآنيات, محمديات, إسلاميات, إسلاميات عامة, المسيح, رد على أكاذيب إسلامية | Leave a Comment »