مسيحيو الشرق لأجل المسيح

لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.

مدخل إلى العقيدة المسيحية- الخالق

Posted by mechristian في أغسطس 10, 2007

 

مدخل إلى العقيدة المسيحية

د.كوستى بندلى ومجموعة من المؤلفين

الفصل الثاني: الإيمان بالله الخالق

  

تيد الإيمان:

  

الإيمان يختلف عن المعرفة العقلية البحتة:

أ – لأن الله لا يحويه العقل

ب – لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان:

ج – لأن الإيمان اعتراف بالوجود الشخصى لله:

   

الله يكشف ذاته لنا فيجعل الإيمان ممكنًا:

  

أسئلة:

2 – الله يكشف نفسه لنا:

  

الله يكشف ذاته لنا من خلال الخليقة:

أ – إرتباط كل ما فى الكون بأسباب:

ب – نظام الكون:

  

الجسم الإنسانى:

  

غرائز الحيوانات:

ج – عطش الإنسان المطلق:

   

الله يكشف ذاته لنا بالوحى الإلهى:

   

أسئلة:

   

ملحق (1)

   

ملحق(2)

3 – الإيمان والحياة:

   

الإستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله:

   

الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة:

   

أسئلة:

4 – الإيمان والعلم:

   

هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟:

أ – لأن العلم والإيمان يعملان على صعيدين مختلفين:

ب – لأن معظم بناة العلم الحديث كانوا مؤمنين:

ج – لأن الاختراعات الحديثة لا تنفى سلطة الله:

   

أسئلة:

   

ملحق (1)

   

ملحق (2)


 

الفصل الثانى

الإيمان بالله الخالق

” أؤمن بإله واحد..”

1 فى الإيمان

* تحديد الإيمان:

 

عندما يتحدث الناس عما يؤمنون به، فكثيرًا ما يقصدون أفكارًا اعتنقوه ومبادئ تبنّوه ومعتقدات انتموا إليها…

لذا فالسؤال المطروح غالبًا هو:

بماذا تؤمن؟…

أمّا الإيمان بمعناه المسيحى الأصيل، فليس، فى الأساس، تصديقًا لأفكار واعتناقًا لمبادئ، إنما ارتباط صميمى بشخص حىّ، هو الله…

فى منظارٍ كهذ، لم يعد السؤال اللائق هو:

بماذا تؤمن؟…

بلّ، بمن تؤمن؟…

ليس الإيمان، فى الأساس، تصديق أمور عن الله…

بل، الانتماء إلى الله، كإلى مصدر كياننا ومرتكزه ومرجعه…

إنه إدراك حىّ، كيانى، لوجود الله، لا كما تدرك حقيقة رياضية وطبيعية وتاريخية…

بل، كما يُدرك وجود كائن نحن مرتبطون به فى الصميم، ومنه نستمد وجودنا فى كل لحظة، وإليه تصبو، فى آخر المطاف، كل أمانينا…

حتى إذا أدركنا وجود هذا الكائن، ألفنا ويائن، جعلنا ثقتنا به وألقينا عليه رجاؤنا…

عبارة ” آمن”، فى العربية، قريبة من ” أمن”…

آمن به تعنى أمن له…

أن نؤمن بالله يعنى أن نأمن له، أن نثق به، أن نجعل منه معتمدنا ونسلم إليه ذواتنا مطمئنين إليه أعمق اطمئنان…

 

* الإيمان يختلف عن المعرفة العقلية البحتة:

 

الإيمان معرفة لله…

وهذه المعرفة، ككل معرفة، تفترض مساهمة العقل…

ولكن الإيمان لا يرد إلى المعرفة العقلية…

الله لا يُعرف بالعقل المجرّد كما تُعرف حقائق الرياضيات ونواميس الطبيعة…

شأن الله فى ذلك شأن حقائق بالغة الأهمية فى وجود الإنسان، حقائق قد يُكرّس لها المرء حياته ويموت فى سبيلها ولكنه لا يستطيع أن يقدّم عنها براهين منطقية قاطعة…

فمن أدرك روعة الموسيقى وسمو التضحية، من اعتنق مبدأ العدالة والحرية والإخاء بين البشر، من وثق بصديقه إلى أبعد حدّ، من أدرك أن محبوبه شخصٌ فريد، وإن كان هناك من هو أجمل وأذكى منه، كل هؤلاء مقتنعون بصواب مواقفهم وقد يحاولون تعليلها عقليًا لإقناع الآخرين به، ولكنهم يعرفون أنهم لا يستطيعون تقديم البرهان العقلى القاطع عن صحتها وأن لا سبيل لهم لتثبيتها على طريقة 2+2=4، وأن من لم يختبر بنفسه ما اختبروه هم غير قادر على مشاركتهم قناعتهم ولو قدّموا له أفضل ما لديهم من براهين…

ولكن ما هو صحيح بشأن تلك الحقائق الإنسانية صحيح بشكل أخص فيما يتعلق بالله:

 

أ – لأن الله لا يحويه العقل:

 

يقول الكتاب:

[ اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ . اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ ] [ يوحنا 1: 18 ]…

والمقصود بذلك ليس أن الله لا يُدرك بالحواس وحسب، بلّ أنه لا يُدرك بالعقل أيضا ولا يمكن أن يصبح بداهة عقلية على طريقة حقائق الرياضيات…

 

هذا أمر طبيعى إذا تذكّرنا أن الله هو الكائن اللامحدود…

فكيف للعقل المحدود أن يُدركه؟…

ذلك أنه لو أدركه لاستوعبه وحواه وامتلكه…

ولكن أنّى للمحدود أن يسع غير المحدود…

أنّى لنقطة الماء أن تستوعب البحر؟…

كيف للعقل، الذى هو من الكون، والذى من الكون يستمد أفكاره وعلى نموذج أشياء الكون يبنى تصوراته، كيف لهذا العقل أن يدرك من هو متعالٍ على الكون؟…

 

ثم أنّى للعقل أن يحوى الله ويمتلكه، طالما الله هو مصدر العقل نفسه، هو قاعدته وأساسه؟…

مفاهيم العقل البشرى أبدًا محصورة….

لذ، فتاريخ الفكر البشرى كله، على كل الأصعدة، من علمى وفلسفى واجتماعى وغير ذلك، إنما هو تاريخ محاولة مستمرّة يقوم بها العقل البشرى لتخطّى محدودية تصوراته نحو حقيقة أغنى وأكمل…

إنه بذلك التخطّى المستمر لمكاسبه ومواقفه يشير إلى الكائن اللامحدود الذى منه يستمد انطلاقته اللامتناهية…

ولكن كيف لى، وهو الذى لا يملك أبدًا سوى حقائق جزئية، أن يحوى ذلك المطلق الذى يدفعه بلا هوادة إلى تجاوز حقائقه الجزئية كلها وأن لا يقف عند حد فى حركته التى لا قرار لها؟…

 

الله لا يُدركه العقل، لا لأنه مبهم، غامض بحد ذاته…

بلّ على العكس، لأنه الحقيقة الساطعة التى تفوق ملؤها طاقة العقل على الاستيعاب…

فكما أن العين عاجزة عن الشخوص إلى الشمس، لأن نور الشمس يبهره، هكذا العقل عاجز عن إدراك الله…

هذا ما عبّر عنه الكتاب بقوله:

[ اَلَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ اَلْمَوْتِ، سَاكِناً فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، اَلَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ اَلنَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ، اَلَّذِي لَهُ اَلْكَرَامَةُ وَاَلْقُدْرَةُ اَلأَبَدِيَّةُ. آمِينَ ] [ 1 تيموثاوس 6: 16 ]…

كما أن العين، وهى لا تستطيع أن تحدّق إلى قرص الشمس، تشاهد انعكاساتها على الكائنات، هكذا العقل لا يُدرك الله إنما يستطيع أن يهتدى إليه – كما سوف نرى – إنطلاقا من آثاره فى الكون، لكن دون أن يُشكّل هذا الإهتداء عملية من نوع البرهان الرياضى والعلمى، إذ أن ذلك يتنافى، كما رأين، مع طبيعة الله…

 

تلك هى المفارقة التى عبّر عنها المفكّر الشهير ” باسكال”:

{ لا شئ أكثر عقلانية من اعتراف العقل بعجزه عن إدراك الله. ذلك أن العقل، لو استطاع إدراك الله، لارتفع إلى مستوى الله، كما يشير مدلول كلمة ” أدرك”. ولكن، لو كان ذلك ممكن، لما كان الله إلها بلّ كائنا فى مستوى العقل. لا يمكن أن يكون الله إلها إلا إذا كان فائقا كلّ إدراك }…

**********

 

 

ب – لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان:

 

لأن حقيقة الله لا تفرض ذاتها على الإنسان، شأن البداهات الحسّية والعقلية، بلّ تتطلّب منه تقبّلاً وانفتاحا…

ومن جهة أخرى، إذا تأمّلنا فى علاقة الإنسان بالحقيقة، نرى أن الحقائق التى تفرِض ذواتها على حواس الإنسان وعقله قليلة نسبيا…

فأكثر الحقائق لا تكتشف إلا بجهد، وبالتالى يتطلّب اكتسابه، لا رؤية العقل وحسب، بلّ مجهود الإرادة واستعداد النفس لتقبّل حقيقة قد تصدم الأفكار المألوفة وقد تجرح الكبرياء وقد تتصدّى لهذ و ذاك من الأهواء…

هذا صحيح حتى بالنسبة للحقائق العلمية…

فقد أثبت التاريخ أن كثيرًا من النظريات التى طوّرَت العلم ودفعته شوطا بعيدًا إلى الأمام، كنظرية ” كوبرنيك” فى الفلك، ونظرية لافوازيبه فى الكيمياء، و….، حوربت بشدّة من قبل الأوساط العلمية المعاصرة له، وذلك لأسباب لا تمت إلى العلم بصلة، كتمسّك العلماء بعاداتهم فى التفكير وتهرّبهم من الإعتراف بأن معلوماتهم كانت خاطئة وناقصة، وما شابه ذلك من دوافع نفسية كانت تتخذ العلم ذريعة لها مع أنها غريبة عنه تماما…

هكذا كان هؤلاء العلماء يقاومون عباقرة عصرهم معتقدين أنهم بذلك يدافعون عن العلم الصحيح ضد مزيفيه، فيما كانو، من حيث لا يدرون، يدافعون عن عاداتهم وكرامتهم التى كانت تحول دون رؤيتهم للحقيقة الكامنة فى النظريات التى كانوا يناهضونها…

فالحقيقة العلمية ذاتها لا تنكشف إلا لذلك الذى يعترف بتواضع أن معرفته ناقصة ومعرّضة للخط، وأن طريقته فى التفكير، أيًا كان رسوخها فيه، قابلة للنقض وإعادة النظر…

فإذا كانت الاستعدادات الشخصية تلعب هذا الدور كلّه فى رؤية الحقائق العلمية نفسه، فكم بالحرىّ يكون دورها بالنسبة لحقائق أكثر مساسًا بالشخص الإنسانى وبسلوكه، مثلاً بالنسبة للحقائق الخلقية…

كيف السبيل مثلاً لإقناع إنسان غارق فى الأنانية بسمو التضحية فى سبيل الآخرين؟…

وكيف يمكن لإنسان تسكره غطرسة طبقية وعنصرية أن يؤمن بمبدأ الإخاء بين البشر؟…

وكيف يستطيع إنسان بنى حياته على الاحتيال أن يعترف بقيمة الصدق؟…

إن خبرة مريرة تعلمنا كلّ يوم بأن الإنسان كثيرًا ما يفلسف أهواءه ويبنى لنفسه عقيدة تبرّر انحرافات سلوكه…

 

هكذا فيقدر ما تمس حقيقة ما كيان الإنسان وليس مجرّد عقله…

بقدر ذلك يتأثر قبوله ورفضها باستعدادات الإنسان الكيانية، بموافقة الشخصية العميقة…

ولكن أيّة حقيقة تمس كيان الإنسان كحقيقة وجود الله؟ إنها تعنى الإنسان فى أعماق شخصيته، إذ عليها يترتب، فى آخر المطاف، تحديد رؤيته لذاته ولمصيره، لمعنى حياته وموته، ورؤيته للآخرين ولعلاقته بهم، ونظرته إلى الكون وإلى مركزه فيه…

وجود الله يعنى أنه لا يسعنى أن أكتفى بذاتى ولا بهذا المجتمع البشرى الذى أنتمى إليه ولا بهذا الكون الذى استمد منه عناصر أفكارى ومقومات حياتى…

وجود الله يعنى أن ذاتى والمجتمع والكون، وكل ذلك ليس مُغَلّقًا على ذاته، مكتفيًا بذاته، له غايته فى ذاته، إنما أصله ومرجعه، ألفه وياؤه، ما يقيمه فى الوجود ويرسم له غايته ويعطيه معناه، هو كائن متعالٍ عنه وحاضر فى صميمه بآن، ألا وهو الله…

وجود الله يعنى أنه باطل أن يتعبّد الإنسان لأفكاره وميوله ومشاريعه، فردية كانت وجماعية، لأنه يبقى عند ذاك أسير الفراغ والضياع، وأنه، بالتالى، إذا شاء أن يحقق ذاته، وجب عليه أن يتخذ من الله لا من ذاته محورًا لوجوده كلّه…

ولكنه يصعب على الإنسان ان يتخلّى عن محورية ذاته…

يقول لنا فرويد أن الدافع النفسى العميق الذى حمل البشر على مقاومة نظرية ” كوبرنيك” هو كوْن هذه النظرية نقضت الاعتقاد بأن الأرض ( وبالتالى البشر ) هى مركز الكون، وجعلت منها نقطة فى الفضاء اللامتناهى…

وبالتالى طعنت الكبرياء البشرى فى الصميم…

الإيمان بالله يتطلّب انسلاخا أعظم من هذا بما لا يقاس، لأنه يعنى التخلّى لا عن مركزية مكانية وحسب، بلّ عن مركزية كيانية، وهذا أعمق بكثير…

من لم يكن مستعدًا للتخلّى عن محورية ذاته، من لم يكن مستعدًا لمجازفة تخطى الذات وتخطى المجتمع والكون اللذين تجد فيهما الذات استقرارها وطمأنينته، هذا لا يمكنه أن يعرف الله حقيقة، ولو اعترف لفظيًا…

الإنسان المعتدّ بنفسه، النشوان بأفكاره وانجازاته ومعلوماته وممتلكاته، فردية وجماعية، هذا لا يستطيع أن يؤمن حقيقة بالله، كما ورد فى إنجيل يوحنا:

[ كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تُؤْمِنُوا وَأَنْتُمْ تَقْبَلُونَ مَجْداً بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ وَالْمَجْدُ الَّذِي مِنَ الإِلَهِ الْوَاحِدِ لَسْتُمْ تَطْلُبُونَهُ؟ ] [ يوحنا 5: 44 ]…

من تعبّد لأهوائه رفض الله، بالفعل إن لم يكن بالكلام، لئلا يضطر إلى الاعتراف بشره، كما ورد أيضا فى الإنجيل نفسه:

[ وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.

لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ.

وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ  ] [ يوحنا 3: 19 – 21 ]…

 

**********

ج – لأن الإيمان اعتراف بالوجود الشخصى لله:

 

أخيرًا يختلف الإيمان عن المعرفة العقلية البحتة، لأن الله موضوعه ليس فكرة ومعادلة رياضية ومبدأ خلقيً وناموسًا فائق، إنما هو شخص…

الإيمان بالله أساسًا اعتراف بشخص واتصال به، وذلك ما يتعدّى مجرّد عملية عقلية، لأنه يتطلّب موقفا شخصيً، موقف انفتاح وتقبّل…

إذا كنت منهمكا بذاتى، فالبشر الآخرون حولى يكونون كأنهم غير موجودين بالنسبة إلىّ…

ذلك أننى لا أرى فيهم سوى تلك الصفات التى تمكّننى من تصنيفهم وفق مصالحى وحاجاتى:

فهذا طيب المعشر، وذاك ثقيل الظلّ، هذا صادق فى معاملاته وذاك كذّاب، ملتوٍ، ….. وهلم جرا…

أمّا وجودهم الشخصى الفريد، وجودهم بالنسبة لهم، لا بالنسبة لى ولمشاريعى، وجودهم كما يعيشونه من الداخل، ماذا تعنى بالنسبة لهم خصالهم وعيوبهم وما تعَبّر عنه مما يصبون إليه ومما يعانون منه، كل ذلك يبقى غرِيبًا عَنّى، وكأنه غَيْر موجود بالنسبة إلىّ…

شخص الآخر لا يصبح حاضرًا حقيقة فى ذهنى إلا إذا قبلت بأن أتخطى انهماكى بذاتى لأصبح حاضرًا لهذا الآخر، منفتحا إليه…

عند ذاك أصبح بالحقيقة مدركا لهذا الوجود الفريد ومتصلاً به بآن…

عند ذاك تقوم بينى وبينه علاقة حقة أخرج بها من ذاتى لألاقيه كما هو ولأشارك وجوده كما يحياه هو…

 

لكن ما هو ضرورى بالنسبة لعلاقتى بشخص إنسانى آخر، ضرورى بصورة أخص بالنسبة لعلاقتى بالله…

فإذا كان تخطى انهماكى بذاتى أساسى لأكتشف حقيقة وجود الآخر البشرى، فكم بالحرى يصبح هذا التخطّى ضروريًا لأكتشف وجود من هو آخر بالكلية، من يفوق بما لا يقاس أفكارى وتصوّراتى ومشاعرى ورغائبى…

فإذا كنت منهمكا بذاتى، وآمالى وأهوائى، كيف يمكننى أن أتحسس وجود ذاك الذى يعلو على أفكارى ورغائبى كما تعلو السماء عن الأرض على حدّ تعبير أشعياء النبى؟…

عند ذاك فقد لا أدرك وجود الله، وأعترف بهذا الوجود لفظيا دون أن يكون لهذا الاعتراف أى معنى لحياتى، وقد أرى فى الله مجرّد صورة لما أتمنّاه وأرهبه، أى أننى أكوّن لنفسى أصناما أقيمها عوض الله ( مثلاً صورة إله ” وظيفته” أن يضمن صحّتى ونجاحى وسعادتى ويوفق أمورى ويعطينى الغلبة على أعدائى …) …

أمّا إذا كان لدى من الانفتاح ما يمكّننى من التطلّع على خارج حدود ذاتى، عند ذاك يسعنى أن أدرك وجود ذلك الآخر بالكلية الذى هو مصدر وجودى ومرجعه…

عند ذاك يُمْكِننى أن أتصل به وأشاركه وجوده وأدرك أنه، وهو المتعالى عنى كل التعالى، أقرب إلىّ من ذاتى، لأنى به، وبه وحده أجد ذاتى على حقيقتها وأحقق معنى وجودى…

 

تخطى الذات للاتصال بالإنسان الآخر، تخطى الذات للاتصال بالله:

ليس هناك مجرّد تشابه بين هاتين العمليتين، إنما يوجد إرتباط وثيق بينهما…

فبقدر ما انفتح إلى الآخر البشرى، أصبح أكثر استعدادًا للاتصال بالله…

لذا ربط الرسول يوحنا بين محبة الله ( أى الاتصال الصميمى بالله، الذى لا إيمان حقيقى بدونه ) وبين محبة البشر أخواتن، قائلاً:

[ فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ: { أَنَا أُحِبُّ اللهَ ! } وَلكِنَّهُ يُبْغِضُ أَخاً لَهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ، لأَنَّهُ إِنْ كَانَ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي يَرَاهُ، فَكَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ قَطُّ ؟ ] [ 1 يوحنا 4: 20 ]…

ولذا تدعونا خدمة القداس الإلهى أن نحب بعضنا بعضا لنستطيع الاعتراف بالله الثالوث: ” واجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نقبل بعضنا بعضًا بقبلة مقدسة. لكى ننا بغير وقوع فى دينونة من موهبتك غير المائتة السمائية بالمسيح يسوع ربنا هذا الذى من قبله المجد والكرامة والعزة والسجود تليق بك معه ومع الروح القدس المحيى المساوى لك . الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور، آمين”…

 

* الله يكشف ذاته لنا فيجعل الإيمان ممكنًا:

إذا كان الله، موضوع الإيمان، يفوق، كما رأين، كل فكر وتصوّر وشعور ورغبة، فهذا يعنى أنه لا يمكننى أن أكتشفه من تلقاء ذاتى…

ولكن الله يحبنى…

ولذا أراد ان يكشف ذاته لى…

ذلك أن المحبة تدفع المحبّ أن يكشف ذاته للمحبوب…

حسب قول الرب:

[ الَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي وَأَنَا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي ] [ يوحنا 14: 21 ]…

 

لو لم يأخذ الله مبادرة كشف ذاته للإنسان…

لما كان الإيمان ممكنًا…

ولكنه آخذ ابدًا هذه المبادرة…

إنه يخاطب الإنسان، مظهرًا له ذاته…

وداعيًا إيّاه إلى مشاركته حياته…

وذلك بالوسائل التالية:

1 – من خلال آثاره فى الخليقة وفى قلب الإنسان…

2 – بالوحى الإلهى وتاريخ الخلاص الذى بلغ ذروته بتجسّد ابن الله…

 

تلك هى الطرق التى يسلكها الله ليأتى إلىّ ويقرع على باب نفسى…

حتى إذا سمعت صوته وفتحت له قلبى ( والقلب فى لغة الكتاب هو مركز الشخصية، يلتقى فيه العقل والشعور والإرادة )…

إختبرته بأعماق كيانى حضورًا شخصيا يملأنى ويملأ الكون قاطبة…

حضورًا يفوق كلّ تصوراتى ورغائبى ولكنه ينير العقل ويستقطب الشعور…

حضورًا لا أمتلكه ولكننى به ومنه وله أحيا…

هذا هو الإيمان فى آخر المطاف…

 

* أسئلة:

1 – هل الإيمان مجرّد تصديق أفكار عن الله، أم هو أبعد وأعمق من هذا؟…

2 – هل يُعقل أن يدرك العقل المحدود الله اللامحدود؟ ماذا يقول الكتاب المقدس بهذا الصدد؟ [ راجع يوحنا 1: 18و 1 تيموثاوس 6: 16 ]…

3 – هل هناك حقائق لا تفرض ذاتها على الإنسان فرضً، بل تتطلب منه انفتاحًا وتقبلاً لها؟ أذكر بعض هذه الحقائق. لماذا يصح ذلك، بنوع خاص، بالنسبة لحقيقة الله؟…

4 – ماذا يقول الإنجيل عن المواقف الشخصية التى تحول دون الإيمان بالله؟ [ راجع يوحنا 3: 19 – 21 ويوحنا 5: 44 ]…

5 – هل الاعتراف بوجود الشخص الآخر والاتصال به عملية عقلية بحتة، أم أنهما يتطلبان اتجاها إلى الآخر وتخطيًا للذات؟ كيف يصحّ ذلك، بنوع خاص، بالنسبة للإيمان بالله؟…

6 – هل من علاقة بين الانفتاح للبشر والاتصال بالله؟ [ 1 يوحنا 4: 20 ]…

7 – إذا كان الله يفوق كل فكر وتصوّر، فكيف أستطيع أن أؤمن به؟…

8 – ما الذى يدفعنى إلى كشف ذاتى لإنسان آخر؟ لماذا وكيف يظهر الله ذاته لنا؟…

 


 

2 – الله يكشف نفسه لنا

* الله يكشف ذاته لنا من خلال الخليقة:

 

لقد كتب الرسول بولس:

[ إِذْ مَعْرِفَةُ اَلْلَّهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ لأَنَّ اَلْلَّهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ . لأَنَّ مُنْذُ خَلْقِ اَلْعَالَمِ تُرَى أُمُورُهُ غَيْرُ اَلْمَنْظُورَةِ وَقُدْرَتُهُ اَلسَّرْمَدِيَّةُ وَلاَهُوتُهُ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْر ] [ رومية 1: 19، 20 ]…

فالخليفة كلها تحمل أثر الله كما أن التمثال يحمل أثر النحات الذى صنعه…

إنها كتاب نقرأ بين سطوره عظمة الله وحكمته وجماله…

إنها تهجئة لله تحدثنا عنه وتشير إليه…

لهذا أنشدت المزامير:

[ اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اَللهِ وَاَلْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ ] [ مزمور 19: 1 ]…

فلنستعرض بعض آثار الله فى الكون وفى الإنسان…

 

أ – إرتباط كل ما فى الكون بأسباب:

 

كل ما فى هذا الكون مرتبط بأسباب  أوجدته…

إذً، لا شئ فى هذا الكون موجود بحد ذاته، إذ لولا الأسباب التى أوجدته لما وُجد…

لا شئ، إذً، فى الكون موجود بالضرورة، أو، كما تقول الفلسفة، واجب الوجود…

كل ما فى الكون ممكن الوجود، لا يوجد إلا بفعل آخر…

ولكن ما يصح فى جزيئات الكون يصح أيضا فى الكون ككلّ…

ذلك أنه لا يُعقل أن يكون كل عنصر من عناصر الكون ممكن الوجود، أما مجموعة العناصر فواجبة الوجود…

الكون إذًا ممكن الوجود لأنه مجموعة عناصر كلها ممكنة الوجود…

وإذا كان ممكن الوجود، فمعناه أنه ليس موجود بحد ذاته، بلّ بفعل آخر…

إذً، يستدعى الكون سببا خارجا عنه…

وهذا السبب الخارج عن الكون ندعوه الله…

ولنأخذ الآن مثلاً يوضح ما قلناه:

إذا أخذنا حيوانا وتساءلنا:

لماذا هذا الحيوان حىّ؟، وما سبب إستمراره فى الوجود؟…

رأينا أن لذلك أسبابًا متعددة منها المواد الغذائية التى تحويها الأطعمة. ولكن إذا تساءلنا من أين تأتى تلك المواد الغذائية التى هى سبب إستمرار الحيوان فى الوجود رأينا أن لها بدورها أسبابًا. فمثلاً المواد السكرية، وهى التى تحرّك جسم الحيوان وتولد النشاط فيه، لا يمكن أن تأتى فى النهاية إلا من النباتات…

وهنا نتابع تساؤلنا فنفتش عن سبب وجود هذه المواد السكرية فى النباتات، فيتضح لنا أنها تتكوّن من اتحاد الكربون بالمواد الكيماوية التى تمتصها النباتات من الأرض بواسطة الجذور…

وهنا نتساءل، ما هو سبب وجود الكربون فى النباتات؟…

فيجيب العلم أنه من تحليل الحامض الكربونى وثانى أكسيد الكربون الموجود فى الهواء…

ولكن ما هى علة هذا التحليل؟…

إنه يتم بفعل مادة الكلوروفيل الموجودة فى النباتات…

ولكن ما هو سبب فاعلية الكلوروفيل على ثانى أكسيد الكربون؟…

هنا يظهر البحث العلمى أن فاعلية الكلوروفيل ناتجة عن الطاقة التى تستمدها من الشمس…

فنتساءل: ما هى علة الطاقة الشمسية هذه؟…

فتجيبنا إحدى النظريات العلمية أنها ناتجة عن تفكيك ذرات الهيدروجين فى الشمس…

وهنا لابدّ للعقل أن يتساءل عن السبب الذى يحدث هذا التفكيك وهذا السبب يستدعى بدوره سببًا آخرًا .. وهلم جرا…

 

وهكذا حيثما انتقلنا فى هذا الكون نجد سلاسل مرتبطة حلقاتها إرتباطا متينا…

وكأن الكون آلة مركبة من دواليب كثيرة يحرّك أحدها الآخر…

فكل من هذه الدواليب يستمد حركته من دولاب آخر…

غاية العلم أن يكتشف دوما أسبابا جديدة أى دواليب جديدة وهكذا يفسّر لنا الكون ولكن تفسيره ليس بنهائى…

لأن السؤال النهائى ليس هو ما هى الدواليب وما هو عددها ولكن ما هو سبب حركة الآلة كلها…

ذلك لأنه مهما كثر عدد الدواليب، وحتى لو افترضنا أن هذا العدد غير متناهٍ، فهذا لا يمنع أن تكون حركة الآلة مستمدة فى النهاية من محرّك أول…

فإذا ألغينا هذا المحرّك الأول توقفت الآلة حتما لأن الدواليب، مهما تعددت، تصبح بدونه عاجزة عن نقل أيّة حركة…

 

هذا المصدر الأول الذى تستمد منه كل الأسباب فاعليته، كما تستمد الدواليب كلها حركتها من المحرك الأول، هو الله…

وكما أن الآلة تستمد باستمرار وفى كلّ لحظة حركة دواليبها من المحرك الأول، هكذا ليس صحيحا أن الكون استمدّ وجوده فى لحظة معينة من الله ثم أصبح موجودًا بذاته، ولكنه لا يقوم إلا على الله، أن وجوده مستمد فى كلّ لحظة ممن هو وحده واجب الوجود…

ب – نظام الكون:

 

فى الكون نظام وترتيب يبدوان لنا إذا تأملنا مثلاً الفلك والجسم الإنسانى وغرائز الحيوانات. يشير هذا النظام إلى وجود حكمة فائقة تتجلّى فى الكون وتسيّره…

فالنظام الشمسى مثل، المكون من الشمس ومن السيارات التى تدور حوله، يسير بموجب قواعد رياضية دقيقة بينها الفلكى الشهير “كيبلر”…

هذه النواميس لها من الدقة والثبات ما يخول علماء الفلك أن يعينوا بالتدقيق الزمن الذى سوف يحدث فيه خسوف وذلك قبل حصوله بألف سنة…

 

الجسم الإنسانى:

ولنأخذ مثلاً وهو تكوين الجنين…

المعلوم أن الجنين لا يبدأ إنسانا صغير الحجم ليس عليه إلا أن ينمو ليصبح ذا حجم كبير…

إنما الجنين يتكون إنطلاقا من خلية واحدة، نتجت من اتحاد رأس الحيوان المنوى الذكرى والبويضة الأنثوية عند إخراقها فى وقت معيّن وفى مكان محدد وهو الثلث الخارجى من قناة فالوب، بعد أن يقطع الحيوان المنوى رحلة طويلة من المهبل إلى عنق الرحم، ثم التجويف الرحمى منطلقا فى اتجاه قناة فالوب …

الجسم الإنسانى بتعدد أعضائه وأجهزته يخرج من تلك الخلية الواحدة التى لا أعضاء فيها ولا أجهزة إلا فى الكود الجينى الذى تحمله الكروسومات الموجودة فى نواة هذه الخلية التى يطلق عليها ” الزيجوت”…

وعند تكاثر الخلية وانقسامه، ينتج خلايا عديدة متخصصة لتؤلف كل فئة منها جهازًا من أجهزة الجسم…

ويرافق هذا التخصيص تنسيق بديع بين الأجهزة حتى تؤلف جسمًا متماسكًا منسجم الأجزاء، متماثلة فى جميع الجنس البشرى، وكان العملية كلها موجهة بموجب تصميم رائع…

 

غرائز الحيوانات:

غرائز الحيوانات مدهشة خاصة إذا نظرنا إلى الحشرات ورأينا عند تلك الكائنات البدائية تصرفات محكمة الدقة تفوق ذكاءها بما لا يقاس…

فالنحل يصنع الشمع من إفرازات غدده فى شكل هندسى ذو حسابات دقيقة ليتسنى إستغلال المجال المتاح على أكمل وجه وفى تنسيق بديع…

وكذلك التنظيم المبدع لحياة النمل وسائر الحشرات…

 

هذا النظام الذى يبدو فى مختلف مظاهر الكونه، كيف نفسره؟…

أنقول أنه من المادة؟…

ولكن المادة – كما يدرسها العلماء – هى مجموعة ذرات وطاقات…

فالسؤال هو:

ما الذى يُوجِد فى تلك المجموعة نظاما؟…

ما الذى يجعل منها كونا مرتبا ذلك الترتيب المنطقى الذى لولاه لما استطاع العقل أن يفهم الكون وأن يبنى علما؟…

البيت مؤلف من حجارة، ولكن المهم هو:

ما الذى رصف الحجارة على شكل بيت؟…

الكتاب مؤلف من حروف، ولكن المهم هو:

ما الذى رتب الحروف لتؤدى معانى رواية وبحث؟…

إننا فى رصف الحجارة نرى فكر المهندس، وفى ترتيب الحروف نرى فكر المؤلف…

كذلك فى ترتيب الكون نرى فكرًا جبارًا لا قياس بينه وبين الأفكار البشرية…

لذا قال العتالم الكبير ” أينشتاين”:

{ إن كل عالم رصين هو فى حالة ذهول وانخطاف أمام إنسجام نواميس الطبيعة الذى فيه يتجلّى عقل فائق بهذا المقدار حتى أن كل أفكار البشر الماهرة وترتيبها ليست، إذا قورنت وقيست به، سوى إنعكاس تافه بالكلية…} [ أينشتاين: كيف أرى الكون ]…

هذا الفكر الجبار هو فكر الله…

 

ج – عطش الإنسان المطلق:

 

ولكن أثر الله يبدو أيضا فى إعماق القلب البشرى…

إنه يتجلّى مثل، فىعطش الإنسان على المطلق…

 

يمكن أن يُعرّف الإنسان بأنه ” حيوان قلق”…

هذه ميزة أساسية يختلف بها عن سائر الكائنات الحية…

فللحيوان رغبات غريزية محدودة، سهلة الإرضاء، لذلك ليس فى حياته مشاكل…

أما الإنسان فكلما حاول إشباع رغباته اشتدت وقويت فيه هذه الرغبات، وكأن هناك شيئا فى أعماق كيانه يحرّكه ويعذبه ويوجهه ويدفعه دون هوادة…

فى الإنسان تباين دائم، تفاوت مستمر بين ما يرغبه وما يملكه، بين إرادته ومقدرته، بين ما يريد أن يكون وما هو عليه…

لذلك يندفع دون هوادة لإزالة هذا التباين ولكنه لا يتوصّل أبدًا إلى هذه الغاية…

فكلما حاول أن يقترب من مرغوبه، ابتعد هذا عنه موقظا فى نفسه الخيبة والحسرة…

هذا ما يبدو فى الخبرة اليومية وعلى كل الأصعدة…

نكتفى بذكر البعض منها:

1 – فالإنسان الساعى إلى مال ومجد لا يكتفى بما حصل عليه. إنه كلما بلغ مأربه يطمع بالمزيد. لذ، لا يعرف قلبه راحة وإستقرارًا ” عين الإنسان لا تشبع” كما يقول المثل السائر…

2 – ولنأخذ السعى إلى الجمال. أمام منظر طبيعى بديع و قطعة أدبية رائعة و…، يشعر الإنسان، إلى جانب نشوته، بشئ من الحزن، ويزداد هذا الحزن بنسبة ما يكون جمال هذا المنظر وهذا الإنتاج الفنى الأخاذ. كيف يفسّر هذا الحزن؟. ذلك أن الجمال الذى أدركناه أيقظ فينا حنينا لا قدرة لنا على إطفائه ومن هنا نشأ الألم. وما هو صحيح بالنسبة إلى التمتع بالجمال ينطبق أكثر على الفنان الذى ينتجه. فكم من الأدباء والفنانين الخلاقين أفضوا إلينا بالمرارة التى كانوا يشعرون بها عندما كانوا يبدعون تحفة فنية رائعة. عندما تخرج تلك التحفة الرائعة حق، من أيديهم، كان الألم يحز فى نفوسهم لشعورهم بالتفاوت بين ما كانوا يحلمون به وما استطاعوا أن يحققوه…

3 – ولننتقل الآن إلى خبرة الحب. فالحب، كما هو معلوم، ينزع إلى تأليه المحبوب. ألا يسمّى المحبّ الحبيب ” معبود”؟ إنه إذًا يطلق علبه قيمة لا متناهية وينتظر منه سعادة مطلقة. ولكنه يمنى بالخيبة، فالمحبوب، مهما سمت صفاته، بشر وليس إله، لذا لا يمكنه أن يقدم لمحبّه السعادة الفردوسية التى يحلم بها. لذا دعا الشاعر الفرنسى ” كلوديل” المرأة المحبوب ” وعدًا لا يمكن أن يُبَرّ به”. وحتى إذا لم يؤله المحبوب، فالحب يسعى إلى شركة بين الحبيبين تامة وخالدة، ولكنه يصطدم بالسأم الذى تولده العادة وبالأنانية والموت…

 

مجمل الكلام أن للإنسان المحدود أمانى لا محدودة…

ولذلك يعيش فى توتّر دائم…

ولكن ما هو سرّ هذا التفاوت الصارخ؟…

من أين للإنسان هذا السعى إلى اللامتناهى والمطلق فيما لا تقدم له خبرته سوى ما هو محدود ونسبى؟…

التفسير الوحيد المرضى لتلك الظاهرة الغريبة هو أن الإنسان المحدود يحمل فى ذاته صورة كائن لا محدود…

ويكون هكذا سعيه إلى المطلق تعبيرًا عن حنين تلك الصورة إلى أصلها…

وتكون خيبته المتكرّرة ناتجة عن كونه يخطئ المرمى فيفتش عن المطلق واللامتناهى بين المخلوقات فيما لا يستطيع سوى الله أن يروى عطش قلبه…

فكما أن المد يفترض وجود القمر الذى يجتذب إليه مياه البحر، ولو كان القمر مختفيًا وراء السحب، كذلك مدّ النفوس فى سعيها المتواصل إلى المطلق يستقطبه الله ولو احتجب الله عن نظرنا وإدراكنا:

{ يا رب لقد خلقتنا متجهين إليك ولذلك لن تجد قلوبنا راحة إلا إذا استقرّت فيك } [ أوغسطين المغبوط ]…

* الله يكشف ذاته لنا بالوحى الإلهى:

 

لكن الله شاء أن يكشف لنا ذاته بشكل أوضح وأكمل من تهجئة الخليقة له. لذلك شاء أن يحدّثنا عن ذاته:

 

1 – بواسطة حوادث الخلاص: التى ترويها لنا الكتب المقدسة الموحاة منه والتى يظهر لنا فيها كيف خلق الله الإنسان واعتنى به وكيف هيأ الله إفتداء الإنسان بتهيئته للشعب اليهودى وعنايته الخاصة به وترتيبه له وكيف تمم الخلاص أخيرًا بتجسّده والحوادث التى تبعته من بشارة وموت وقيامة وصعود إلى السماء وإرسال الروح القدس…

 

2 – بواسطة رجال إختارهم ليحدثوا الناس عنه: فكشف لهم ذاته لكى يُنبئوا الناس عنه وعن حبه وإرادته، ولذا دعوا أنبياء، ليس فقط لأنهم تنباوا بما سوف يحدث وخاصة عن المخلّص المنتظر، ولكن خاصة لأنهم أنبأوا البشر بقوة وحرارة عن الله وما تنتظر محبته من الناس…

 

3 – وخاصة بواسطة الابن المتجسّد:

[ اَللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الآبَاءَ بِالأَنْبِيَاءِ قَدِيماً، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ،

كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ – الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثاً لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ.

الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيراً لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الأَعَالِي،

صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ ] [ عبرانيين 1: 1 – 4]..

أحبنا إلى حد أنه أراد أن يعيش بينن، كواحد من، وأن يجعل نفسه منظورًا وملموسًا منا فى الابن المتجسّد. وهكذا نلنا أعظم وأكمل إعلان عن الله لأن:

[ كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلاِبْنَ إِلاَّ اَلآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ اَلآبَ إِلاَّ اَلاِبْنُ وَمَنْ أَرَادَ اَلاِبْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ ] [ متى 11: 27 ]…

والابن نفسه حدثنا عن الآب وعن نفسه وعن الروح وكشف لنا أن الله ثالوث وأدخلنا إلى سر حياة الثالوث…

 

4 – ومن خلال المسيح بواسطة الروح القدس فى الكنيسة: كل هذا الوحى الإلهى حفظ فى الكنيسة التى أسسها الرب يسوع المسيح لتنقل إلينا بأمانة ما أوحى الله به وتفسره حسب رأى الله بإلهام الروح القدس الساكن فيها لأن:

[ أَنْ مَنْ مِنَ اَلنَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ اَلإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ اَلإِنْسَانِ اَلَّذِي فِيهِ؟ هَكَذَا أَيْضاً أُمُورُ اَللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اَللهِ ] [ 1 كورونثوس 2: 11 ]…

 

* أسئلة:

1 – كيف يكشف لنا الله نفسه فى الطبيعة؟…

2 – كيف يقودنا إلى الله، إرتباط كل ما فى الكون بأسباب؟…

3 – هل تعرف مثلاً عن النظام الذى يسود الكون: مأخوذا من الفلك؟ مأخوذًا من الجسم الإنسانى؟ مأخوذا من غرائز الحيوانات؟…

4 – كيف يقودنا هذا النظام إلى الله؟…

5 – ها تعرف معن المثل الشعبى :” إن عين الإنسان لا تشبع”؟ هل هنالك أمثلة فى حياتك أنت وحياة الناس عامة تثبت حقيقة هذا المثل؟ إلى ماذا يشير هذا التفاوت بين محدودية الإنسان وأمانيه اللامحدودة؟…

6 – كيف يكشف الله لنا ذاته فى الكتاب المقدس؟ فى حوادث هذا الكتاب؟ فى أقوال الأنبياء؟ فى الرب يسوع؟ فى الكنيسة؟…

 

 

* ملحق (1)

حين يجد الإنسان نفسه على شفير الموت، قد يشعر، أكثر من أى وقت آخر، بمحدودية كيانه، وإن كيانه هذ، وبالتالى كيان جميع المخلوقات، إنما هو مستمد من آخر. فى تلك اللحظات التى يحسّ فيها الإنسان أن الوجود يفلت منه، قد يختير بقوة أن هذا الوجود، وكلّ وجود، ليس قائما بذاته، إنما هو قائم فقط بإرادة آخر. لذا فقد تكون هذه اللحظات مناسبة للتوجّه إلى الله ولتقوية الصلة به، وفيما يلى شهادتان على ذلك:

 

النص الأول وُجد فى إحدى ساحات القتال على جثة أحد الجنود، وقد كتبه فى ليلة معركة لقى فيها حتفه، وكان النص موقعا Pv.J.J.V.

{ إسمع يا إلهى، إننى لم أكلمك قط قبل الآن…

ولكننى اليوم أريد أن أقول لك: ” كيف حالك؟”…

لقد قيل لى أنك غير موجود…

وأنا عندئذ، كأبْلَه، صدّقت ذلك…

فى الليلة الماضية، من حفرة القنبلة التى كنت فيه، كنت أرى سماءك…

لذلك تحققت جيدًا أنهم كذبوا علىّ…

لو كلفت نفسى أن أرى كلّ ما صنعت…

لكنت فهمت أنه لا يمكن أن يُنكر وجودك…

 

أتساءل إن كنت تقبل أن تصافحنى…

على كلٍ أشعر أنك ستفهمنى…

إنه لمؤسف أن أكون قد أتيت إلى هذا المكان الجهنمى…

قبل أن يتيسّر لى الوقت الكافى لأعرف وجهك…

لعمرى، أفكّر أنه لم يبق لى شئ كثير أقوله…

لكننى سعيد لأننى صادفتك هذا المساء يا إلهى…

أعتقد أن الساعة ستأتى قريبا…

لكنى أخشى منذ شعرت أنك قريب بهذا المقدار…

 

ها هى الإشارة! يجب أن أذهب يا إلهى!…

إننى أحبك كثيرًا وأريد أن تعرف ذلك…

أنظر، سوف تحدث معركة هائلة…

 

ومن يدرى، يمكن أن آتى إليك فى هذه الليلة!…

رغم أن علاقاتى السابقة لم تكن حسنة…

أتساءل إن كنت ستنتظرنى على عتبة بابك…

أنظر إننى أبكى! غريب أن أزرف أنا دموعا!

آه، ليتنى تعرّفت إليك قبل الآن بكثير!…

 

آه، يجب أن أذهب الآن: الوداع…

إمر غريب! منذ أن تعرّفت إليك لم أعد أخاف الموت }…

* ملحق (2)

أما النص الثانى فهو مقطع من رسالة كتبها الكاتب الروسى الشهير ” بوريس باسترناك” مؤلف كتاب ” دكتور زيفاجو” والحاصل على جائزة نوبل، يصف فيها لأحد أصدقائه أول ليلة قضاها فى المستشفى إثر أزمة قلبية كادت تودى بحياته…

{ فى تلك الليلة التى كانت تبدو لى آخر لحظات حياتى، كنت أريد، بأكثر قوة مما مضى، أن أخاطب الله وأقول له: يا رب أشكرك لأنك جعلت حياتى وموتى على هذا المنوال، لأن صوتك جليل بهذا المقدار، لأنك جعلت منّى فنانا مبدعا تعلم فى مدرستك أنت، لأنك  هيأتنى طيلة حياتى لإستقبال هذه الليلة. لقد كنت سعيدًا إلى حد أننى بكيت }…

 


 

3 – الإيمان والحياة

* الإستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله:

 

كشف الله عن نفسه لى هو كشف شخص لشخص…

كشف شخص الله غير المحدود لشخصى المحدود…

وهذا الكشف لا يتم إلا فى لقاء حبى بين الله وبينى…

واللقاء يتطلّب أن يسعى الشخصان أحدهما إلى الآخر…

الله يسعى دوما إلىّ لأنه يحبّنى…

ولكنه لا يكرهنى على أن أسعى إليه لأنه يحترم حرّيتى…

وكما أن الإنسان إذا أغلق قلبه دون إنسان آخر، لا يستطيع أن يفهمه ولا يحسّ حقيقة بوجوده…

هكذا بالحرىّ الإنسان الذى يعظم نفسه ويكتفى بذاته، ولا يمكنه أن يعرف الله…

 

إذً، لا يكتفى أن يفتش الإنسان بعقله عن الله ليجده…

إنما يطلب منه أن يكون قلبه مستعدًا للقاء الله…

يقول الرب يسوع:

[ طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ ] [ متى 5: 8 ]…

والنقى القلب هو الذى لا غش فيه، أى الإنسان المستقيم، المخلص، الذى يسعى إلى الحقيقة بكل جوارحه والمستعد إلى إقتبال الحقيقة ولو كانت تخالف كبرياءه وأهواءه…

هذا الإنسان مستعد قلبه للقاء الله…

 

كثيرون يعتقدون بأنهم يعرفون الله لأنهم يردّدون كلمات عنه…

ليست هذه سوى معرفة سطحية لا قيمة لها…

المعرفة الحقيقية لله لا تتم إلا فى لقاء حبى يكشف فيه الله ذاته لى…

معرفة الله فى الإنجيل تعنى محبّة الله…

أعرف الله معناه أحبه…

لأن معرفة الله لا تتم خارج محبة الله:

[ الَّذِي يُحِبُّنِي وَالَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي وَأَنَا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي ] [ يوحنا 14: 21 ]…

لذلك يقول آباء الكنيسة أن اللاهوتى هو الذى يصلّى…

إذًا أعلى شهادة فى اللاهوت لا تكفى وحدها لمعرفة الله…

المسيحى البسيط الذى يصلّى حقيقة أى يناجى الله ويرفع إليه روحه يعرف الله أكثر من لاهوتى كبير لا يصلّى بل يكتفى برصف كلام بديع عن الله…

لذا كتب القديس ” غريغوريوس النزينزى” :

{ الحديث عن الله العظيم، ولكن الأفضل أن نطهّر ذواتنا لله }…

 

* الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة:

 

كما أن معرفة الله لا تتم إلا بالإتصال الحياتى به…

هكذا الإيمان لا يكتمل إلا بالحياة…

لا يُعتبر مؤمنًا ذاك الذى يعترف بوجود الله ولكنه يتصرّف كأن الله غير موجود…

المؤمن ليس ذلك الذى ينادى بفكر الله…

إنما هو الذى يقبل الله إلها له، أى محورًا لكيانه كلّه وموجها ومسيّرًا لحياته…

بهذا المعنى يقول الله عن الذين سوف يقبلونه:

[ سَأَكُونَ لَهُم إِلَها ] [ حزقيال 11: 20 ]…

إنه موضوعيًا إلههم منذ الأزل، شاؤوا أم أبو، إنما يصبح حياتيا إلهم عندما يسلّمون إليه حياتهم كلها…

إبراهيم اعتبر أبا المؤمنين ليس لأنه اعتقد بالإله الواحد وسط شعب وثنى وحسب، بلّ لأنه أسلم حياته لله…

فقبل أن يتخلّى عن أهله وعشيرته وبيئته ومصالحه وعوائده، وأن يخرج متجها إلى مكان مجهول أعدّه الله له…

 

جوهر الإيمان، إذً، أن يصبح الله إلهى،

 أى المرجع المطلق لكل أمورى وأن أطيعه ليس فقط فى تصرفاتى الخارجية بلّ وفى أفكارى ورغباتى…

 

هذا ما تعنيه كلمة ” أرثوذكسية”…

إنها تعنى فى آن واحد ” الاعتقاد المستقيم” و” التمجيد المستقيم”…

وبهذا تعلمنا أن الاعتقاد المستقيم لا يكتمل إلا بتمجيد مستقيم…

تمجيد الله بحياتنا كلها…

[ فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ وتَشْرَبُونَ و تَفْعَلُونَ شَيْئاً فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اَللهِ ] [ 1 كورونثوس 10: 31 ]…

[ فَمَجِّدُوا اَللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ اَلَّتِي هِيَ لِلَّهِ ] [1 كورونثوس 6: 20 ]…

بهذا المعنى أيضا يقول ” فيلاريتوس” مطران موسكو:

{ لن يكون دستور الإيمان لكم إلا إذا عشتموه }…

 

** أسئلة:

1 – ما هى الاستعدادات الضرورية لإقتبال كشف الله لنا؟ ( أنظر مثلاً متى 5: 8 )…

2 – هتل يكتمل الإيمان بدون الحياة؟ هل يعتبر مؤمنا ذاك الذى يعتقتد بالله ولكنه يعيش كأن الله غير موجود؟ هل اعتبر إبراهيم أبا للمؤمنين لأنه اعتقد بالله وحسب؟…

 


 

4 – الإيمان والعلم

* هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟:

 

هذا ما يدّعيه الكثيرون من دعاة الإلحاد…

ولكن هذا الاعتقاد خاطئ من الأساس…

 

أ – لأن العلم والإيمان يعملان على صعيدين مختلفين:

 

فالعلم يهتم بربط حوادث الكون بعضها ببعض ولكنه لا يبحث فى ما هو أبعد من ذلك، أى أصل الكون والإنسان ومصيرهما ومعنى وجودهما لأن ذلك خارج عن نطاقه…

فالعلم مثلاً يصف لنا تطوّر الحياة من أبسط الكائنات حتى الإنسان ولكنه لا يبحث فى أصل المادة التى تطوّرت وفى موجّه هذا التطوّر وفى غايته…

أمّا الإيمان فيعلمنا أن الله أوجد المادة ووجّه تطوّرها وإن غاية التطوّر إيجاد كائن على صورة الله، هو الإنسان، معدّ للإشتراك فى حياة الله نفسها…

فالعلم الذى ينادى بالتطوّر لايخالف بذلك الإيمان الذى يرى فى التطوّر خطة من خطط الله لا يخالف العلم…

 

ب – لأن معظم بناة العلم الحديث كانوا مؤمنين:

 

ولنذكر على سبيل المثال ” نيوتن” الذى كان يرفع قبعته إجلالاً كلما ذُكر اسم الله…

و” كيبلر” و” فاراداى” و” باستير” و” أمبير” الذى كان يردّد أمام صديقه ” أوزانام” :

{ ما أعظم الله }…

ولنذكر بين المعاصرين ” أدينجتون” و” ماكس بلانك” و” لويس لبرنس رنجيه” من أعظم علما الذرة…

ولنذكر أيضصا كاهنين يُعتبران من أقطاب العلم الحديث: ” الأب جورج لوميتر” صاحب نظترية مشهورة فى نشوء الكون هتى نظترية التمدد الكونى…

والأب ” بيار تيار دى شردان” من أعظم العلماء والمفكرين المعاصرين وهو متخصص فى علم التطوّر نادى فى مؤلفاته بأن التطوّر لا يُفهم إلا إذا اعتبرنا الله ألفه وياؤه…

كل هؤلاء كان علمهم مدعاة لتغذية إيمانهم بالله لأنهم تطلّعوا بالعلم على عجائب الكون فرأوا فيها يد الله:

[ مَا أَعْظَمَ أَعْمَالَكَ  يَا رَبُّ! كُلّهَا بِحكْمَةٍ صَنَعْتَ. مَلآنَةٌ الأَرْضُ مِنْ غِنَاكَ ‏] [ مزمور 104: 24 ]…

 

ج – لأن الاختراعات الحديثة لا تنفى سلطة الله:

 

لأن الإختراعات البشرية الحديثة وسيطرة البشر المتزايدة على الطبيعة لا تنفى  كما يدّعى البعض سلطة الله…

إنما هى بالأحرى إشارة إلى هذه السلطة…

ذلك لأن ما يخوّل الإنسان – وهو جزء من الطبيعة – أن يُدرك مكنونات الطبيعة ويسيطر على طاقاتها بهذا المقدار العجيب، هو كون الله قد خلقه على صورته وجعله مشاركا له إلى حد ما فى سلطته على الكون:

[ وَبَارَكَهُمُ اَللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاَكْثُرُوا وَاِمْلأُوا اَلأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ ‏اَلْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ اَلسَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى اَلأَرْضِ ‏] [ تكوين 1: 28 ]…

فسلطة الإنسان على الكون مستمدّة من سلطة الله…

لذ، يجب أن تقوده ليس إلى الإنقتاح والتبجح بلّ إلى التسبيح والشكر لمن وهبه إيّاها حبًا…

هذا ما تفعله الكنيسة فى كلّ قتداس إلهى عندما ترفع إلى الله كذبيحة شكر الخبز والخمر اللذين يمثلان ليس فقط الطبيعة ولكن الصناعة البشرية كلّها التى بواسطتها تمكن الإنسان من إخراج النبات من الأرض وتحويل القمح والعنب إلى خبز وخمر…

فيقبل الآب كل ذلك محولاً إياه إلى جسد ودم ابنه…

 

*** أسئلة:

هل من تناقض بين الإيمان والعلم؟ هل صحيح أن صعود الإنسان إلى القمر وإرساله صواريخ إلى الفضاء يناقضان سلطة الله؟ أليست سلطة الإنسان على الكون مستمدة بالأحرى من سلطة الله؟ ( أنظر تكوين 1 : 28 )…

 

** ملحق (1)

شهادة إثنين من بناة العلم الحديث:

{ شاهدت الله فى أعماله وفى نواميس الطبيعة التى تثبت أن هناك حكمة وقوة مستقلين عن المادة } [ نيوتن، فلكى ورياضى إنجليزى يُعتبر من أعظم العلماء الذين برزوا فى تاريخ العلم ]…

 

{ أيها الخالق. أباركك لأنك سمحت لى أن أعجب بأعمالك. لقد أتممت رسالة حياتى بالعقل الذى أنت وهبتنيه. أذعت للعالم مجد أعمالك. فإذا كنت بأعمالى التى كان يجب أن تتجه نحوك طلبت مجد الناس فاعف عنّى لصلاحك وحنوك. أيتها الانسجامات السماوية باركى الرب. يا نفسى باركى الرب } [ كيلبر – فلكى ورياضى ألمانى – لقب بمشترع السماء ]…

 

*** ملحق (2)

شهادة رئيس الأساقفة لوقا الروسى الأرثوذكسى وهو الأستاذ والجراح الشهير الدكتور ” فوينويا سنتسكى” حامل جائزة ستالين فى الجراحة والمذكور فى الموسوعة الطبية السوفياتية الكبرى …

وفيما يلى مقطع من خطاب ألقاه سنة 1957 فى ذكرى ميلاده الثمانين:

{ … إنما أريد أن أحدثكم عن جلائل أعمال الله التى ظهرت فى حياتى. وقد علمت أن كثيرين يتساءلون كيف… بعد أن أدركت شهرة العلماء، استطعت الانصراف إلى التبشير بإنجيل المسيح. إن من يفكّر على هذا النحو يرتكب خطأ كبيرً، فهو يفترض أنه لا يمكن التوفيق بين العلم والدين. ومن كان على هذا الرأى، فهو فى ضلال مبين. فإن شواهد تاريخ العلوم تدلنا على أن عباقرة العلماء أمثال جاليلي، ونيوتن، وكوبرنيك الذى أحدث انقلابًا فى المفاهيم الفلكية باعتباره الشمس لا الأرض مركزًا للنظام الشمسى، كان راهبًا ألمانيً، ومانديل الذى اكتشف قوانين الوراثة وأسس علم الوراثة الحديث كان راهبًا تشيكوسلوفاكيًا… كانوا متدينين تدينا عميقا. كما أنى أعرف أن بين أساتذة الجامعات من معاصرينا كثيرون ممن يؤمنون، فالبعض منهم يسألوننى البركة }…

 

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: