مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

مدخل إلى العقيدة المسيحية – الخلق والسقوط

Posted by mechristian في أغسطس 10, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثالث: الخلق والسقوط

الفصل الثالث: الخلق والسقوط.

1 الخلق والتطوّر:

   

رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

   

مراحل التطوّر:

أ – تطوّر المادة:‏

ب – قفزة الحياة:

ج – تطوّر الحياة:

د – قفزة الفكر:

   

التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:‏

أ – التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:‏

ب – التطوّر لا يُعلّل بفعل ” الطبيعة”:‏

ج – نظرة إيمانية إلى التطوّر:

  

أسئلة:‏

 

ملحق:

2 – خلق الإنسان

   

إرتباط الإنسان بالطبيعة المادية: ‏

  

الإنسان على صورة الله ومثاله:‏

  

تصميم الله فى اتحاد الرجل والمرأة:

أ – الجنسان متعادلان ومكملان أحدهما للآخر:

ب – إتحاد الجنسين يتم بالزواج الذى هو صلة عميقة وإرتباط نهائى:

أسئلة:

3 – مقاصد الله نحو الإنسان:

  

غاية خلق الإنسان:‏

 

تصميم الله الخاص بالإنسان:‏

أ – التنعم بتمام القوى النفسية:

ب – الخلود:‏

ج – السيادة على الطبيعة:

د – الإنسان كاهن الكون:‏

  

دور حرية الإنسان:‏

 

 ملحق:

‏‏4 – السقوط:

   

أسئلة:

5 – نتائج السقوط:

أ – تصدعت وحدة الإنسان مع ذاته:‏

ب – تصدعت الوحدة بين الإنسان والغير:

ج – تصدعت الوحدة بين الإنسان والطبيعة:

 

أسئلة:

6 – صورة الله فى الإنسان بعد الخطيئة‏:

 

أسئلة:


الفصل الثالث

الخلق والسقوط

” ..خالق السماء والأرض كل ما يُرى وما لا يُرى…”

1 الخلق والتطوّر

يقول الكتاب المقدس:

[ فِي اَلْبَدْءِ خَلَقَ اَللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ] [ تكوين 1 : 1 ]…

تلك عقيدة الخلق

التى بموجبها نقرّ أن كل الموجودات قائمة فى الوجود

 بإرادة الله وبإرادته فقط، ومُسْتَمِدّة منه وجودها…

هذا ما نعبّر عنه فى قانون الإيمان بقولنا:

” أؤمن بإله واحد، الله الآب، ضابط الكلّ، خالق السماء والأرض، كل ما يُرى وما لا يُرى”…

* رواية الخلق فى سفر التكوين ونظرية التطوّر:

 

عندما يصف لنا سفر التكوين عملية الخلق، فى فصله الأول، فإنه يصوّر لنا الكائنات وكأن كلاّ منه وكلّ نوع منها قد أوجده الله بشكله الحاضرة مباشرة…

ولكن نظرة كهذه تتعارض مع نظترية التطوّر التى يتفق عليها معظم العلماء المعاصرين والتى أصبحت شبه مؤكدة بالإستناد إلى العديد من البراهين…

وهنا ينشأ تساؤل عند الكثيرين:

كيف يمكن التوفيق بين الوحى الإلهى ومعطيات العلم؟…

 

للجواب عن هذا السؤال الوجيه، ينبغى أن نتذكّر، بادئ ذى بدء:

أن الكتاب المقدس كتاب إيمان لا كتاب علم، همّه أن يكشف لنا علاقة الله بمخلوقاته، وبنوع خاص بالإنسان، لا أن يقدّم لنا وصفا علميا لتاريخ الكون…

لذا فعندما يصف سفر التكوين الخلق فى فصله الأول، فإن الوحى الألهى ينسكب فيه فى قوالب بشرية، هى التقاليد التى كانت شائعة فى المكان والزمان الذى ظهر فيه هذا الفصل…

ولا قيمة، إذً، لتلك القوالب بحد ذاتها…

إنما قيمتها فى المعانى الروحية التى تتجلّى من خلالها…

تلك المعانى التى تلخص بأن الكائنات كلها تستمد من الله الواحد وجودها وترتيبها…

هذا ما فهمه آباء الكنيسة اليونانيون خمسة عشرة قرنا قبل ظهور النقد الكتابى الحديث…

ففسروا رواية الخلق فى سفر التكوين تفسيرًا رمزيًا أكثر منه حرفيًا…

 

نستنتج مما سبق أن إيماننا بالخلق ليس رهنًا بالقالب الحضارى الذى سكب فيه الإعلان الإلهى عن الخلق فى سفر التكوين…

وأنه يمكننا أن نعبّر عنه بالقوالب الفكرية التى يتميّز بها عصرنا ومن جملتها نظرية التطوّر…

هذا ما سنحاول أن نبيّنه، مذكّرين أولاً باختصار بمراحل التطوّر كما يصفها العلم الحديث، ثم متعرضين لما يقتضيه واقع التطوّر من تعليل أخير على ضوء العقل والإيمان…

 

* مراحل التطوّر:

لقد أثبت العلم الحديث أن التطوّر لم يشمل الكائنات الحية فحسب…

إنما هو ملازم لتاريخ الكون برمته…

فالكون الذى ننتمى إليه كون متطوّر…

وقد بدأ تطوّره على مستوى الطبيعة الجامدة حتى أدى على ظهور الحياة التى تطوّرت بدورها حتى أبرزت ذلك الحيوان المفكر، الإنسان…

 

أ – تطوّر المادة:

إن النظرية المرجحة اليوم بين العلماء تقول بأن الكون، فى حالته الحاضرة، قد بدأ منذ مدة تتراوح بين العشرة مليارات والخمسة عشر مليارًا من السنين…

وأنه كان فى البداية مؤلفا من سحب من ذرات الهيدروجين ( وهى أبسط الذرات وأخفها ) تسبح فى الفضاء…

إنطلاقا من تلك السحب تكونت الكواكب…

ونشأت فيها بفعل الحرارة الهائلة تفاعلات نووية حوّلت ذرات الهيدروجين إلى ذرّات أثقل من الهيليوم، وهذه بدورها إلى ذرّات أثقل من الكربون، وهلم جرا…

هكتذا تكثفت المادة تدريجيًا بظهور ذرّات تجمع عددًا أكبر فأكبر من الجسيمات فى نظام شبيه بالنظام الشمسى تدور فيه الإلكترونات حول النواة المؤلفة من البروتونات والنيوترونات، إلى أن تكوّن، فى قلب الكواكب، الإثنا وتسعون نوعا من الذرات الموجودة فى الطبيعة…

 

ولمّا تكونت أرضن، منذ حوالى أربعة مليارات ونصف من السنين وانخفضت تدريجيًا درجة الحرارة فيها…

أمكن للذرّات أن تتفاعل لتتكوّن منها مجموعات أكثر كثافة، ألا وهى الجزيئات…

ولكن عملية تكثيف المادة لم تقف عند هذا الحد…

فمنذ ثلاثة مليارات من السنين على وجه التقريب، بدأت الجزيئات تتحوّل، بفعل الأشعة الكونية، إلى بنى تفوق الجزيئات العادية كثافة، ألا وهى الجزيئات العضوية التى تؤلف بين الجزيئات العادية فتجمعها فى وحدات ضخمة، معقدة الترتيب، كالسكريات والحوامض الأمينية والهيوليات PROTIDES، وغيرها…

 

**********

ب – قفزة الحياة:

تجمعت تلك الجزيئات العضوية فى مياه البحار الساخنة. وكان تجمعها هذا تمهيدًا لحث بالغ الأهمية، لا يزال الغموض يكتنف ظروفه إلى الآن، حدث منذ مليارى عام على وجه التقريب، فغيّر وجه الكون، ألا وهو بروز الخلية الأولى…

إن حركة التكثيف المنظم، التى رأيناها تدفع المادة منذ نشأته، بلغت هنا درجة فائقة..

فالخلية الحيّة تؤلف بين جزيئات عديدة ضخمة من الهيوليات والشحميات والسكريات والفيتامينات وغيره، فى وحتدة متماسكة مركزة أروع تركيز، يتناسق فيها حوالى مليار من الجزيئات…

ولكن الأمر المدهش هو خاصة فى كون هذا التعقيد الفائق قد أدّى إلى ظهور نمط جديد من الوجود، يختلف نوعيًا بشكل جذرى عن الجوامد، ألا وهو الحياة…

فالخلية الحية تتمتع بميزات جديدة بالكلية:

فهى تحوّل إلى موادها الذاتية المواد التى تستمدها من الخارج، وتجدد باستمرار العناصر التى تتألف منها مع المحافظة على بنيته، وتنمو من الداخل، وتصلّح ذاتها إذا عطبت، وتتكيّف مع البيئة، وتتكاثر منتجة كائنات جديدة شبيهة بها…

تلك هى قفزة الحياة…

 

**********

ج – تطوّر الحياة:

 

من ذلك العالم، الصغير فى حجمه، الهائل فى تعقيده وتركيزه، انطلقت الحياة لترقى سلّما طويلة كان الإنسان قمتها…

وفى ترقيها هذ، ابعت الحياة السير فى الطريق التى رأينا المادة تسلكه، ألا وهى طريق التعقيد المتزايد…

فبعد الكائنات الحية الأولى ذات الخلية الواحدة، ظهرت كائنات تؤلّف بين خلايا متعدّدة فى وحدة منسجمة تعمل فيها العناصر كلها لخدمة المجموع…

 

وقد ازداد التعقيد بشكل ملحوظ عندما أخذت مجموعات من الخلاي، ضمن الكائن الواحد، تتخصص للقيام بوظيفة معينة، فتكونت الأجهزة، وعمل بإنسجام وترابط لصالح الجسم ككل…

وكان لا بد من جهاز يربط تلك الوظائف من جهة، وبينها وبين العالم الخارجى من جهة أخرى، فبرز الجهاز العصبى وتطوّر تدريجيًا نحو تكثيف وتركيز متزايدين، مما أدى إلى نمو الدماغ كمركز أساسى للجهاز العصبى، وإلى سيطرته التدريجية على المراكز العصبية الأخرى…

وبتطوّر الجهاز العصبى على هذا المنوال نمت قدرة الكائنات الحية على التكيّف مع بيئته، وازدادت الغرائز إتقانًا وبرز الذكاء وتزايدت حدته إلى أن بلغت أوجها فى أعلى مراتب القردة، كالشمبانزى مثل، التى بلغ دماغها درجة ملحوظة من النمو…

 

ذلك الترقى فى سلّم الكائنات الحية كان يتم، كما بيّن داروين وأوضح العلم الحديث، بواسطة تبديلات كانت تحصل من وقت إلى آخر فى الميزات الوراثية التى تحملها الخلايا التناسلية، وهذا ما يسمّى ب ” التِغيارات الإحيائية” MUTATIONS، فتظهر عند الحيوان المنحدر من خلية من هذا النوع صفات جديدة…

وقد تخدم هذه الصفات فى الصراع من أجل البقاء، فيعمّّر وينقل صفاته الجديدة بالوراثة إلى نسله، فيثبت هذا فى الوجود ويتكاثر…

وقد تعيقه فى هذا الصراع، فيزول هو ونسله، وتزول معه صفاته ” الإصطفاء الطبيعى” Natural Selection

وهكذا بتراكم ” التِغيارات الإحيائية” نشأت شيئًا فشيئًا أنواع جديدة انتظمت فى هذا الخط التصاعدى الذى سبق وأوجزناه…

 

**********

د – قفزة الفكر:

 

إن عملية نمو الدماغ، التى أصبحت المحور الأساسى لحركة التعقيد المتزايد التى يتميّز بها التطوّر، بلغت ذروتها فى الإنسان الذى يتألف دماغه من حوالى أربعة عشر مليارًا من الخلايا ( أربعة أضعاف خلايا الشمبانزى تقريبًا )، مترابطة بعضها ببعض وبخلايا المراكز العصبية الدني، على  صورة شبكة إلكترونية هائلة التعقيد…

هكذا تأمنت الشروط اللازمة لقفزة لا تقل أهمية عن تلك التى حققتها الحياة، ألا وهى قفزة الفكر…

تلك القفزة التى تمت على مراحل منذ أكثر من حوالى مليون سنة، أوجدت نمطا جديدًا بالكلية من الوجود، وهو الوجود الإنسانى، وجود كائن يتميّز عن سائر الكائنات الحية بكونه، وحده، يعى ذاته، ويعى الكون كمتميّز عن ذاته، ولذا لم يعد كالحيوان، أسير أحاسيسه ودوافعه الغريزية، إنما أصبح كائنا ذا فكر وحرية، يُدْرك التطوّر ومكانه فيه ويأخذ على عاتقه مسئولية متابعته بوعيه وعمله الخلاق… 

 

**********

* التطوّر فى تعليله الأخير ومعناه:

 

إن العلم يثبت واقع التطوّر، كما أنه يوضّح العوامل التى تفسّر مراحله المختلفة…

لقد توصّل على اكتشاف العديد من تلك العوامل – وقد نوهنا ببعضها – وسيتوصّل بلا شك، بفضل جهود العلماء المتضافرة، إلى إلقاء المزيد من الأضواء على النقاط التى لا يزال يكتنفها الغموض، فتتوضّح اكثر فأكثر…

 

ولكن، إلى جانب التساؤلات التى يترتب على العلم أن يحيب عنه، فهناك تساؤلات من نوع آخر، لا تدخل فى نطاق العلم لأنها تُطرح من منظار يختلف عن منظاره…

فعندما يقول العلم بالتطوّر، يصف خطا تصاعديً، ويظهر كيف سلكت مادة الكون هذا الخط…

ولكنه لا يُبدى، وليس من شأنه كعلم أن يُبدى، لماذا كان هناك خط تصاعدى؟…

هكذا يبقى الباب مفتوحا أمام تساؤلين صميمين، ألا وهما:

ماهو التعليل الأخير للتطوّر؟…

هل للتطوّر مُبَرّر ومعنى؟…

 

أ – التطوّر لا يعلّل بمجرّد الصدفة:

 

جواب البعض عن السؤال الأول هو:

أن هذا التسلسل التصاعدى مرجعه الصدفة وحدها…

فبالصدفة تجمعت ذرات المادة بتعقيد متزايد، وبالصدفة تألّفت الخلية الحيّة، وبالصدفة تركب الدماغ الإنسانى…

كل ذلك سلسلة صدف، تعاقب أرقام رابحة فى يانصيب كونى يسيّر دواليبه حظ أعمى…

 

ولكن تلك النظرة الفلسفية، التى يعود أصلها على فلاسفة إغريقيين قدامى ك ” ديموقريطوس”، لا تثبت أمام ما يكشفه العلم الحديث لنا عن مدى التعقيد والتنسيق الذى تتصف به خلية حيّة واحدة، لا بلّ جزئية واحدة من الجزيئات العضوية…

لذا نبذها معظم علماء اليوم، حتى من يدين منهم بالمذهب المادى…

فمثلاً نرى العالم البيولوجى السوفييتى الكبير ” أوبارين” يدحض محاولة تفسير ظهور خلية حية واحدة بفعل الصدفة بقوله:

{ إن هذا الإفتراض شبيه بموقف إمرئ يخلط أحرف طباعة تمثّل ثمانية وعشرين حرفا أبجديًا ويحرّكه، راجيًا أنها بداعى الصدفة سوف تجتمع لتؤلف هذه وتلك من القصائد التى نعرفها }…

 

فإذا كان ظهور خلية واحدة بداعى الصدفة أمرًا مستحيل، كما يؤكد علم يدين بالمادية، فكيف نفسّر بالأحرى، بمجرّد فعل الصدفة، تدرّج الحياة المتواصل نحو أشكال أرقى فأرقى…

إذا اعتبرنا أن هذا التدرج إنما هو تتابع صدف موفقة، فمن أين للصدفة هذا الاستمرار والترتيب فى فعلها؟…

فكأننا نقول أن تبديلات طرأت صدفة على نص مبادئ الهندسة التى وضعها أقليدوس، أثناء نسخه من قبل ناسخين متتابعين ينقل أحدهما عن الآخر، تعاقبت بشكل متناسق من نسخة إلى نسخة حتى أوجدت بالتوالى كل اختراعات البشرية فى علم الهندسة وأدّت فى النهاية إلى بروز نظرية أينشتاين…

هذا مع العلم بأن خلية واحدة من الخلايا إنما هى أكثر تعقيدًا من نظرية أينشتاين، لأن العلم البشرى، بكلّ جبروته الحالى، لم يتوصّل حتى الآن، إلى إدراك سرّ تركيب واحدة منها…

 

**********

ب – التطوّر لا يُعلّل بفعل ” الطبيعة”:

 

إذا كانت نظرية الصدفة لا تثبت أمام معطيات العلم الحديث، رغم محاولات ” جاك مونو” لإحيائها فى كتابه ” الصدفة واالضرورة”، فبماذا يمكن الإستعاضة عنها؟…

كثيرون ممن يدينون اليوم بالمذهب المادى، يقولون بأن التطوّر تفسره طبيعة المادة نفسها…

فبنظرهم كان لابدّ للمادة، بالنسبة لطبيعته، أن تنتظم وتتعقد أكثر فأكثر مجتازة بذلك كل مراحل التطوّر…

 

ولكن السؤال الذى لا تجيب هذه النظرية عنه هو:

ما هو سر انتظام المادة؟…

وما هو سر سيرها نحو إنتظام متزايد فى خط متواصل، مستمر؟…

من أين للمادة هذا الانتظام؟…

المادة مجموعة من جسيمات ومن طاقات، إنها كثرة وتعدّد…

فكيف يتاح لهذه الكثرة أن تتوحّد وتنتظم، وذلك بشكل متزايد، تصاعدى؟…

هل نقول أنها تنظم ذاتها؟…

ولكن هذا يفترض أن المادة ذات، شخص، يعلو على تعدّد عناصره ليوحّد وينسّق بينها…

هذا ما يضمره، من حيث لا يدرون، هؤلاء الذين يقولون أن ” المادة” و” الطبيعة” هى علة التطوّر الأخيرة…

إنهم بذلك يشخصون ” المادة” و” الطبيعة”، ينسبون إليهما كيانا خرافي، ذات طابع شخصى…

 

فلنأخذ مثلاً يوضّح ما نحن بصدده…

نحن نعلم أن جسم كل من الكائنات الحيّة يتكوّن إنطلاقا من خلية أولى…

لقد انكبّ علم الحياة الحديث على درس ذلك التحوّل الذى يجعل من البلوطة سنديانة ومن خلية إنسانية واحدة جسدًا إنسانيًا مؤلفا من حوالى ستين ألف مليار من الخلاي، منوعة وموزّعة على اجهزة وأعضاء متناسقة بشكل مذهل…

وقد أوضح العلماء التفاعلات الكيمائية العديدة المعقدة التى تؤدى تدريجيًا إلى هذا التحوّل، ولكنهم يقولون أن تلك التفاعلات موجّهة، مبرمجة، بفعل ” تصميم موجّه” كامن فى نواة الخلية الأولى، وعلى وجه التخصيص فى جزيئات ال D.N.A. بفضل تلك البرمجة تتناسق التفاعلات الكيمائية لتؤول على تكوين كائن حىّ يحمل الصفات التى يتميّز بها نوعه…

 

فبالقياس إلى ذلك نتساءل:

إذا كانت المادة قد سلكت، فى تاريخها الطويل، تلك المسيرة التصاعدية التى قادتها من سحب الهيدروجين الأولى إلى الدماغ الإنسانى، فقد تم ذلك بلا شك بتأثير عوامل فيزيائية وتفاعلات كيمائية عديدة، أوضحها العلم وسيوضحها أكثر فأكثر…

ولكن يبقى هذا السؤال:

ما هو سر انتظام تلك العوامل والتفاعلات فى خط تصاعدى؟…

ما هو سر ” برمجة” المادة فى مسيرتها المتواصلة نحو كائنات أكثر فأكثر تعقيدًا؟…

البرمجة التى بموجبها يتكوّن الكائن الحىّ والمرتسمة فى نواة خليته الأولى قد أتته بالوراثة من كائن حىّ من نوعه ( وكائنين ) وجد قبله…

فمن أين لمادة الكون برمجتها المذهلة؟…

إذا كانت المادة هى الكائن الوحيد، المكتفى بذاته…

فمن أين استمدّت تصميمها الموجّه؟…

هل نقول أنها برمجت ذاتها؟…

إننا عند ذاك، كما قلنا سابق، ننسب لتلك الكثرة من الجسيمات والطاقات، كيانا شخصيا…

إننا ننسب إليها فكرًا يفوق الفكر الإنسانى بما لا يقاس، لأنه لم ” يخترع” الحياة وحسب، تلك الحياة التى لم تستطع العبقرية البشرية وتقليدها إلى الآن، بل أوجد الفكر الإنسانى أيضا…

إننا خلافا لكلّ منطق…

ننسب لها القدرة على التحوّل، بحد ذاته، من الأقل إلى الأكثر، ناقلة ذاتها بذاتها من نظام إلى نظام أرقى وحسب، بل من صعيد وجود إلى صعيد وجود آخر مختلف عنه بالكلية، أى من مادة جامدة إلى مادة حيّة ثم إلى مادة مفكّرة…

وبعبارة أخرى نجعل من المادة شخصا إلهيًا يخلق ذاته باستمرار…

ولكن مادة مؤلهة كهذه لم تعد المادة التى يعرفها علماء الفزياء والكيمياء ويسخرونها لخدمة الإنسان…

تلك المجموعة الغاشمة من الجسيمات والطاقات التى يسميها العلم ” مادة”…

إنها صنم جديد أقيم عوض الله…

 

**********

ج – نظرة إيمانية إلى التطوّر

 

هذا النقد الموجز للمذاهب المادية فى تعليل التطور يمهد لنظرتنا الإيمانية إليه…

فالمؤمن لا يتعبّد لصدفة ومادة تنسب إليهما صفات الخالق…

ولكنه ينسب الفكر الخلاق الذى يتجلّى عمله فى تطوّر المادة إلى كائن متعالٍ عن المادة…

كائن يمكنه وحتده أن يوجّه تلك الكثرة من الجسيمات والقوى العمياء فى الخط التصاعدى الذى سارت بموجبه…

كائن يملك الحياة، كلّ الحياة…

ولذ، استطاع أن يبث الحياة فى الكون…

ويملك الفكر، كل الفكر…

ولذ، استطاع أن يشعله فى الأرض بظهور الإنسان…

إن ذلك الموقف الإيمانى، وإن كان، تحديدً، يفوق معطيات العقل والعلم، إلا أنه منسجم كليً، كما يتضح مما سبق، مع متطلبات المنطق ومع المفهوم العلمى للمادة…

 

ولكن فعل الله هذا فى المادة يجب أن يُفهم على حقيقته…

ليس هو، كما يتصوّر العديد من المؤمنين وغير المؤمنين، فعلاً يُضاف إلى نواميس الطبيعة ليكمل نقصها…

هذا التصوّر يتنكّر بآن واحد لتعالى الله ولحضوره فى صميم الكون…

لذ، فمن الخطا أن نتصوّر تصميما مضافا من الخارج إلى العناصر الطبيعية لتوجيهها وتقويم مسيرته، كما يوجّه السائق سيارته…

فالله يعمل، لا إلى جانب نواميس الكون، بل من خلاله، لأنها منه ومنه وحده تستمد، فى كل لحظة، وجودها وانتظامها…

بهذا المعنى، الخلق عملية مستمرة، كما أشار الرب بقوله:

[ أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ ] [ يوحنا 5: 17 ]…

والتطوّر هو المظهر الحسّى لاستمرار الخلق…

 

الله، فى الطبيعة، معلن ومحتجب بآن…

للعلم أن يفتش إلى ما لانهاية عن تفسير التطوّر…

إنه لن يكتشف الله كما أنه لن يصطدم به، لأنه، بموجب منظاره الخاص، لن يكتشف سوى النواميس الطبيعية التى يعمل الله من خلالها…

ولكن، كلما اتضح لن، بفضل الاكتشافات العلمية، الانتظام الرائع الذى يتجلّى فى مسيرة التطوّر المذهلة، كلما انكشف لن، من خلاله، حضور وفعل ذاك الذى يغمر مجده وبهاؤه الكائنات…

 

تلك النظرة الإيمانية هى أيضا التى تستطيع أن تكشف لنا إن للتطوّر مبررًا ومعنى…

فلو كان التطوّر وليد الصدفة وحده، لكان ظهور الكائنات كله، ومنها الإنسان، ظهورًا عبثيا ABSURDE ، على سبيل الاتفاق الأعمى، لا تبرير له ولا هدف…

وكذلك لو كان التطوّر وليد نواميس مادية غاشمة وحسب، ولكان مسيرة لا غاية له، قدرًا أعمى توجد بموجبه المادة زهرتها الفضلى، الفكر البشرى، وتسحقه، على التوالى، بموجب ” ضرورة فولاذية” أشار إليها أنجلز…

ولكن هل يعقل أن تكون تلك المسيرة المذهلة التى قادت الكون من ذرات الهيدروجين الأولى إلى الإنسان وفكره وحضارته، مسيرة لا هدف لها ولا مبرر؟…

إذ تكشف لنا أن ذاك الذى هو تعليل التطوّر الأخير يعطيه أيضا هدفه وغايته، وأن تلك الغاية هى أن تبرز من جسم الكون كائنات بوسعها أن تشترك فى حياة الله وفرحة الأبديين…

هذا ما حدسه فيلسوف شهير معاصر قاده تأمله العميق فى تطوّر الكون وفى تاريخ الإنسان إلى عتبة الإيمان، ” هنرى برجسون”، عندما قال:

{ إن الكون آلة لصنع الألهة }..

هذا ما يقودنا إلى الحديث عن خلق الإنسان…

 

**********

**** أسئلة :

1 إقرأ الإصحاح الأول من سفر التكوين، ماهى التساؤلات التى تطرحها رواية الخلق هذه على فكر معاصر؟ …

2 – ما هى معلوماتك عن التطوّر ومراحله وعوامله؟…

3 – هل المنظار العلمى كاف لتعليل التطوّر تعليلاً نهائي، صميميًأ؟…

4 – ما رأيك بالصدفة كتعليل أخير للتطوّر؟…

5 – هل يكفى، فى تعليل التطوّر، أن نعزوه إلى طبيعة المادة؟…

6 – ما هى النظرة الإيمانية إلى التطوّر؟ هل تتعارض مع النظرة العلمية؟…

7 – ما هو معنى التطوّر فى هذا المنظار الإيمانى؟…

 

* ملحق:

 

1 – فى كتابه الرائع ” كيف تطرح اليوم قضية وجود الله؟” يستعرض ” كلود تريمونتان” أستاذ فلسفة العلوم فى جامعة السوربون، المذاهب المادية فى تعليل التطوّر، ويفنّدها بقوة ووضوح، ومما يقوله:

{ إذا … قلت أن المادة تنظم ذاته، فإننى أجعل من المادة فاعلاً لفعل نظم. المادة، والحالة هذه، لا ينظمها آخر: إنها تنظم ذاتها…

{ ولكن فلنتساءل أولاً: ما هى المادة؟ إنها تعدّد عناصر، ذرات، حبات طاقة…

{ القول بأن المادة تنظم ذاته، بإمكانياتها الذاتية، هو إستعارة شعرية جريئة. ولكن ما وراء هذه الإستعارة؟ ليست المادة شخصا لتكون فاعلاً لفعل يُصرّف مع ضمير الفاعل.

{ ليست واحدًا من الأشخاص لتكون قادرة على تنظيم ذاتها.

{ المادة تعدّد… فكيف لها أن تنظم ذاتها؟ لكى يكون هذا الاكتفاء، هذا التنظيم الذاتى ممكن، يفترض فى المادة أن تكون ذاتً، أن يكون بإمكانها أن تعلو على ذلك التعدّد الذى منه تتكوّن، لكى تنظم ذاتها. لكى يتم دمج هذا التعدّد الذى منه تتكون، لكى تنظم ذاتها. لكى يتم دمج هذا التعدّد من العناصر فى تأليف يُفترض وجود قدرة تفوق تعدّد العناصر هذ، يفترض وجود شئ غير هذا التعدّد…

{ … المادة لا تكفى بحد ذاتها لتعليل إنتظامها الذاتى …

وبعد أن يذكر المؤلف رأى ماركس بأن الكائنات فى الطبيعة تنشئ ذاته، يعلّق على هذا الرأى بقوله:

{ هذا بالضبط ما يحتاج إلى إثبات. ما يحتاج إلى إثبات، هو أن العبارة نفسها لها معنى. لأننا إذا نسبْنا إلى المادة القدرة على تنظيم ذاتها بصورة جزيئات، ثم جزيئات ضخمة، ثم أجسام أحادية الخلية، ثم أجسام متعدّدة الخلايا أكثر فأكثر تعقيدً، فهذا يعنى أننا نسبْنا إلى المادة ذكاء وعبقرية يفوقان كل ذكاء الإنسانية المفكّرة، طالما أنن، بعلمن، لم نزل بعيدين عن إدراك كيف تمّ، وكيف لا يزال يتمّ فى هذه اللحظة بعينه، تنظيم المادة الذى يكوّن الأجسام الحية والمفكرة…

{ ولكننى أتساءل مرة أخرى: ماذا يعنى فكر المادة؟ المادة كثرة، إنها مجموعة. ما هو إذًا ذلك الفكر الذى تتحلّى به جمهرة من الذرّات وحبات الطاقة…. عبثا أتامل وأدرس الذرات والجسيمات التى تتحدّث عنها الفزياء الحديثة. إننى لا أتوصّل إلى رؤية ما يسمح لى بأن أنسب إليها فكرًا قادرًا على الإشراف على تنظيمها. لكى تنتظم مجموعة من العناصر، ينبغى أن يوجد مبدأ واحد يعلو على تعدّد العناصر هذا ويجمعه فى وحدة مؤلفة فى تنظيم مركز. ولكننى لا أرى، فى المادة التى تحدثنا عنها الفزياء الحديثة. أى شئ يسمح لى بأن أنسب إلى الذرات شخصية خفية وقدرات كهذه }…

 

2 – إن أحد مشاهير اللاهوتيين الكاثوليك المعاصرين، ألا وهو الأب شونانبرج الهولندى، يوضح مضمون عقيدة الخلق، إذ يقول فى كتابه” عالم الله فى صيرورة”:

{ الله لم يخلق وحسب، بل إنه مستمر بلا إنقطاع فى الخلق. إذا كان قد ارتاح فى اليوم السابع، فراحته أيضا هى، حسب كلمة يسوع، عمل مستمر: [ أَبِى يَعْمَل حَتّى اَلآَنْ ] [ يوحنا 5: 17 ]. إن الفصل الأول من سفر التكوين يعطينا رواية أخاذة عن عمل الله ” فى البدء”. ولكن نصوصا أخرى تظهر لنا الله عاملاً دون إنقطاع. هذا هو شأن المزمور 104 والفصول 38 إلى 40 من سفر أيوب. طالما العالم يدوم، فهو محمول بكلمة قدرته. كل كائن وكل عمل فى الكون، طالما هما موجودان، مسببان منه. ليس الله مهندسًا متقاعدً، إنه ذاك الذى منه وفيه نحيا ونتحرّك ونوجد ( أعمال الرسل 17: 28 ).

{ … عندما أشار الله إلى أعماله فى الطبيعة، مريدًا أن يبرّر أمام أيوب عمل عنايته، فإنه ألحّ على الأعمال الحاضرة بقدر ما ألحّ على العمل الذى قام به ” فى البدء”. لذا فنحن لسنا بمضطرين بأن نأخذ هذه العبارة المستمدة من تكوين 1:1 بمعناها الحصرى. إنها تعنى أن عمل الله الخلاق يشكل أساس كلّ شئ، وليس أن هذا العمل قد توقف }…

{ إن الخلق يجعل بالحقيقة بين الله والمخلوقات علاقة عمودية تبقى على كل العلاقات الأفقية القائمة فى داخل الكون، و بالأحرى تشملها وتعطيها بأن توجد. الله يخلق عالمًا يتطوّر، إن عمله الخلاق لا ينحصر فى بداية العالم بل يمتد حتى ملء إكتماله: الله يحقق فى كل لحظة هذا الكون ككون متطوّر}…

{ الله عامل أبدًا. إنه بالضبط من يعطى للعالم بشكل دائم حقيقته، حقيقة فى نمو متواصل }…

 


 

2 – خلق الإنسان

يروى لنا الكتاب المقدس عملية خلق الإنسان فى الفصلين الأول والثانى من سفر التكوين…

هذا النص يحوى حقائق عقائدية مغلّقة فى صور رمزية، وشعرية، وإذا تمعنّا فى النص يمكننا إبراز المعانى الآتية:

 

* إرتباط الإنسان بالطبيعة المادية:

يقول لنا الكتاب المقدّس أن الله أوجد الإنسان من تراب…

وهذا ما تشير إليه كلمة ” آدم” ومعناها: المأخوذ من ” أداما” أى الأرض…

فالإنسان مرتبط إذًا بكيانه بتلك الطبيعة المادية التى هى أيضا خليقة الله…

وبالفعل نرى أن جسم الإنسان مكّون من العناصر نفسها التى تتكوّن منها الطبيعة المادية، فالمواد الكيمائية الرئيسية العشر التى يتألف منها جسده وأهمها الكربون والهيدروجين والأكسيجين والأزوت هى من مقومات الكون المادى، ذلك لأن الإنسان خرج من هذا الكون بفعل الله…

أمّا كيفية هذا الخروج فيعبّر عنها الكتاب المقدّس بصورة رمزية شعرية…

إذ يقول بأن الله جبل طينا ونفخ فيه نسمة حياة…

فالله يشبه إذًا هان فخارى يجبل وينفخ، مع أننا نعلم من الكتاب المقدّس نفسه أن الله روح لا يدان له إذً، ور فمّ…

لذا لا يمك،ننا أن ناخذ النصّ الكتابى هذا بمعناه الحرفى بلّ أن ندرك المعنى العقائدى الكامن وراء هذه الصور الشعرية…

ألا وهو ان الله هو علة بروز الإنسان من جسم هذا الكون…

كما أنه علة بروز الكون نفسه إلى حيّز الوجود…

 

ولا يصف لنا الكتاب المقدّس كيفية بروز الإنسان من جسم الكون وصفا علميًا لأنه ليس كتاب علم ( فالله أعطى الإنسان العقل ليبنى به العلم ) بلّ كتاب عقيدة دينية…

ولكن هذه العقيدة لا تصطدم مع معطيات العلم…

فالعلم يعتقد فى أيامنا أن الإنسان وليد تطوّر طويل برزت فيه الحياة إنطلاقا من المادة الجامدة رغم البون الشاسع والهائل بينهم، ثم إجتازت خلال نحو مليارين من السنين شوطا طويلاً إرتقت فيه، من أبسط الأشكال إلى أسماها تركيبا وإتقانًا حتى بلغت أوجها فى الإنسان…

هذه المعطيات العلمية لا تتعارض مع إيماننا…

ففى النظرية القديمة التى بموجبها خرج الإنسان مباشرة من الطبيعة المادية وفى النظرية الحديثة التى بموجبها لا يخرج الإنسان من الكون إلا من خلال تطوّر طويل، يبقى الله فى نظر المؤمن علة وجود الإنسان…

لا شئ يمنع أن يكون الله قد استخدم التطور وسيلة لإبراز الإنسان من الطبيعة المادية…

والمؤمن يرى فى التطوّر البديع الذى يقول به العلم الحديث مظهرًا من مظاهر حكمة الله أصل التطوّر وموجهه وغايته…

 

يروى لنا الكتاب المقدّس أن الله لم يخلق الإنسان إلا بعد أن خلق وأوجد الكائنات الجامدة والحية كلّها…

فكان خلق الإنسان آخر أعمال الخليقة وكان الأرض كلها هُيّأت لوجود الإنسان…

وتقول نظرية التطوّر الحديثة بأن الإنسان هو قمة التطوّر…

هنا يلتقى العلم الحديث بالنظرة الكتابية إلى الإنسان كتتويج الطبيعة وقمّتها…

ويُعطى الكتاب شرحا لمكانة الإنسان الرفيعة هذه إذ يقول بأن الله خلقه على صورته ومثاله…

 

* الإنسان على صورة الله ومثاله:

 

يقول لنا الكتاب المقدّس:

[ نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا ‏] [ تكوين 1: 26 ]…

هذا يعنى أن الله قد خصّ الإنسان وحده بميزة لم يُنعم بها على آية من المخلوقات الأخرى…

وهى أنه جعل شبها بين ذلك المخلوق وبين الخالق…

فجعل فى الإنسان عقلاً وإرادة وحرية وإبداعا وحبًا كلها صفات شبيهة بالصفات الموجودة فيه…

 

هكذا يظهر لنا أن هذا الإنسان هو، من ناحية، جزء من هذه الطبيعة التى أخذ منه، وهو من ناحية أخرى، متسامٍ بما لا يقاس على هذه الطبيعة لأنه يحوى فى ذاته صورة الله خالق الطبيعة الجامدة والحية:

[ وَقَالَ اللهُ: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ اَلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ ‏اَلسَّمَاءِ وَعَلَى اَلْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ اَلأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ اَلدَّبَّابَاتِ اَلَّتِي تَدِبُّ عَلَى اَلأَرْضِ‏ ] [ تكوين 1 : 26 ]…

فسلطة الإنسان على الكائنات مرتبطة إذًا كما يظهر من هذا النصّ بكونه على صورة الله الخالق…

وبعبارة أخرى، إذا كان الإنسان – وهو جزء من الطبيعة – قادرًا على إدراك أسرارها وتسخير قواها لخدمته، فإنما يعود ذلك إلى صورة الله الكامنة فيه…

وقد كان على الإنسان أن يمارس سلطته بالعمل الذى هو، على صورة م، تكميل للخلق لأنه يجعل الطبيعة أكثر ترتيبصا وجمالاً وإنتاجا:

[‏ وَأَخَذَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا‏…] [ تكوين 2: 15 ]…

 

* تصميم الله فى اتحاد الرجل والمرأة:

علاقة الجنسين يرسمها الكتاب المقدّس بشكل شعرى، فيروى لنا أنه لم يكن لآدم بين المخلوقات شبيه:

[  وَقَالَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ: لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ‏ ] [ تكوين 2: 18 ]…

لذلك ألقى عليه سباتا عميقا وأخذ ضلعا من أضلاعه وكوّن منه المرأة الأولى التى دعيت حوّاء ( أى أم الحياة )…

وأتى بها إلى آدم، فقال آدم:

[‏ هَذِهِ اَلآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى اِمْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ اِمْرِءٍ ‏أُخِذَتْ ] [ تكوين 2 : 23 ]…

ويضيف الكتاب المقدّس:

[ لِذَلِكَ يَتْرُكُ اَلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً ] [ تكوين 2: 24 ]…

ومن هنا تتضح النظرة الكتابية إلى علاقة الجنسين التى يمكن تلخيصها فيما يلى:

 

أ – الجنسان متعادلان ومكملان أحدهما للآخر:

إنهما متعادلان فى الطبيعة إذ يقول آدم أن المرأة عظم من عظامه ولحم من لحمه…

أى أنها من طبيعته…

ولكنهما مكملان أحدهما للآخر إذ يصّور لنا الكتاب ذلك رمزيا بقوله إنهما جزءان من جسد واحد مشيرًا إلى أن أحدهما لا يكتمل دون الآخر…

فميل كلّ من الجنسين إلى الآخر كإلى مكمله إنما هو إذًا من إرادة الله…

 

**********

ب – إتحاد الجنسين يتم بالزواج الذى هو صلة عميقة وإرتباط نهائى:

ويرسم لنا الكتاب المقدّس أيضا تصميم الله فى اتحاد الجنسين…

فيقول لنا أن كلاً من الرجل والمرأة يكتملان باتحادهما معا فى الزواج الذى به :

[ إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اِثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِد ] [ متى 19: 6 ]…

وعبارة ” جسدًا واحدًا” تعنى بلغة الكتاب ” كيانا إنسانيا واحدًا”

وهذا يعنى أولاً أن الزواج حسب مقاصد الله رباط عميق يجمع شخصين جسدًا وروحصا فيؤلّف منهما كيانا واحدًا…

كما أنه يعنى أن الاتحاد الزوجى نهائى لا ينفصم لأن ” الجسد الواحد” لا يمكنه أن يتجزّا فيما بعد…

لذلك عندما علّم الرب يسوع عن الزواج استشهد بهذا النصّ الكتابى وأضاف إليه:

[ فَالَّذِي جَمَعَهُ اَللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ ] [ متى 19: 6 ]…

 

هكذا فالله الذى قد أوجد الحب بين الرجل والمرأة قد ” وضع لميل القلب رباط لا ينفك” كما تقول طقوس سرّ الزواج…

هذا ” الرباط الذى لا ينفك” يفترضه الحب الحقيقى لأن الشهوة تطلب الاستمتاع بالآخر إلى أن تملّ منه…

أمّا الحب الأصيل فيتوق إلى عطاء متبادل نهائى…

الشهوة تطلب التمتع العابر يجسد الآخر…

أمّا الحب الحقيقى فيرغب فى اتحاد الشخصين فى كيان واحد…

الحب الحقيقى المكرّس بالزواج حسب إرادة الله لا يلغى الشهوة ولكنه يلطفها ويهذبها بالحنان وإنعطاف القلب، ويسخر قوتها لبناء اتحاد متين بين الزوجين كما أن صناعة الإنسان تستخدم قوة المياه الغاشمة المدمرة لتوليد الكهرباء ومنفعة البشر…

 

**********

* أسئلة:

إقرأ سفر التكوين: الإصحاحين الأول والثانى…

1 – إلى ماذا تشير كلمة الكتاب بأن الله خلق آدم من تراب؟…

2 – هل تصطدم نظرية التطوّر الحديثة مع إيماننا بأن الله علة وجود الإنسان؟…

3 – يقول لنا الكتاب المقدس أن الله خلق الإنسان بعد أن خلق سائر الكائنات الجامدة والحية. وتقول نظرية التطورأن الإنسان هو النقطة التى وصل إليها التطور فى آخر مراحله. كيف تظهر لنا إذً، خلال هاتين النظرتين، مكانة الإنسان فى الخليقة؟…

4 – كيف يفسّر الكتاب المقدس هذ المكانة؟…

5 – ماذا يعنى قول الكتاب أن الله خلق الإنسان على صورته ومثاله؟…

6 – ها أعطى الله الإنسان سلطانا على الطبيعة؟…

7 – ما هى العلاقة بين صورة الله فى الإنسان وبين السلطان الذى مُنحه على الطبيعة؟…

8 – كيف يُظهر الكتاب المقدس نوعية العلاقات بين الجنسين؟…

كيف يظهر انهما متعادلان فى الطبيعة” [ أنظر تكوين 2: 23 ]…

كيف يظهر أنهما مكملان أحدهما للآخر؟…

كيف يظهر أن اتحادهما يجب أن يكون صلة عميقة وإرتباطا نهائيًا؟ [ أنظر تكوين 2: 24، متى 19: 6 ]…

كيف يميّز هذا الارتباط النهائى وهذه الصلة العميقة الحب عن الشهوة؟…

هل يلغى الحب الحقيقى الشهوة أم أنه يلطفها ويوجهها؟…

  


 

3 – مقاصد الله نحو الإنسان

* غاية خلق الإنسان:

 

حياة الله فرح دائم لا حدّ له…

ولكن ” الله محبّة” ولذلك شاء أن يوجد كائنات يقيم معها علاقة حب فيشركها بحياته وفرحه…

فأوجد هكذا البشر ليكونوا أحباء له متمتعين بخيراته، مساهمين فى سعادته…

هذا هو مجد الله، أن يحيا الإنسان ويسعد: ” مجد الله هو حياة الإنسان” كما يقول القدّيس ” إيروناوس” ( وهو أحد آباء الكنيسة عاش فى القرن الثانى وكان أسقفا على مدينة ليون حيث استشهد )…

* تصميم الله الخاص بالإنسان:

 

يخبرنا الكتاب المقدّس أن الله وضع آدم وحواء فى حديقة جميلة كانا يتمتعان فيها يثمار شهية…

وهذا يرمز إلى أن الله أعّد للإنسان سعادة قصوى هى إشتراك فى سعادته تعالى…

أمّا مصدرهذه السعادة فهو اتحاد الإنسان مع الله…

هذا الاتحاد الذى يعبّر عنه الكتاب المقدّس بالألفة التى يظهرها بين الله وآدم إذ يروى لنا أن الله أتى بالحيوانات لآدم حتى يسميها بأسمائها:

[ وَجَبَلَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ مِنَ اَلأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ اَلْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ اَلسَّمَاءِ فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ ‏لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اِسْمُهَا  ] [ تكوين 2: 19 ]…

وأنه أتاه بإمرأة لتكون لرفيقة له :

[‏ وَبَنَى اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ اَلضِّلْعَ اَلَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ اِمْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ ‏] [ تكوين 2: 22 ]…إلخ….

 

وقد كان هذا الاتحاد بالله حريًا أن يمتع الإنسان بالخيرات التالية:

 

أ – التنعم بتمام القوى النفسية:

 

التنعّم بتمام القوى النفسية من عقل نيّر وإرادة قوية توّاقة إلى الخير ونيّة طاهرة ومحبة دون أنانية…

 

**********

ب – الخلود:

 

لم يكن الإنسان خالدًا بطبيعته ولكن إتحاده بالله كان حريًا بأن يهبه الخلود يإشراكه فى خلود الله نفسه…

لذلك قال الكتاب أن الله جعل :

[ شَجَرَةَ اَلْحَيَاةِ فِي وَسَطِ اَلْجَنَّةِ ‏]ٍ [ تكوين 2: 9 ]…

حتى إذا أكل الإنسان منها [ َيَحْيَا إِلَى اَلأَبَدِ ] [ تكوين 3: 22 ]…

وهذا يعنى رمزيا أن الخلود نعمة وهبها الله للإنسان وأن هذه النعمة كانت مرتبطة بسكنى الإنسان فى جنّة عدن أى فى كنف الله، فى الاتحاد مع الله…

 

**********

ج – السيادة على الطبيعة:

 

وقد كانت الطبيعة مهيأة لتخضع للإنسان بالنظر للصورة الإلهية الكامنة فيه، فلا تثور عليه ولا تضره ولا تسبب له مشقات ونكبات…

هذا مانرى أثرًا له فى سيرة بعض الرهبان القديسين الذين كانت تخضع لهم الحيوانات المفترسة لأن الصورة الإلهية كانت قد تجددت فى نفوسهم…

وهذا ما يرينا الإنجيل إيّاه فى شخص يسوع الذى كان يحمل فى إنسانيته الصورة الإلهية كاملة، فيقول الإنجيلى مرقس:

[ وَكَانَ هُنَاكَ فِي اَلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً … وَكَانَ مَعَ اَلْوُحُوشِ… ] [ مرقس 1: 13 ]…    

 

**********

د – الإنسان كاهن الكون:

ومقابل خضوع الطبيعة هذا للإنسان، كان على الإنسان أن يكون كاهن الكون…

ذلك أن الإنسان بطبيعته صورة مصغرة عن الكون، ففيه تلتقى عناصر المادة ووظائف الحياة وغرائزها بصورة الله التى تطبعها وتسمو بها…

وهكذ، فالإنسان بطبيعته نقطة لقاء بين الله والكون ولذا كان عليه أن يكوّن صلة بينهما:

فالله بواسطته يكمّل عمل الخلق فى الطبيعة كما رأينا سابقا…

والطبيعة بدورها تسبّح الله من خلاله…

لأن كل تمجيد يرفعه الإنسان لله بالقول والعمل إنما يرفعه باسم هذا الكون الذى هو صورة مصغرة عنه…

وكان الطبيعة قد وجدت فى الإنسان عقلاً تسبّح به خالقها…

هكذ، كان على الإنسان أن يدير الخليقة باسم الله وأن يرفع إلى الله تسبيح الطبيعة…

هذا هو الدور الذى رسمه الله له ككاهن للكون لأن الكاهن هو تحديدًا ذلك الكائن الذى هو صلة بين الخالق والمخلوق… 

 

**********

* دور حرية الإنسان:

 

هذا التصميم الذى رسمته المحبّة الإلهية لإسعاد الإنسان، لم يشأ الله أن يفرضه عليه…

ذلك لأن الله خلق الإنسان حرًا على صورته، وبهذه الحرية تقوم كرامة الإنسان…

لو كان الله فرض تصميمه على الإنسان فرضا كما فرض الغرائز على الحيوانات والنواميس الطبيعية على المادة، لكان الإنسان آلة دقيقة، بديعة، متقنة وما كان إنسان، أى كائنا على صورة الله متميّزًا بتلك الصورة عن الطبيعة كلّها…

 

لقد احترم الله حرية الإنسان لأنها شرط كرامته…

ولأن المحبّة الحقة تحرم حرية المحبوب والله هو المحبّة المطلقة التى تتضاءل أمامها كلّ محبة بشرية…

الحبّ لا يُفرض فرضا…

وإلا لم يعد حبا بلّ عبودية والله لم يرد عبيدًا بل أبناء…

الحبّ يقدَّم، والكائن الذى يقدَِم إليه يقبله و يرفضه…

هكذا عرض الله على الإنسان حبّه وانتظر منه الجواب…

فكان على الإنسان أن يجيب بملء إختياره على الحبّ بالحبّ والرفض…

 

هذه مغامرة الحبّ الكبرى أن الله جعل نفسه نوعا ما مقيّدًا بالإنسان، جعل تحقيق تصميمه رهن حرية الإنسان، رضى بأن يكون نجاح وفشل هذا التصميم الإلهى متوقف، إلى حدّ م، على موقف الإنسان…

 

لاهوت الله يتجلّى لنا فى هذا الاحترام الحبّى المذهل لحرية الإنسان…

فى هذا التخلّى المذهل عن سلطته المطلقة على الإنسان مخلوقه…

لذلك كتب الكاتب الهندى طاغور: ” إننى أعبد الله لأنه يترك لى حرية إنكار وجوده”…

أى أن لاهوته يتجلّى لى فى هذا الاحترام المذهل لحريتى…

 

كان على الإنسان إذًا أن يتخذ موقفا من الله…

أن يقول لله نعم ولا…

لقد خلق الإنسان مشابها لله ولكن كان عليه أن يحقق هذا الشبه بجهد متواصل وتحرك مستمر نحو الله…

كما أن الطفل يحقق بنموه صورة الرجل الكامنة فيه…

كان متوقفا عليه أن ينمّى بلا انقطاع صورة الله فيه…

وأن يحاول تعطيلها وإزالتها من كيانه…

تلك هى تجربة الحرية التى عنها نشأت مأساة الإنسان…

**** ملحق:

” شارل باجى” كاتب فرنسى اهتدى من الإلحاد إلى الإيمان المسيحى وقتل سنة 1914 على إحدى جبهات الحرب العالمية الأولى بعد أن خلّف أثرًا شعريًا خادًا نقتطف منه المقطع التالى الذى يعطى فيه الشاعر الكلام لله متحدثا عن حرية الإنسان:

{ لأننى أنا حر، يقول الله، وقد خَلَقت الإنسان على صورتى ومثالى..

هذا هو سرّ، هذه هى قيمة…

كلّ حرّية…

إن حرّية هذا المخلوق لهى إنعكاس فى العالم…

لحرية الخالق. لذلك نعلق عليها أهمية خاصة…

إن خلاصًا غير حرّ، غير صادر عن رجل حر ليست له قيمة فى عينى، فأى طائل له؟…

أى معنى له؟…

أيّة أهمية تكون لخلاص كهذا؟…

غبطة عبيد، خلاص عبيد، غبطة مستعبدة، كيف تريدون أن تهمنى؟ هل يحب أحد أن يكون محبوبًا من عبيد؟…

إن كانت القضية قضية إعطاء البرهان عن قدرتى وحسب، فقدرتى ليست بحاجة إلى هؤلاء العبيد، إنها معروفة كفاية، معلوم كفاية أننى الكلّى الاقتدار…

قدرتى تسطع كفاية فى كل مادة وفى كل حدث…

قدرتى تسطع كفاية فى رمال البحر ونجوم السماء…

لا إعتراض عليه، إنها معروفة، إنها تسطع كفاية فى الخليقة الجامدة…

ولكن فى خليقتى الحية، يقول الله، أردت أفضل من ذلك، أردت أكثر من ذلك…

أفضل من ذلك بما لا يقاس. أكثر من ذلك بما لا يقاس. لأننى أردت تلك الحرية…

خلقت تلك الحرية عينها…

من عرف نفسه مرة واحدة محبوبًا بحرية، لا يوجد فيما بعد الخضوع طعمًا…

من عرف نفسه محبوبًا من أناس أحرار، لا يجد فيما بعد معنى لسجدات العبيد…

……

خضوع العبيد كلهم لا يساوى نظرة جميلة واحدة لرجل حرّ…

والأحرى خضوع العبيد كلهم تشمئز له نفسى وأننى أهب كل شئ مقابل نظرة جميلة واحدة لرجل حرّ…

مقابل طاعة جميلة واحدة وحب جميل واحد وإخلاص جميل واحد صادر عن رجل حرّ…

فى سبيل هذه الحرية، فى سبيل هذه المجانية ضحيت بكلّ شئ يقول الله، فى سبيل ميلى بأن يحبنى رجال أحرار…

من أجل أن أنال هذه الحرية، هذه المجانية، ضحيت بكلّ شئ…

من أجل أن أخلق هذه الحرية، هذه المجانية…

من أجل أن أطلق هذه الحرية وهذه المجانية }…

  


 

4 – السقوط

قلّنا فيما سبق أنه كان من الطبيعى على الإنسان أن يشترك فى الحوار الذى ابتدأه الله معه عندما خلقه على صورته ومثاله تعالى…

هذا الحوار كان ضروريًا حتى تتأصّل صورة الله فى الإنسان وتجعل منه أيقونة تشع منها الحضرة الإلهية التى تضفى على الخليقة دفء المحبة…

لذا كان يحتاج هذا المخلوق الجديد عيشًا متواصلاً فى محبة الله حتى يتلقن منه كيفية القيام بمهمته السامية ألا وهى أن يكون وكيل الله على هذه الأرض ناقلاً إرادته تعالى فى كلّ مجالات الحياة ممدًا فى الزمان والمكان بزرة الفردوس التى صنعتها يد الله…

 

وأهمية معاشرة الإنسان لله تظهر لنا جليًا من خلال خبرة نعيشها يوميًا…

كلّنا يعلم أن المولود الجديد يشبه والديه ولكنه ليس مثلهم وبعبارة أخرى إنه على صورتهما ولكنه لا يماثلهما بعد الكلية…

على الأبوين أن يحتضناه ويربّياه ويدخلاه يوما بعد يوم فى سرّ الكيان الإنسانى حتى يصبح يوما ما هو أيضا مثلهما يفكّر وينطق وينتج ويعمل فى بنيان عالم أفضل لأخوته…

أمّا الولد فعليه أن ينصاع إلى تعاليم الوالدين المحبّة إذ ان إنسانيتنا لا تُكتسب بادئ ذى بدء بالقراءة والتحليل الذهنى ولكن بمعاشرة أناس آخرين…

 

وحقيقة ما أوردناه تظهر ساطعة فى المثل الآتى:

أولاد صغار تاهوا فى مجاهل إحدى الغابات وعاشوا فيها فى صحبة الحيوانات ومعاشرتها…

هؤلاء الأولاد نجدهم بعد مدّة يكتسبون عادات الحيوانات التى يعايشون، فيصوّتون كما تصوّت ويسيرون على شاكلتها حتى أنه يمكنك تعريفهم بأنهم حيوانات فى أثواب بشر وهم بشر بدون إنسانية…

هذه الإنسانية المفقودة لا يستعيدها هؤلاء الصغار إلا بعد معاشرة طويلة للبشر وتدريب طويل وشاق فى جو ” إنسانى”…

 

هكذا – وبقدر ما ينجح التشبيه بين شؤون المخلوقات والأمور الإلهية – علّمنا آباء الكنيسة القديسون أن الإنسان خلق على صورة الله ولكن كان عليه أن يتتلمذ فى حضرة الله حتى يتمثل به إذ أن معاشرة البارى تعالى اليومية فقط قادرة أن تجعل من الإنسان كائنًا إلهيًا…

غير أن هذا يعنى، كما قلنا أعلاه، أن ينصاع الإنسان إلى أقوال الله المربية بحيث يتعلّم منه تعالى أن الخير الأعظم هو الله نفسه كما نقرأ فى المزامير ولدى الأنبياء وأن الشر الحقيقى هو غيابه عن شئون الإنسان…

 

هذه الحقيقة العميقة يصوّرها لنا الكتاب المقدّس بشكل رمزى – كما جرت العادة فى تلك العصور من تاريخ الإنسان – فى قوله أن الله طلب من الإنسان ألا يأكل من ثمار شجرة معرفة الخير والشر…

فكان قصد الله إدخال الإنسان تدريجيًا فى سرّ الألوهة وذلك من خلال تربيته اليومية على أصول الحياة الفردوسية…

وكأى تدريب آخر تتطلّب التربية الإلهية معاشرة متواصلة وتفترض طاعة…

 

أمّا الإنسان فقد فضّل الإستغناء عن محبّة الله وإحتضانه له…

أراد أن يغتصب الألوهة إغتصابًا معتقدًا أنّ معرفة الخير والشر هى التى تجعله إله، بيد أن الألوهة تؤمّن له معرفة الخير والشر…

أراد أن يتخلّص مما كان يعتقده وطاة الله عليه…

لم يفقه الإنسان أنّ سرّ الحياة الحقيقية هو فى الكلمة الإلهية على حدّ قول الرب يسوع:

[ قَدِّسْهُمْ فِي حَقِّكَ. كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ ] [ يوحنا 17: 17 ]…

و[ وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ  ] [ يوحنا 8 : 32 ]…

 

وكانت الكارثة…

انقطع الإنسان بإرادته عن جوار الله وتاه فى جو لا يناسب أصله…

فأصبح منساقا إلى نواميس غريبة عنه…

وكما أن الولد التائه فى الأدغال بين الحيوانات يعتقد أن دنياه التى ترعرع فيها هى دنياه الأصلية…

هكذا اعتقد الإنسان على مرّ الأيام أن جوّه الجديد هو الأصيل، فإعتاد عليه وأصبح قطعة منه…

هكذا أصبح الإنسان يعتقد أن الخطيئة عصر أساسى فى حياته…

وترعرعت الأجيال السالفة فى هذا الجوّ المضطرب المتسمم وتنشقت عبيره ثم ما لبثت أن نفثت سمومها فى من تلاها…

 

صلتنا بخطيئة الأنسان الأول ليست إذًا صلة وراثة كالتى تتعلّق بشكل الأنف ولون الشعر ولكن صلة جو يترعرع فيه الإنسان ويتغربل كيانه وتبنى ذاته…

فمنذ نشأتنا فى جو الخطيئة هذا ونحن خطاة…

وهذا يعبّر عنه بأن الموت أصبح مهيمنًا فى حياتنا يعدها يوما بعد يوم، وإذا ماحاولنا التغلّب عليه بإبعاده عنّ و إبتعادنا عنه، جابهنا فى ثياب الضجر والمرض…

هذا ما عبّر عنه الرسول بولس فى قوله:

[ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اِجْتَازَ اَلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ اَلنَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ اَلْجَمِيعُ ] [ رومية 5 : 12 ]…

خطيئة الإنسان الأول وضعت الإنسانية فى حلقة مفرّغة…

إذ بغياب الله عن جوّنا الذى اخترن، أصبح للموت سلطانا فى حياتنا…

وعدم قدرة الإنسان بدون الله على التخلّص من هذا الكابوس يجعله ييأس ويعود إلى مزيد من التلطخ فى الخطيئة…

وكالعصفور الذى لا مفرّ له من قفصه يعوّد نفسه على العيش فيه مقنعا ذاته بجمال قضبانه الحديدية…

وكالمغلوب الهزيل الذى يقبل أولاً مجبرًا ثم يقتنع بلطف المستعبد…

هكذا يحول الإنسان إقناع نفسه بحلاوة الخطيئة تحت ضغط حتمية الموت الذى ولدته…

ويُجبر نفسه على التناسى إلى أن ينسى أم المشكلة الوحيدة هى إرادته فى أن يغيب الله عن عالمه…

 

* أسئلة:

إقرأ الفصل الثالث من سفر التكوين ومثل الابن الضال [ لوقا 15: 11 – 32 ]…

1 – كيف كانت تجربة الإنسان نتيجة لحريته؟…

2 – من هو الكائن الذى أذكى هذه التجربة فى الإنسان؟ ولماذا؟…

3 – كيف يتضح من الكتاب المقدس أن الحية المذكورة فى الفصل الثالث من سفر التكوين تشير إلى هذا الكائن؟ [ أنظر حكمة سليمان 2: 24، يوحنا 8 : 44، رؤيا 12: 9 ]…

4 – ما هى نوعية خطيئة الإنسان الأول؟…  كيف تدحض الرأى الشائع الذى يقول به عامة الناس أن تلك الخطيئة كانت زواج آدم وحواء؟.. [ راجع تكوين 1: 27، 28]… ألا يُظهر نصّ الكتاب نوعية هذه الخطيئة؟ [ أنظر تكوين 3: 1 – 5 ]…

5 – ألا تلقى قصة الابن الشاطر ( الابن الضال ) ضوءًا على نوعية هذه الخطيئة؟ ألم يكن الابن الشاطر عائشًا فى بحبوحة وتنعم فى كنف محبة أبيه، فلماذا شاء الانفصال عنه إذًا؟…

  


 

5 – نتائج السقوط

رفض الإنسان لله أوصله إلى حالة غريبة عن أصله…

بإبتعاده عن الله أبيه، لم يعد الإنسان يميّز فى البشر الآخرين أخوة له أبناء للآب الواحد…

إذ أن الأخوّة تُحدّد بالنسبة إلى البنوة تجاه الآب الواحد…

وقد تصدّعت أيض، صلة الإنسان بالطبيعة من حوله إذ أنه لم يعد يرى فيها مذياعا لمجد الله ومخبرًا لأعمال يديه، بل وسيلة لإرواء غليل أنانيته…

هذه مأساة الإنسان التى نشأت عن غياب الله عنه وإذا شئنا أن نلخّص الماساة هذه بكلمة يمكننا أن نقول أنها مأساة التفكك…

وحدة الإنسان مع الله، أى اتحاده به، كانت أساسًا لوحدته مع ذاته، ولوحدته مع الآخر، ولوحدته مع الكون…

فلمّا فصم الإنسان وحدته مع الله تصدّعت وحدته مع ذاته ووحدته مع الغير ووحدته مع الكون وساد التفكّك فى تلك المجالات الثلاثة:

 

أ – تصدعت وحدة الإنسان مع ذاته:

 

بإنفصال الإنسان عن الله حصل تفكّك فى شخصه أى أن الإنسجام بطُل فى كيانه:

 فالأهواء ثارت على العقل عوض أن تكون خاضعة له، موجهة منه، لذلك أظلم عقل الإنسان إذ أصبح فى كثير من الأحيان مسخرًا لا للسعى إلى الحقيقة بلّ لخدمة الشهوات. هكذ، انتشرت الآراء والمعتقدات الباطلة بين البشر وأخذ الإنسان ينظر إلى الأشياء لا كما هى بل كما تصوِّرها له أهواؤه. وأصبح وهو الكائن العاقل يؤلّه المال والقوة والجاه والنفوذ ويتعبّد لأناس مثا=له من زعماء وغيرهم وأصبح يسخّر العلم نفسه للدمار…

 

 كذلك ثارت الغرائز على الإرادة التى كانت وظيفتها فى الأساس أن تسيّر هذه الغرايز وفقا لصالح الإنسان الحقيقى. فأصبحت هذه الغرايز تشدّ الإنسان إليها خلافا لحاجاته الأساسية ( فالسكّير مثلاً يسعى إلى إرضاء شهوته دون أن يقيم وزنا لصحته وكرامته ومستقبله وحياته العائلية )، فضعفت الإرادة وأصبحت لا تقاوم الشر إلا بصعوبة ولا تُردع إلا بجهد جموح الشهوات…

 

 كذلك طرأ التفكّك على علاقة الإنسان بجسده، فأصبح للجسد إستقلاله وأخذ يحاول فرض شهواته على الإنسان وكأنه غريب عنه. وهذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس بقوله عن آدم وحواء:

[ فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ ‏] [ تكوين 3 : 7 ]…

وهذا يعنى أنهما بدءا يحسّان بجسدهما وكأنه كائن مستقلّ فيهما يطالب بإشباع شهواته بينهما كان فيما مضى مع الشخص كلّه فى حركة واحدة إلى الله. هكذا أصبحت الشهوة مستقلّة عن الحب عوض أن تكون مسخّرة له…

 

 ومن نتائج التفكّك فى الكيان الإنسانى الأمراض التى أصبح الإنسان عرضة لها والتى هى إختلال فى نظام الجسم البشرى، وأخيرًا الموت الذى هو إنحلال لكيان الإنسان. لقد كانت نعمة الله تكتنف الإنسان وتحفظه من الأمراض والموت، أمّا وقد رفض هذه النعمة وتعرّى منها فلم يعد من شئ يحفظه من الإنحلال الذى تؤول إليه طبيعه إذا تُركت وشأنها. هذا ما عبّر عنه الكتاب المقدّس بقوله أن آدم أُبعد عن شجرة الحياة التى  كانت تجعله خالدًا:

[ وَقَالَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ: هُوَذَا اَلإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً اَلْخَيْرَ وَاَلشَّرَّ. وَاَلآنَ لَعَلَّهُ ‏يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ اَلْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى اَلأَبَدِ ‏] [ تكوين 3 : 22 ]…

أى أنه فقد نعمة الخلود بابتعاده عن الله مصدرها. وبهذا المعنى قال الله لآدم:

[ بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى اَلأَرْضِ اَلَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ ‏تَعُودُ ‏] [ تكوين 3: 19 ]…   

 

**********

ب – تصدعت الوحدة بين الإنسان والغير :

 

ولكن هذا التفكّك الذى ساد فى كيان الإنسان الشخصى تعدّاه إلى العلاقة بين الإنسان والإنسان…

ذلك أن الإنسان بإنفصاله عن الله انفصل أيضا عن أخيه الإنسان…

فالله وحده يوحّد عميقا بين البشر…

ولذ، فالخطيئة بأبعادها الإنسان عن الله تبعده عن قريبه…

هذا التفكّك بدأ فورًا بعد السقوط عندما سأل الله آدم عن مخالفته فأجابه:

[ الْمَرْأَةُ اَلَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ اًلشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ‏ ] [ تكوين 3 : 12 ]…

وهكذا ألقى المسئولية على إمراته فاصلاً مصيره عن مصيره، بينما كانا قد خُلقا ” ليكونا جسدًا واحدًا” أى كيانًا واحدًا…

هكذا بالخطيئة تسرّب الإنقسام إلى البشرية…

فأصبحت الأنانية تفصل حتى بين الإنسان وأقرب الناس إليه، وتشوّه الحب على أنواعه بإرادة التسلّط على الآخر وامتلاكه كأنه مجرّد شئ ومتعة دون مراعاة لحرّيته وكرامته ومصلحته وسعادته…

وقاد ذلك إلى تنافر بين الأخ وأخيه، وبين الأب وابنه، وبين الزوج وزوجته…

ولذا يروى لنا الكاب المقدّس كيف أن السقوط تلاه قتل قايين لأخيه هابيل…

وانفجرت الأحقاد بين البشر وحسد بعضهم بعضً، وتجبّر بعضهم على بعض، واستعبد بعضهم بعضً، وتطاحنوا فى حروب أهلية وخارجية…

 

**********

ج – تصدعت الوحدة بين الإنسان والطبيعة :

 

أخيرًا كان من عواقب السقوط أن بطل هذا الانسجام الذى خلقه وأعدّه الله بين الإنسان والطبيعة…

هذه الطبيعة التى كانت معدّة لتخضع للإنسان الحامل فى ذاته صورة الخالق، تمرّدت عليه حين تشوّهت صورة الله فيه…

[ وَقَالَ لآدَمَ: لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ إِمْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلاً: لاَ تَأْكُلْ ‏مِنْهَا مَلْعُونَةٌ اَلأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ ‏وَتَأْكُلُ عُشْبَ اَلْحَقْلِ‏ ] [ تكوين 3: 17، 18 ]…

وهكذا لم يعد الإنسان فى مأمن من حتمية نواميس الكون بلّ صار إلى حدّ بعيد ضحية هذه النواميس، فأصبحت مصدر متاعب وكوارث ونكبات للإنسان وأخذت الحيوانات تؤذيه والجراثيم تفتك به…

 

**********

* أسئلة:

إقرأ الفصل الثالث من سفر التكوين…

1 – كيف يظهر انفصال الإنسان عن الله [ تكوين 3: 8 ]…

2 – ألا يشبه إنفصال الإنسان عن الله إنفصال غصن عن شجرته ؟ كيف ذلك؟ وما هى النتائج المنتظرة لإنفصال كهذا؟…

3 – هل بقى الإنسان محافظًا على موهبة الخلود بعد سقطته؟ [ تكوين 3: 19، 22 ]…

4 – كيف ظهر التفكك بين الإنسان وجسده بعد السقوط؟ [ تكوين 3 : 7 ]…

5 – ألم يكن طبيعيًا أن توجد الخطيئة تفككًا بين الإنسان والإنسان؟ لماذا؟ كيف يظهر ذلك فى تكوين 3: 12 و4: 8، 9 ؟ وكيف يظهر فى علاقات البشر بعضهم ببعض وحتى أقرب الناس إليهم؟…

6 – ألم يكن من الطبيعى أن توجد الخطيئة تصدعًا فى الوحدة التى أعدها الله بين الإنسان والطبيعة؟ لماذا؟ كيف يظهر هذا التصدع فى تكوين 3 : 17، 18؟ وما هى نتائجه بالنسبة للإنسان؟…

 


 

6 – صورة الله فى الإنسان بعد الخطيئة

ولكن السؤال القائم فى كل هذا هو:

كيف يعرف الإنسان أن الحالة التى هو عليها الآن ليست وضعه الأصيل؟…

كيف يستطيع المرء أن يقدر مدى سقوطه بدون معرفة ما كان عليه قبل السقوط؟…

للإجابة عن هذا السؤال سنعود إلى المثل الذى اتخذناه منطلقا لنا فى بدء هذا الفصل…

فالولد الذى عاش بين الحيوانات منذ طفولته لم يفقه الكارثة التى ألمّت به إلا عندما إلتقى أخوة له فى الإنسانية وفهم أن صلته الأصلية هى مع البشر وليس مع الحيوانات…

هذا يعنى أن معرفته الحقيقية لا تنتج عن مقارنة بين حالته الحاضرة وفردوس مفقود وليد تخيلاته، ولكنها نتيجة لقائه مع أناس يحملون له فى كيانهم صورة عن ذلك الفردوس إذ أن الإنسانية التى أضاعها جوّ معين وليست كلمات مقولة وأحرف مسطورة…

 

هكذا نحن لم نفهم معنى الخطيئة إلا بعدما تعرّفنا على أخينا الكبير كما يسميه الرسول بولس:

[ … لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ اِبْنِهِ لِيَكُونَ هُوَ بِكْراً بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ ] رومية 8: 29 ]…

فلقاؤنا مع هذا الأخ الأكبر، يسوع المسيح، الذى حافظ على صورة الله فيه أيقظنا على الحقيقة مذكّرًا إيّانا بأن الإنسانية الحقة تكمن فى صلتنا الوثيقة بالله…

إذًا مرور يسوع الناصرى فى بلادنا منذ ما يقارب الألفى عام طبع فى أذهان وقلوب البشر وجه رجل يشبهنا ولكننا لا نماثله إذ أن الجو الذى كان يتنشقه لم يكن من هذا العالم بالرغم من حضوره فيه

فى كل هذا ما يبعث إلى التفاؤل…

فبالرغم من جوّنا المتسمم الفتاك كان بوسعنا أن نتعرّف إلى يسوع وأن نعرف أنه فى نهاية المطاف يحمل فى شخصه عالمنا الأصيل…

وإذا ان هذا مستطاعا فلأن صورة الله التى فيه نادت صورة تشبهها فينا…

هذا يعنى أنه كما الولد الضائع فى الأدغال يحمل فى خلاياه بالرغم من حيوانيته سمات جذور الإنسانية، هكذا نحن ما زلنا فى أحقر أوضاعنا نحمل صورة الله فى كيانن، إنما نحن فقد أبطلناها عن العمل يحصرها فى زاوية عمة…

ولكن كما أن الله قد أشعّ النور من الظلام هكذا ابنه فى لقائه معنا أطلق الصورة الخفية فينا من الظلمة التى ألجأناها إليها إلى مكانها الأصيل فى قلبنا وذهننا…

 

غير أن لقاءنا مع يسوع علّمنا أيضا شيئا آخر مهما للغاية وهو أن تحقيق صورة الله كاملة فينا يكمن فى إتضاعنا المستمر إذ أن الله متضع أصلاً…

هذا ما يقوله لنا الرسول بولس فى كلماته الجميلة:

[ فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا اَلْفِكْرُ اَلَّذِي فِي اَلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً:

الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اَللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ.

لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ اَلنَّاسِ.

وَإِذْ وُجِدَ فِي اَلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى اَلْمَوْتَ مَوْتَ اَلصَّلِيبِ ] [ فيليبى 2: 5 – 8 ]…

هذا هو سرّ التجسّد الذى فيه تمّ لنا لقاء أفضل من الذى كان يوم الخلق…

 

* أسئلة:

1 – كيف يمكننا القول أن الخطيئة شوّهت صورة الله فى الإنسان؟ لقد كانت هذه الصورة تظهر فى الإنسان بعقله وإرادته وميله إلى الصلاح واستعداده للعطاء وخلوده وسيادته على الكون فكيف تشوه كل ذلك فى الإنسان؟…

2 – هل اُمحت صورة الله فى الإنسان أم بقيت فيه؟ ألا يختبر كل منا فى ذاته إزدواجية بين العظمة والحقارة؟

[ فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ اَلإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ اَلْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ.

لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ اَلصَّالِحَ اَلَّذِي أُرِيدُهُ بَلِ اَلشَّرَّ اَلَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ.

فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا بَلِ اَلْخَطِيَّةُ السَّاكِنَةُ فِيَّ ] [ رومية 7: 18 – 20 ]..

كيف يمكننا أن نفسر هذه الإزدواجية فى ضوء تعليم الله؟…

3 – هل بطلت محبة الله للإنسان بعد سقوطه؟

كيف تجلّت هذه المحبة [ وَصَنَعَ اَلرَّبُّ اَلإِلَهُ لآدَمَ وَاِمْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا ] [ تكوين 3: 21 ]؟

لقد ترك الإنسان وحده خارج الجنة لأن حريته هكذا شاءت ولكن ألم يكن الله مزمعا أن يفتقده؟ ما هى الصورة الفائقة للعقل التى اتخذها ها الإفتقاد؟…

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: