مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

Archive for the ‘آبائيات’ Category

حول طبيعة السيد المسيح – القديس كيرلس السكندري

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير

رسالة من القديس كيرلس السكندري

الي سكسنيسوس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوبلس

 

1- الحق يجعل نفسه واضحاً لأولئك الذين يحبونه، ولكنى أظن أنه يحجب نفسه من أمام الماكرين، لأنهم يظهرون أنفسهم بأنهم غير مستحقين لرؤية الحق بنظرة واضحة. ومحبو الإيمان غير الملوم يطلبون الرب “بقلب بسيط” (حك1: 1) كما هو مكتوب . بينما الذين يسيرون فى طرق ملتوية ولهم ” قلب معوج” (مز101 : 4) كما قيل فى المزامير، فإنهم يجمعون، لأجل أغراضهم الخاصة المنحرفة حججاً ماكرة لخطط، لكى يعوجوا طرق الرب المستقيمة، ويضلوا نفوس البسطاء بجعلهم يظنون أنهم يتمسكون بأفكار خاطئة. وأنا أقول هذا بعد أن قرأت المذكرات المرسلة من قداستكم، فوجدت بعض أمور مقترحة غير صحيحة، من أولئك الذين أحبوا انحراف العلم الكاذب الاسم.

 

 

2- وكانت اقتراحاتهم هكذا:

إن كان عمانوئيل مركباً من طبيعتين، ولكن بعد الاتحاد تعرف طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فيتبع هذا أننا لابد أن نقول أنه اختبر الألم فى طبيعته الخاصة ! (*)

آباؤنا المغبوطون الذين وضعوا قانون الإيمان المستقيم أكدوا أن الكلمة الذى من الله الآب، والذى هو من جوهره، والوحيد الجنس، والذى به صارت كل الأشياء، بشخصه تجسد وتأنس (صار إنساناً). ومن الواضح بلا شك أننا لا نقصد أن أولئك الرجال القديسين لم يدركوا حقيقة أن الجسد المتحد بالكلمة كان محيياً بنفس عاقلة، ولذلك، فإن قال أحد إن الكلمة تجسد، فإنه لا يتفق مع الرأى القائل إن الجسد الذى إتحد به (الكلمة) كانت تنقصه النفس العاقلة. وهذا كما أظن، أو بالحرى كما نعلن صراحة، هو ما كان يعنيه الانجيلى يوحنا الحكيم حينما قال إن “الكلمة صار جسداً” (يو1 : 14)، ليس أنه إتحد بجسد بلا حياة، حاشا، ولا أنه تعرض للتغير أو التحول. لقد ظل كما هو، أى إلهاً بالطبيعة، وبعد أن اتخذ وجوداً إنسانياً بأن صار جسداً مثلنا من امرأة، فقد ظل هو الابن الواحد، ليس بدون جسد كما كان سابقاً قبل زمان تأنسه لكنه لبس طبيعتنا. ورغم أن الجسد المتحد بالكلمة المولود من الله الآب، هو جسد محياً بنفس عاقلة، وليس مساوياً لجوهر الكلمة، لكن حيث أن العقل بديهياً يدرك الاختلاف من حيث النوع بين العناصر المتحدة، لذلك نعترف بابن واحد، ومسيح واحد، ورب واحد، لأن الكلمة صار جسداً. وحينما نقول “جسداً”، نقصد “إنساناً”. إذن ما الضرورة لأن يذوق الألم فى طبيعته الخاصة، إذا افترضنا أن هناك تأكيد على طبيعة واحدة متجسدة للابن بعد الاتحاد؟ إن لم تتضمن شروط خطة الله ما هو قابل للألم لصار تأكيدهم صحيحاً أنه فى غياب ما هو قابل للألم فإن طبيعة الكلمة لابد تتعرض للألم، لكن إن كانت عبارة “صار جسداً” تحضر بكل معنى الكلمة خطة تدبير التجسد، (لأن التجسد ليس إلا بأن يمسك نسل إبراهيم، ويشبه أخوته فى كل شئ (فى2 : 7) آخذا صورة عبد)، إذن فمن الجهالة أن يتكلم أحد عن أنه يجتاز الآلام فى طبيعته الخاصة، كعاقبة حتمية، حينما يتحتم أن يكون الجسد مرئياً كأساس لحدوث الألم بينما الكلمة هو غير قابل للألم. ومع ذلك فإننا لا نستبعد أن ننسب إليه الألم. فكما أن الجسد صار ملكاً خاصاً له، هكذا أيضاً ينسب إليه كل ما هو للجسد (ما عدا الخطية وحدها)، وفقاً لخطة الله فى تخصيصه لهذا الغرض.

 

 

3- إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فلابد أن يحدث نوع من الامتزاج والاختلاط، مع الطبيعة البشرية مما يجعلها تتضاءل بأن تنزع !

هنا أيضاً هم ” يعوجون المستقيم” (مى3 : 9)، ويفشلون فى إدراك أن الحقيقة هى طبيعة واحدة متجسدة للكلمة. لأنه إن كان الكلمة المولود بطريقة سرية من الله الاب ولد كإنسان من امرأة باتخاذه جسداً، ليس جسد بلا حياة بل جسد فيه حياة وعقل، هو بالحقيقة وبالفعل ابن واحد، فلا يمكن أن ينقسم إلى شخصين أو ابنين بل ظل واحداً، لكن ليس بدون جسد أو بطريقة غير مادية، بل له جسده الخاص فى وحدة غير منفصلة. وهذا القول لا يعنى أو يتضمن إمتزاجاً أو اختلاطاً أو أى شئ من هذا القبيل، فكيف يكون هكذا؟ إذا دعونا ابن الله الوحيد الجنس المتجسد والمتأنس، واحداً، فهذا لا يعنى أنه امتزج كما يظنون؛ فطبيعة الكلمة لم تتحول إلى طبيعة الجسد. ولا طبيعة الجسد تحولت إلى طبيعة الكلمة، لا، بل بينما ظل كل عنصر منهما مستمراً فى صفته الطبيعية الخاصة، للسبب الذى ذكرناه، متحداً بطريقة سرية وفائقة لأى شرح، ظهر لنا فى طبيعة واحدة (لكن كما قلت طبيعة متجسدة) للإبن. وعبارة “واحدة” لا تطبق بالضبط على عناصر مفردة أساساً لكن لكيان مركب مثل الإنسان المركب من نفس وجسد. فالنفس والجسد، هما من نوعين مختلفين ولا يتساويان أحدهما مع الآخر فى الجوهر، إلا أنهما فى اتحادهما يؤلفان طبيعة الإنسان الواحدة، على الرغم من أن الاختلاف فى عناصر الطبائع المتحدة موجود فى حالة التركيب. ولذلك فإنهم باطلاً يدَّعون أنه إن كانت هناك طبيعة واحدة متجسدة للكلمة، فانه سيتبع ذلك وجود اختلاط وامتزاج مع الطبيعة الانسانية مما يجعلها تتضائل بأن تنزع. فهى لم تتضاءل ولا نزعت (بحسب تعبيرهم) لأن القول بأنه قد تجسد هو تعبير كاف لحقيقة كونه صار إنساناً. فلو صمتنا على ذلك، لتركنا المجال لنقدهم المغرض. ولكن حيث أننا أضفنا حقيقة أنه تجسد، فكيف يكون هناك أى اقتراح بتضئيل أو إزالة محرومة؟

 

 

4- إن كان هو نفسه يُرى كإله كامل وإنسان كامل، من نفس الجوهر مع الآب بحسب اللاهوت، ومن نفس الجوهر معنا بحسب الناسوت، فأين يكون الكمال إن كانت الطبيعة الإنسانية لم يعد لها وجود؟ وأين مساواته لنا فى الجوهر معنا ، إن لم يعد لجوهرنا أو لطبيعتنا أى وجود ؟

إن الحل أو الرد الذى ورد فى الفقرة السابقة يعتبر كافياً لتغطية هذه النقطة أيضاً. لأننا لو كنا قد تكلمنا عن طبيعة واحدة للكلمة بدون الإضافة الصريحة لعبارة “متجسدة”، فى استبعاد واضح للخطة الإلهية، لصار السؤال الذى يدّعونه عن الطبيعة البشرية الكاملة أو إمكانية استمرار جوهرنا فى الوجود مقبولاً ظاهرياً. ولكن فى تقديمنا عبارة “متجسدة” تعبير عن كماله فى الناسوت وفى طبيعتنا البشرية، فليكفوا إذن عن الاستناد على قضيب مرضوض. سوف يكون هناك سند قوى لإدانة كل من يجرد الابن من كمال ناسوته بطرح الخطة الإلهية جانباً وإنكار التجسد، لكن، إذا، كما قلت، كان حديثنا عن تجسده يحوى إدراك جلى وتام بأنه صار إنساناً، فلن تعد هناك مشكلة فى رؤية أن المسيح وهو الابن الواحد والوحيد، هو الله وإنسان، كاملاً فى لاهوته وكاملاً فى ناسوته. إن كمالك قد شرح بكل صواب وفطنة، الأساس المنطقى لآلام مخلصنا، حينما صممت أن ابن الله الوحيد الجنس لم يختبر شخصياً آلام الجسد فى طبيعته الخاصة كإله، لكنه تألم فى طبيعته الأرضية. ويجب الحفاظ على النقطتين فيما يخص الابن الواحد الحقيقى ألا وهما عدم وجود الألم إلهى ونسبة آلام ناسوته إليه لأن جسده هو تألم بالفعل. لكن هؤلاء الناس يظنون أننا بذلك نقدم ما يسمونه هم “تألم الله”، وهم لا يدركون الخطة الإلهية ويعملون محاولات عابثة لنقل الآلام إلى الإنسان على حدة فى مواصلة حمقاء لتقوى مصطنعة. إن هدفهم هو أن كلمة الله لن يعترف به أنه المخلص الذى أعطى دمه الخاص لأجلنا، بل بالحرى أن يسوع كشخص متمايز هو من ينسب إليه ذلك. هذه الفكرة تلقى بكل مبدأ خطة الله بالتجسد بعيداً، وبوضوح تسئ تفسير سرنا الإلهى بكونه عبادة إنسان. وهم لا يفهمون أن بولس المبارك حينما يدعوه أنه من اليهود “بحسب الجسد” (2كو 1 : 17) ، أى من نسل يسى وداود وأنه “المسيح” ” رب المجد” (1كو2 : 8) وأنه ” الكائن على الكل الها مباركا الى الابد ” (رو9 : 5) ، يخصه بالصلب، كما نطق بأن الجسد المسمر على الخشبة هو جسد الكلمة نفسه.

 

 

5- لقد فهمت أن هناك مبحثاً آخر قد أثير:

بالتأكيد من يقول إن الرب تألم فى الجسد على وجه التحديد إنما يفسر الألم بأنه غير معقول ولا إرادى. ولكن إن قال أحد إنه تألم بنفسه وعقله لكيما يجعل الألم إرادياً، فليس هناك ما يمنع القول إنه تألم فى طبيعته البشرية. ولكن إن كان هذا حقيقياً فكيف لا نكون مقرين بأن الطبيعتين قائمتان بدون انفصال بعد الاتحاد؟ والنتيجة أننا إن اقتبسنا القول التالى أن “تألم المسيح لأجلنا بالجسد” (1بط4 : 1)، فهذا لا يعنى سوى أن المسيح تألم لأجلنا فى طبيعتنا !

إن هذا الاعتراض ما هو إلا هجوم جديد ضد الذين يؤكدون طبيعة واحدة متجسدة للإبن، وهم يرغبون ظاهرياً فى أن يبرهنوا على التأكيد التافه الذى يناقشونه بعناد عن وجود طبيعتين قائمتين. لكنهم قد تناسوا حقيقة أن كل الأشياء التى يتم عادة التمييز بينها على المستوى الذهنى فقط، تنعزل تماماً فى الاختلاف المتبادل والفردية المنفصلة. فلنأخذ مرة أخرى مثال الإنسان العادى. إننا ندرك أن هناك طبيعتين فى هذا الإنسان، إحداهما هى النفس والأخرى هى الجسد. ولكننا نقسمهما فى الفكر فقط، قابلين الاختلاف ببساطة على أنه فى البصيرة الداخلية والإدراك الذهنى فقط، فنحن لا نفصل الطبيعتين، ولا ننسب إليهما قدرات على الانفصال الجذرى، لكننا ندرك أنهما ينتميان إلى كائن حى واحد حتى أن الاثنين لا يعودوا بعد اثنين، والكائن الحى الوحيد يكمل من طبيعتين. فعلى الرغم من أننا ننسب الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية إلى عمانوئيل، إلا أن الطبيعة البشرية صارت طبيعة الكلمة الخاصة، ومعها يثرى ويُدرك أنه الابن الواحد. إن الكتاب الإلهى الموحى به يقول أنه تألم بجسده، فمن الأفضل أن نستخدم نحن أيضاً هذه الألفاظ بدلاً من أن نقول “فى الطبيعة الإنسانية”، حتى لو كانت هذه العبارة لا تسئ بالمرة إلى حقيقة السر، إلا إذا فهمت كما فى الإدراك المنحرف للبعض. لأنه ما هى الطبيعة الإنسانية سوى جسد حى عاقل؟ وأننا نؤكد أن الرب تألم فى الجسد؟ فالحديث سوف يكون بلا جدوى إذا تكلموا عن أنه تألم فى طبيعته الإنسانية فاصلين وعازلين إياها عن الكلمة، حتى يفكروا فيه أنه اثنين وليس واحد، الكلمة الذى من الله الآب، بل والمتجسد والمتأنس. وعبارة “غير المفترق” التى أضافوها يبدو كما لو كان لها مفهومنا المستقيم، لكن ليس هذا ما يقصدونه. أن عبارة “غير المفترق” فى حديث نسطور الفارغ تستخدم بمعانى مختلفة. فهم يقولون أن الإنسان الذى سكن فيه الكلمة هو غير مفترق عنه فى مساواة الكرامة والرغبة والسلطة. والنتيجة هى أنهم لا يستخدمون الألفاظ فى معناها المباشر لكن بخداع وبطريقة مؤذية.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

أبوة الله – غريغوريوس النيسي

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أبوة الله

غريغوريوس النيسي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 هوبلس

الرب يقول لتلاميذه: “متى صلَّيتم فقولوا: أبانا الذي في السموات”أيُّ روح يجب أن تكون للإنسان ليقول هذه الكلمة “أبانا”؟ أية ثقة، وأية نقاوة لضميره؟! فلنفرض أن الإنسان يحاول أن يفهم الله بقدر المستطاع من الأسماء التي يُدعَى بها وينقاد بذلك إلى فهم المجد الذي لا يوصف، فهو سيتعلَّم أن الطبيعة الإلهية مهما كانت فهي في ذاتها خيرٌ مُطلق وقداسة وفرح وقوة مجد وطهارة وأبدية مطلقة دائمة لا تتغيَّر. هذه الصفات, وأي صفات أخرى يمكن أن تخطر على البال ويمكن للإنسان أن يعرف منها الطبيعة الإلهية سواء من الأسفار المقدسة أو من تأملاته, هل يمكنها أن تجعله يتبصَّر ويتجاسر على أن ينطق داعياً هذا الكائن الأعظم بكلمة “أبانا”؟

إن كان له أي إحساس فلن يجرؤ على أن يدعو الله أباً طالما أنه لا يرى في ذاته نفس الأمور التي يراها الله؛ لأنه يستحيل من الناحية الطبيعية أن الصالح في جوهره يكون أباً لمشيئة شريرة، والقدوس أن يكون أباً لذي الحياة النجسة، ولا يمكن لمن لا يتغيَّر أن يكون أباً لمن يتقلَّب من جانب إلى آخر، ولا لأبي الحياة أن يكون له ابن يخضع للخطية حتى الموت, وباختصار، فإن ذاك الذي هو الصلاح النقي لا يمكن أن يكون أباً للمنهمكين بكُلِّيتهم في الشر. فإذا كان الإنسان عندما يمتحن نفسه يجد أنه لا يزال يحتاج إلى أن يتطهَّر لأن ضميره ممتلئ بوصمات شريرة، فهو لا يستطيع أن يُقحم نفسه بين “أهل بيت الله” (أف 2: 19) إلى أن يتنقَّى من جميع الشرور

فإذا كان الرب يُعلِّمنا في الصلاة الربانية التي سلَّمها لنا أن ندعوه أباً، فيبدو لي أنه لا يفعل سوى أنه يضع أمامنا أسمى نوع من الحياة كناموس لنا؛ لأن “الحق” لا يُعلِّمنا أن نخدع نفوسنا ونصفها بما ليس هو حالنا وأن نستعمل اسماً ليس لنا حق فيه. ولكننا إذا دعونا ذاك الذي هو غير فاسد وبار وصالح أباً لنا فعلينا أن نُثبت بحياتنا أن هذه القرابة حقيقية. أتُرى كم نحتاج إلى استعداد وأي نوع من الحياة علينا أن نعيش؟ وأية حرارة يجب أن تكون عليها غيرتنا حتى تحقِّق ضمائرنا نقاوةً تُعطينا شجاعةً أن نقول لله “يا أبانا”؟

الإنسان ينبغي أن يكتسب رضى الله بحياته الفاضلة، ولكن يبدو لي أن كلمات الصلاة تشير إلى معنى أعمق، لأنها تُذكِّرنا بوطننا الأصلي الذي سقطنا منه وحقنا السامي الذي فقدناه. ففي قصة الابن الضال الذي ترك بيت أبيه وذهب بعيداً ليعيش مثل الخنزير، نجد أن الكلمة الإلهي يُظهِر بؤس الإنسان في مَثَل يحكي لنا عن رحيله وحياته الخليعة، وأنه لا يُعيده إلى حياته السابقة حتى يصير على درايةٍ واعية بسوء حالته الحاضرة ويرجع إلى داخل نفسه مردِّداً كلمات التوبة.

وتتفق كلمات التوبة هذه مع كلمات الصلاة الربانية، لأنه (أي الابن الضال) قال: “يا أبي، أخطأتُ إلى السماء وقُدَّامك” (لو 15: 21). إنه ما كان ليُضيف إلى اعترافه أنه أخطأ إلى السماء لو لم يكن قد اقتنع أن الوطن الذي تركه عندما أخطأ كان هو السماء. ولذلك فقد منحه هذا الاعتراف عبوراً سهلاً إلى الأب الذي أسرع نحوه واحتضنه وقبَّله… وعلى ذلك فرجوع الشاب إلى بيت أبيه أعطى له فرصة لاختبار عطف أبيه، لأن هذا البيت الأبوي هو السماء التي أخطأ إليها كما قال لأبيه.

وبنفس الطريقة يبدو لي أنه إذا كان الرب يُعلِّمنا أن ندعو الآب الذي في السماء فهو يقصد أن يُذكِّرنا بوطننا الأُم الجميل، وهو بذلك إذ يضع في أذهاننا رغبةً أقوى لتلك الصالحات فهو يضعنا على الطريق الذي يقودنا عائداً بنا إلى وطننا الأصلي. وإذا كان “الله في السماء” حسب الكتاب (مز 115: 3)، وأنت كما يقول النبي: “تقترب إلى الله” (مز 73: 28)، فيتبع ذلك أنك لابد أن تكون حيث يوجد الله لأنك تكون متحداً به. وطالما أنه أوصى أن تدعو الله في الصلاة أباً، فهو يخبرك ألاَّ تفعل أقل من أن تصير مثل أبيك السماوي بحياةٍ جديرةٍ بالله مثلما يأمرنا بوضوح أكثر قائلاً: “كونوا أنتم كاملين كما أنَّ أباكم الذي في السموات هو كامل.” (مت 5: 48)

فإن كنا قد فهمنا الآن معنى هذه الصلاة فربما بذلك يكون الوقت قد حان لنُعدَّ نفوسنا لكي ننطق بدالة الثقة بتلك الكلمات: “أبانا الذي في السموات”. لأنه كما توجد صفات واضحة لمن يكون بشبه الله، تلك التي بها يصير الإنسان ابناً لله, لأنه يقول: “أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله” (يو 1: 12)؛ فالذي يقبل الصلاح الكامل يقبل الله, هكذا أيضاً توجد علامات أكيدة تخص الشخصية الشريرة التي لا يمكنها أن تكون حاملةً لابن الله، لأنها مطبوعة على صورة الطبيعة العكسية المضادَّة (أي الشيطان). لذلك، فقبل أن نقترب من الله يجب أن نمتحن أنفسنا إن كان لنا في أنفسنا شيء جدير بقرابتنا لله، وهكذا تكون لنا دالة أن نستعمل كلمة “أبانا”.

فالذي يعيش بطريقة جديرة بالسمو الإلهي له الحق في أن يتطلَّع إلى المدينة السماوية داعياً مَلِك السماء أباً له والسعادة السماوية وطنه الأُم، لأن الغرض من هذه المشورة هو أن يفكِّر الإنسان في الأمور التي فوق حيث يوجد الله. هناك ينبغي أن توضع أساسات البيت، هناك تُكنَز الكنوز والقلب يثبت “لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً” (مت 6: 21). فعلينا أن نداوم على النظر إلى جمال الآب ونطابق جمال نفوسنا على جماله.

إن كنتَ هكذا فيمكنك أن تُخاطب الله بدالة باسمٍ مألوف وتدعو رب الكل أباً لك. إنه سينظر إليك بعينيِّ أب. إنه سيُلبسك الرداء الإلهي ويُزيِّنك بخاتم. إنه سيجعل في رجليك حذاء الإنجيل لأجل رحيلك إلى فوق، ويُهيِّئك لوطنك السماوي في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والقوة إلى أبد الآبدين. آمين.

__________________

Posted in آبائيات | Leave a Comment »

الصليب-للقديس يوحنا ذهبي الفم

Posted by mechristian في أغسطس 18, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصليب

للقديس يوحنا ذهبي الفم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوبلس

 

المقدمة :

تمت الترجمة من اللغة اليونانية من مجموعة باترولوجيا جريكا (ميني): P.G. 49: 407-418.

قام بالترجمة عن اليونانية القديمة الدكتور جوزيف موريس فلتس الباحث بالمركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية

قامت الكنيسة القبطية بطباعة النسخة العربية

قامت كنيسة انطاكيا بتحويل الترجمة الي مادة رقمية

 

تتكون العظة من خمس أجزاء :

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

3 ـ ايمان اللص واعترافه

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

 

 

 

 

 

1 ـ مجد الصليب وفخره

اليوم يا أحبائي نُعيّد ونحتفل إذ أن السيد على الصليب والشمس متوارية. ولا تتعجب من أن الأمور التي تسبب التجهم والعبوس هي نفسها التي نحتفل بها، إذ أن كل الأمور الروحية تختلف عن الأمور الجسدية المعتادة . ولتعلم هذا بالتمام. كان الصليب في السابق اسمًا للقصاص والعقاب، أما الآن فهو اسم للفخر والاحترام، كان الصليب في السابق موضع عار وعذاب، أما الآن فأصبح سبب مجد وشرف. وكون أن الصليب هو مجد يؤكده قول المسيح ” أيها الآب مجدني بالمجد الذي كان لي عندك قبل تأسيس العالم” (يو5:17).

فالصليب هو قمة خلاصنا، الصليب هو مصدر عشرات الآلاف من الخيرات، بواسطته صار المنبوذين والساقطين مقبولين في عداد الأبناء. به لم نعد بعد مُضللين بل للحق عارفين. بالصليب أصبح الذين كانوا فيما مضى يعبدون الأخشاب والأحجار، يعرفون خالق الكل. بالصليب نال عبيد الخطية عتق الحرية بالبر. به صارت الأرض سماءً، فهكذا (بالصليب) تحررنا من الضلال، وهكذا نلنا الإرشاد إلى الحق. هكذا تمم الله أمرًا يليق به تجاه البشر. هكذا أقامنا من عمق الخطية ورفعنا إلى قمة الفضيلة. هكذا أباد ضلال الشياطين وهكذا كشف الخداع. بالصليب لم يعد هناك دخان، ولا دماء حيوانات مهرقة، بل في كل مكان نجد الاحتفالات الروحية والتسابيح والصلوات. بالصليب هربت قوات الشر وفر الشيطان. بالصليب تتسابق الطبيعة البشرية لتنضم إلى محفل الملائكة. بالصليب صارت البتولية مستوطنة على الأرض. فحيث أتى المسيح من عذراء فقد فتح طريق هذه الفضيلة أمام طبيعة البشر. بالصليب أنارنا نحن الجلوس في الظلمة. بالصليب حرَّرنا من الأسر، وبعد أن كنا بعيدين صرنا منه قريبين. هكذا بالصليب خلُصنا، وصار لنا هذا الفداء بالفعل. هكذا بالصليب بعد أن كنا غرباء صرنا مواطنين سمائيين. هكذا بالصليب بعد أن كنا نُحارب صار لنا السلام والأمن. وبالصليب لم نعد نخاف سهام الشيطان، فقد وجدنا نبع الحياة. بواسطة الصليب لا نحتاج فيما بعد الزينة الخارجية لأننا نتمتع بالعريس . وبه لم نعد نخاف الذئب فقد عرفنا الراعي الصالح ” أنا هو الراعي الصالح ” (يو11:10). وبه لن نرهب الطاغية إذ صرنا في جانب الملك .

أرأيت كم هي الخيرات التي قدمها الصليب لنا ؟ إذن يحق لنا أن نقيم عيدًا له. ولهذا أوصانا بولس الرسول أن نُعيّد قائلاً ” فلنعيّد لا بالخمير العتيق.. بل بفطير الاخلاص والحق” (1كو8:5). ولماذا توصينا أيها الرسول المغبوط بولس أن نحتفل بالصليب ؟ لقد أوضح السبب “إن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو7:5). أرأيت كيف يكون الصليب عيدًا للمسيح؟ أعرفت أنه يجب أن نعيّد للصليب؟ لقد ذُبح المسيح على الصليب، وحيث تكون الذبيحة هناك عتق من الخطايا، هناك مصالحة مع الرب، هناك عيد وفرح.

لقد قيل إن فصحنا المسيح ذُبح من أجلنا. فقل لي أين ذُبح؟ لقد ذُبح مرفوعًا على الصليب. المذبح جديد ومختلف عن أي مذبح، لأن الذبيحة جديدة ومختلفة عن أي ذبيحة، فهو نفسه الذبيحة والكاهن. أما كونه ذبيحة فبحسب الجسد، أما كونه كاهن فبحسب الروح، وهو نفسه المقدِّم والمُقدَّم. فاسمع أيضًا ما يقول بولس ” إن رئيس الكهنة الذي يؤخذ من بين الناس إنما يُقام من أجل الناس ليقدم عنهم (ذبائح) لله، أما المسيح فلم تكن له حاجة إلى ذلك إذ قرَّب ذاته” (عب8:5، 3:8). ويقول بولس الرسول في موضع آخر ” إن المسيح قُدِّم مرة واحدة ليحمل خطايا كثيرين” (عب 28:9). لقد قُدِّم ههنا، أما هناك فقدَّم ذاته. أرأيت كيف صار ذبيحة وكاهنًا معًا، وكيف كان الصليب مذبحًا له؟

ومن الضروري أن تعلم لأي سبب لم تُقدم الذبيحة داخل الهيكل اليهودي، لكن خارج المدينة، خارج الأسوار. لقد صُلب خارج المدينة مثل أثيم حتى يتم ما قيل بالنبي ” إنه أُحصى مع الأثمة” (إش12:53). ولماذا صُلب خارج المدينة مرتفعًا على الصليب، وليس تحت سقف ما؟ لكي يطهر طبيعة الهواء.فهناك وهو مرفوع على الصليب لم يكن يظلله سقف بل سماء، لكي يطهرها مرة بذبح الخروف هناك عاليًا على الصليب. وكما تطهرت السماء، فإنه طهّر الأرض أيضًا. فعندما سال الدم من جنبه تطهرت الأرض من كل دنس. ولماذا لم تقدم ذبيحة الصليب تحت سقف أو في هيكل يهودي؟ أعلم أن هذا أيضًا ليس أمرًا بسيطًا، فقد حدث ذلك لكي لا يدّعي اليهود أن الذبيحة تخصهم وحدهم، أو يُظن أنها قُدمت عن هذا الشعب فقط، ولهذا قُدمت خارج المدينة والأسوار لكي تُعلِمهم أن الذبيحة هي مسكونية، وأيضًا أنها قُدمت عن الكل. وأن تطهير الطبيعة شامل لكل الأرض، بعكس اليهود الذين أمرهم الله أن يتركوا الأرض كلها ويُبقوا لأنفسهم مكانًا واحدًا للصلاة وتقديم الذبائح، بسبب أن الأرض كلها كانت مدنسة بدخان ودماء ذبائح الوثنيين وأدناس اليونانيين.

أما بالنسبة لنا فقد جاء المسيح وتألم خارج المدينة وطهّر كل المسكونة وجعل كل موضع مكانًا للصلاة. أتريد أن كيف أن الأرض كلها أصبحت هيكلاً وأن كل مكان أصبح مكانًا للصلاة؟ أسمع أيضًا ما يقوله المُطوب بولس ” فأريد أن يصلي الرجال في كل مكان رافعين أيادي طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تي8:2). أرأيت أن المسكونة كلها تطهرت، إننا نستطيع أن نرفع أيادي طاهرة في كل مكان؟ فلقد صارت إذن الأرض بأسرها مقدسة، بل بالحري أقدس من قدس أقداس اليهود. وكيف يكون هذا؟ هناك في قدس الأقداس يُقدم خروف من الحيوانات غير العاقلة أما هنا فالخروف عاقل (ناطق). وبمقدار ما تفوق الذبيحة العاقلة الذبيحة غير العاقلة، هكذا يفوق تقديس الأرض (بالصليب) على أقداس اليهود. وبالتالي فالصليب هو عيد حقًا.

__________________

2 ـ بالصليب فُتح الفردوس

أترغب في معرفة إنجاز عظيم آخر للصليب يفوق إدراك العقل البشرى؟ إن الفردوس الذي كان مغلقًا قد فُتح اليوم. اليوم دخل اللص إليه. هناك إنجازان عظيمان، فتح الفردوس ودخول اللص إليه، إعادته لوطنه القديم، واسترداده إلى بلده الأم.” اليوم تكون معي في الفردوس” (لو43:23). ماذا تقول (يارب)؟ هل وأنت مصلوب ومُسمّر على الصليب تَعِدُ بالفردوس؟ كيف بالحقيقية تهبُ ذلك؟ يقول بولس الرسول إنه “صُلب من ضعف” (2 كو 13 : 4) لكن فلتسمع ما تلاه “لكنه حي بقوة الله” (2كو 13 : 4) وفي موضع آخر يقول ” لأن قوتي في الضعف تكمل”(2كو 12 :9) ولهذا يقول: إني أعد وأنا على الصليب، لكى تعلم من هذا أيضًا قوتي. فهذا الأمر المحزن لم يحدث ليبعدك عن التفكير في طبيعة الصليب بل لتعلم قوة المصلوب عليه والمعجزة التي تمت فوقه، تلك المعجزة التي تشير إلى قوة المصلوب، فاللص لم يؤمن به وهو يقيم الموتى أو ينتهر أمواج البحر ويطرد الشياطين، بل عندما كان مصلوبًا ومسمّرًا وهو مُعرّض للشتم والبصق والهزء والتعذيب. أنظر إذن الوجهين اللامعين لقوة المصلوب: إنه قد هزّ أركان الطبيعة وشقق الصخور، من ناحية، وإنه جعل نفس اللص التي كانت أقسى وأصعب من الصخر، تصير وديعة.

أتقول يارب، ” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) ؟ الشاروبيم يحفظون الفردوس وهناك يجول سيف ناري وأنت تَعِدُ اللص بأن تُدْخِله هناك؟ نعم يقول (المسيح): فأنا هو رب الشاروبيم، ولىّ سلطة على اللهيب والجحيم والحياة والموت. ولهذا يقول “اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23). فإن كان الرب له هذه القدرة فقد متع بها الآخرين مباشرة، ومع أن الملك لا يرض لنفسه أن يجالس لصًا أو أحدًا من عبيده ولا أن يرافقه إلى المدينة، إلاّ أن السيد محب البشر فعل ذلك وأدخل معه اللص إلى الوطن المقدس. وفي هذا فإن اللص لا يهين الفردوس بأن يطئه بقدمه بل بالحري يشرّفه. فشرَف الفردوس أن يكون له مثل هذا السيد القوى محب البشر الذي جعل اللص جديرًا بالتنعم فيه. وهو عندما دعا العشارين والزناة إلى الملكوت فهو لم يُحقِر من هذا الملكوت بل بالحري كرّمه وأظهر أنه رب ملكوت السموات الذي جعل العشارين والزناة أهلاً لمجد وعطية الملكوت هناك. وكما أننا نُعجب بالطبيب عندما نراه يشفي الناس من الأمراض المستعصية ويأتي بهم إلى الصحة التامة، هكذا يا أحبائي، يجب أن نُعجب بالمسيح ونُدهش إذ هو يشفي أمراض نفوس الناس المستعصية، ويعتقها من الشرور المسيطرة عليها، جاعلاً أولئك الذين سيطرت عليهم الشرور إلى أبعد الحدود، أهلاً لملكوت السموات.” اليوم تكون معي في الفردوس”(لو43:23) : شرف عظيم ، محبة للبشر فائقة، صلاح يعجز اللسان عن وصف إفراطه، فالدخول إلى الفردوس له شرف عظيم جدًا إذ هو دخول مع السيد.

ماذا حدث؟ هلاّ تقول لي ما الذي أظهره اللص حتى يكون مستحقًا للفردوس وليس للصليب؟ أتريد في اختصار أن أقول وأُظهر لك فضل اللص؟ فالرب الذي أنكره بطرس هامة الرسل، مع أنه لم يكن على الصليب، اعترف به اللص وهو معلق على الصليب. وأنا لا أقول هذا لأتهم بطرس، حاشا، لكن أريد أن أُظهر عظمة نفس اللص وفلسفته الفائقة. فذاك (التلميذ) لم يحتمل تهديد رخيص من بنت صغيرة، أما اللص وهو يرى الجمهور كله يهتف ويُجن ويصرخ بالتجديفات والسخريات على المصلوب، فإنه لم يلتفت إلى إهانات المصلوب، لكنه بعيون الإيمان، لم يبال بكل هذا وترك عنه هذه العثرات، واعترف بأنه سيد السموات قائلاً تلك الكلمات التي جعلته مستحقًا للفردوس: ” أذكرني في ملكوتك” (لو42:23). فلا تتجاوز هذا اللص ببساطة ولا تخجل أن تتخذه معلمًا فإن سيدنا نفسه قبلنا، لم يستح منه بل ادخله إلى الفردوس. لا تخجل أن تتخذ الإنسان الذي استحق ـ قبل الناس جميعًا ـ أن يكون أهلاً لنعيم الحياة في الفردوس، معلمًا لك.

ولنفحص كل هذه الأمور بدقة لنتعرف من الآن فصاعدًا قوة الصليب. لم يقل له كما قال لبطرس وأندراوس ” هلم ورائي لأجعلكما صيادي الناس ” (مت19:4)، ولم يقل له كما قال للاثني عشر تلميذًا ” تجلسون على اثني عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر” (مت28:19). لم يجعله أهلاً لسماع أقوال كهذه، لم يرَ أية معجزة، أو ميتًا قام، أو شياطين مطرودة ولا بحرًا طائعًا، لم يذكر له شيئًا عن الملكوت، فمن أين عرف اسم الملكوت؟ كان اللص الآخر يشتمه، فقد صُلب معه لص آخر ليتم القول ” وأُحصى مع أثمة” (إش12:53). لقد حاول اليهود ناكري الجميل تشويه مجد المسيح وبكل طريقة كان لهم تأثيرًا على مجرى الأحداث. غير أن الحقيقة كانت تسطع من كل ناحية ويزداد بهائها كلما زادت المقاومة ضدها. كان اللص الآخر يشتمه. وقال أحد البشيرين إن اللصين كانا يستهزئان بالمسيح وهذه حقيقة، زادت من فضل اللص (اليمين)، فمن الطبيعي أن يستهزئ أولاً، غير أن ما قد فعله بعد ذلك هو صواب، عكس الآخر الذي استمر في استهزائه.

فهل رأيت الفرق بين لص ولص؟ كل منهما معلق على الصليب، وكل منهما كان شريرًا، وكل منهما عاش حياة اللصوصية، لكن مصيرهما لم يكن واحدًا. الأول ورث الملكوت، والآخر أُرسل إلى الجحيم، وما حدث بالأمس مشابه لما يحدث اليوم فهناك فرق بين تلميذ وتلاميذ. فالأول دبر لتسليمه والآخرون استعدوا لخدمة المائدة. الأول قال للفريسيين ” ماذا تعطوني وأنا أسلمه لكم” (مت15:27) والآخرون قالوا للمسيح ” أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح” (مت17:26). هكذا الحال هاهنا فالواحد لص والآخر لص، لكن الأول يشتم والآخر ينطق بشهادة الإيمان، الأول يجدف والثاني يمدح بينما يرى المسيح مصلوبًا ومسمّرًا والجموع من أسفل تشتم وتهتف عاليًا، ولم يمنعه كل هذا من أن يعلن ما يليق بهذا المجد ، لكنه يهاجم اللص (اليسار) بشدة قائلاً: ” أما تخاف الله؟” (لو40:23ـ41).

__________________

3 ـ ايمان اللص واعترافه

أرأيت جرأة اللص (اليمين) في إبداء رأيه جهرًا؟ أرأيت أنه لم ينسَ مهنته الأولى، حتى أنه باعترافه (بالمسيح) قد سرق أيضًا الملكوت؟. قال للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23)، أرأيت شجاعته وحكمته وورعه على الصليب؟ وإلاّ يستحق منك التعجب وأنت تراه متمالكًا نفسه رغم آلامه على الصليب؟ وهو لا يستحق التعجب فقط بل وأيضًا التطويب إذ هو لم يلتفت لآلامه الشخصية بل انصرف عنها للاهتمام بآلام الآخر، ذلك الذي ضل. فصار معلمًا وهو على الصليب، فانتهر اللص اليسار قائلاً ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) وليس هذا فقط بل قال له: لا تهتم بالمحاكمة الأرضية، ولا بما سوف يقرروه، لا تنظر فقط إلى ما يجرى الآن. فهناك قاض آخر غير منظور، نزيه ـ بدون شك ـ على تلك المحكمة. لا تبال بما يتم الحكم به هنا (أسفل) فهناك (فوق) الحكم مختلف. ففي المحكمة الأرضية يُدان أبرار كثيرين، ويترك مدانين أحرارًا، هناك أبرياء يُتهمون، ومتهمين يهربون. بالشدة يعاملون البعض وباللين البعض الآخر. يجهلون القانون فيُخدعون، أو تُفسد الرشوة ضمائرهم فلا يتمسكون بالحق ويحكمون ضد الأبرياء. هناك في السماء الأمور ليست هكذا. فالله هو قاض عادل، وحكمه يسطع كنور، لا عتامة فيه ولا كتمان ولا تضليل.

وبماذا تُعزّى هذا اللص (اليمين) حتى لا يقول إنه قد حُكم عليه طبقًا لقوانين المحكمة الأرضية؟. وجِّهْ نظره إلى المحكمة السمائية، إلى المنبر المخوف، إلى الحكم العادل، وإلى القاضي غير المُضلّل، ذّكره بالحكم المخوف، قل له: تطلّع إلى هذه الحقائق السمائية ولا تبالي بقرارالحكم الأرضي ولا تتبنى موقف الناس الأرضيين ، لكن تعجب وتأمل في الحكم الصادر من فوق.قال اللص (اليمين) للص اليسار: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) . أرأيت تعليمه؟ لقد قفز قفزة واحدة من الصليب إلى السماء. أنظره وقد أتم القانون الرسولي ولم يفكر في نفسه فقط بل فكر وعمل كل ما في استطاعته من أجل الآخر، حتى إنه أراد إنقاذ اللص الآخر من الضلال وإرشاده إلى معرفة الحق. وبعدما سأله قائلاً: ” أولا أنت تخاف الله” (لو40:23) استتبع سؤاله بقوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) ، يا له من اعتراف تام. ماذا يعنى أننا تحت القضاء عينه؟! بالطبع إننا تحت العقاب. وهانحن بالفعل نُعاقب بالصليب. فمن يعيّر غيره يهين نفسه أولاً. لأن من يكون مخطئًا بالفعل ويدين غيره، هو يدين نفسه أولاً. ومن يكون في نكبة ويعيّر آخر على محنته، يعيّر نفسه أولاً. وفي قوله ” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) كأنما يردد القانون الرسولي والأقوال الإنجيلية “لا تدينوا لكى لا تُدانوا” (مت1:7) .” إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه” (لو23: 40) (ماذا تقول أيها اللص؟) أو ماذا تفعل؟ هل جعلت بقولك هذا نفسك واللص الآخر شريكين للمسيح؟ كلا ـ يقول اللص ـ إني سأُصلح كلامي على هذا النحو: “أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا” (لو41:23).

أرأيت اعترافًا أكمل من هذا على الصليب؟ أرأيت كيف أن اعترافاته قد رَفعت خطاياه؟ أرأيت كيف أنه أكمل القول النبوي “حدث لكي تتبرر” (إش26:43)، لم يُرغمه أحد، ولم يشتك عليه أحد فيما يقول بل كان شاكيًا لنفسه، ولهذا أقر قائلاً ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). أرأيت تقوى أعمق من هذه؟ حين أدان نفسه وحين لم يستح أن يكشف أعماقه وحين دافع عن السيد قائلاً: ” أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله” (لو41:23). وحين فعل هذا، حينئذِ استطاع أن يبتهل قائلاً ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42). إنه لم يجرؤ أن يقول ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) إلاّ بعد أن اعترف فتطهرت نفسه من الخطايا، وبعد أن أدان نفسه، فرُفعت الأحكام التي أدانته. أرأيت قوة الاعتراف؟ فاسمع أيها الحبيب، وتشجع ولا تيأس بل يلزم أن تعي مقدار محبة الله للبشر والتي لا يمكن التعبير عنها، ولتسرع لإصلاح خطاياك. لأنه إن كان قد اعتبر اللص وهو على الصليب جديرًا بذلك الشرف، فكم بالحري يعتبرنا نحن ـ إن كانت لنا الإرادة أن نعترف بخطايانا ـ جديرين بمحبته. فلنعترف بخطايانا ولا نخجل منها. فعظيمة هي قوة الاعتراف بالخطايا، وكبيرة هي قدرته. فبمجرد أن اعترف اللص، فُتح له الفردوس، اعترف فنال شجاعة عظيمة ودالة حتى إنه وهو لص قد طلب الملكوت. نعم في تلك اللحظة فقط استطاع أن يطلب الملكوت.

من أين لك أن تتذكر ملكوت السموات أيها اللص؟ قل لي هل ترى شبيهًا منه الآن؟ إن ما هو ظاهر للعين هو المسامير والصليب والاتهامات والهزء والشتائم. نعم يقول: فالصليب هو رمز ملكوت السموات. ولهذا فإني أدعو المصلوب عليه ملكًا. ملكًا إذ هو يموت من أجل رعاياه، فقد قال عن نفسه إنه ” الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10). حقًا والملك الصالح يضع نفسه من أجل رعاياه. ولأنه وضع نفسه بالفعل لهذا فأنا أدعوه ملكًا. واهتف ” اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك” (لو23: 42) .

__________________

4 ـ الصليب رمز ملكوت السموات

أتريد أن تعرف كيف أن الصليب رمز لملكوت السموات؟ وما هي دلالاته؟ إن المسيح لم يترك الصليب (الأخروي) على الأرض بل أخذه وأصعده معه إلى السماء. من أين استدللت على ذلك؟ لأنه سيُحضره معه في المجيء الثاني. لكن دعنا نرى كيف سيحضر الصليب معه ولنسمع قول المسيح ” فإن قالوا لكم: ها هو في البرية فلا تخرجوا! ها هو في المخادع فلا تصدقوا!” (مت26:24)، فإنه يتكلم عن مجيئه الثاني، مشيرًا إلى المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة، وإلى ضد المسيح، لكى لا يضل أحد ويسقط في يديه. لأن ضد المسيح سيأتي قبل المسيح (في مجيئه الثاني) وقد أخبرنا بذلك حتى لا يقع أحد بين أنياب الذئب وهو يبحث عن الراعي (المسيح). وأنا أقول لك هذا حتى تستطيع أن تميز علامات حضور الراعي. فإن كان حضوره الأول قد تم بطريقة خفيّة، فلا تظنوا أن مجيئه الثاني سيكون كذلك. كان حضوره الأول خفيّة، لأنه أتى ليطلب وليفتش عن الضال، أما مجيئه الثاني فلن يكون كذلك. لكن كيف؟ ” لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضا مجيء ابن الإنسان.” (مت27:24) سيظهر للجميع معًا. فلا تعود هناك حاجة إلى التساؤل (عما إذا كان المسيح هنا أو هناك). فكما أننا لا نحتاج إلى التساؤل عندما يحدث البرق، هكذا عند مجيئه لن نحتاج عما إذا كان المسيح قد حضر أم لا. والآن نتكلم عن إنه سيُحضر الصليب معه. فأسمع ما قاله بوضوح: “وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. ” (مت 29:24ـ30).

أرأيت تَفوّق العلامة (الصليب)، كيف هي مبهجة؟ كيف هي مشرقة؟ فالشمس تُظلم والقمر لا يظهر، النجوم تسقط، أما تلك العلامة (الصليب) فإنها وحدها تظهر، لكى تعلم أن نورها أشد قوة من الشمس وأبهج من القمر. وكما يستقبل الجنود الملك عند دخوله إلى المدينة بالرايات المحمولة على أكتافهم معلنين دخوله، هكذا يحمل الملائكة ورؤساء الملائكة تلك العلامة عند نزول الرب من السماء معلنين دخوله الملوكى لنا (للبشر). “وقوات السماوات تتزعزع” (مت24: 29) ، ويعنى بذلك الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات غير المرئية. فهذه سيمتلكها الخوف والرعب، فهلاّ قلت لي لماذا؟ لأن ذلك الحكم سيكون رهيبًا، فالطبيعة البشرية بأسرها ستُحاكم وتُسأل عن مسئوليتها أمام المنبر المخوف. لكن لماذا تخاف الملائكة حينذاك، ولماذا تَرهب القوات غير المتجسدة؟ طالما أنها لن تُحاكم. لأنه كما أن القاضي الأرضي عندما يجلس عاليًا على المنبر للحكم، لا يرتعد منه المذنبون وحدهم بل الحراس أيضًا، لا من تأنيب الضمير بل بسبب خوفهم من القاضي، هكذا فعندما ستكون طبيعتنا (البشرية) ماثلة للحكم معطيةً حسابًا عن أخطائها، تكون الملائكة وباقي القوات مرتعبة، لا بسبب تأنيب ضميرها بل لخوفها من القاضي.

والآن وقد عرفنا هذا الأمر فلنعرف إذن لماذا سيظهر الصليب؟ لماذا سيحضره المسيح معه؟. اعرف أن السبب هو أن يعرف صالبوه مقدار جحودهم ، إذ أن الصليب يُظهر وقاحتهم. وأسمع الإنجيلي القائل، واعلم لماذا يحمل صليبه معه ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض” (مت30:24)، إن شعوب الأرض ستنوح لأنها سترى الذي أُدين (بسببها) وتعي خطيتها. ولماذا تتعجب من أن المسيح سيأتي حاملاً الصليب؟ إنه سيأتي أيضًا حاملاً جراحاته. وكيف نستدل على أنه سيأتي حاملاً جراحاته؟ اسمع النبى وهو يقول ” وستنظره كل عين، والذين طعنوه” (رؤ7:1). فكما فعل مع توما التلميذ عندما رغب في إصلاح قلة إيمانه، فأراه أماكن المسامير وهذه الجراحات قائلاً “هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي” (يو27:20) “فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي” (لو39:24)، وذلك ليُثبت له أنه قد قام بالحقيقة. وهكذا سيأتي (في حينه) بجراحاته وصليبه معه ليثبت للجميع أنه هو الذي صُلب. فما أعظم صلاحه وخلاصه بالصليب. إنه دليل واضح على محبة الله للبشر.

__________________

5 ـ الصلاة من أجل الأعداء

غير أن محبته غير الموصوفة للبشر لم تُرى في الصليب فقط، بل أيضًا في كلماته التي تفوه بها على الصليب. فلتسمع هذه الكلمات. عندما كان على الصليب معرضًا للهزء والسخرية والإهانة قال: “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). أرأيت محبة الرب للبشر؟ كان مصلوبًا لكنه صلى من أجل صالبيه، أما هؤلاء فقد كانوا يهزأون به قائلين ” إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت40:27). أما هو فلم ينزل عن الصليب إذ هو ابن الله، ولأجل هذا جاء لكى يُصلب من أجلنا. قالوا : ” أنزل عن الصليب لنرى ونؤمن بك”. أرأيت سفاهة الأقوال وحجج عدم الإيمان. فقد عمل ما هو أعظم من نزوله عن الصليب ولم يؤمنوا، والآن يقولون أنزل عن الصليب لنؤمن بك. فالقيامة من الأموات والقبر مغلق بالأختام، كانت أعظم من النزول عن الصليب. وإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام وهو ملفوف بالأكفان، كانت أعظم من النزول عن الصليب. أرأيت الكلام الهزلي، أرأيت الهَوس المتشامخ. لكن انتبه بشدة أرجوك لكى ترى أن محبة الله للبشر هي عظيمة. وأن المسيح اتخذ من اهانتهم له سببًا لكى يصفح عنهم، إذ قال “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) . ولم يكتفوا بهذا بل كانوا يقولون “خلص نفسك ان كنت ابن الله” (مت27: 40) أما هو فقد عمل كل شئ لكى يخلص معيّريه وشاتميه وقال: “أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23). فماذا حدث؟ هل غُفرت لهم خطيتهم، نعم غُفرت خطية لكل من أراد أن يتوب. فإنه لو لم يترك لهم خطيتهم لما صار بولس رسولاً، ولو لم يترك لهم خطيتهم لما آمن به في الحال الثلاثة آلاف والخمسة آلاف، وعشرات الألوف من اليهود بعد ذلك. فأسمع ما كان يقوله التلاميذ لبولس “انت ترى ايها الاخ كم يوجد ربوة من اليهود الذين امنوا” (أع20:21) .

أرجو يا أحبائي أن نقتدي به، نعم نقتدي بالرب، ولنصلِ من أجل الأعداء. وإن كنت قد نصحتكم بفعل هذا الأمر بالأمس، إلاّ إني أكرر النصح الآن، فطالما أنك عرفت مقدار عظمة هذه الفضيلة، اقتدِ بسيدك إذن لأنه وهو مصلوب صلى من أجل صالبيه. قد تتساءل: كيف يمكنني الاقتداء بالمسيح؟ أعلم أنك تستطيع ذلك إذ أردت ، فلو لم يكن بإمكانك أن تقتدي به لما قال ” تعلموا منى لأني وديع ومتواضع القلب” (مت29:11). وإن لم يكن في مقدور الإنسان أن يقتدي به، لما قال بولس الرسول “كونوا متمثلين بي كما انا ايضا بالمسيح” (1كو11: 1). وإن لم ترد أن تقتدي بالسيد ، اقتد بخادمه وأعنى استفانوس، الذي كان أول من استشهد، لقد اقتدى بالمسيح. إن الرب وهو مصلوب بين اللصين، قد تشفع إلى الآب من أجل صالبيه، هكذا أستفانوس خادمه الذي كان وسط الراجمين والحجارة تنهال عليه من الجميع فإنه احتمل الرجم ولم يبال بالأوجاع الناجمة عنه وقال “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7).

أرأيت كيف يتكلم الابن؟ أرأيت كيف يصلى الخادم؟ قال الابن “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) وقال خادمه أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7). وأعلم أيضًا أنه لم يصلِّ وهو واقف، بل ركع على ركبتيه وصلى بحرارة وخشوع كثير ” ثم جثا على ركبتيه و صرخ بصوت عظيم يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7) . أتريد أن أريك إنسانًا آخر صلى صلاة عظيمة من أجل أعدائه؟ أسمع بولس المُطوب يقول ” من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصي، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلا ونهارًا قضيت في العمق” (2كو24:11ـ25). ومع هذا قال ” فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9). أتريد أن أريك أيضًا آخرين من العهد القديم لا من العهد الجديد، يفعلون نفس الأمر؟ ويستحقون كل تقدير إذا أن وصية محبة الأعداء لم تكن قد أُعطيت لهم بعد بل كانت عندهم وصية العين بالعين والسن بالسن، ومجازاة الشر بالشر، ولكنهم بلغوا قامة مسلك الرسل، فأسمع ما قاله موسى عندما كان اليهود مزمعين أن يرجموه ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32).

أرأيت كيف أن كل واحد من هؤلاء الأبرار كان مهتم بخلاص الآخرين قبل خلاصه؟! ولنسأل أي واحد منهم، إن كنت لم تخطئ، فلماذا تريد أن تشترك معهم في القصاص؟ وسوف تكون إجابته ” لا أشعر مطلقًا بالسعادة عندما يتألم الآخرون”. وستجد آخرين فعلوا هكذا؟ وأنا أسوق هذه الأمثلة لكى نُصلح من أنفسنا ولكى نستأصل هذا المرض الخبيث والذي هو بغضة الأعداء، من داخلنا. فالسيد المسيح يقول “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23) ، ويقول أستفانوس “يا رب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع60:7)، ويقول بولس الرسول “كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9) ، ويقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحني من كتابك الذي كتبت” (خر32:32) .

فقل لي، أي غفران سننال نحن إذا كان السيد وخدامه في العهدين القديم والجديد، كلهم يحثوننا على الصلاة من أجل الأعداء، بينما نحن نفعل العكس ونصلى ضدهم؟ إن ما أرجوه هو ألاّ تهملوا هذا لأنه بمقدار ما تزداد النماذج التي يجب أن نقتدي بهم، بقدر ذلك يزداد عذابنا إن نحن لم نتمثل بهم. الصلاة من أجل الأعداء مرحلة أسمى من الصلاة من أجل الأحباء. لأن الثانية لا تكلفنا مثل الأولى: ” فإن أحببتم الذين يحبونكم فأي فضل لكم؟” (لو6: 32) إذا صلينا من أجل الأحباء فلن نكون أفضل من الأمم والعشارين. أما إذا أحببنا الأعداء فإننا نصبح متشبهين بالله بقدر ما تسمح به طبيعتنا البشرية فإن الله ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت45:5). فطالما لدينا أمثلة مما فعله المسيح وأيضًا خدامه، فلنتشبه بهم، ولنقتنى هذه الفضيلة، لنكون أهلاً لملكوت السموات، مستعدين دائمًا لنقترب بدالة أكثر وبضمير نقى تمامًا إلى المائدة المهيبة، ولنتمتع بما وعدنا به الرب من خيرات بنعمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذي له المجد والعزة مع الآب والروح القدس. الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

الثالوث الأقدس- للقديس غريغورويس النيزنزي

Posted by mechristian في أغسطس 9, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثالوث الأقدس

للقديس غريغورويس النزينزى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هوبلس

 

1ـ إن الله غير مُدرَك بعقولنا البشرية :

+ لا يوجد الإنسان الذى اكتشف أو يستطيع أن يكتشف من هو الله فى الطبيعة أو الكنه.

Phillip Schaff & Henry Wace, Nicene & Post Nicene Fathers, Vol.VII, Second Series. Hendrickson Publishers June 1995, Article XVII Second Theological Oration. P.294

+ كان يمكن أن يحاط الله بالكلية لو كان فى الإمكان حتى أن يدرك بالفكر لأن الإدراك هو صورة من صور الإحاطة.

Ibid, 2nd Theological Oration, Article X, p.292.

+ كل ما يصل إلينا ما هو إلا فيض ضئيل من نور عظيم. حتى إن كان أحدٌ قد عرف الله أو نال شهادة الكتاب المقدس عن معرفته لله، فلنفهم : إن مثل هذا الشخص قد نال درجة من المعرفة تجعله يبدو أكثر استنارة عن الآخر الذى لم يحظَ بنفس القدر من التنوير.

Ibid, 2nd Theological Oration, Article XVII, p.294

 

2 ـ الصفات الأقنومية للأقانيم الثلاثة المتمايزة للثالوث الأقدس :

+ دعنا نلتزم بحدودنا ونتكلم عن “غير المولود” و”المولود” و”ذاك الذى ينبثق من الآب” كما قال الله الكلمة نفسه فى أحد المواضع.

Ibid, 3rd Theological Oration, Article II P.301

+ هذا هو ما نقصده من “الآب” و”الابن” و”الروح القدس”. الآب هو الوالد والباثق، بلا ألم طبعاً وبلا إشارة للزمن، وليس بطريقة حِسّية. والابن هو المولود، والروح القدس هو المنبثق.

Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301

 

3 ـ أزلية الابن والروح القدس :

 

+ “متى جاء هذان إلى الوجود؟” “إنهما فوق كل “متى” بل إذا تكلمت بأكثر اجتراء لأقول ومتى نجد الآب. متى جاء الآب إلى الوجود؟ لم يكن أبداً وقت لم يكن فيه الآب. ونفس الشئ صحيح بالنسبة للابن وللروح القدس. ولتسألنى مرة تلو المرة، أجيبك. متى ولد الابن؟ حينما لم يولد الآب، متى انبثق الروح القدس؟ حينما لم ينبثق الابن بل ولد -خارج دائرة الزمن وفوق قبضة (استيعاب) المنطق. هذا وبالرغم من أننا لا نستطيع أن نقدم ما هو الذى فوق الزمن إذا كنا نود أن نتحاشى التعبيرات التى تتضمن فكرة الزمن. لأن تعبيرات مثل “متى” و”قبل” و”بعد” و”من البدء” ليست خالية من معنى الزمن مهما على أى حال طوعناها إلا طبعاً إذا اعتبرنا الدهر أنه تلك الفترة التى تتزامن مع الأشياء الأزلية ولا تُقَسَّم أو تقاس بأى حركة ولا بدوران الشمس كما يقاس الزمن. لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادام يُنسب إلى الآب كأصل له. لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين مادمنا ننسب إلى الآب أنه مصدرهما. ومن الواضح أن السبب ليس بالضرورة سابق لآثاره فالشمس ليست سابقة لضوئها. إلا أنهما بمعنى ما بلا مبتدأ من ناحية الزمن (أى لا بداية زمنية لوجودهما)، حتى وإن كنت تُرعِبْ بسطاء العقول بمراوغاتك لأن مصادر الزمن لا يمكن أن تكون موضوعاً للزمن.

Ibid, 3rd Theological Oration, Article III, pp.301,302

+ لقد دُعى “الكلمة” لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل.

Ibid, Forth Theological Oration, Article XX, p. 316

 

 

4 ـ استعمال النماذج والأمثلة لشرح الثالوث الأقدس :

+ لقد تدارست هذا الأمر فى عقلى الخاص بتدقيق وقلبت الأمر من كل الجهات ومن جميع وجهات النظر لأجد بعض النماذح الموضِّحة لهذا الأمر الهام. ولكننى لم أجد شيئاً على هذه الأرض يصلح للمقارنة بطبيعة اللاهوت. لأنه حتى إن وجدت بعض التشابه الطفيف فإن الأكثر يهرب منى ويتركنى فى الأسافل مع نموذجى. لقد تصورت عيناً، وينبوعاً، ونهراً، وهكذا فعل غيرى من قبل، لأرى هل يتماثل الأول مع الآب والثانى مع الابن والثالث مع الروح القدس لأن فى هذه لا فرق هناك زمنياً ولا ينفصلون عن بعضهم البعض وإن كانوا يتمايزون فى ثلاثة شخوص. ولكنى خفت أولاً أن أجعل فى اللاهوت سرياناً لا يمكن أن يتوقف. وفى المقام الثانى فإن بهذا النموذج نُدخِل وحدة رقمية لأن كلاً من العين والنبع والنهر هم عددياً واحد وإن اختلفت الأشكال. وفكرت ثانياً فى الشمس والشعاع والضوء ولكن هنا أيضاً خفت أن يدخل فى روع الناس فكرة التركيب وينسبوها إلى الغير مُركَّب. ومن ناحية أخرى لئلا ننسب الجوهر للآب وننكره على الشخصين الآخرين ونجعلهما مجرد قوتين إلهيين وليسا شخصين. لأنه ليس الشعاع ولا الضوء شمساً ولكنهما مجرد فيضاً من الشمس وصفات لجوهرها. وأخيراً وحسب هذا النموذج ننسب لله الوجود وعدم الوجود فى آن واحد وهذا أكثر رعباً.

Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Articles XXXI and XXXII, p.328

 

 

5 ـ الأقانيم الثلاثة لهم ذات الجوهر الواحد :

+ إن أحادية الأصل هى ما نحفظه بتكريم. إنها مع ذلك أحادية الأصل (من جهة الثالوث بالنسبة للخليقة) غير المقصورة على أقنوم واحد بعينه. بل إنها ناشئة من تساوى الطبائع ووحدة الفكر وتطابق المشيئة والتئام المكونات نحو الوحدة -وهى ما تعجز الطبائع المخلوقة أن تصله. حتى أنه رغم التعددية فليس هناك أبداً انقسام فى الجوهر.

Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301

+ فى رأيى إنه يدعى “ابن” لأنه يطابق الآب فى الجوهر وليس لهذا السبب فحسب بل وأيضاً لأنه منه وكان يسمى الابن الوحيد ليس لأنه كان الابن الوحيد للآب. بل لأن بنوته كانت خاصة بشخصه ولا يقاسمه فيها أى جسد. وكان يسمى الكلمة لأنه يُنسَب إلى الآب كما تنسب الكلمة إلى العقل ليس فقط للإخبار عن ولادته التى بغير ألم بل أيضاً من أجل الوحدة ومن أجل وظيفته الإخبارية (الإعلانية).

Ibid, 4th Theological Oration , Article XX, p.316

+ والصورة هى من نفس جوهره

Ibid p.317

 

6 ـ المساواة بين الأقانيم الثلاثة :

+ ماذا يقولون إذن؟ هل يوجد نقص ما فى الروح يمنعه أن يكون ابناً؟ لأنه إن لم يكن هناك نقص ما لكان ابناً؟ نحن نؤكد أن ليس ثمة نقص لأن فى الله لا يوجد أى نقص. ولكن اختلاف التعبير، إذا استطعت أن أعبر عن نفسى هكذا، أو بالأحرى تبادل العلاقات بينهم أدى إلى اختلاف أسمائهم. وبالتأكيد ليس نقص ما هو ما يمنع الابن أن يكون الآب (لأن البنوة ليست نقصاً) ومع ذلك ليس هو الآب. وحسب هذا الخط من الجدال فلابد أن يكون هناك نقص ما فى الآب لأنه ليس الابن لأن الآب ليس الابن، ومع هذا فليس ذلك لأجل نقص ما أو خضوع فى الكينونة، بل لأجل هذه الحقيقة بعينها عن كونه: غير مولود أو مولود أو منبثق هو الذى أعطى الاسم الآب للأول والابن للثانى والروح القدس للثالث الذى نحن نتكلم بصدده فالتمايز بين الثلاثة شخوص محفوظ فى الطبيعة الواحدة ومجد اللاهوت. ليس الابن “الآب” لأن الآب واحد مع أن له ما للآب، وليس الروح القدس ابناً لأن الابن واحد مع أن الروح من الله؛ وله ما للابن. الثلاثة فى الله الواحد والله الواحد ثلاثة فى الخصائص . حتى لا تكون الوحدة سابيلية ولا التثليث له الوجه القبيح (الذى للأريوسيين والأنوميين).

Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article IX, p.320

 

7 ـ الاشتراك فى نفس الصفات التى للجوهر :

 

+ فإننا تعلمنا أن نؤمن ونُعلِّم عن ألوهية الابن من الكلمات السابقة العظيمة التى نطقوا بها وأى كلمات هذه؟ إن الله الكلمة كان فى البدء ومع البدء وكان هو البدء “فى البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله” (يو1:1) و”معك كان البدء” “وهو الذى دعاها البداءة من أجيال” (أش41: 4). لهذا فإن الابن هو الابن الوحيد “الابن الوحيد الكائن فى حضن الآب هو خبَّر” (يو1: 18). الطريق والحق والحياة والنور “أنا هو الطريق والحق والحياة” “أنا هو نور العالم” الحكمة والقوة “المسيح حكمة الله وقوة الله” الفيض والرسم والختم “الذى هو بهاء مجده ورسم جوهره” * و”صورة صلاحه” و”الذى ختمه الله الآب”. الرب والملك والقادر على كل شئ “أنزل الرب ناراً من السماء” و”صولجان حقه هو صولجان ملكه” و”الكائن الذى كان والآتى أيضاً والقادر على كل شئ”. كلها قد قيلت بوضوح عن الابن مع كل القطع الأخرى التى بنفس القوة قيلت. لم يُضَفْ أى منها فيما بعد إلى الابن أو الروح القدس ولا كان أى منها فكراً لاحقاً ولا عن الآب نفسه. لأن كمالهم لم يتأثر بالإضافات. لم يوجد وقت أبداً لم يكن فيه بدون الكلمة أو متى لم يكن الآب أو متى لم يكن الحق أو غير حكيم أو غير قوى أو خالٍ من الحياة أو السؤدد أو الصلاح .

Ibid, 3rd Theological Oration, Article XVII, p. 307

+ إن الابن هو نموذح توضيحى مُركّز وتقديمه مُيَسّر لطبيعة الآب. لأن كل ما هو مولود هو كلمة صامتة لذلك الذى ولده.. “هو.. يدعى.. صورته لأنه من نفس جوهره ولأن الابن هو من الآب وليس الآب من الابن. لأن هذه هى طبيعة الصورة أن تكون نسخة من الأصل الذى تحمل اسمه وفى حالتنا هذه ما هو أكثر. لأن كل صورة هى إيماءة أقل تمثيلاً من التى أومئت بها ولكن فى حالتنا هذه هى نسخة حيَّة من (كائن) حى بل وأكثر شبهاً من شيث إلى آدم أو أى ابن إلى أبيه، لأن هكذا هى طبيعة الوجود لأنه ليس من الصواب أن نقول أنه يتشابه فى جزئية ولا يتشابه فى جزئية أخرى، ولكن هنا التماثل كامل ويجدر أن يقال عنه أنه تطابق بدلاً من تشابه. وبالأكثر من ذلك فهو يُدعَى النور حيث ينير النفوس ويطهرها بالكلمة والحياة لأنه إذا كان الجهل والخطية هى الظلام، والمعرفة والحياة حسب الله هو النور.ويسمى الحياة لأنه هو النور وهو المنشئ والقوة الخالقة لكل نفس عاقلة. لأن فيه نوجد ونحيا ونتحرك، حسب القوة المزدوجة التى للنسمة التى نُفِخَت فينا. لأننا جميعاً قد ألهمنا بالنفخة وكثير منا كانوا قادرين على ذلك وللآب نفتح أفواه عقولنا مع الله الروح القدس.

Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, pp.316,317

 

 

8 ـ الروح القدس ينبثق من الآب :

+ هذه هى الأسماء العامة للاهوت ولكن الاسم المناسب لغير المنبوع هو الآب وللمولود بلا بداية هو الابن وللمنبثق غير المولود الروح القدس.

Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Articles XIX, p.316

 

9 ـ أحادية الأصل الأبوى فى الثالوث الأقدس :

+ لماذا إذاً ليسا بالمثل غير منبوعين ماداما أيضاً أزليين؟ لأنهما منه وإن كانا ليسا لاحقين له. لأن غير المنبوع أزلى ولكن الأزلى ليس بالضرورة غير منبوع مادمنا نشير إلى الآب كأصل لهما. لذلك فبالنسبة للسبب هما ليسا غير منبوعين. ولكن من البيِّن أن السبب ليس بالضرورة سابق لنتيجته كالشمس مثلاً ليست سابقة لنورها.

Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article III, p.302

+ الآب هو الوالد والباثق

Ibid, 3rd Theological Oration (on the Son), Article II, p.301

 

 

10 ـ العطايا الإلهية هى من الآب من خلال الابن فى الروح القدس :

+ إنه هو (الروح القدس) العطية، والهبة، والإلهام، والوعد، والشفيع لنا، وبدون الدخول فى تفاصيل أكثر، فإن أى عبارات أخرى من هذا النوع، تُنسَب إلى السبب الأول (الآب) حتى يظهر (يتضح) ممن هو (الروح القدس)، وحتى لا يعترف الناس بثلاثة مصادر ( ثلاث آلهة مستقلة) على الطريقة الوثنية. لأن الخلط بين الأقانيم مع السابيليين (أتباع سابيليوس) يتساوى فى عدم التقوى مع تقسيم الطبائع مع الأريوسيين.

Ibid, 5th Theological Oration (on the Holy Spirit), Article XXX, p.328

 

+ “لأن فيه نحيا ونتحرك ونوجد” حسب القوة المزدوجة فى النفخة فينا، لأننا جميعاً نُلهَم بالنفخة، وكثيرون منا قادرون على ذلك وإلى الآن نفتح أفواه عقولنا لله والروح القدس .

Ibid, 4th Theological Oration (2nd on the Son), Article XX, p.317

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ترجمة النصوص لنيافة الأنبا بيشوى فى المؤتمر الثانى للدراسات الآبائية بالاشتراك مع جامعات أثينا وتسالونيكى المنعقد فى دير القديس الأنبا بيشوى بوادى النطرون

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

لا تلمسيني – للقديس اغسطينوس

Posted by mechristian في أغسطس 9, 2007

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا تلمسيني – للقديس اغسطينوس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 

هوبلس

1 ـ اليوم قرأنا من بشارة القديس يوحنا عن موضوع قيامة السيد الرب. وقد سمعنا بأمور عن الانجيل, لم نسمعها في أي من البشائر الأخري.. فكما شرحت لمحبتكم مرارا عن الانجيل, فان البشائر الاربعة أجمعت علي ذكر أحداث معينة, وبعض الأحداث أُعلنت في ثلاث بشائر فقط وأخري في اثنتين بل وقد ينفرد أحدهم بذكر تفاصيل أخري. فالحقيقة ان البشارة بالحق هي الشئ الذي يجمع بين كل الانجيليين اذ ان جميعهم قد ارتووا من نفس الينبوع. وهكذا فيوحنا البشير هو الوحيد الذي ذكر في انجيله ما قد سمعناه الآن وهو قصة مريم المجدلية عندما رأت السيد الرب وقال لها :”لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد الي أبي” ( يو 20 : 17 ) . ففي هذا الصدد اذن يجب أن أكلم قداستكم. فاذ قد رأت النسوة الأكفان في القبر اعتقدن أن أحدا قد أخذ جسده وليس أن الرب قد قام … والكلمات الآتية تدل علي ذلك, فما سمعناه مكتوب كالآتي “لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي ان يقوم من الأموات” ( يو 20 : 8 , 9 ). لقد صدقن ما كان بالعيان وليس بالايمان.2

ـ والأكثر من ذلك, فما يمكن أن يُحير عقل القارئ والمستمع اليقظ والمدقق هو فهم العبارة القائلة: “لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد الي أبي” ( يو 20 : 17 ) فلنفكر في هذا بمعونة الرب. في الحقيقة ان مغزي هذه الآية صعب . فمتي صعد الابن الي الآب؟ في اليوم الأربعين من بعد قيامته كما ذكر سفر أعمال الرسل, هذا اليوم الذي سنحتفل به قريبا تكريما للرب, حين صعد الي الآب, وتابعته أنظار الرسل الذين لمسوه بايديهم قبلا, ثم قال الملاك لهم “أيها الرجال الجليليون ما بالكم واقفين تنظرون الي السماء؟ أن يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الي السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا الي السماء” ( أع 1 : 11 ). فان كان قد صعد الي السماء آنذاك ( فيما بعد لقائه مع مريم ) فماذا تكون الاجابة يا أخوتي ؟ أما كانت مريم قادرة أن تلمسه حينما كان واقفا أمامها هنا علي الأرض بينما تستطيع ذلك وهو جالس في السموات ؟! فاذا لم تستطع أن تلمسه علي الأرض فكم بالحري سيكون ذلك صعبا عليها في السموات ؟ فما هو معني هذه الكلمات : “لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد الي أبي” ؟ . في الواقع هذه الكلمات تبدو لي كأنه يقول: “المسيني عندما أكون قد صعدت, ولا تلمسيني قبلما أصعد”. يارب! ألا ألمسك وأنت هنا, وألمسك بعد أن تكون قد صعدت؟! بالاضافة الي ذلك, اذا كان المسيح قد امتنع عن التلامس مع البشر قبل صعوده الي الآب فكيف ظهر لتلاميذه لا ليروه فقط بل ليجسوه ايضا اذ قال : “ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ انظروا يدي ورجلي اني أنا هو, جسوني وانظروا فان الروح ليس له لحم وعظام كما ترون” ( لو 24 : 38 , 39 ) . بالاضافة الي ذلك فتوما , التلميذ الذي يشك, حين لمس جنب المسيح المطعون وقال “ربي والهي!” ( يو 20 : 29 ) لم يكن يسوع قد صعد بعد الي الآب. قد يقول شخص ما تنقصه الحكمة : ” كان يمكن للرجال أن يلمسوه قبل أن يصعد الي الآب ولكن لم يكن للنساء أن يلمسوه الا بعد صعوده الي الآب”. هذا فكر سخيف ورأي ملتوي. ففي كلمة واحدة, لتسمع الكنيسة ما قد سمعته مريم, فليسمع الجميع وليفهم الجميع, ليفعل الجميع ذلك. فما معني “لا تلمسيني لأني لم اصعد بعد الي أبي” ؟ معناه : ألأنك تريني فأنت تعتقدين أنني مجرد انسان ولا تعلمين أنني مساو للآب؟ لا تلمسيني بهذا الفكر, لا تظني أنني مجرد انسان بل افهمي أن الكلمة مساو للآب. اذن ما معني: “لا تلمسيني” ؟ معناه: “لا تؤمني بما ترينني عليه فقط”. أنني سأعد الي أبي, حينئذ المسيني. فبالنسبة لك ان صعودي الي الآب يتم عندما تفهمين أنني مساو للآب. فطالما أنك تظنيني أقل من الآب فأنا لم أصعد بعد بالنسبة لك.

3 ـ علاوة علي ذلك, فأنا اعتقد أننا بواسطة المرأة التي لمست هدب ثوب المسيح وشُفيت, نستطيع أن نفهم بسهولة أن التلامس هو الايمان. فكما تذكرون في الانجيل: ان الرب يسوع المسيح ذهب لزيارة ابنة رئيس المجمع التي قيل عنها اولا انها مريضة وبعد ذلك ماتت. وفيما هو ذاهب رأي امرأة آتية من احدي الأزقة, وكانت قد صرفت كل معيشتها للأطباء حتي تشفي, اذ كانت تعاني من نزيف منذ اثني عشر عاما, وصف لها الأطباء العلاج دون جدوي. فقالت في نفسها: “ان لمست هدب ثوبه فقط شفيت” . فقولها مثل تلك العبارة كان بمثابة الملامسة الفعلية. واختصارا للموضوع لنسمع حكم الرب ( انظر لو 8 : 45 , 48 ) . فحينما شفيت بسبب ايمانها قال الرب يسوع المسيح: “من الذي لمسني؟” وقال له التلاميذ: “الجموع يزحمونك وتقول من الذي لمسني؟” ولكنه أجاب قائلا “قد لمسني واحد لأني علمت أن قوة قد خرجت مني” فقد خرجت منه النعمة الالهية فشُفيت المرأة ولكن دون أن ينقص الرب شيئا. لذلك قال له التلاميذ: “يا معلم الجموع يضيقون عليك فهل علمت من هو ذاك الرجل أو تلك المرأة؟” فقال يسوع “احد قد لمسني”, فما معني “أحد قد لمسني, الباقون يضيقون علي ولكن واحد لمسني”, فما معني “هم يضيقون, ولكن واحد لمس”؟ فلا يزال اليهود يتصارعون أما الكنيسة فقد آمنت.

4 ـ وبناء علي هذا التفسير نري أن المرأة تلامست أي آمنت, فنفس التفسير قد قيل لمريم المجدلية: “لا تلمسيني: اني سأصعد فحينئذ المسيني”. فالمسيني حينما تفهمين معني “في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله” ( يو 1 : 1 ) فبالفعل “الكلمة صار جسدا” ( يو 1 : 14 ) ولكن لم يزل الكلمة نقيا, بلا عيب, غير متغير وغير ملموس. ولكن لأنك لا ترين سوي انسانا فانك لا ترين الكلمة. فأنا أريدك أن تؤمني ببشريته ولا تتجاهلين الكلمة. ليكن المسيح ظاهرا بكامله لك لأنه بصفته الكلمة فهو مساو للآب. ولذلك قال “لا تلمسيني الآن لأنك لا تعلمين بعد من أنا”. اذن فلتسمع الكنيسة التي ترمز لها مريم, ما قالته مريم. فكلنا نتلامس مع المسيح ان كنا نؤمن أنه قد صعد الي الآب وهو جالس عن يمين الآب. فالكنيسة اليوم بأسرها تعترف بهذا اذ تقول “وصعد الي السموات وجلس عن يمين أبيه” (من نص قانون الايمان). فالذين يعتمدون يسمعون هذا الكلام ويؤمنون به قبل أن يعتمدوا. ولذلك عندما يؤمنون فمريم (أي الكنيسة) تتلامس مع المسيح. فالفهم غامض ولكنه سليم أي انه مغلق لغير المؤمنين ولكنه مفتوح لمن يقرع علي الباب بايمان. فالرب يسوع المسيح هناك وهو أيضا هنا معنا, هو مع الآب وأيضا فينا. هو لا يترك الآب ولا يتركنا نحن أيضا. وكالرب يعلمنا كيف نصلي وكالابن ينصت الينا مع الآب.

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

صورة الله ومثاله- غريغوريوس النيسي

Posted by mechristian في أغسطس 9, 2007

 

+
+ خلق الانسان علي صورة الله ومثاله +
+ القديس غريغوريوس النيسي +

هوبلس

المقدمة :

•·         تمت الترجمة عن النص اليوناني EP E المجلد العاشر الصفحات من 109 الي 139

•·         قام بالترجمة المباشرة عن اليونانية الدكتور سعيد حكيم

•·         قام بالمراجعة الدكتور نصحي عبد الشهيد

•·         قام بطباعة النسخة العربية مؤسسة القديس انطونيوس المركز الارثوذكسي للدراسات الآبائية ( نصوص آبائية 103 )

•·         سيقوم بنعمة الفادي خادمكم آخر الكل hopeless_refugee بتحويل الترجمة الي مادة رقمية ( سأوالي نشره علي أجزاء )

•·         صلوا من أجل اتمام العمل ليستخدمه الله لمجد اسم كنيسته لينال الجميع بركته

تتكون العظة من خمس أجزاء :

1 ــ معني الصورة والمثال

2 ــ افهم ذاتك لتفهم الله

3 ــ طبيعة النفس العاقلة

4 ــ خلق الانسان وادراك سر الثالوث

5 ــ الانتقال من الأصل الي الصورة

1- معني الصورة والمثال :

لا توجد طريقة أخري أمام الذين يرغبون في فهم جمال وجوههم المخلوقة من الله بشكل جيد , والتي بها يتطلعون الي صورتهم , سوي مرآة نقية جدا , يتلامسون فيها مع صورة وجوههم , ويرون فيها بوضوح شكلا يعكس ايقونتهم التي تشبههم تماما , ونحن اذ ننظر بالتدقيق كما في مرآة الي الأشعة الالهية التي للشمس العقلية , ندرك بكل وضوح الملامح العامة والشكل والصورة التي لطبيعتنا “بحسب الصورة والمثال” لأنه بالحقيقة , علي الأقل كما أتصور أنا , أن خلق الانسان هو شئ مرهوب ويصعب تفسيره ويحمل داخله الكثير من أسرار الله الخفية. وتماما كما أن الطبيعة العين تدرك بسهولة تلك الأشياء التي توجد خارجها, الا أنها لا يمكنها أن تدرك ذاتها, هكذا بالنسبة لعين الذهن الانسانية , فان مسألة خلقتنا هو أمر يصعب رؤيته ويصعب ادراكه.

الحقيقة ان الخالق بعدما أتم خلق العالم العاقل للقوات غير المرئية , ثم خلق العالم المادي المرئي قال عندئذ ” ونعمل الانسان علي صورتنا كشبهنا” ( تك 1 : 26 ), لقد خلق الله حينئذ كائنا حيا , كما من عالم مختلط يتشكل من أمرين , فهو مكون من نفس غير جسدانية وغير ائتة وغير فاسدة , ومن جسد مادي ومرئي من أربعة عناصر , وبعد أن تم ذلك , يقول الكتاب أيضا ” فخلق الله الانسان علي صورته” ( تك 1 : 27 ) . وعندما يقول ان الله خلق فهو يقصد الآب والابن والروح القدس.

لقد عبر المفسرون فيما يتعلق بهذا الموضوع عن آراء كثيرة ومختلفة , قال البعض : ان عبارة “بحسب الصورة والمثال” تشير الي قدرة الانسان علي أن يسود وأن يتسلط , وقد اعتبر البعض أن هذا يتعلق بالنفس العاقلة غير المرئية , والبعض الآخر يربطه بالانسان غير الفاسد وغير الخاطئ عندما خُلق آدم , والبعض اعتبر ان “بحسب الصورة والمثال” يمثل نبؤة عن المعمودية وآخر الكل كما للسقط , بدا لي انا أيضا أنه أمر حسن أن أعبر عن بعض الأفكار التي تخص هذا الموضوع , وقبل كل شئ رأيت أنه من الأهمية بمكان أن نفحص هذا الأمر بالتساؤل عن : لماذا لم ينسب الله عبارة “بحسب الصورة والمثال” للكائنات العاقلة غير المرئية وللسمائيين والملائكة الذين هم بالقرب منه ؟ لأن هؤلاء هم بالحقيقة أكثر قدرة من الانسان ولديهم القوة أن يسودوا ويتسلطوا علي الأرض كلها وعلي الانسان نفسه . وعلي نفس السياق فان غير الفاني , وغير المرئي , والطاهر أو النقي, وكل ما يمكن أن تمتدحه في آدم , يوجد وبدرجة فائقة بين الصفوف السمائية غير الجسدانية.

اذا يشار بعبارة “بحسب الصورة والمثال” الي شئ عميق , وبمعني أن الانسان ليس لديه صورة واحدة ومثالا واحد لله , بل لديه صورة ثانية وثالثة , ومثالا ثانيا وثالثا , كما لو كانت هناك مرآة عاكسة لملامح شكلية , ومن المؤكد أنها ليست صورة طبيعية أو جوهرية لسر الأقانيم الالهية الثلاثة. وليس هذا فقط بل انها تعطي مثالا واضحا لتأنس الأقنوم الثاني في الثالوث القدوس , الله الكلمة . ولكن من الأفضل أن نرجع الي بداية الأمر ونبحث أولا , تري لماذا لم يخلق الله أجدادنا الأوائل أقصد آدم وحواء والابن الذي أنجباه بنفس الطريقة التي بها خلق الكائنات العاقلة , أي الملائكة , ليكونوا مساويين الكائنات الروحية ؟ فالله قد أحضر آدم الي الوجود بدون انسان , بدون أب وولادة , بينما الانسان الثاني بعده , اي ابنه , أحضره الي الوجود بالولادة , أيضا حواء قد أتت الي الوجود , لا بالولادة ولا بسبب الانسان بل أتت بانبثاق غير موصوف , من آدم بدون ولادة. تري هل حدثت هذه البدايات الثلاث للمخلوقات الأولي ( آدم ــ حواء ــ الابن ) , الكيانات المتساوية في الجوهر , كما يتصور ميثوديوس لكي تعطي صورة شكلية وليست جوهرية للثالوث القدوس الواحد في الجوهر ؟ فآدم الذي أتي بدون أن تكون هناك علة لوجوده ولا بولادة هو نموذج وصورة الله الآب ضابط الكل الذي لا توجد علة سابقة لوجوده , بل هو علة كل الموجودات . الابن أيضا الذي ولد من آدم وحواء , يرسم صورة للابن كلمة الله المولود . وحواء التي أتت من الانبثاق , ترمز الي انبثاق أقنوم الروح القدس. ولهذا لم ينفخ الله فيها نسمة حياة , لانها هي نموذج لنسمة الحياة التي للروح القدس لانه بواسطة الروح القدس صار لها أن تستقبل الله في حياتها والذي هو النسمة الحقيقية وحياة الجميع .

هكذا نستطيع أن نري ونندهش أن آدم غير المولود , ليس له شبيه بين البشر , فهو غير مولود , وهكذا الحال بالنسبة لحواء المنبثقة , حتي أنهما يشكلان مثالين حقيقيين للآب غير المولود والروح القدس المنبثق . أما الابن الذي أنجباه فهو شبيه بكل البشر , الذين هم أبناء وأتوا من ولادة فهم أخوة له ومساويين له . وهذا الابن يشكل صورة ومثالا ونموذجا للمسيح , الابن المولود , الذي صار بكرا بين أخوة كثيرين ( رو 8 : 29 ) بدون وساطة رجل . فلو أن الأمر ليس هكذا , وأن عبارة “بحسب الصورة” لم تُفهم وفقا لهذا الشرح , فلماذا لم يصبح أجدادنا الأوائل اثنين أو أكثر من ثلاث كيانات , ولماذا هم مختلفون في الصفات الخاصة بكياناتهم وأقصد غير المولود , المولود , والمنبثق , بل هم فقط ثلاث كيانات أو أقانيم ؟ وبناء علي ذلك فان تعبير “بحسب الصورة والمثال” يتخذ شكل صورة الثالوث , ثلاثة أقانيم في وحدة , وبالتالي ينبغي أن تفهم الآن أيضا , معني الوحدة في ثالوث .

2ــ افهم ذاتك لتفهم الله :

ولكن كيف يمكنك أن تميز بشكل صحيح. اسمع أحد الحكماء الذي ينصحك ويقول لك “ان أردت أن تفهم الله, ينبغي أولا أن تفهم ذاتك, من خلال تكوينك, من خلال خلقتك, من خلال عالمك الداخلي, انسحب وادخل الي داخل نفسك, انظر داخل نفسك كما في مرآة, ميز خلقتها, وستري أنك مخلوق علي صورة الله ومثاله”. ان جوهر نفسك العاقل وغير المائت هو أمر مجهول الاسم وغير معروف, وهو مخلوق بحسب صورة ومثال الله غير المدرك وغير المائت. لأنه لا يوجد أي انسان من الذين ولدوا عبر العصور, قد أدرك الجوهر العاقل لله أو للنفس. النفس تعطي حياة, تؤلف وترعي طبيعة الجسد رباعية التركيب, صورة الله, ذاك الذي يتعهد خليقته المكونة هنا من أربعة عناصر والتي هي سمائية أيضا. ولهذا فأننا لا نستطيع أن نعرف حتي المكان الذي يسكن فيه الله, لكننا نؤمن فقط أنه موجود في كل مكان. ولا نعرف أيضا المكان الذي تسكن فيه النفس في الجسد, نعرف فقط أن النفس توجد وتعمل في كل الجسد.

النفس أيضا تملك شيئا آخر باعتبارها صورة الله, وأعني أن جوهرها مختلف عن طبيعة الكون كله. والأكثر غرابة من كل شئ, والتي تحمله خلقتنا علي صورة الله, أنه لا جوهر النفس, كما أن ماهيتها والكيفية التي بها تأتي الي الوجود, تعد أمورا لا يمكن للذهن الانساني أن يفهمها. ولهذا فكل من ادعوا خطئا أنهم قد فهموا, فهؤلاء قد تعثروا جدا. لقد قال البعض ان النفوس تأتي الي الأجساد من السماء, وآخرون يرون أن النفوس تأتي الي الوجود اذ ان الله يخلقها مع الجسد. البعض قال أيضا بأن الانسان الذي خُلق علي صورة الخالق, أصبح سببا لولادة الجسد والنفس في ذات الوقت. البعض يدعون أن النفس تولد من خلال التعاون المشترك للطرفين, الرجل والمرأة, كما يحدث عند احتكاك الحديد والحجر, فان هذا الاحتكاك يولد الشعلة. البعض أيضا يعلم بأنه في اللحظة ذاتها التي يُحمل فيها بالجسد تأخذ النفس وجودا. البعض الآخر يرجح أن اليوم الأربعين من الحمل هو اليوم الذي يؤتي فيه بالنفس كما يتصورون, باعتبار أن ذلك يعتبر قانون لهذا التكوين. ويتخيل البعض الآخر أن النفس هي واحدة في الجوهر مع الملائكة, وآخرون قالوا انها أقل من الملائكة, بينما يري غيرهم أنها تهيم في الهواء, والبعض قال انها تتحرك في الكون كحقيقة الهية. ومن أجل هذا, علي الرغم من أنها تتحد بالجسد, وهي مخلوقة علي صورة الله, وتُحيي الجسد, الا أنها تبقي خارج تأثير الشهوات الجسدية وأضرار الجسد المختلفة, ولا نستطيع ان نراها, ولا أن نفهم طبيعتها ونوعها وهيكلها وشكلها ونوعيتها وكمها وجودها ومما تتألف وجمالها.

ولذلك يقول ميثوديوس في وليمته ان النفس لها جمال فائق لا يوصف, ولهذا السبب يبدو أن الأرواح المشادة تحسدها, لأنها أخذت شكا أسمي من الكائنات العاقلة ذاتها. أما عدم الفهم وعدم الوضوح والغموض الخاص بالنفس لا يشار اليه الا لأنها تعتبر بالحقيقة, وعلي سبيل الحصر, صورة فقط لله غير المدرك. ولهذا ولأننا نجهل كل الأمور الخاصة بها, فاننا نتحقق ونتأكد من وجودها من خلال أعمالها فق داخل الجسد. مثلما نتأكد من وجود الله من خلال أعماله داخل الكون المرئي. لنأت الي النقطة الأساسية لموضوع الخلق”بحسب الصورة والمثال”, لكي نُبين, كما وعدنا, فرادة الثالوث الالهي.

وما هي النقطة الأساسية ؟ من الواضح أنها النفس أيضا, وكلمتها العاقلة, التي دعاها الرسول بولس, روحا, عندما يعطينا وصية أن نكون مقدسين في النفس والجسد والروح. النفس أيضا غير مولودة ولا علة لها, وهي مثال لله الآب غير المولود والذي لا يوجد علة لوجوده. الا أن كلمة النفس العاقلة ليست بدون ولادة, بل تولد من النفس بطريقة لا يعبر عنها وغير منظورة ولا تُفسر, وليست لها علاقة بالألم أو الشهوة. بينما الفكر له علة أو سبب وهو ليس بدون ولادة, ولكنه ينبثق, يدرك كل شئ ويفحص كل شئ ويتلامس معه بشكل غير مرئي, علي مثال الروح كلي القداسة, والذي ينبثق أيضا والذي قيل عنه “الروح يفحص كل شئ حتي أعماق الله”( 1 كو 2 : 10 ) . النفس حين توجد داخل الجسد فهي لا تعتبر منبثقة, لأنها اذا كانت منبثقة, لكنا قد متنا كل ساعة. وكلمتنا لا توجد بدون ولادة, لأنه اذا حدث عكس ذلك سنكون مثل الحيوانات غير العاقلة. والأكثر دهشة من هذه الأمور أننا لدينا نفسا بسيطة, وعقلا واحد غير مركب, أما كلمتنا فهي مزدوجة في ذاتها ومحفوظة كواحدة غير منقسمة. فالكلمة تولد داخل القلب ولادة غير مدركة, غير متجسدة, وتبقي مجهولة داخلنا. وبعد ذلك تولد ولادة جسدية من خلال الشفاه, وحينئذ تصير معروفة للجميع. ولكنها لا تنفصل عن النفس التي ولدتها, حتي أننا ندرك بكل وضوح الميلادين اللذين لكلمة الله من خلال الميلادين الذي لكلمتنا “بحسب الصورة والمثال”

حقا لقد ولد من الآب قبل كل الدهور, بصورة غير مرئية, لا تُشرح وغير مدركة. وكان غير معروف, كما لو كان داخل الآب الي أن ولد جسديا من العذراء القديسة بدون فساد, بدون رجل, وظهر الي العالم, دون أن ينفصل عن جوهر الآب الذي ولده. وبناء علي ذلك تري أن فرادة جوهر نفوسنا غير المائتة والعاقلة تحمل صورة لها ثلاث خواص أقنومية, عدم ولادة النفس, ولادة الكلمة, وانبثاق الروح, أي الفكر. وأتشجع وأتجرأ بأن أقول انه بحسب هذه النظرية الثالوثية غير المرئية للنفس, قال الرسول بولس ان الانسان خلق بحسب صورة الله غير المرئي. فان لم يكن هذا حقيقيا, فلماذا لم تُخلق النفس اذا من الله ولها قسمان أو أربعة أقسام, بل لها ثلاثة أقسام فقط, والتي لا تختلط فيما بينها وفقا لصورة الثالوث القدوس المحيي الواحد في الجوهر, حتي أنه لو كان مسموحا أن أقول ان داخل الانسان وبالأحري الانسان البار يسكن, بصورة شكلية وليس جوهريا, كل ملء الألوهة التي تحدد بصورة غير مُعلنة الله الثالوث؟ ولهذا فان حكماء العالم قد حددوا, من منظور آخر, أن النفس تتكون من ثلاثة أقسام, مُعلمين كيف أنها تحمل الرغبة, الفكر, الاحساس, حتي أنه عندما تتحد الرغبة في محبة الله بالفكر يمكن أن تستقبل في داخلها المعرفة والحكمة التي تأتي من الله, وباحساسها تقاوم الأرواح الشريرة الخبيثة, مُبينين أيضا من خلال هذه الأمور الثلاث, معني “بحسب صورة الله”. لأن الثالوث يحكم ويضبط ثلاثة أقسام بثلاثة طرق أي السماويات, والأرضيات, وما تحت الأرض, من خلال قدرته الخالقة, وعنايته, وسلطانه العادل. وكل ما يعمله الله, فانه يعمله وفقا لاحدي هذه الطرق الثلاث, اما أنه يخلق, أو يعتني, أو يُهذب. وصورة الله الخالق هي في الرغبة. لأن الرغبة تقود الي العمل, أما عنايته فرمزها في القوة الفكرية للنفس. الاحساس أيضا هو مطابق للتهذيب. وربما الخاصية المميزة للنفس هي في الرغبة. لأن الأطفال حتي قبل أن يتكلموا, باعتبارهم نفوس, نجدهم يشتهون علي الفور أن يرضعوا وأن يناموا. أيضا القدرة الفكرية من الواضح أنها خاصية العقل, بينما الاحساس يرافق العقل, وكل من يغضب بالمخالفة للطبيعة يثير فيه اضطرابا.

– طبيعة النفس العاقلة :

اذا فان أراد أحد أن يعرف كيف خُلق الانسان بحسب “صورة الله ومثاله”, فليأت الي هذه الأمور غير المطروقة, والمعاني المشابهة لها, وليبحث في تكوين طبيعة نفسه العاقلة. وليكن هدفه أن يعرف أقسامها بالتدقيق, وأقسام أقسامها, كلماتها, طرقها, وحداتها, تميزاتها, تفردها, وحدتها, ثالوثيتها, كيف أنها واحدة وتعتبر ثلاثة أقسام, وحدة في ثلاثة, بحسب صورة الله ومثاله, ويُعترف بها كثلاثة أقسام في وحدة. وأنها من المؤكد واحدة في الجوهر, لكن ليست واحدة من جهة أقسامها الثلاثة, وذاك الذي قال “أصلي بالروح وأصلي بالذهن أيضا. أرتل بالروح وأرتل بالذهن أيضا”( ا كو 14 : 15) قد جعل هذا الأمر واضحا جليا. أيضا بعض الناس يكلموننا بشكل واضح جدا عن هذا الثالوث الذي يُستعلن فينا ويُعطي مثالا لصورة الله, وهؤلاء تكون لهم نفس. ولكنهم يكونون ـ بسبب ما ـ بلا عقل ولا كلمة. أيضا البعض ممن يحملون نفسا وكلمة, قد تجدهم فقراء في العقل تماما. أيضا البعض لديهم عقلا ونفسا, ولكنهم محرومين من الكلمة. ولهذا فان الرضيع, الذي يولد من داخل جو مظلم, ويأتي الي النور, يُظهر علي الفور أنه يحمل نفسا هي مثال لله الآب والتي لها قوة عاقلة, تحمل أيضا داخلها الكلمة والعقل. الآن يتقدم هذا الرضيع, حي ينمو الجسد ويكتمل, فيظهر الكلام بعد ذلك, والكلام لا يظهر بشكل كامل ومفاجئ, بل أنه يتلعثم أولا, مُعلنا عن حضور ذهني, عندما ينمو الرضيع ويظهر كرجل كامل, وهذا يشير الي الكلمة حين تجسد

لكن فيما تساهم هذه الأمور بالنسبة للبحث الذي نباشره عن خلق الانسان؟ بالطبع يمكن أن تساهم جدا, آه أيها الانسان, اننا بهذه الأمور نعرف طريقة استعلان الله وظهوره في العالم, عندما أخذ جسدا هكذا أدركت طبيعتنا سر الثالوث حينما استعلن في الحين المناسب. حقا لقد حُمل بالانسان من بذرة الشرير, كما لو كان في بطن الخداع, جالسا في الظلمات وفي ظلال الموت. ثم تقدم بعد ذلك في نور المعرفة الالهية, في البداية كطفل, تعهده الناموس, اذ أنه يحمل نفسا, مدركا أن الله الآب يحتوي الكلمة كأقنوم, والروح القدس أيضا, كما هو الوضع بالنسبة للنفس. ولأن الانسان بسبب ضعفه الشديد وطفولته المعرفية, لم يكن قادرا علي اظهار الكلمة والفكر, ولكي لا ينزلق الي عبادة الآلهة المتعددة, فان طبيعتنا المادية أو العالمية قد اكتسبت بمرور الزمن حكمة, مثلما يحدث مع الطفل الذي يكبر, كما لو كان قد تعلم من نفس ما أن تكون له معرفة عن الله الآب ولكنها معرفة غير مُعلنة, مثلما يحدث في البداية من تلعثم غير واضح في الكلام, ثم يكتسب خبرة من خلال التعاليم النبوية, ثم ادراك ومعرفة كلمة الآب كأقنوم.

وبعد هذه الأمور المتلعثمة, وأقصد التعبيرات الموسوية والنبوية التي تحمل ألغازا, وبعدما خرج كلمة الله بصوت مسموع وناطق من الأحشاء البتولية, كما تخرج الكلمة من الشفاه, ستعرف طبيعتنا الانسانية ككل كمالها الثالوثي بعد أن تكون قد اجتازت هذا التلعثم, من خلال الكلمة, طالما أنها قد قبلت الروح القدس واستنارت ذهنيا, والذي لم يجعل انتقاله وسكناه في هؤلاء من الخارج, لكنه استعلن فيها, من خلال تلك الأمور التي هي في داخلها, أي النفس والكلمة, مقابل الآب والابن, فتلد النفس كلمتها الأقنومية, ليس كمخلوقة, ولا كشئ مُغاير, ولا كجنس مختلف, بل بشكل أساسي هو وجود شخصي فطري يحمل طبيعة مشتركة. مظهرا الطبائع المشتركة في ارتباطها بروح الذهن, كما لو كانت تشكل جسدا واحدا. وبالاضافة الي هذه العناصر فان النفس غير الجسدانية تُغرس فيها أعضائها غير الجسدانية, كما لو كانت هذه الأعضاء نماذج توصف وتُصاغ وتتجمع معا, تلك التي هي فوق كل شكل وهيئة, وهي تحمل روح الذهن كنسمة لجسدها, وكحياة لها, وتملك الكلمة كرفيق لها. فاذا حُرمت النفس من كل هذه الأمور, فلن يكون من الممكن أن توجد ولا أن يُعترف بها كنفس ناطقة وعاقلة, تلك التي خُلقت بحسب صورة الله ومثاله. ومن خلال هذه العناصر الموجودة داخل النفس ستعلم وتعترف أن الآب, والابن, لم يكونا كائنين قبل الروح القدس. فكما في حالة النفس العاقلة, توجد الكلمة داخلها في نفس الوقت, ويوجد داخلها الروح الذي يُحييها ويُجمعها ويُكملها, هكذا فان الله الكلمة هو كائن مع الآب, وفي نفس الوقت الروح القدس كائن مع الابن ومع الآب. أما ان فصلت وعزلت الكلمة عن النفس, فان نفسك ستبقي بدون كلمة. هكذا ستعرف من خلال حقيقة الخلق علي صورة الله, أنك لو رفضت الله الكلمة, قائلا انه غير كائن مع الله الآب, فانك تكرز حينئذ بأن الله هو غير عاقل وشبيه بالحيوانات غير العاقلة. ولو أنك فصلت الروح عن الله, فانك تتحدث عن من هو ميت وليس عن اله حي. لذلك لو أنك أردت أن تجد فلسفة لعبارة “بحسب الصورة والمثال” فينبغي أن تفلسفها هكذا, وليس من قبل الأمور التي هي خارجك, بل من تلك التي هي داخلك. أن تعرف الله غير المعروف, من خلال الثالوث الذي في داخلك, اقتن معرفة للثالوث من خلال الأشياء الموجودة حقا. هذه الشهادة هي شهادة مؤكدة وجديرة بثقة أكثر من أي شهادة أخري للناموس وللكتاب.

4ـ خلق الانسان وادراك سر الثالوث :

حقيقة أنه لهذا السبب فقط خلق الله مثل هذا الكائن الحي ( أي الانسان ). لأنه كان يرغب أن يعلن للعالم سر الثالوث القدوس غير المدرك, لكي تحمل داخلك أنت يا من خُلقت بحسب صورة الله ومثاله, الصورة والمثال والنماذج والأمثلة التي توضح سر الثالوث, حين تتطلع في صورة نفسك المخلوقة. لا تُعبر بالتساؤل الساخر, ان كان الله ثالوث, فكيف يكون واحدا؟ وان كان الكلمة هو ابن, فكيف يمكن أن يكون المولود موجودا منذ البدء مع والده؟ وان كان الروح يأتي من الآب, فلماذا لم يولد, لكنه ينبثق؟ أو من هو الذي أحضره الآب الي النور أولا؟ الابن أم الروح القدس؟ فان كان الاثنان معا في نفس الوقت, فهل يوجد يا تري داخل الثالوث الهان أخوة, وولادة تؤأم؟ وكيف ستُميز الفرق بين الولادة والانبثاق في الكائنات غير الجسدانية, والغير متحركة والثابتة وكيف يكون ممكنا أن يكون للوالد والمولود نفس المجد؟ وهل الآب يا تُري ولد بارادته أم لا؟ ومن يشهد علي أن الآب والابن والروح القدس هم جوهر واحد؟ وان كان الله الآب هو أقنوم كامل. وان كان الله الكلمة هو أقنوم كامل, والروح القدس اله كامل, فمن لا يقول ان عقل الله هو اقنوم الهي آخر لله, واله آخر هو ذراع الله, وأقنوم آخر هو اصبع الله, وكذلك يمين الله, وكل الأمور الأخري التي يُقال عنها انها أعضاء الله في الكتاب المقدس؟

اذا فلكي لا تتكلم ولا تفكر في هذه الأمور, التي تعثر فيها الهراطقة, وسقطوا بتفكيرهم, فان الله خلقك بحسب صورة ومثال وجوده الثالوثي, لتكون نموذجا يحمل الشكل الثالوثي, والذي يُعرف أنه واحد في الجوهر. وان كانت لك رؤية مستقيمة, فستجد في هذا الثالوث, وبحق, كل ما يختص بالتعاليم التقوية عن الله, كما في مرآة, وكنموذج أو شكل ( للثالوث القدوس ). وأقصد أن الأقانيم ثلاثة, والجوهر واحد غير منقسم, وغير مُدرك, وهو الذي لا هيئة له, الذي لا يُشار اليه, غير المولود, المولود, المنبثق, الخالق, الراعي, الديان, غير المحسوس, غير الجسدي, الأبدي, غير المتجزئ, غر المائت, الذي لا يُعبر عنه, الفائق الجمال, وبعبارة واحدة ستجد كل ما يقال بتقوي عن النماذج والصور الالهية كظلال مرسومة داخل نفسك, ولهذا قال الله ” لنخلق الانسان علي صورتنا كشبهنا”.

5 ـ الانتقال من الأصل الي الصورة :

ومع هذا فان هذه الأمور لم يفهمها الهراطقة غير المؤمنين في عصرنا ولا فكروا فيها, لأنهم لو فهموا بشكل صحيح عبارة “بحسب الصورة والمثال” كملمح للانسان, ما كانوا ليتذبذبوا في سر الثالوث, ما كانوا ليُخضعوا الفائق للطبيعة لأفكارهم. ما كانوا لينشروا ادعائهم المظلم, بأنه لا يمكن أن يكون الله ثلاثة أقانيم. فلو أن آريوس قد فهم الخلق “بحسب الصورة”, ما كان له أن يُعلم بأن الابن هو من جوهر مختلف عن الآب. لو أن مقدونيوس تعرض بتقوي لموضوع الخلق “بحسب الصورة” ما كان له أن يصف الروح القدس بأنه مخلوق. لكنهم أصيبوا بالعمي وعانوا ما عاناه أولئك الذين بينما كانوا يمتلكون الجوهرة في أعماقهم, لم يعرفوها, وبحثوا عنها في الهاوية وهذا بسبب أنهم مخدوعون. لاحظ اذا أن النفس هي “بحسب صورة الله” من حيث الشكل وليست بمساواة طبيعية. كيف صار هذا؟ سأشرح علي الفور ما أقوله بوضوح. نحن نؤمن أن الله الآب غير محدود, وينطبق نفس الشئ علي الابن وعلي الروح القدس, ولهذا فهم كأقانيم غير محدودين, يحملون أسماء, يُعلن فيها الواحد عن الآخر, كما يوجد بينهم ترابط مشترك بمعني أنه عندما يُذكر اسم الآب فمن الواضح أنه يُعلن عن وجود ابن له. كيف يكون ممكنا أن يدعي ابا, ان لم يكن له ابن؟ نفس الشئ عندما يقول روح, فهو يعلن عن الله, لأن الله روح كما يقول الكتاب.

فلنأت بعد ذلك من هذا الثالوث القدوس الي صورته, اي الي الثالوث الذي يوجد داخلنا, وستري الاسماء الثلاثة, حيث يحوي الواحد الآخر وهم متحدين. بمعني أنك عندما تُشير الي النفس الناطقة العاقلة, فمن الواضح أنك تُعلن عن الكلمة والعقل. نفس الشئ اذا ذكرت كلمة عقل, فانك تعلن بكل الطرق عن النفس والكلمة. لأنه بأي شئ يتعلق الذهن, ان لم يكن بالنفس والكلمة؟ وهكذا فان اسم أحد الأقانيم يستدعي حتما الاشارة الي الأقنوم الآخر, فهناك ترابط قوي يجمع أسماء الأقانيم معا. يتضح من ذلك أن الأقانيم تحمل نفس الطاقة والجوهر المشترك غير المنقسم, بمعني أن طاقة الله الآب والابن والروح القدس هي واحدة ومتساوية, والقوة واحدة, والارادة واحدة, والرأي واحد. فان الابن غير منفصل عن الآب في كل ما يعمل وهو عامل معه, وأيضا في كل ما يفعل الابن أو الروح القدس فان الآب يعمل معهما في كل الأحوال بشكل غير منفصل. فلا الابن يفعل شيئا بالانفصال عن الآب, ولا الآب بالانفصال عن الابن والروح القدس, بل ولا الروح القدس أيضا يفعل شيئا بدون الابن والآب.

وعندما ننتقل من الأصل الي الصورة, الي صورة نفوسنا التي هي مخلوقة “بحسب صورة الله ومثاله” ستري فينا أن الفعل هو واحد ومتساوي. لأن النفس لا تفعل شيئا بدون الكلمة, ولا الكلمة بدون النفس, ولا أيضا العقل يفعل شيئا وحده بدون النفس وبدون الكلمة, بسبب قوتهم وطاقتهم المشتركة المتساوية الأبعاد والفطرية المترابطة فيما بينهما, بحسب خلقتها علي صورة الله ومثاله. ولكن اذا قلت لي ان النفس لا تفعل اي شئ وحدها بدون الجسد, وهذا بالضبط ما سبق وأعلناه, اذ انها قد خُلقت في هذا الجسد بحسب صورة الله ومثاله. فانها من خلال المادة المرئية تعلن عن قوتها غير المرئية. الا انها عندما تنفصل عن الجسد أيضا فان الجوهر والنفس النقية بحسب طبيعتها, اذ توجد في استنارة وبساطة وهدوء وبهاء, يمكن أن تُدعي وتكون بحق مخلوقة بحسب “صورة الله ومثاله”.

ولكن اذا تهكم المقاوم, كما هو متوقع, علي كل ما قلته, لأننا لم نُدلل علي أنه توجد ثلاثة أقانيم في النفس بالمساواة مع أقانيم الثالوث القدوس, فليعلم الأحمق أن النفس خلقت علي شكل الصورة وليست بمساواة حقيقية للثالوث القدوس. بل وفي الألوهة أيضا, ان لم يكن هذا أمرا مخيفا أن يقوله المرء, فان هناك تمايز للآب عن الابن, وتمايز للروح القدس عن الابن. وفي تشابهك مع صورة الله, أنت لا تتجاوز هذا أيضا, أي أنه بولادة الكلمة جسديا من الشفاة تصير الفضيلة والحكمة والاستنارة والقوة والعمق والمعرفة التي لنفسك وذهنك معروفة ومُعلنة للجميع. وهذا المثال يُعلن لك أنك خلقت وتوجد بحسب “صورة الله ومثاله”. لأنه بولادة كلمة الله جسديا استعلنت للعالم القوة, المعرفة, الحكمة وجميع أنواع الصلاح الأخري التي للآب والروح القدس.

لاحظ اذا كم وتنوع أعمال الكلمة في العالم, من جهة التشبه بكلمة الله. وكيف أنه بواسطة الكلمة, يُخلق كل شئ ويصير له وجود. لقد أخذت الملائكة كيانها بواسطة الكلمة, وبالكلمة يُمجدون الخالق, وبالكلمة خلق كل ما نراه, بالكلمة أُنير سر الكون, بالكلمة صارت الكيانات معروفة. بواسطة الكلمة فقط ظهرت هذه الكيانات, بالكلمة تحققت الانجازات, بواسطة الكلمة تجلي الكون. لقد بُشر بمعرفة الله بواسطة الكلمة, وبواسطة الكلمة أخذنا هذه المعرفة. بواسطة الكلمة توحدت وانجمعت كل الاشياء معا. وكما أن الطفل الذي لا يتكلم يعتبر قليل العقل بحسب تقديرات الناس, الي أن تولد الكلمة من شفتيه, هكذا كلمة الله المولود بحسب الجسد, عبر كل مراحل عدم الكلام الخاصة بطبيعتنا, حين استعلن بكل وضوح في عملية الخلق مع الآب والروح القدس. ولأن نفوسنا هي مخلوقة من الله, فهي غير مُرسلة لخدمة ما, بعد انفصالها عن الجسد, كما يحدث بالعكس مع الملائكة, لأن الملائكة هي أرواح مُرسلة للخدمة, بينما أنفس القديسين هي بشكل أساسي مخلوقة بهيبة بحسب صورة الله ومثاله, لأنه ان كان الانسان بعد عصيانه, قد طاله نقص بسيط عن الملائكة, الا أنه باتحاده بالله الكلمة صار أعظم من الملائكة, لأن ذاك الذي خُلق بحسب “صورة الله ومثاله”, اتحد الآن بالله وذاك الذي أخذ أولا صورة الله, يعكس الآن صورة الله, هذا الذي يليق به المجد الي أبد الآبدين . آمين

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | Leave a Comment »

الثالوث – القديس باسيليوس الكبير

Posted by mechristian في أغسطس 9, 2007

الإيمان بالأقانيم الثلاثة والجوهر الواحد  (منقول عن الأخ فادي)

عندما سلمنا ربنا صيغة الإيمان بالآب والابن والروح القدس, لم يقرن هذه النعمة بعدد فهو لم يقل باسم الأول والثانى والثالث ولا أشار إلى واحد واثنين وثلاثة. بل منحنا نعمة معرفة الإيمان الذى يقودنا إلى الخلاص, حتى أننا نخلص بالإيمان وبمعرفتنا بأسماء الأقانيم المقدسة, أما العدد فقد اخترعه العقل كوسيلة لحصر الكميات. أما الذين يجلبون الدمار على أنفسهم, فيريدون استخدام طريقة “العد” ضد الإيمان. ومع أن الأشياء لا تتغير إذا حسبت عددياً كلٌ بعد الأخر فى تسلسل عددى، إلا أن أولئك الذين يرون استخدام العدد فى الكلام عن الطبيعة الإلهية يتجاوزون الإكرام اللائق بالباراقليط…. ونحن نعلم عن كل أقنوم على حدى،

 

وإن كان يجب علينا استخدام الأعداد، فإننا لا نسمح لأنفسنا، فإننا لا نسمح لأنفسنا بأن تحملنا قواعد الحساب إلى تعدد الآلهة فى الوثنية. نحن لا نجمع بالإضافة واحد زائد واحد وبذلك نتدرج من الوحدة إلى الكثرة. كما أننا لا نقول واحد, اثنان, ثلاثة ولا نقول أولاً وثانياً وثالثاً بل مكتوب “أنا الله الأول وأنا الآخر” (إش44: 6). ولم نسمع قط حتى هذا اليوم عن إله ثان بل أننا نبعد الإله من الإله, ونعترف بتمايز الأقانيم وفى نفس الوقت نتمسك بالوحدانية. ولا نبدد اللاهوت بتجزئته إلى أقسام متعددة, بل جوهر واحد غير مجزأ نراه فى الله الآب والله الابن الوحيد. ووحدة بلا انقسام لأن الابن فى الآب والآب فى الابن وهو ما ينفى وجود اختلاف بينهما, بل يجعلهما جوهرًا واحدًا. وبالتمايز هما الاثنان أقنوم وأقنوم وبالاشتراك فى الطبيعة الإلهية الواحدة هما واحد. كيف إذاً وهما واحد وواحد ليس اثنين؟

السبب هو أننا نتحدث عن ملك واحد وعن صورته, وهذا لا يعنى وجود ملكين. فلا السلطة ولا القدرة ولا المجد ينقسم, بل السيادة والسلطة والحكمة هى واحدة. وفى اللاهوت نفس الوضع لأن المجد الذى نقدمه لله يقدم إلى الواحد وليس إلى تعدد الآلهة, لأن إكرام صورة الملك هو إكرام الملك. وفى حالة الملك والصور فإن الفرق بين الملك والصورة هو فى الطبيعة, إذ هى تمثل الملك, أما فى حالة الآب والابن فالطبيعة واحدة. وفى الفنون يحاول الفنان أن يرسم شبيهاً متقناً, أما فى اللاهوت فالطبيعة الإلهية بسيطة غير مركبة فإن الوحدة بين الآب والابن هى وحدة قائمة على الشركة فى الجوهر الإلهى بينما الوحدة بين الملك والصورة هى وحدة فى الملامح فقط. واحد هو الروح القدس الذى هو واحد مع الآب الواحد والكل هو الثالوث المبارك المسجود له.

وواضح بشكل كافٍ أن الروح القدس قائم فى شركة الجوهر مع الآب والابن, لأنه لا يحسب ضمن الخليقة المتعددة بل نتكلم عنه كواحد لا مثيل له فى الخليقة. وكما أن الآب واحد والابن واحد, كذلك الروح القدس واحد وهذا يجعله بعيداً تماماً عن الطبيعة المخلوقة لأن الفكر السليم لا يسمح لنا بأن نضع الواحد الذى لا مثيل له والبسيط غير المركب مع الخليقة المركبة القائمة فى كثرة من الأجساد. أما الروح القدس فهو متحد مع الآب والابن فى وحدة لا مثيل لها.

وما ذكرناه سابقاً ليس هو المصدر الوحيد للبراهين على الشركة فى الجوهر, بل لأن الروح القدس “هو من الله” (1كو1: 12), ومعنى “من الله” ليس مثل الكلام عن الخليقة التى هى أيضاً من الله، بل المعنى الدقيق المتعارف عليه وهو انه صار من الله, ليس بالولادة مثل الابن وإنما مثل النفخة الصادرة من الفم. ولكن الفم هنا لا يعنى مطلقاً ذلك العضو الجسد, ولا نفخة الفم التى تتبدد بمجرد خروجها من الفم, بل هو الفم على المستوى الإلهى الذى منه يصدر الروح القدس أقنوماً حياً متميزاً بطبيعة التقديس الفائقة. وهكذا يمكننا أن ندرك وحدته مع الآب والابن، بينما يظل كيانه الإلهى غير المدرك فوق القدرة على التعبير.

 

ويقال عن الروح القدس أنه روح المسيح لتأكيد علاقته الروحية بالابن كما قيل “من لم يكن فيه روح المسيح فهو ليس منه” (المسيح) (رو8: 9). فبالروح هو وحده الذى يمجد الرب حسبما قيل “هذا يمجدنى”(يو16: 14).

ولكن ذلك التمجيد ليس مثل تمجيد الخليقة, بل يمجده لأنه “روح الحق” (يو14: 17). الذى يعلن الحق فى ذاته بكل وضوح وكروح الخدمة يعلن لى عظمة المسيح الذى هو ” قوة الله وحكمة الله” (1كو1: 24). ولأنه البارقليط (المعزى) يعلن فى ذاته صلاح الباراقليط (الابن) الذى أرسله ويظهر فى كرامته وعظمة الذى منه انبثق (الآب).

ولكى ندرك أن الروح القدس ليس مثل الخليقة ولا منها، علينا أن نميز بين المجد الذاتى الذى يشع من ذات الله مثل إشعاع نور الشمس, والمجد الذى يعطى بحرية لمن يستحقه وهو مجد يضاف من الخارج. والمثل الواضح هو ما قيل أن ” الابن يكرم أباه والعبد يكرم سيده” (ملاخى6:1). وإكرام العبد هو ما تقدمه الخليقة، أما الإكرام الآخر الذى يمكن أن يقال أنه إكرام المتساويين فى الكرامة فهو ما يحققه الروح القدس. وكما قال ربنا “أنا مجدتك على الأرض العمل الذى أعطيتنى قد أكملته (يو17: 4) يقال نفس الكلام عن الباراقليط ” ذاك يمجدنى لأنه يأخذ مما لى ويعلنه لكم” (يو16: 14) وكما أن الابن يُمَجدْ من قِبل الآب كما قال ” مجدتك وسوف أُمجدك أيضاً” (يو12: 28). وأيضاً يمجد الروح فالشركة فى الجوهر التى له مع الآب والابن, وبشهادة الابن الوحيد عنه التى يقول فيها ” كل خطية وتجديف يغفر للناس, أما التجديف على الروح فلن يغفر”(مت12: 31).

وعندما نستنير بالقوة التى فينا, ونحدق النظر فى جمال صورة الله غير المنظور, ومن الصورة نبلغ إلى الجمال الفائق الذى للأصل وعندما يكون روح المعرفة حاضراً بلا انفصال فإنما فى ذاته, لمن يحب رؤية الحقيقة وقوة معاينة الصورة, لا من الخارج بل يقودهم إلى معاينتها فى ذاته (الروح القدس). وكما أنه لا أحد يعرف الآب إلا الابن (مت11: 27), وأيضاً لا يقول أحد أن يسوع هو الرب إلا “بالروح القدس” (1كو12: 3) ولم يقل بواسطة الروح القدس, بل يقول بالروح القدس, لأن الله روح والذين يسجدون له, فبالروح والحق يجب أن يسجدوا (يو4: 24), كما هو مكتوب, فى نورك نعاين النور أى باستنارة الروح ” النور الحقيقى الذى ينير لكل إنسان آتٍ إلى العالم” (مز36: 9) ـ (يو1: 9) ـ وهذا يوصلنا إلى أن الروح القدس هو الذى يعلن فى ذاته مجد الابن الوحيد وأنه هو الذى يمنح للساجدين الحقيقيين المعرفة الحقيقية لله. إذن طريق معرفتنا بالله يبدأ بالروح الواحد من خلال الابن الواحد إلى الآب الواحد ولكن بعكس ذلك يصلنا الصلاح الإلهى وقداسة الله ومجد الملكوت من الآب بالابن الوحيد فى الروح القدس. وفى كلا الاتجاهين يظهر الاعتراف بالأقانيم ولا ينتهك الإيمان الحق بالوحدانية, أما أولئك الذين يعتمدون على فلسفة الأعداد ويقولون أول وثان وثالث بقصد إظهار اختلاف الأقانيم، فعليهم أن يعرفوا أنهم يجلبون مبدأ تعدد الآلهة من ضلال الوثنية ويحاولون إدخاله فى لاهوت المسيحيين النقى. وضلال الاعتماد على الأعداد ظاهر، لأنه يؤدى إلى الاعتراف بأكثر من إله ويصبح ثمة إله أول وثان وثالث. أما نحن فيكفينا التسليم الذى سلمه إلينا الرب, وكل من يمزج بين هذا التسليم والمعرفة الغريبة فإنه ليس أقل جرماً فى تعدى الشريعة من الوثنيين الضالين.

 

عن كتاب الروح القدس للقديس باسيليوس الكبير, الفصل الثامن عشر, الفقرات: 44ـ46, إصدار مطرانية الغربية للأقباط الأرثوذكس, الكلية الإكليريكية اللاهوتية, سلسلة آباء الكنيسة-11, تعريب جورج بباوى, القاهرة 1981, 123ـ128 .

Posted in آبائيات, عقيدة مسيحية | 1 Comment »